الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قضيت هذه الدار إذا عملتها وأحكمت عملها" (1)، وكل ما اقتضاه البناء فهو من جملة الإحكام والتمام.
ولكن قبل الخوض فيها يجب علينا أن نتيقن بأن الثابت بعبارة النص وهو ما جاء السياق لأجله، هو المعنى الذي قلناه في هذه الحروف وهو الأصل والتفسير الحق، قبل الانتقال لتأمل هذا النص ابتغاء تأويله وبيان مقاصده، ونبدأ ببيان المقاصد الواقعة بالإشارة في ذكر هذه الحروف بالتأمل في معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان وربطه مع الإشارات في الآيات التالية لها في السور، لتتوضح الإشارة بتناسقها مع سواها، فتتم بمجموعها البلاغة المعهودة في كلام الله ويظهر فيها الإعجاز كما هو الحال في آيات القرآن كله.
الباب الأول: معرفة واقع التنزيل
لمعرفة هذه الإشارة يجب الوقوف على واقع العرب المتلقين عند نزول الحروف، وذلك بالرجوع لما ورد في القرآن لوصف حقيقة واقعهم، ولما وصلنا من مرويات وما تحصل لنا من علم بالتاريخ والآثار، مع التدقيق على كل ما له صلة بالقرآن والكتابة بشكل خاص، لكون الحروف على أصلها دالّةٌ على الكتابة والكتاب. وأهم صفة لهم تظهر واقعهم في زمن الخطاب هي الأمية كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] وقوله صلى الله عليه وسلم "إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"(2)، فهذا وصف
(1) لسان العرب - مادة قضي
(2)
رواه الإمام أحمد (43/ 2) والبخاري (28/ 3) ومسلم (759/ 2) وابو داود (709/ 1) والنسائي (139/ 4) وابن ابي شيبة (497/ 2) والبيهقي في السنن (250/ 4) وابو عوانة (173/ 2).
حال، لنفهم الذكر كما فهمه العرب المخاطبون. والأمّيّ كما يقول في لسان العرب: "الذي لا يَكْتُبُ، قال الزجاج: الأُمِّيُّ الذي على خِلْقَة الأُمَّةِ لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّتِه، وفي التنزيل العزيز: ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِيَّ؛ قال أَبو إسحق: معنى الأُمِّيّ المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه
…
وفي الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُب ولا نَحْسُب؛ أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفي الحديث: بُعِثتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّة؛ قيل للعرب الأُمِّيُّون لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَديمة؛ ومنه قوله: بَعَثَ في الأُمِّيِّين رسولاً منهم." (1)، فالأمّيّ " في كلام العرب: الذي لا يحسن الكتابة. وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف الكتابة ولا القراءة." (2) وقد علمنا بأن لهذا الأمّيّ حالات - وكلهم فصيح بلسان القوم- أمّي لا يعرف الكتابة، وأمّي بالنسب لأهل الأمّية، "فقيل نسبة إلى الأم لأن الكتابة مكتسبة فهو على ما ولدته أمه من الجهل بالكتابة وقيل نسبة إلى أمة العرب لأنه كان أكثرهم أميين." (3) وهنا يلزمنا ذكر حقيقة مهمة، وهي: أنه ما من أمة من الأمم غير العرب في ذلك الزمان، إلا وكانوا من أهل الكتب والكتابة، وهذه حقيقة ثابتة من ناحية النقل في كتب السير وعلم الآثار والتاريخ الحديث، فالفُرس لهم كتب والروم لهم، وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) لهم، وأهل مصر وأهل الهند والسند لهم، حتى من سبقهم من العرب كالحميريين والثموديين وقوم عاد والأنباط، ومن سبقهم من غير العرب كالصينيين واليونانيين
(1) لسان العرب - مادة امم، وأبو إسحاق هو الزجاج (ت311هـ) عالم بالنحو واللغة وتلميذ المبرد، وصاحب كتاب معاني القرآن وإعرابه.
(2)
القاموس الفقهي لسعدي ابو حبيب - أمم
(3)
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي - الألف مع الميم وما يثلثهما.
والمصريين والفينيقيين وأهل بابل من السومريين، إلّا عرب الجزيرة في ذلك الزمان. وقد وصَلنا ما كتبته تلك الأمم، سواء ما كان على الشواهد أو ما حُفظ في الكتب وما نقش على الجدران، لنعلم واقع العرب في ذلك الزمان، ولم يقتصر الأمر على الأمية، بل كان علم الكتابة فيهم وضيع وعديم لا يكاد يذكر، لا كما كان في الأمم حولهم، وهذا ما أثبته العرب أنفسهم وأثبته علم الآثار، فتكاد لا تجد من آثار عرب الجزيرة ما يتعدى أصابع اليد من نقوش، والهدف من البحث عنها أصلاً ما كان إلا لإثبات أصل الحروف العربية الحالية، بل وتجد في كتب علماء المسلمين من النسّابة ذكر من كان يعرف الكتابة بين العرب بالاسم! وكيف تعلموه وأين تعلموه. فأي واقع هم فيه؟ هذا من باب، ومن باب آخر كانوا أفصح الناس لساناً، لما كان في لغتهم من أصول ليست في غيرها من لغات الأمم من تصريف وإعراب وأساليب في البيان والتصوير، فكانت لغتهم أوْلى اللغات بحمل كتاب الله لهذا السبب ولأسباب عديدة، منها مثلا "أن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: {وإما تخافَنَّ مِن قوم خِيانةً فانْبذْ إليهم عَلَى سواء} [الأنفال: 58] لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أَوْدِعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: (إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء) "(1)، والبلاغة في الشعر عندهم كانت مقياساً للشرف، كمقياس العلم في الأمم الأخرى، وفي هذا قال الجاحظ: "وليس في الأرض أمّةٌ بها طِرْق أَوْ لها مُسْكَة، ولا جيلٌ لهم قبضٌ وبسْط، إلاّ ولهم خطّ، فأمّا أصحاب الملك والمملكة، والسلطانِ والجِباية، والدِّيانة والعبادة، فهناك الكتابُ المتقَن،
(1) ابن فارس - الصاحبي في فقه اللغة ص13
والحساب المحكَم، ولا يخرج الخطُّ من الجزْم والمسنَد المنمنم والسمون كيف كان
…
فكلُّ أمّةٍ تعتمدُ في استبقاءِ مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضربٍ من الضروب، وشكل من الأشكال
…
وكانت العربُ في جاهليَّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفَّى، وكان ذلك هو ديوانها، وعلى أنّ الشعرَ يُفيد فضيلةَ البيانِ، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلةَ المأثُرة، على السيِّد المرغوبِ إليه، والممدوحِ به
…
فقال بعض من حضر: كُتُبُ الحكماءِ وَما دَوَّنت العلماءُ من صنوف البلاغات والصِّناعات، والآداب والأرفاق، من القرون السابقة والأمم الخالية، ومن له بقيَّة ومن لا بقيّة له، أبقى ذكراً وأرفعُ قدراً وأكثر ردّاً، لأنَّ الحكمةَ أنفعُ لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، وأحسنُ في الأحدوثة، لمن أحبَّ الذكر الجميل .. والكتبُ بذلك أولى من بُنيان الحجارة وحِيطان المدَر؛ لأنَّ من شأن الملوك أن يطمِسوا على آثار مَن قبلَهمُ، وأن يُميتوا ذكرَ أعدائهم." (1) ويقول الخفاجي:"لم يكونوا أهل تعليم ودرس، ولا أصحاب كتب وصحف، ولا يعرفون كيف التأديب والرياضة، ولا يعلمون وجه اقتباس العلم والرواية. وفي كلامهم من الحكم العجيبة، والأمثال الغريبة، والحث على محاسن الأخلاق، والأمر بجميل الأفعال، ما إذا تأملته غض عندك ما يروى عن حكماء اليونانيين."(2) بذلك يكون إعجازهم بالنظم في مهد ما يفتخرون به ويقيسون عليه بلاغة القول ونظم الكلام، كما في إعجازهم بحفظ القرآن في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وليس بشعر يوزن وقد "كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك"(3)، ومن هنا نعلم لماذا نزه الله رسوله صلى الله عليه وسلم عن نظم الشعر بقوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ .. الآية 69 يس} فقد "كان رسول الله صلى عليه وسلم لا
(1) الحيوان للجاحظ، ج1 ص71
(2)
سر الفصاحة للخفاجي، ص54
(3)
جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج1ص296
يقول الشعر ولا يزنه" (1)، ونظم الشعر ووزنه وحفظه ليس نقيصة بل هو صنعة القوم وفخرهم، وكذلك ما سبق في قوله صلى الله عليه وسلم "نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نحسب"، فليست بفخر، بل هي وصف حال، لنفهم الذكر كما فهموه.
(لطيفة: "روي أن المأمون قال لأبي علي المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني منه بشيء، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر. فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعاً وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتابة." (2))
والبلاغة في اللغة العربية معلومة علم اليقين لما وصلنا من أشعار العرب، وما فيها من بلاغة قبل الإسلام وبعده وما ورثناه نحن منهم، أما انحطاط كتابة اللغة، وانحطاط حروفها قبل الإسلام، فمعلوم علم اليقين لما توصل إليه علم التاريخ ومقارنة اللغات، من قلة الشواهد التاريخية للغة العربية وانعدام الكتب عندهم، وما كانت عليه حروفهم الكتابية (لا الصوتية) من إبهام وما كانوا يصفونها به، فقد سميت حروف الكتابة عندهم بحروف المعجم، ومعجم من عجم، "العُجْمُ والعَجَمُ: خِلافُ العُرْبِ والعَرَبِ" (3)، "وأعرب الرجل: أفصح القول والكلام" (4)، وفي
(1) تفسير القرطبي (51/ 15) تفسير سورة يس، وروى ابن جرير (549/ 20) بسند صحيح من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً من حديث عائشة في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قال الشعر جعل أوله آخره وآخره أوله. ورواه عبد الرزاق في التفسير (86/ 3) من حديث معمر عن قتادة.
(2)
تفسير القرطبي، ج15 ص54
(3)
لسان العرب - مادة عرب
(4)
العين - مادة العين والراء والباء معهما.
ذلك يقول الخفاجي: "أما قولهم للحروف التي في لغة العرب حروف المعجم، فليس بصفة للحروف، لأن ذلك يفسد من وجهين؛ أحدهما: امتناع وصف النكرة بالمعرفة، والثاني: إضافة الموصوف إلى صفته، والصفة عند النحويين هي الموصوف في المعنى، ومحال أن يضاف الشيء إلى نفسه" وبين أن المعجم لا يأتي بمنزلة الإعجام "لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ المعجم
…
بل يجوز أن يكون التقدير: حروف الخط المعجم؛ لأن الخط العربي فيه أشكال متفقة لحروف مختلفة عجم بعضها دون بعض ليزول اللبس. وقد يتفق في غيرها من الخطوط أن تختلف أشكال الحروف فلا يحتاج إلى النقط؛ فوصف الخط العربي بأنه معجم لهذه العلة. وقيل: حروف المعجم، أي حروف الخط المعجم كما يقال: حروف العربي؛ أي حروف الخط العربي." (1)
فالإعجام عكس الإعراب والإبانة والإيضاح، ويطلق على ما لا يفصح ولا يبين القول، كوصفهم لكل من لم يتحدث بلسانهم أعجميّ، والحروف معجمة لأنها مبهمة عند قارئها، فلا تعرف النون من الباء ولا الدال من الذال مثلاً، وهي لا تماثل الحروف الصوتية، واختلف في عددها بين خمسة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر، والصحيح عندي أنها خمسة عشر للشواهد التاريخية، ولو لم تكن مهملة ومعجمة لما اختلفنا على عددها.
(1) سر الفصاحة للخفاجي ص24 - 25، وقد ذكر ابن منظور في لسان العرب أقوال أهل العربية في هذا الباب بتوسع أكبر، ولمن أراد البحث فليراجع مادة (عجم) في اللسان، أما قول الخفاجي فقد انتصر له بإبطال ما سواه وقال بعده "وليس يمكن أن يعترض على هذا القول بأن يدعى أن وضع كلام العرب قبل خطهم، وأن التسمية كانت لحروفه بحروف المعجم من حين تكلم به، لأن قائل هذا يحتاج إلى إقامة الدلالة على ذلك، وهي متعذرة لبعد العهد، وفقد الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة ذلك، لا سيما إثبات التسمية لهذه الحروف بأنها حروف المعجم قبل وضع الخط وكلما يروى من ابتداء وضعه، وأنه خرج على ما قيل من الأنبار، وما يجري هذا المجرى فليس يثمر ولا الظن"، أما من استشهد بقولهم أعجمت الحروف بمعنى نقطتها وأظهرتها فليس بدليل لأنه لفظ حادث.