المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال - القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور

[إياس آل خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطّعة من فواتح السور

- ‌دعاء

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌الفصل الأول: تصفية الأذهان مما شاب تأويل الحروف من أوهام

- ‌الباب الأول: مسالك المتحدثين في فواتح السور

- ‌الباب الثاني: أسباب تدعوا لفهم القرآن

- ‌الباب الثالث: سبب الخلاف في تأويل الحروف ومسببات الخلاف

- ‌الفصل الثاني: الحروف المقطّعة بين التفسير والتأويل

- ‌الباب الأول: حصر الأقوال في تفسير الحروف المقطّعة

- ‌الباب الثاني: حصر الأقوال في تأويل الحروف المقطّعة

- ‌الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح

- ‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال

- ‌الفصل الثالث: إشارات الإعجاز في فواتح السور

- ‌الباب الأول: معرفة واقع التنزيل

- ‌الباب الثاني: استقراء السور لمعرفة الإشارات من النص

- ‌الباب الثالث: إشارة الإعجاز في الحروف وموافقتها لمجمل الإشارات

- ‌الفصل الرابع: دلالات الإعجاز في فواتح السور

- ‌الباب الأول: دلالات الإعجاز وأوجه التوافق مع فهم القرآن بحسب أصول التفسير

- ‌الباب الثاني: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على لغة القرآن

- ‌الباب الثالث: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على الكتابة بالحروف العربية

- ‌الباب الرابع: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على اللفظ العربي لكلمات القرآن

- ‌الفصل الخامس: بيان أسباب التحريف في الكتب المقدسة السابقة

- ‌الباب الأول: الأسباب الخفية للتحريف (الأسباب الأساسية)

- ‌الباب الثاني: الأسباب الجلية للتحريف (الأسباب الفرعية)

- ‌الفصل السادس: الدليل والبرهان على ما في الحروف من إعجاز في نظم البيان

- ‌الباب الأول: محاولات فهم النص بحسب النظم

- ‌الباب الثاني: استقراء بعض قواعد النظم في سور الفواتح

- ‌الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم(راية الإعجاز)

- ‌الملحق الأول - نقوش ما قبل الإسلام

- ‌الملحق الثاني - نقوش ما بعد الإسلام

- ‌قائمة المراجع

- ‌الفهرس

الفصل: ‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال

ابن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقهم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به." (1) وهذا الخطأ ليس بنقيصة في حقه ولا في حق غيره، لأن الغاية عندهم كانت أسمى وأعظم، وهي نقل المعلومة إلينا كما سمعوها من غير زيادة أو نقصان أو حتى تغيير، سواء كانوا من أهل القراءات أو من أهل الحديث وأهل اللغة، ومنهم من كان مقرئاً ومحدثاً وإماماً، وكان يحكم على القراءات وهو عالم بالرجال فصيح اللسان، ومنهم من كان من فرسان علم دون سواه ولا يشق له غبار فيه، وهي بالتالي علوم يكمل بعضها بعضاً، ولا ينقض بعضها بعضاً بأي حال من الأحوال، ليستبين لنا أن شرط التأويل السابق الذي شرطه العلماء بأن يوافق التأويل مجمل القرآن وعلومه، كما يوافق الحديث وعلومه، هو شرط صحيح كما هو شرط الموافقة لما تبين وصح من علوم العربية وأصولها، ولا يكون هذا الشرط على إطلاقه بأن يكون المفسر عالماً بكل هذه العلوم فهذا من المستحيلات، وما لا يدرك بعمر واحد، ولكن المراعاة والموافقة هي المشروطة بينها.

‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال

أما من قال بأن هذه الحروف تحمل في معانيها من كل قول من الأقوال السابقة شيئاً، وأن هذه الأقوال بمجموعها تدل على المعاني الواسعة للحروف، فهذا وهم، وهو من عدم التفريق بين التفسير والتأويل، وهذا الخلط هو المنبع الأساسي لشبهة لغوية وأخت لها فقهية، أما اللغوية فقد كانت خفيه، وأتت متأخرة نظراً لتأخر ظهور المدرسة الرمزية في الفنون والآداب، والتي يقاس المتمكن فيها على بعد المسافة أو قربها من المعاني المباشرة لكلمات نصوصه أو منتجاته الفنية، والشبهة هي قول بعض المتّبعين للرمزية المبهمة أو بعض المشككين في الرمزية، أن الكلمات لا

(1) تهذيب الكمال للمزي (40/ 16) ترجمة الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة

ص: 93

تحمل المعاني وإنما السياق من يفعل، واستدل أصحاب هذه الشبهة بكلمات كثيرة منها قوله تعالى في سورة (ص){وظن داوود} ، فقالوا جاءت ظن بمعنى علم وأيقن، وهذا من سوء فهمهم لمقاصد القرآن - وهذه الآية من مفاصل البيان لما في الحروف المقطّعة من تأويل وإيضاح للمقاصد، كما سيظهر عند الحديث عن إشارات الإعجاز فيها - فالظن هو "التَّرَدُّدُ الراجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقَادِ الغيرِ الجازِمِ"(1)، و"يدلُّ على معنيينِ مختلفين: يقين وشكّ" (2)، "إلّاَ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ، إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلَاّ علم" (3)، وقد جاءت المعاني الثلاث: الشك والظن واليقين في نفس السورة وفي نفس السياق بقوله تعالى (بل هم في شك من ذكري) وبعدها بآيات في سياق الرد عليهم جاءت (وظن داوود) فإن نظرت بعين التدبر وجدت أن (بل) من الله تفيد اليقين والعلم التام، و (هم في شك) تفيد الريب والاتهام، وهو نقيض اليقين التام، والظن بينهما وهو إلى اليقين أقرب. وكذلك كل كلمة في اللغة تحمل معنى أوحد بذاتها تدل عليه بظاهرها، منفردة به عن سواها كما هو الحال في هذه الحروف، لأنه بانعدام هذه الحال تختلط الوظائف اللغوية للكلمات، مما يسبب نقل معنى النص المحتوي على الكلمة ليكون محتوياً على رمز مبهم، وبالتالي نقر بوجود الإبهام والإعجام في القرآن إن قسناه على غيره من النصوص، وذلك لانعدام الرابط بين المدلول اللغوي وأداة الكلام المستعملة، ولا أعني مطلق الرمز وما بنيت عليه الرمزية، فهي مذهب واسع وبحر زاخر لا مجال للخوض فيه هنا، ولكنني أقول: حتى أرباب الرمزية في النصوص النثرية والشعرية لم يجيزوا استعمال الرمز اللغوي منفصلاً عن دلالته اللغوية بشكل تام، وإن حسنوا بعد المسافة الدلالية للرمز عن المعنى

(1) القاموس المحيط - الظن

(2)

مقاييس اللغة - ظن

(3)

لسان العرب - مادة ظنن

ص: 94

المباشر، لأن الانفصال يفقد السياق عنصر المعرفة ويذهب به إلى الإبهام التام، وهو ما لا سبيل لمعرفته إلا بكونك القائل، وهذا نقيض الرمزية أصلاً، إذ هي في الأساس قامت على الإيحاء بما لا تستطيع المعاني المباشرة ولا التراكيب التقليدية أن توصله من المخاطب إلى القارئ والسامع، ولو لم تكن هناك علاقة بين المعنى والدلالة لجاز لنا استعمال الكلمات اليونانية في نص نخاطب به العرب، ولو جاز لنا ذلك وقال البعض بجوازه لقلنا هو رأيكم ولكن لا حجة لكم على المخاطبين إن لم يفهموا، بل أنتم ملومون، لأنكم قصدتم الإعجام والتعمية والإبهام، فرموزكم تستعمل في الفنون، ونقرها نحن في الأحلام لا في البيان والأحكام وما تقتضيه من إيضاح وإفصاح وإفهام، ولو كان جبران خليل جبران أو بودلير (الشاعر الفرنسي رائد الرمزية في العصر الحديث) نذير قوم لما قالا بيتاً فيه الربيع والحزن، وقصدا بهما النصر والهزيمة، ليس لاستحالته رمزياً ولكن لأن الكلمات تحكمها المقاصد الفعلية من الكلام، ويُظهر صدق غايتها وسوية قائلها السياق، والسوي ينأى بنفسه عن السفاهة والكذب الظاهر. ولهذا السبب أنكر كثير من العلماء القول بالرمزية في القرآن، لأنها تعبّر عن مذهب فكري ومدرسة أدبية لا حدود لها، بل هي تمتاز باللّا محدودية في طرح الأفكار والحواس بعبارات غامضة، ولولا الغموض فيها لما كانت رمزية، والحق والصواب أن الرمزية على إطلاقها ليست في القرآن، فإن كان لها ضوابط وقصدنا بها الكناية أو التعريض بالإشارة فهي من ميّزات الوحي الإلهي، ولولا هذه الحقيقة لما أمرنا رب العزة بالتأمل والتدبر في آياته، ومن قال بأن القرآن ليس فيه رمزية بهذا المعنى فقد جهل، والعبرة بالمسميات والمصطلحات، وهي ترتبط كما يقول مؤلف كتاب "دليل الناقد الأدبي" بتفسير وتقويم المصطلح قبل إطلاقه، أو "وضع المصطلح في سياقه الثقافي والتاريخي؛ أي تأطيره ضمن حدوده الدلاليّة التي نشأ فيها لكي تتمّ الإفادة منه بوعي بما نشأ للدلالة عليه. وهذا الجانب مغفل، أو شبه مغفل، في الكتب المشابهة سواء العربيّة أو الغربيّة، العربيّة لأنّ أكثر الباحثين العرب يرى أنّ قصارى ما يمكن للباحث العربي أن يفعله هو أن ينقل ويجيد النقل. فتقويم الأعمال التي تترجم أو تعيد تقديم المفاهيم والنظريّات والعلوم المختلفة يقاس عادة بمعيار الدقّة ومدى الانضباط وليس الاستقلال الحضاري أو الثقافي الذي يعرِّف ويقوِّم في الوقت نفسه."(1) فالرمزية بمعنى الكناية والتعريض ركن أساسي في فقه الأصول وسعته، ومن شذ في إطلاقها - أي الكناية والتعريض - ظهرت عنده الشبهة الفقهية، وهي الشبهة الثانية، فقد كانت بسبب الأولى وظهرت قبل ظهورها الفعلي، وهي قولهم بجواز استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه، من غير التفصيل بين المعاني الحقيقية والمجازية، وذهبوا للعمل بها جميعا كمعاني حقيقية، وقد استدل بعض الأصوليين على استعمال اللفظ المشترك بجميع معانيه بآيات منها قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] فقالوا إن الصلاة من الله ثناء ورحمة، ومن الملائكة استغفار، وهذا قول هالك، فالصلاة ثناء على الأصل كما في معناها اللغوي كتفسير، وليس فيها تأويل يصح ولا تفصيل موزون من غير دليل، فنقل الظاهر بحاجة إلى قرينة أو دليل، وهو معدوم، إلّا إن كان الدليل هو محض الرأي أو سعة الخيال كما هو الحال في الرمزية الشعرية، وهذا كله من عدم التفريق بين التفسير والتأويل. (2) "ولهذا قيل: الإشارة من العبارة بمنزلة الكناية والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح، فمنه ما يكون موجباً للعلم قطعاً بمنزلة الثابت بالعبارة، ومنه ما لا يكون موجباً للعلم وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادا بالكلام. ومن ذلك قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا

الآية 15 الأحقاف}

(1) سعد البازعي - ورقة بعنوان الترجمة والتحيّز في "دليل الناقد الأدبي"، وهو كتاب ألفه مع ميجان الرويلي، وذيلا عنوان الكتاب بأنه "إضاءة لأكثر من سبعين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا".

(2)

ومن الذين لا يفرقون بينهما ابن جرير الطبري في تفسيره، فكان يرى بأن التفسير والمعنى والتأويل واحد، فتنبه.

ص: 95

فالثابت بالعبارة ظهور المنة للوالدة على الولد لأنّ السياق يدل على ذلك، والثابت بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولين كما قال تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ

الآية 14 لقمان} فإنما يبقى للحمل ستة أشهر، ولهذا خفي ذلك على أكثر الصحابة رضي الله عنهم واختص بفهمه ابن عباس رضي الله عنهما فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله" (1). وعليه فالكناية والتعريض ثابتة بالإشارة من ظاهر النص ومراده به، ولكن ظاهر النص لم يأت لها بسياقه، وصلى الله وبارك على نبيه وآله وصحبه ورحم علماء الأمة وتغمدنا بفضله وكرمه وأرشدنا سواء الصراط.

(1) الأصول للسرخسي ج1 ص237، والخبر في قصة الحد على المرأة الوالدة لستة أشهر تامة عن ابن عباس في عهد عثمان، رواه عبد الرزاق (351/ 7) ومن طريقه الطبري (34/ 5)، وابن منده في التوحيد (247/ 1) عن سعد بن عبيد، وهو ثقة من كبار التابعين بسند صحيح، ورواه عبد الرزاق (351/ 7) وسعيد بن منصور (66/ 2) وابن أبي حاتم (428/ 2) وأبو عروبة في المنتقى (رقم 82) عن قائد ابن عباس وهو مجهول، والرواية ضعيفة لأن ابن عباس لم يكن قد كف بصره في عهد عثمان ولم يكن له قائد ليقول أدنوني منها كما جاء في الرواية، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (291/ 7) وابن ابي حاتم (3294/ 10) والحاكم (308/ 2) وصححه ووافقه الذهبي عن عكرمة روايةً لرأي ابن عباس وليس فيه ذكر خبر المرأة. وخبر القصة بين علي وعثمان رواه الطبري (650/ 21) وابن ابي حاتم (3293/ 10) عن بعجة بن عبد الله الجهني مرسلاً، وهو من الوسطى من التابعين وبين خلافة عثمان وموته أكثر من ستين سنة، وأشار إلى هذا الخبر الإمام مالك في الموطأ (825/ 2)، وخبر القصة بين علي وعمر بن الخطاب رواه عبد الرزاق (349/ 7) والبيهقي في السنن الكبرى (442/ 7) عن أبي الأسود الدؤلي ورواه سعيد بن منصور (66/ 2) عن الحسن البصري مرسلا، وانفرد عبد الرزاق (352/ 7) برواية بين ابن عباس وعمر من كلام ابن عباس بسند صحيح، والراجح أن خبر القصة كان بين علي وعمر بن الخطاب، واستشهد ابن عباس بنفس الرأي في زمن عثمان، وهذا ما رواه عبد الرزاق (352/ 7) عن عكرمة مولى ابن عباس بأن الخبر كان بين علي وعمر وكان بين ابن عباس وعثمان.

ص: 96