الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السنين منذ بداية التنزيل، وهو على قراءة الجمهور وما تواتر من قراءات للقرآن بالوقف عليها ساكنة، ومن غير تحريك لآخر حرف فيها عند الوصل، وفي هذا يقول المبرد:"وفواتح السور كذلك على الوقف؛ لأنها حروف نهج، نحو الم، المر، حم، طس. ولولا أنها على الوقف لم يجتمع ساكنان. فإذا جعلت شيئاً منها اسماً أعربت."(1) والذين حركوا بعض الفواتح وليس كلها كانت قراءتهم شاذة بالاتفاق.
وكل ما زاد عن هذين القولين من أقوال وآراء تكون من باب التأويل والتوسع في بيان المقاصد، وسأفصله فيما يلي.
الباب الثاني: حصر الأقوال في تأويل الحروف المقطّعة
أما الأقوال في التأويل والتوسع في بيان المقاصد فهي بين تسعة أقوال: (2)
الأول: إنها سر القرآن ومما استأثر الله بعلمه، فتجد ما يرويه بعض المفسرين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في تفسير الحروف المقطّعة: هي مما استأثر الله بعلمه أو أنها سر القرآن. وهذا مما لا يصح وليس له سند، وقد اكتفى بعض المفسرين بذكره، وزاد البعض بجمع الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله عنهم على هذا القول من غير سند
(1) المقتضب للمبرد، ج3 ص356
(2)
قاعدة: إن رأيت في كتب المفسرين (قال فلان من علماء النحو واللغة) ونقلوه بالنص فهو من كلامه فقط وليس اختياره، وإن قالوا هذا قول فلان ولم ينقلوا عنه نصاً ففيه وجهان، الأول: أنه من سرد كلامه في معرض الحديث والتفصيل وليس بقوله الراجح، والثاني: إن اتفقوا على أنه قول فلان ولم يختلفوا فهو قوله بشرط انتفاء النقل عن بعضهم.
أيضاً (1)، وقيل إنه قول الشعبي والثوري والسند إليهم مفقود (2)، ولو صح القول عنهم فالوجه الصحيح فيه يكون بمنزلة القول (الله أعلم بتأويلها) والسر في نظم القرآن لا في معانيه.
الثاني: إنها حروف مقطّعة من أسماء وأفعال وكل حرف منها يؤدي عن معنى، وذلك تبعاً لما يروى عن ابن عباس في تأويل (الم) أي أنا الله اعلم، وفي (الر) أنا الله أرى، وفي (المص) أنا الله أفصّل، (3) وهذا الأثر ضعيف، لعلّة في السند وعلّة في المتن، ولا يُحتجّ به وإن كثر ذاكريه من
(1) ذكر القول الرازي (4/ 2) والقرطبي (154/ 1) والبغوي (59/ 1) وابن الجوزي (20/ 1) والألوسي (100/ 1) والكثير من أهل التفسير، وحكاه ابن كثير (156/ 1) نقلاً عن القرطبي، وكلهم ذكروه من غير سند، وأضاف القرطبي (154/ 1):"وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطّعة من المكتوم الذي لا يفسر." وهو في بحر العلوم للسمرقندي (47/ 1) من غير سند.
(2)
أورده السيوطي في الإتقان (21/ 2) وفي الدر المنثور (59/ 1) بأنه من رواية ابن المنذر وأبي الشيخ بن حيان الأصبهاني في التفسير عن الشعبي من طريق داود بن أبي هند عندما سأله عن الفواتح فقال: إن لكل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فواتح السور. وهذا ما أورده القرطبي (154/ 1) وأبو حيان في تفسير البحر المحيط (158/ 1) بقولهم "وهو قول الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين." والحق في هذا القول هو التوقف، لأن كلا المصدرين مفقود، تفسير ابن المنذر وتفسير الأصبهاني. وما يثير الريبة في السند ما رواه ابن أبي حاتم (32/ 1) بسند صحيح عن الشعبي عندما سئل عن الحروف قوله "هي اسم من أسماء الله مقطّعة بالهجاء، فاذا وصلتها كانت اسماً من أسماء الله." وما رواه ابن جرير (206/ 1) بسند صحيح عن السدي أن الشعبي قال بأن فواتح السور من أسماء الله.
(3)
رواه ابن جرير (208/ 1) وابن أبي حاتم (32/ 1) والنحاس في معاني القرآن (73/ 1) والدارمي في النقض على المريسي (ص147) والبيهقي في الأسماء والصفات (232/ 1) بروايات عديدة من طريق شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس، إلا في روايتين: الأولى عند ابن جرير (208/ 1) والنحاس (73/ 1) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير موقوفة عليه، والثانية عند ابن جرير (320/ 16) من طريق هشيم عن عطاء عن ابن عباس، أما الطريق الأول فقد وهم شريك كما في روايته عند ابن أبي حاتم "قال شريك أراه إلا عن أبي الضحى"، وشريك سيء الحفظ وحجة في المتابعات فقط، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عطاء (111/ 6):"وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها." وفي سير أعلام النبلاء (113/ 6) وتهذيب التهذيب (184/ 7) عن عطاء: "قال النسائي ثقة في حديثه القديم، إلا أنه تغير، ورواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة". وعليه فكل الطرق ضعيفة لعلة ظاهرة فيها، وهي الخلط الواضح عند عطاء إن سلم الأثر من وهم شريك كما في رواية ابن جرير من طريق هشيم، وأبلغ ما يصله الصحيح فيه هو الوقوف على عطاء، أما قول ابن أبي حاتم:"قال ابو محمد: وكذا فسره سعيد بن جبير، والضحاك" فمعلوم بهذا السند لا بسواه، والله أعلم.
المفسرين، "ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرف أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها"(1)، فيسقط قول من ادعى هذا وإن كان فيه وجه صحيح، لأن رواة الحديث ضعاف الحفظ وليسوا بمتهمين، وأغلب الظن أنهم نقلوا تعليقاً أو حاشية من كلام التابعين، لأن التابعين لم يكتبوا عن ابن عباس أصلاً، والتعليق بمجمله من غير نقص جاء لتأويل الحروف لا للدلالة على معناها، ومن قال بهذا الوجه فقد جعل هذا القول من باب تأويل الحروف، وأورد الحكمة منها متضمنة هذا اللفظ وإن كان فيه نقص أو ضياع في النص.
الثالث: إنها أسماء للقرآن كالفرقان والكتاب، وهذا تبع لقول قتادة إن (ألم، وطس وطسم)"اسم من أسماء القرآن"(2)، وهذا من الفهم السقيم للروايات الناقصة، فقد روي عن قتادة - بسند أصح - قوله بأنها "اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك" والقصد منه: أسماء هذه الحروف من مجمل أسماء القرآن، شرفها الله وأقسم بها، فكانت من الأسماء المذكورة فيه، وهو داخل في القول بأنها حروف مقطّعة، كما نقول اقرأ (يس) ونعني بها اسماً للسورة، ولا نقصد أن هذه الحروف كلها أسماء للسور على الإطلاق، أو نقول اقرأها ياسين (بالفتح) ونعني به اقرأها كالاسم لبيان الصواب من الإعراب فيها، وفي هذا قال ابن حجر: "عن قتادة قال: حم اسم من أسماء القرآن. وقال ابن التين: لعله يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء والميم الثانية
(1) التحرير والتنوير لابن عاشور (209/ 1) تفسير سورة البقرة
(2)
رواه ابن جرير (205/ 1) وابن أبي حاتم (584/ 2) والنحاس (75/ 1) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وهو سند صحيح، ورواه ابن جرير (205/ 1) وابن أبي حاتم (33/ 1) والنحاس (75/ 1) عن مجاهد بسند فيه موسى بن مسعود، وهو مشهور بالتصحيف (وهي آفة التفاسير)، قال في تقريب التهذيب (228/ 2):"صدوق، سيء الحفظ، وكان يصحف" وأعل سنده الألباني في الضعيفة (رقم 1659)، فهو ضعيف، وانفرد ابن جرير بروايته (205/ 1) عن ابن جريج بسند واه. وقول قتادة "اسم من أسماء القرآن أقسم به ربك" رواه ابن جرير (138/ 21) وابن أبي حاتم (391/ 10) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وسعيد أوثق الناس في قتادة كما في تهذيب الكمال (219/ 20)، وفي تهذيب التهذيب (220/ 10) " قال يحي بن معين: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاووس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا"، وقتادة بصري، فالأصح رواية سعيد لا معمر.
من ميم، ويحتمل أن يكون عيسى فتح لالتقاء الساكنين. قلت (أي ابن حجر): والشاهد الذي أنشد يوافق قراءة عيسى وقال الطبري: الصواب من القراءة عندنا في جميع حروف فواتح السور السكون لأنها حروف هجاء لا أسماء مسميات." (1)
الرابع: أنها من أسماء الله أو اسم الله الأعظم، تبعاً لما يروى عن ابن عباس بأنها قسم ومن أسماء الله، (2) ولما يروى عنه أيضاً وعن ابن مسعود رضي الله عنهما بأنه اسم الله الأعظم (3)،
(1) فتح الباري، ج8 ص554 (تفسير سورة المؤمن- غافر)، وابن التين هو الفقيه المحدث عبد الواحد ابن التين الصفاقسي (611هـ)، له كتاب في شرح صحيح البخاري، وهو من الشروح الصغيرة المفقود إلا أجزاء يسيره ومتفرقة منه ما زالت مخطوطة، وقد نقل الحافظ ابن حجر الكثير من تعليقاته النفيسة، وخاصة في مواطن الخلاف، كما نقل بعض أهل العلم في كتبهم كثيراً من آرائه، وعلمه ما زال حيّاً في بطون الكتب. انظر كتاب العمر، لحسن حسني عبد الوهاب التونسي.
(2)
رواه ابن جرير (207/ 1) وابن أبي حاتم (1437/ 5) والنحاس في معاني القرآن (74/ 1)، وعثمان الدارمي في النقض على المريسي (ص18) بلفظ (كهيعص اسم من أسماء الله)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (230/ 1) لكن باللفظ الأول مع زيادة فيه، كلهم من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال ابن حبان في المجروحين (40/ 2):"منكر الحديث جداً، يروي عن الأثبات مالا يشبه حديث الثقات، وعنده المناكير الكثيرة عن أقوام مشاهير أئمة." وذكر نهي الإمام أحمد عن الرواية عنه. وعلي بن ابي طلحة "أرسل عن بن عباس ولم يره .. صدوق قد يخطئ" تقريب التهذيب (697/ 1)، وهو صاحب صحيفة الوالبي المذكورة في كتب أهل الحديث والتفسير، والتي حدث عنها الطبري وغيره من المفسرين، وقد شكك فيها البعض واحتج بها البعض، والصواب أنه لا يحتج بها. قال الذهبي في تاريخ الإسلام (227/ 9):"تركوه حتى إن صالح بن محمد جزرة قال: حديثه كذب كله." وقال الألباني في الصحيحة (رقم 2051): "هذا سند ضعيف". وقد ذكر أهل الحديث من قصة عبد الله بن صالح وكيف كان جاره يحرف كتاباته وكان ابن صالح لا يفرق بين خطه وخط جاره. وعند ابن أبي حاتم (327هـ) عن أشهب (204هـ)، قال: سألت مالك بن أنس: أينبغي لأحد أن يتسمى بيس؟ فقال: "ما أراه ينبغي، لقوله: "يس والقرآن الحكيم"، هذا أسمي تسميت به"، (3188/ 10) وأورده من غير سند، بعدما ذكر تفسير (يس: يا إنسان) عن ابن عباس من غير سند، وقد علمنا أن الأخير موضوع.
(3)
رواه ابن جرير (206/ 1) وابن أبي حاتم (2938/ 9) من طريق شعبة عن السدي عن ابن عباس، وهذا الحديث ضعيف لا لضعف سنده فقط بل لضعف متنه، فهذا القول لا يقوله ابن عباس فيدعي علم الغيب، بل هو كلام منقطع وموقوف على السدي، وقد انفرد ابن جرير برواية هذا المتن (206/ 1) عن ابن مسعود من طريق شعبة عن السدي عن مرة الهمداني. وسبق تردد ابن جرير في السدي، وقد نقلت عن ابن حجر سابقاً قول الطبري بأنه لا يَحتج بحديثه. فهذا الأثر ضعيف السند والمتن ولا يقبله عاقل، لمخالفته أصول كلام العرب وإفصاحهم، وادُّعي فيه علم الغيب.
وحديث علي رضي الله عنه أنه قال يا كهيعص اغفر لي. (1) وهذه الآثار ضعيفة ولا حجة فيها على المعاني، ليسقط قول من ادعى بأنها من أسماء الله أو من ادّعى بأن فيها من علم الغيب شيء، وتساهل في تسمية رب العباد بما لم ينص عليه وبحروف مقطّعة، فأسماء الله وصفاته من أدق معالم التصديق والانقياد في عقيدة المسلم، ولا تهاون فيها، فقولهم مردود لأن أي من الفواتح "ليس بمذكور في أسماء الله المعدودة، ولأن أسماءه تقدست ما منها شيء إلا وهو صفة مفصحة عن ثناءٍ وتمجيد، وحم (مثلاً) ليس إلا اسمي حرفين من حروف المعجم، فلا معنى تحته يصلح لأن يكون به تلك المثابة"(2)، ويوهن هذا الفهم زيادة على وهن أسانيد مروياته، ما في الروايات من اختلاف في نقل ألفاظها. أما أقوال ابن عباس في (كهيعص) قال: كبير يعني
(1) رواه ابن جرير الطبري (141/ 18) والدارمي في النقض (ص20)، ورواه ابن ماجه في تفسيره كما في تهذيب الكمال (284/ 29) والإتقان للسيوطي (24/ 2)، ورواية ابن جرير ضعيفة جداً، فيها أبو بكر الهذلي "إخباري متروك الحديث" تقريب التهذيب (369/ 2)، ورواية الدارمي وابن ماجه رواية واحدة معروفة وإن كان تفسير ابن ماجه مفقود، فهي مذكورة في كتب التراجم لتفردها من رواية محمد بن مسلم عن نافع عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلم هو المدني، وقد أورد المزي في تهذيب الكمال (455/ 26) كلام ابي زرعة فيه أنه مستقيم الحديث، ولم أجد له ترجمة مفصلة لمعرفته، وقد روى عن اثنين لا ثالث لهما، نافع وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والأخير ضعيف جدا، ونافع هو الإمام المقرئ المعروف، ثقة إمام في القراءة، قرأ على سبعين من التابعين، وليس له في علم الحديث دراية، وهذه ليس بنقيصة، قال الإمام أحمد: "كان يؤخذ عنه القرآن وليس في الحديث بشيء .. وقال يحي بن معين ثقة
…
وقال بن سعد: كان ثبتاً." كما في تهذيب التهذيب (364/ 10) وقال عنه الذهبي في السير (337/ 7): "وما هو من فرسان الحديث
…
أما في الحروف فحجة بالإتفاق"، وضعف هذا الحديث ظاهر من رواية محمد بن أسلم والذي أظن أن لا دراية له في الحديث أيضاً، وهذا من تناقله للأخبار عن عبد الرحمن بن زيد، والضعف ظاهر أيضاً في رواية نافع اليتيمة عن فاطمة بن علي عن أبيها رضي الله عنه، فنافع لم يثبت أنه سمع من فاطمة، وهي لم تسمع من أبيها، وفاطمة لم تحدّث إلا عن أخيها محمد بن الحنفية وأسماء بنت عميس رضي الله عنها، بل قد قالت فاطمة أنها لم تسمع من أبيها شيئاً، وبين موت أبيها وموتها سبع وسبعون سنه، وقد تجاوزت السادسة والثمانون رضي الله عنها كما في تهذيب الكمال (261/ 35)، فهل يعقل أن تقول سمعت أبي يقول كذا وهي قالت لم أسمع منه شيئاً! فالحديث ضعيف بلسان فاطمة، وأغلب الظن بأن الخلل في رواية محمد بن مسلم وأنه سمع أن نافعا يقول هذا، والله اعلم، وفي رواية عند الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (287/ 2) قال علي: "يا كهيعص يا نور النور"، قال المحقق مشهور حسن آل سلمان: "إسناده مظلم".
(2)
الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري، (الحاء مع الميم) ج1 ص314
بالكبير: الكاف من (كهيعص)(1) أو"كاف هاد أمين عزيز صادق"(2)، وما في مقامها من ذكر لأسماء الله فهي صحيحة بمجموعها لا برواية دون أخرى، وكثرة الروايات واختلاف المتن من سند لآخر لا حجة فيه بمجموعها على المعاني المباشرة للحروف وإن كانت صحيحة، لأنها متناقضة ولا تتفق في الأسماء - حتى في نفس الرواية - والحجة فيها مبنية على الوجه الصحيح المقصود من مجملها وهو القول التالي.
الخامس: إنها حروف من هجاء أسماء الله، وهو الوجه الصحيح من القول السابق لتأويل الحروف، أي أنها ذات الحروف المنطوقة في أسماء الله، وكفاها شرفاً. وهذا الوجه يعضده مجموع ما روي عن ابن عباس في (كهيعص) وما جاء عنه وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب
(1) رواه ابن جرير (137/ 18) وغيره، وفي السند إسماعيل بن راشد، قال الألباني في سند جاء فيه:"هذا إسناد ضعيف معضل فإن إسماعيل بن راشد هذا وهو السلمي الكوفي من أتباع التابعين مجهول" الإرواء (حديث76/ 6 - 1640)، ويعضد السند مجموع الروايات في التالي.
(2)
رواه ابن جرير مفرّقاً بحسب الحرف ووروده في الاسم (137/ 18)، ورواه مجموعاً الدارمي في النقض (ص19) وابن الجعد (ص323) والحاكم (304/ 2) والبيهقي في الأسماء والصفات (230 - 231/ 1) بأسانيد مختلفة من طريق عطاء عن سعيد بن جبير وسالم الأفطس عن سعيد، وإسماعيل بن راشد عن سعيد كلهم عن ابن عباس، ورواه بعضهم بنفس الأسانيد من كلام سعيد بن جبير كابن جرير (138/ 18)، ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (532/ 2) بسند فيه الكلبي، ولا يكاد سند من هذه الروايات يخلو من علة، وهو صحيح بمجموع رواياته لا بإحداها دون الأخرى، كما أن المتن فيه اختلاف واضطراب عجيب من رواية لأخرى، وهذه العلة قد أخرجته من صحة الاحتجاج به على المعاني، والصحيح أن الرواة والمخرّجين جمعوا الروايات المفردة كما هو أصلها عند الطبري، وكانت للبيان والتوضيح لما كان في الحروف من إعجام قبل التنقيط، وكل حرف أتى بيانه بلفظ منفصل، وهو الوجه الصحيح الوحيد فيها، وإذا لم نأخذ به رددنا الروايات وضعفنا ما هو صحيح كما قال الشوكاني في فتح القدير (324/ 3) بعد ذكر هذه الروايات:"يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، وردّ العلم في مثلها إلى الله سبحانه"، ولو أخذنا بها للمعاني لكذّبنا الأئمة الرواة، لأنهم نقلوها بالمعاني ولم يراعوا فيها اللفظ بعينه، ولذلك لن تجد لها ذكراً في كتب المحققين من المفسرين كابن كثير، وهي صحيحة ويعلمون أنها صحيحة، ولكنهم لم يجدوا الوجه الصحيح فيها فسكتوا عنها.
النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أما "ألم" فهو حَرف اشتُقَّ من حروف هجاء أسماء الله جلّ ثناؤه." (1) وإن كان ضعيفاً، أي أنها ذات الحروف المنطوقة في أسمائه، ويبينه ما روي ابن عباس "في قوله: الم وحم ون، قال: اسم مُقطَّع" (2) أو "(الر)(حم)(ن) حروف الرحمن مقطّعة"، والحجة فيها ليست على
(1) رواه ابن جرير (208/ 1) والحاكم (286/ 2) وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (232/ 1) من طريق أسباط بن نصر عن إسماعيل السُّدِّي، قال محقق التفسير أحمد شاكر:"هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري، إن لم يكن أكثرها، فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد. وقد عرض الطبري نفسه في (ص 121 بولاق، سطر: 28 وما بعده)، فقال، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد: "فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كان بإسناده مرتابًا. . . . " ولم يبين علة ارتيابه في إسناده، وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به. ولكنه لم يجعلها حجة قط." قلت: والمرتاب فيه هو السدي لما نقله ابن حجر عن الطبري في تهذيب التهذيب (274/ 1)"وقال الطبري لا يحتج بحديثه"، وإن كان هناك خلاف في أسباط بن نصر بين تضعيفه وتوثيقه فقد "خرج له البخاري في تاريخه، ومسلم والأربعة. وتوقف الإمام أحمد في الرواية عنه" الأعلام للزركلي (292/ 1)، وهو سند من طرق مختلفة كلها عن السدي، والأولى أن توقف عليه لأنها مما انفردت به التفاسير عن السدي كما أسلفت. وللشيخ أحمد شاكر في هذا السند بحث جليل في تحقيق الطبري، وقد مال فيه لتصحيح السند كما فعل الحاكم والذهبي، لاعتباره تفسير السدي المكتوب عنه والمسنود بهذه الطرق ورواه عنه أسباط، والحق أن نتوقف فيه.
(2)
رواه ابن جرير (208/ 1) وابن ابي حاتم (32/ 1)، وفي الإسناد عباس بن زياد الباهلي وقد قيل بأنه مجهول، قال أحمد شاكر عنه في تحقيق الطبري:"لم أجد له ترجمة"، قلت ولي في هذا رأي، فالسند عند ابن جرير وابن أبي حاتم فيه خلل واضح، وهو ان ابن جرير قال: حدثنا محمد بن معْمَر، قال: حدثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعند ابن أبي حاتم: حدثنا عياش بن زياد الباهلي، قال حدثنا شعبة، وفي رواية أخرى عنده ذكر: عياش بن زياد أنبأ يعلى ثنا شعبة، والخلل واضح في (عباس وعياش) و (الباهلي وأنبأ يعلى) وهي من التصحيف الواضح، وما ينصر هذا الرأي أن المحدث محمد بن معمر وهو ثقة روى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن، له تسعة وعشرون شيخاً حدث عنهم كما أوردهم المزي في تهذيب الكمال، منهم واحد فقط ضعيف والباقون إما من رجال الصحيحين أو إحدى الصحيحين والسنن، ومحدث مثله لا يحدث عن مجهول، وبالنظر إلى شيوخة نجد بينهم حبّان بن هلال الباهلي، وهو حافظ ثقة ثبت من رجال الصحيح والسنن، وقد حدث عن شعبة وكان من تلاميذه، ولا يكاد يُذكر في كتب المحدثين إلا ويشيرون إلى اسمه بقولهم (بفتح الحاء وتشديد الباء)، ولعل التصحيف قد حصل في النقل من صحيفة الحافظ أبو حاتم محمد الرازي الذي سمع من محمد بن معمر، ورواها عما كتب ابنه عبد الرحمن وابن جرير، وسبب التصحيف ظاهر لغرابة الرسم ولتغير اللفظة في المكتوب، ومثل احمد شاكر لا يغفل عن هذا، ولكنه كما أورد في مكان آخر لم يطلع على تفسير ابن ابي حاتم، ولذلك لم يقارن فلم يتنبه للتصحيف، وعليه فالحديث صحيح السند، ويعضده ما رواه ابن جرير (10/ 15) بسند حسن من حديث عكرمة عن ابن عباس أنه قال:(الر)(حم)(ن) حروف الرحمن مقطّعة، ورجاله ثقات غير علي بن الحسين بن واقد صدوق يهم، ورواه بنفس السند من طريق عباس بن هلال هذا، ويعضده أيضاً أقوال بن عباس في كهيعص. وروى ابن أبي حاتم (32/ 1) عن سالم بن عبد الله قوله ": الم، وحم، ون، ونحوها: اسماء الله مقطّعة "، وفي سنده حسين بن عثمان المزني وهو مجهول.
التأويل بل على المعاني الظاهرة وأنها حروف مقطّعة وهو قول الجمهور، والمتن لم يزد عن المكتوب في القرآن شيئاً، لأنه كان بياناً للمكتوب، فكل الحروف المقطّعة من مفردها إلى خمستها أخذت حكم الأسماء المقطّعة في الكتابة، فهذا حكمها لا تأويلها وليست بدليل على قول من ادعى بأنها أسماء مقطّعة ويجب أن نجمعها لنفهمها. ولا ننسى بأنها كانت في زمانهم حروف معجمة (مبهمة) من غير تنقيط، وخير بيان لها هو بذكر أشرف الأسماء الظاهرة فيها، ويدل عليه ما جاء في الروايات من قوله في كهيعص هذا الحرف من ذاك الاسم، باختلاف الاسم مع الاتفاق على ذكر الحرف فيه، وهو ذات المعنى في الظاهر كما أسلفت، ويتماشى مع قولهم بأنها اسم، أي تقرأ كالاسم ولا تصرف، وكل هذا لبيان القراءة ومطابقتها مع الكتابة في القرآن، وفي هذا القول إشارة عظيمة سآتي على ذكرها عند الكلام عن دلالات الإعجاز.
السادس: ما قاله التابعون بأنها فواتح يفتتح الله بها القرآن (1)، وزاد بعضهم بأنها فواتح لقرع الأسماع وتنبيه لمغايرتها عرف العرب، (2) ويخرج من هذا القول من قال بأن هذه الفواتح علامة
(1) رواه ابن جرير (205/ 1) وابن أبي حاتم (33/ 1) والنحاس (75/ 1) عن مجاهد بسند صحيح، وعزاه في الدر المنثور (57/ 1) لابن المنذر وأبي الشيخ بن حيان، وفي رواية عند عبد الرزاق في المصنف (376/ 4) وابن أبي حاتم (2838/ 9) عن الحسن البصري بسند ضعيف جدا. وقال النحاس في معاني القرآن (76/ 1) بأن أبا عبيدة معمر بن المثني والأخفش قالا:"هي افتتاح كلام"، وهي عندهم في مجاز القرآن للأول (28/ 1) ومعاني القرآن للثاني (21/ 1).
(2)
انظر ابن جرير الطبري (210/ 1)، وقال النحاس في معاني القرآن (76/ 1) أن القول بأنها فواتح هو اختيار المبرد، ونقل قول المبرد "روي عن بعض أهل السلف أنه قال: هي تنبيه"، ونقل قول قطرب بأنها تنبيه لمخالفتها المعروف من الكلام، واختاره النحاس بمجموع القولين إنها فواتح وتنبيه، وقال هو الأبين بين الأقوال (77/ 1)، وقال ابن الجوزي في زاد المسير (21/ 1) بأنه قول أبي روق عطية بن الحارث الهمداني (من صغار التابعين وله تفسير)، وقد أورد أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (47/ 1) كلاما لقطرب (206هـ) في هذا المعنى، وقطرب نحوي عالم بالأدب واللغة وتلميذ لسيبويه، وذكره الرازي (10/ 2) وقال بأنه قول قطرب ومال إليه كتأويل وانتصر له، وقد ذكر قبلها بأنه "قول ابي روق وقطرب" (7/ 2).
انقطاع بين السور، وعلامة ابتداء لسورة أخرى كما كان العرب يقولون في بداية أشعارهم (بل) و (لا بل)، فهذا الاستدلال باطل، وقد قال به من ردّ على القائلين بأن هذه الحروف إن كانت فواتح فهي بلا معنى، فاستشهدوا بفواتح الشعر وبغيرها من الشواهد كما قال الأخفش بعد ذكر الشواهد:"فهذا يدل على أن الوجه الأول (أي أنها فواتح) لا يكون إلا وله معنى. لأنه يريد معنى الحروف"(1)، فلا نحمل التابعين ما لم يقولوا، فقد قالوا بأن الحروف التي هي فواتح السّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه، ولم يزيدوا ولم يشرحوا بأكثر من ذلك (2). ومن قال بهذا القول فلا بد له من تفسيرها كحروف مقطّعة كما فعل قطرب والأخفش، وقد سبق قولهم بأنها حروف مقطّعة لا أسماء للسور، وكذلك فعل النحاس - وهو اختياره- فقال:"ثم يتأوله أهل النظر، على ما يوجبه المعنى"، وفي هذا القول وجه حسن سآتي على ذكره لاحقاً.
السابع: ما قاله أهل البلاغة بأن فيها إعجازاً في النظم لكونها بالمجموع تمثل نصف حروف الهجاء، وتحتوي على أنصاف صفات الحروف للدلالة على باقي الحروف، (3) وعدم الحجة في هذا القول أنّ فيه إلزاماً لسماعها بعد جمعها، وهذا بعيد عن إقامة الحجة على سامعيها الأوائل،
(1) معاني القرآن للأخفش (22/ 1)
(2)
قال النحاس في معاني القرآن (77/ 1) إنهم لم يشرحوا لأنّ الشرح والإسهاب ليس من مذهب الأوائل. وقد قام الأخفش بهذا الربط ليرد على من قال بأن الحروف إن كانت فواتح افتتح الله بها فهي إذن من غير معنى، وأخذ المفسرون عنه أن كلا القولين واحد، وليس كذلك، وقد سبق قول الأخفش فيها، لذلك مال الرازي لهذا القول لأنه من الردود على من قال بأن الحروف لا معنى لها، فغاية التقرير عنده كانت تجميع الردود لا بيان التأويل، ولذلك خالف الجمهور باختيار القول بأسماء السور.
(3)
كما قال القاضي الباقلاني (ت403هـ) في الإعجاز (ص66)، وأورده الزمخشري (ت538هـ) في الكشاف (29/ 1) ولم ينسبه، وزاد عليه شبهة لم يتنبه إليها الكثير من العلماء، وسآتي على تفصيل القول فيه لاحقاً، وقد تناقله علماء التفسير عن الزمخشري، وهو قول القاضي أبو بكر الباقلاني لسان هذه الأمة في زمانه، وقد أنكر هذا القول بعض العلماء كالشوكاني وقال بأنه تدقيق لا يأتي بفائدة (30/ 1)، وقد علمنا أن فيه فائدة عظيمة، فلا يلتفت لإنكاره. والقول بأن ذكر بعضها يدل عليها قول لقطرب كما نقل عنه ابن عطية في المحرر الوجيز (82/ 1) قوله "فقوله {الم} بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفاً" وسآتي على بيان الفائدة في مكانها.
ومن قال به وجب عليه الاعتراف بتفسيرها كحروف، إذ هو وجه الإعجاز فيها عنده، وهذا القول فيه وجه حسن على الدلالة في نظم الحروف كما سأبين عند الحديث عن الإعجاز في دلالات الحروف.
الثامن: ما قاله المحققون بأنها من حروف المعجم أساس نظم القرآن، وجاءت إعجازاً للعرب عن صياغة مثله بها (1)، وهو كما قال قطرب:"هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم"(2)، وهذا التحدي المزعوم في كلام المحققين قد أتى في القرآن ظاهراً بالنص، فلا يكون التحدي بذكر الحروف فقط، ومن قال بهذا الرأي فقد فسّرها كحروف، وهو ما اختاره ابن كثير وجمع غفير من المحققين، وفي قولهم هذا وجه حسن سآتي على ذكره عند الحديث عن تأويل الحروف وما فيها من دلالات على الإعجاز في النظم.
التاسع: الوجه الصحيح من هذه الأقوال ومما جاء في الآثار وقفاً على التابعين أو نقلاً عن ابن عباس وغيره من الصحابة، بصورة مكملة لبعضها، وتتماشى مع المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بتناسق مع نظم القرآن وما فيه من إشارات ودلالات على الإعجاز كما يليق به ككتاب منزل من الله، لا كما جاء في كثير من الروايات من تناقض بين بعضها من جهة، وبينها وبين أقوال أهل العربية من جهة أخرى، وهذا الوجه الصحيح يشتمل على أقوالهم جميعاً من غير تناقض، ومن غير مخالفة للمعقول والمنقول الصحيح، ولا سبيل لمعرفة هذا الوجه إلا بالاستقراء وتدبر القرآن،
(1) نقل ابن الجوزي (21/ 1) هذا القول من كلام قطرب والفراء، وقال الرازي (7/ 2):"قاله المبرد (ت286هـ) واختاره جمع عظيم من المحققين"، وكذا قرر الباقلاني فيما نقله عنه الزركشي وقال "وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق" البرهان (167/ 1). وذكر الشنقيطي (166/ 2) قول الرازي أنه قول جمع من المحققين ونقل عن ابن كثير أنه قول ابن تيمية والمزي وأبو العباس ابن تيمية. وهو اختيار البقاعي في تفسيره (33/ 1) واختيار علماء الأزهر في المنتخب عند تفسير الم البقرة.
(2)
ابن عطية، (82/ 1) تفسير سورة البقرة.