الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: الأسباب الجلية للتحريف (الأسباب الفرعية)
وهي كثيرة وناتجة بالمحصلة من إمكانية الترجمة وكتابة الحواشي واستعمال الحروف المختلفة والكتابة بالمعنى، وتنحصر في ثلاث أسباب منطقية وهي الزيادة والنقص والتغيير وهذه الأسباب ظاهرة جلية والغايات من التحريف منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن ولكنها مستمرة ما دامت الأسباب الرئيسة مسموحة وقابلة للتجديد، وهذه الأسباب تتمثل في النقاط التالية:
أولاً: كتابة كلام جديد والزعم أنّه من عند الله لغايات عديدة
كما في العهد القديم والجديد، فالعهد القديم مؤلف من ستة وأربعين سِفراً (على خلاف بينهم)، خمسة منها هي التوراة بزعمهم، والباقي من مجمل الأسفار وما كتب الأحبار، وكلها بوحي من الله بزعمهم! إلا عند السامرية ونسختهم الخاصة من التوراة، "والأسامرة تزعم أن التوراة التي في يد اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى بن عمران عليه السلام، وأن تلك حرفت وبدلت وغيرت، وأن الْمُحْدِثَ لهذه التي بأيديهم هذا الملك المذكور (زربابل بن شألتيئيل)؛ لأنه جمعها ممن كان يحفظها من بني إسرائيل، وأن التوراة الصحيحة هي التي في أيدي الأسامرة دون غيرهم."(1) ويقتصر إيمانهم على الأسفار الخمسة الأولى، أما غيرهم من اليهود والنصارى فيؤمنون بكل سفر منها على خلاف في بعضها، وهو بالطبع مما نتج عن المسوغات الأساسية للتحريف، فإذا حَكَمت كلمات المعلِّقين والشُرّاح والمترجمين على الكتاب، صارت إضافاتهم من مجمل الكتاب. بل وتجد الكثير من أسفار العهد القديم لمؤلّفين لا يَعرفون عنهم شيئاً
(1) مروج الذهب للمسعودي ج1ص61
ومجهولون بالكلّية، ومع ذلك يعتبرونها وحي من السماء! هذا من باب، ومن باب آخر تجد في بعض أسفارهم كلاماً عن تكفير بعض أنبيائهم وتفسيقهم والوعيد لهم من الله بالعذاب والسبي والقتل بزعمهم! كما جاء على لسان النبي إرميا بعد تنبؤه بخراب أورشليم على يد البابليين، لأنه لم يبق في بلادهم خير ولا أحد منهم يقول الصدق بحسب كلامهم، وقد عبدت الأصنام في أرجاء أورشليم وساد الكهنة على الهيكل (وفيه كانت التوراة بخط موسى محفوظة بحسب كلامهم)، يقول في سفر إرميا - الترجمة العربية المشتركة - (الإصحاح 23):((11) النَّبيُّ والكاهنُ كافران، وفي هيكلي وجدْتُ شَرَّهما (13) في أنبياءِ السَّامِرةِ رأيتُ حماقةً: يتَنبَّأونَ بِاسمِ الإلَهِ بَعلٍ ويُضلِّلون شعبي إسرائيل (14) وفي أنبياء أورشليم رأيتُ العَجب: يَسلُكونَ طريق الزِّنى والزُّور، ويُشَجعون مَنْ يفعلون الشَّر لِئلا يرجعوا عن شرِّهم. فصاروا لي كلهم كسدوم، وصار سكانها كعمورة (15) وقال الرّبُّ القديرُ على الأنبياءِ:((سأُطعِمُ أنبياءَ أُورشليمَ عَلْقَمًا وأسقيهِم سَمُا، فَمِنهُم خرَج الكُفْرُ إلى كُلِّ الأرضِ)) (16) وقالَ الرّبُّ القديرُ: ((لا تَسمَعوا لِكَلامِ الأنبياءِ الذينَ يتَنَبَّأونَ لكُم ويَخدَعونَكُم. هُم يتَكَلَّمونَ بِما يتَراءى لهُم، لا بِما أقولُ أنا الرّبُّ
…
) وهذا الكلام في فترة دقيقة من تاريخ بني إسرائيل وتاريخ الكتاب المقدس بحد ذاته، فإن كان أنبياؤهم كفرة وفجرة بزعمهم فكيف بمن كتب هذه الأسفار وهو مجهول؟!
ناهيك عن إقحام الكلام في الأسفار الخمسة الأساسية وظهور الفرق بين الجمل المقحمة والمعلومات المكذوبة وبين السياق العام للنص، من ذلك إقحام قصة صراع يعقوب مع الله وكيف صرع يعقوب ربه في سفر التكوين (إصحاح 32 فقرة 23) فلا السياق ولا المعنى ولا الموقف ولا حتى الأسلوب يساعد على هضم هذه المعلومة في وسط سياق مكون من خمسين إصحاحاً.
أما في العهد الجديد فسأضع ما وضعوه في مقدمة نسخة الكتاب المقدس - الترجمة العربية المشتركة - في بيان المصطلحات فكتبوا " * نجمة فوق الكلمة تفيد أن ثمة ملاحظة في الحاشية، (
…
) العبارات التي ترد بين قوسين هي عبارات معترضة أو تفسيرية لكنها من صلب النص." وأقول ملاحظة في نسخة ما، هي صلب عقيدتهم في نسخة أخرى! وكيف تكون جملة معترضة أو تفسيرية ومن صلب الكلام؟! أي من غيرها لا يستقيم الكلام ويكون ناقصاً!؟ وقد تكون هذه الإضافة في نسخة أو طبعة مثبته، وفي غيرها صارت حاشية علمية، وفي غيرها معدومة. وقد يظن القارئ أن هذه الجُمل المضافة أو الحواشي كلمات بسيطة لا تدخل في صلب العقيدة، وهي ليست كذلك، بل هي تمثّل أركان العقيدة النصرانية. من ذلك ما جاء في التثليث، وهو ركن من أركان عقيدتهم، فانظر إلى رسالة يوحنا الأولى (الإصحاح5) نسخة سميث فان دايك المشهورة: ((7) فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد (8) والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم. والثلاثة هم في الواحد) ولاحظ عقيدة التثليت من أين أتت، وقارن بالنسخ الأخرى، ففي نسخة الترجمة العربية المشتركة ((7) والذين يشهدون هم ثلاثة*: الروح، والماء، والدم. (8) وهؤلاء الثلاثة هم في الواحد) وفي الحاشية * كتبوا "ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، هؤلاء الثلاثة هم واحد؛ والذين في الأرض هم ثلاثة: هذه الإضافة وردت في بعض المخطوطات اللاتينية القديمة" أما في النسخة اليسوعية الحديثة فجاءت ((7) والذين يشهدون ثلاثة: الروح، والماء، والدم.* (8) وهؤلاء الثلاثة متفقون) وفي الحاشية * كتبوا "الترجمة اللفظية (وهؤلاء الثلاثة نحو الواحد) في الآية 6 استشهد الكاتب إلى الماضي، في حين أنه يتكلم هنا على (شهادة) دائمة في حياة الكنيسة. التفسير الشائع هو أن المقصود هنا هو المعمودية (الماء) والافخارستيا (الدم). وهذه الشهادة المزدوجة تضاف إلى شهادة الروح
…
وفي آخر الأمر، يؤدي هؤلاء
الشهود الثلاثة شهادة واحدة، وهي الشهادة التي يكشف لنا الله بها حياته الإلهية ويهبها لنا (الآية 11) " وكل هذا الشرح والمحاورة الضرورية بنظر الكاتب في هذه الزيادة لا نجده في الطبعة القديمة من النسخة اليسوعية ذاتها، بل نجد الزيادة مثبتة في القديمة من غير حاشية أو شرح أو بيان للكاتب الأصلي ومن حرّف الأصل بإضافة الجملة. ولكن بعد أن انفضحت الزيادة عند مقابلة النسخ التاريخية، وجب إسقاطها بزعم الكاتبين الجدد، ولا أقول إلّا ما قالوه وما احتجّوا به على بعضهم البعض، وإن كان منهم من يرى إلى الآن أن هذه الجملة معترضة أو جملة تفسيرية لكنها من صلب النص، أي يُصرّون على التحريف في صلب العقيدة، ولن أزيد على هذا النوع من التحريف في هذا الباب فهو كافٍ وشافٍ لبيان السبب من التحريف.
ثانياً: تغيير النص إما لتفادي التناقض أو لتحكيم العقل أو قلباً للحقائق لغاية دفينة
كما في العهد القديم، كتغيير اسم الذبيح من إسماعيل لإسحاق، مما أظهر التناقض في الكتاب بحيث ذكر في مكان أن إسماعيل هو أول أولاد إبراهيم، وفي مكان آخر أنّ إبراهيم أراد ذبح وحيده إسحاق وهذا لا يستقيم عقلاً، ففي كل النسخ من العهد القديم (سفر التكوين 22) تحت عنوان إسحاق ذبيحة للرب ((1) وحدث بعد هذه الأمور أن الله إمتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم. فقال: هأنذا (2) فقال: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك) وفي السفر الذي قبلة تحدث عن مولد إسحق وطرد إسماعيل وهاجر! وفي العهد الجديد، تجد فيه نسخة غيّرت كلمة واحده، لأنها إن ثبتت دلت على شيء لا يعقل أو لا يتناسب مع قائلها، وكان السبب فيها إما لزيادة في الترجمة أو لما هو مضاف، أو لترجمة ما لا يترجم من الحروف الأخرى، أو لترتيب الجمل وما فيه ركاكة في النظم. ولن أتطرق لتغيير المعلومة للغايات الدفينة بل لتغيير المعلومة في النسخ العلمية بزعمهم وهو التحريف الحديث. من ذلك ما تجده في إنجيل متى نسخة فان دايك
(الإصحاح 19 فقرة 9): (وأقول لكم: إن من طلّق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقةٍ يزني) بينما في النسخة العربية المشتركة حذفوا العبارة الأخيرة فصارت (أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته، إلا في حالة الزنى وتزوج غيرها زنى) وفي النسخة اليسوعية الجديدة (أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته، إلا لفحشاء وتزوج غيرها فقد زنى) بينما في الطبعة القديمة (وأنا أقول لكم من طلّق امرأته إلا لعلة زنى وأخذ أخرى فقد زنى. ومن تزوج مطلقةً فقد زنى) وهذا كله تجده تحت عنوان الزواج المسيحي والعفاف! أو الزواج والطلاق، مما يعني أنه تشريعٌ للبشرية فيما يتعلق بالزواج والروابط الإجتماعية، فما كان منه لا يعقل وليس فيه ضمان لحق المرأة غيروه.
ثالثاً: كتمان المعلومة أو إسقاطها أو ضياعها لغاية أو من دون غاية
وهذا النوع من من أصعب الأنواع إثباتاً إن أردنا بيان الكتمان وغايته، لأننا نبحث عن معلومة ليس لها وجود في كتابهم، حتى وإن كان الضياع والفقدان يدخلان في باب التحريف بالنقص وإثباته يسير في كتبهم سواء في العهد القديم أو الجديد، فهم لا يتورعون من كتابة تعليقات عن نصوص مفقودة أو جمل تشكيكية، إلا أنها لا تُظهر الغايات بقدر الكتمان، كذلك الإسقاط فهم مقرّون بذلك، فتجد طائفة منهم أسقطت أسفاراً كامله لاعتقادها عدم الأصالة والصحة في هذه الأسفار، بينما قبلتها طوائف أخرى، والنقص عند أحدهم زيادة عند الآخر، ولكنّ أسباب الإسقاط ولو تعددت فلن تُظهر الغايات من التحريف بقدر الكتمان أيضاً. لذلك سأحاول جاهداً إثبات معلومة مفقودة بالنظر إلى نصوصهم وتحليلها. وهذه المعلومة تتمحور حول موضوع مِفْصَليّ في تاريخ اليهود بشكل عام وفي مرحلة دقيقة من تاريخ الكتاب المقدس بشكل خاص، وفيها أدلة دامغة على إثبات التحريف على العموم وإثبات الكتمان على الخصوص.
وهذه المرحلة المفصلية في تاريخهم معروفة باسم السبي البابلي أو خراب أورشليم، وتتضح الصورة القائمة في ذلك الزمان بحسب كتابهم من خلال ثلاثة أسفار، وهي سفر الملوك الثاني وسفر أخبار الأيام الثاني وسفر إرميا، أما الأول ففيه سيرة ملوك بني إسرائيل وسيرة آخر ملوك بني إسرائيل قبل السبي، والثاني فيه أهم الأحداث التاريخية في سيرة بني إسرائيل، خصوصاً ما حدث قبل السبي وفي عهد آخر ملوكهم، والكاتب أو الناسخ لهذين السفرين بذل الجهد الكبير في محاولته مطابقة الأحداث بينهما، حتى أنه يقول في آخر كل حدث أنّ باقي الأخبار المتعلقة بهذا الحدث مذكورة في السفر المقابل دلالة منه على المطابقة، أما الثالث فهو السفر الخاص بنبوءات النبي إرميا بن حلقيا الهارونيّ النسب، وبُعِث في تلك الفترة المفصلية لينذر بني إسرائيل ويتوعدهم بعذاب الله إن لم يعودوا إلى دينهم بعد أن كفروا وعبدوا الأوثان وغيروا دينهم من التوحيد الخالص إلى الوثنية الخالصة، بل بعد سيطرة الكهنة وعبّاد الأوثان على المعبد اليهودي وسيادة التعاليم الوثنية فيه.
إذن فلنعتبر أننا نسرد قصة تاريخية مفصلية بحسب الكتاب المقدس فقط، ولنقرأ بعناية شديدة ولنتابع أهم الأحداث فيها بداية من عهد الملك يوشيا بن أمون (ت608 ق. م) وهو الذي حاول جاهداً تطهير بني إسرائيل من عبادة الأوثان، فهدم معابد الأوثان على الجبال ورمم المعبد اليهودي وحاول تطهيره، وخلال الترميم حدث أمر جلل وأمر عظيم كما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (34):((14) وعند إخراجهم الفضّة المدخلة إلى بيت الرب وجد حلقيا الكاهن سفر شريعة الرب بيد موسى. (15) فأجاب حلقيا وقال لشافان الكاتب قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب. وسلم حلقيا السفر إلى شافان. (16) فجاء شافان بالسفر الى الملك
…
) وبعد أن قرأه عليه أمرهم الملك أن يذهبو إلى النبيه خلده (بزعمهم) للتأكد من أن السفر صحيح، فأقرّت بأنه صحيح وأن اللعنات الموجودة فيه ستحصل على بني إسرائيل وذلك بحسب
نبوءتها: ((25) من أجل انهم تركوني واوقدوا لآلهة أخرى لكي يغيظوني بكل أعمال أيديهم وينسكب غضبي على هذا الموضع ولا ينطفئ) أما الملك يوشيا فسيموت بسلام لأنه أصلح ورق قلبه لكلام الشريعة بحسب نبوءتها، وبعد ذلك:((29) وأرسل الملك وجمع كل شيوخ يهوذا وأورشليم (30) وصعد الملك إلى بيت الرب مع كل رجال يهوذا وسكان أورشليم والكهنة واللاويين وكل الشعب من الكبير إلى الصغير وقرأ في آذانهم كل كلام سفر العهد الذي وجد في بيت الرب. (فصار الجميع على علم بما فيه وبأنهم وجدوه، وقام الملك بإصلاحات كثيرة وعاهد الله على إزالة الرجس من أرض المملكة وكذلك فعل.
ويستمر الكاتب في سرد الحدث في الإصحاح التالي (35) ويقول: ((20) بعد كل هذا حين هيأ يوشيا البيت صعد نخو ملك مصر إلى كركميش ليحارب عند الفرات. فخرج يوشيا للقائه. (21) فارسل إليه رسلاً يقول ما لي ولك يا ملك يهوذا. لست عليك أنت اليوم ولكن على بيت حربي والله أمر بإسراعي. فكفّ عن الله الذي معي فلا يهلكك. (22) ولم يحول يوشيا وجهه عنه بل تنكر لمقاتلته ولم يسمع لكلام نخو من فم الله بل جاء ليحارب في بقعة مجدو.) وملك مصر نخو هو الفرعون نخاو (نكاو) الثاني (ت595 ق. م) من الأسرة السادسة والعشرين من فراعنة مصر القديمة بحسب تاريخ مصر القديمة ولقبه فرعون الأعرج بحسب كتب التاريخ العربية، والغريب أن يُنسب كلام الله وأمره لهذا الفرعون الوثني وعلى لسانه، ولكن السياق يدل على أن الكاتب يرى بأن الله لم يرد لهذا الملك الصالح أن يموت فأقحم إرادة الله بزعمه على فم الفرعون، ويتابع الكاتب ((23) وأصاب الرماة الملك يوشيا فقال الملك لعبيده انقلوني لأني جرحت جداً. (24) فنقله عبيده من المركبة وأركبوه على المركبة الثانية التي له وساروا به إلى أورشليم فمات ودفن في قبور آبائه. وكان كل يهوذا وأورشليم ينوحون على يوشيا. (25) ورثى إرميا يوشيا. وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم. وجعلوها
فريضة على إسرائيل. وها هي مكتوبة في المراثي. (26) وبقيّة أمور يوشيا ومراحمه حسبما هو مكتوب في ناموس الرب (27) وأموره الأولى والأخيرة ها هي مكتوبة في سفر ملوك إسرائيل ويهوذا.) وهنا نقف على ما جاء في نبوءة النبيّة المزعومة بأنّ الملك يوشيا سيموت بسلام!! وقد مات ميتة مفجعة بحسب كلامهم! لذلك تجد في حاشية إحدى النسخ (الترجمة اليسوعية - الطبعة الثالثة الكاثوليكية)"وضعت هذه الرواية قبل موت يوشيا المفجع" فهذا دليل على كذب النبوءة والتشكيك بتصديقها على كتاب الشريعة. ونقف باستغراب على الفرض لهذه المراثي على إسرائيل وشعبها، من قِبَل من كان؟ ومن هو المشرّع في هذا الكتاب؟ أمّا ما جاء فيها وفي رثاء إرميا فسيوضحه ما يقول إرميا في سفره عن المرحلة التالية بعد موت يوشيا، ولكن من المهم أن نركز على الحدث العظيم والكنز الذي لا يقدر بثمن والذي وجدوه في عهد يوشيا، وهو شريعة الرب المكتوبة بيد موسى، والتي وجدها الكاهن حلقيا، حتى لو سلّمنا بأنها شريعة موسى وأنها مكتوبة منذ القدم، بل وتحتوي على أسفار التوراة الرئيسية أو سفر التثنية مع بعض الشرائع (على خلاف بينهم).
وبعد موت يوشيا على يد الفرعون نكاو صار يهواحاز بن يوشيا ملكاً عليهم، وكان فاسداً ووثنيّاً، وعادت الوثنية وعبادة الأصنام لسابق عهدها قبل يوشيا، وحكم لثلاثة أشهر، ولكن الفرعون بعد أن فرغ من حروبه الخاصة لم يرضى على حكم يهواحاز فأسره ووضع يهوياقيم ملكاً على المملكة، وكان فاسداً أيضاً، وحكم إحدى عشرة سنة فاستمرت الوثنية فيهم وفسد الشعب عن بكرة أبيه. بعدها على شأن نبوخذنصر وانتصر على الفراعنة وإحتل بلاد الشام، فصار الملك يهوياقيم له عبداً ومطيعاً في كل أمره، ثم تمرّد عليه ودخل في حروب مع الكلدانيين والعمونيين والآراميين فمات، ثم تملّك ابنه يهوياكين وكان فاسداً أيضاً، ولم يدم حكمه إلا ثلاثة أشهر حتى حاصر نبوخذنصر أورشليم المرة الأولى فخرج إليه الملك يهوياكين مع كل أهله
وماله ودخل نبوخذنصر المملكة (وسبى كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة الباس عشرة آلاف مسبيّ وجميع الصنّاع والأقيان. لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض.)(أخبار الملوك الثاني 24: 14). وجعل نبوخذنصر صدقيا ملكاً على المملكة وكان الأفسد بين الملوك، وفترة حكمه هي ما نحن بصدد التحري عنه لظهور النبي إرميا بكل قوته في هذه الفترة، والبحث عن نبوءات إرميا مهم للغاية في تقرير ما حدث.
يتابع الكتاب المقدس سرد الأحداث في سفر أخبار الأيام الثاني (36): ((11) كان صدقيا ابن إحدى وعشرين سنة حين ملك وملك إحدى عشرة سنة في أورشليم. (12) وعمل الشر في عيني الرب إلهه ولم يتواضع أمام إرميا النبي من فم الرب. (13) وتمرد أيضاً على الملك نبوخذناصر الذي حلفه بالله وصلب عنقه وقوى قلبه عن الرجوع إلى الرب إله إسرائيل. (14) حتى أنّ جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم ونجّسوا بيت الرب الذي قدّسه في أورشليم. (15) فأرسل الرب إله آبائهم إليهم عن يد رسله مبكراً ومرسلاً لأنه شفق على شعبه وعلى مسكنه. (16) فكانوا يهزأون برسل الله ورذلوا كلامه وتهاونوا بانبيائه حتى ثار غضب الرب على شعبه حتى لم يكن شفاء.) وهنا يظهر النبي إرميا بكل قوته ودعوته، وسأتتبع اقواله ونبوءاته من سفر إرميا والذي يعتبر بالفعل أكثر الأسفار تهجماً على اليهود وأكثرها نقداً لتاريخ ملوكهم من بعد سليمان إلى السبي البابلي، فكلامه لا يحمل إلا الوعد والوعيد لبني إسرائيل بالخراب والدمار إن لم يسمعوا كلامه ويعودوا لدينهم، وهذه النبوءة على لسانه هي التي أوقعته في المتاعب في عصر الملك صدقيا وقد كانت الرئاسة في المعبد بيد الكهنة الكذّابين ورئيسهم اسمه فشحور الكاهن، ويصف إرميا واقع بني إسرائيل في تلك الفترة بقوله في سفر إرميا (8) بعنوان الخطيئة والعقاب:((5) فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتداداً دائماً. تمسكوا بالمكر. أبوا أن يرجعوا. (6) صغيت وسمعت. بغير المستقيم يتكلمون. ليس أحد يتوب عن شره قائلاً ماذا عملت. كل واحد رجع الى مسراه كفرس ثائر في الحرب. (7) بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيئهما. أما شعبي فلم يعرف قضاء الرب. (8) كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب*. (9) خزي الحكماء ارتاعوا وأُخذوا. ها قد رفضوا كلمة الرب فاية حكمة لهم.) في النسخة المشتركة - وضعو حاشية قالوا فيها: "قلم الكتبة يحفر في الحجر المقررات الملكية ولكن هل هذه المقررات تطابق شريعة الله هذا ما يعترض عليه إرميا." وأقول: يا سبحان الله! يعترض على عدم مطابقة أحكامهم لشريعة الله، وهم وثنيون ومرتدون عن دين التوحيد!؟ فمن يصدق هذا الكلام إلا ساذج ولا يرى بأم عينه أنهم حرفوا كلام الله وحولوا كتاب الشريعة الذي كان في المعبد إلى كذبة من خلال أقلامهم الكاذبة الخاطئة. أما ما بعدها وتأكيداً على هذا الفهم يقول:"رفضوا كلمة الرب" وفي نسخة اليسوعية القديمة جاءت (ها إنهم رذلوا كلمة الرب فماذا فيهم من الحكمة)، وفي نسخة الترجمة المشتركة (فها هم نبذوا كلام الرب
…
)، وهذه الكلمات الثلاثة: رفضوا: أي تركوا وفرّقوا كتاب الله من رفض الشيء تَركه وفرَّقه، ورذلوا: أي اعتبروا كتاب الله دون شيء مقابل من رذل الشيء جعله دونا، ونبذوا: أي رموا أو ألقوا أو طرحوا كتاب الله أمامهم أو وراءهم من نبذ الشيء رماه أو ألقاه أو طرحه أمامه أو خلفه (1)، ويجمع هذه الكلمات الثلاثة وهذا الخلاف الظاهر على بيانها لديهم قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران} وفيها تجتمع المعانى الثلاثة بشكل متكامل، فقد حرّفوه بكتمان الحق وبإظهار تعاليم
(1) لسان العرب ومقاييس اللغة مادة (رفض، رذل، نبذ)
الوثنية الغريبة عن دين التوحيد، واستبدلوه بثمن بخس، وهذا دليل واضح من سياق النص على التحريف بجميع أركانه سواء بالنقص أو الزيادة أو التغيير، ولكنه ليس مبتغانا، فنحن نبحث عن الكتمان والنقص.
وبعدها يتابع إرميا النبوءة (16)((10) ويكون حين تخبر هذا الشعب بكل هذه الامور انهم يقولون لك لماذا تكلم الرب علينا بكل هذا الشر العظيم فما هو ذنبنا وما هي خطيتنا التي أخطأناها إلى الرب إلهنا. (11) فتقول لهم من أجل أن آباءكم قد تركوني يقول الرب وذهبوا وراء آلهة أخرى وعبدوها وسجدوا لها وإياي تركوا وشريعتي لم يحفظوها. (12) وأنتم أسأتم في عملكم أكثر من آبائكم وها أنتم ذاهبون كل واحد وراء عناد قلبه الشرير حتى لا تسمعوا لي. (13) فاطردكم من هذه الأرض إلى أرض لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم فتعبدون هناك آلهة أخرى نهاراً وليلاً حيث لا أعطيكم نعمة) وقد جاءت كلمة لم يحفظوها أو لم يحفظوا في كل النسخ، ولم يحفظوه أي لم يحرسوه، من حفظ الشيء بمعنى حرسه (1)، ولو كانت "يحافظوا" لكان فيها تأويل بمعنى الرعاية، وهذا دليل آخر على التحريف، ويُظهره باللفظ ما يقوله إرميا صراحة عن التحريف في سفره (23):((30) لذلك هأنذا على الأنبياء يقول الرب الذين يسرقون كلمتي بعضهم من بعض. (31) هانذا على الأنبياء يقول الرب الذين يأخذون لسانهم ويقولون قال. (32) هأنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة يقول الرب الذين يقصونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم. فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة يقول الرب (33) وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً ما وحي الرب فقل لهم أي وحي. إني أرفضكم هو قول الرب. (34) فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول وحي الرب أعاقب
(1) الصحاح في اللغة مادة (حفظ) والقاموس المحيط مادة (حفظه)
ذلك الرجل وبيته. (35) هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لأخيه بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب. (36) أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا.) وهذه قاصمة الظهور والدليل الثالث على أنهم حرّفوا كلام الله وشريعة موسى التي وجدها حلقيا على زمن يوشيا، ولكنها لا تظهر الكتمان أيضاً، لذلك نتابع قصة إرميا من سفره حيث جاء فيه (20):((1) وسمع فشحور بن أمير الكاهن. وهو ناظر أول في بيت الرب. إرميا يتنبأ بهذه الكلمات. (2) فضرب فشحور إرميا النبي وجعله في المقطرة التي في باب بنيامين الأعلى الذي عند بيت الرب. (3) وكان في الغد ان فشحور أخرج إرميا من المقطرة. فقال له إرميا لم يدع الرب اسمك فشحور بل مجور مسابيب. (4) لأنه هكذا قال الرب. هأنذا أجعلك خوفاً لنفسك ولكل محبيك فيسقطون بسيف أعدائهم وعيناك تنظران وأدفع كل يهوذا ليد ملك بابل فيسبيهم الى بابل ويضربهم بالسيف.) وهذا يدلنا على أن رئاسة المعبد كانت في يد الكهنة الذين سجنوا وعذبوا إرميا لأنه يتهمهم بتحريف الكتاب وتغيير الشرائع من الوحدانية إلى الوثنية.
ولكن بعد أن تمرّد الملك صدقيا على نبوخذنصر أتى وحاصر أورشليم وعزم على دمارها وسبيها، فبعث الملك صدقيا الكاهنين فشحور وصفنيا إلى النبي إرميا طالبين منه أن يدعوا الله الخلاص، فرد عليهم بوعيد الله لهم بالقتل والتشريد على ما فعلوا ويفعلون، واستمر الحصار أكثر من عام، ثم دخلها البابليون ودمروها وحدث السبي البابلي الشهير، وأخذوا ما فيها غنيمة لبابل، وقد ذكروا في أسفارهم جميع الغنائم وعددوها بالتفصيل الممل كما في سفر أخبار الأيام الثاني (36):((17) فاصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. ولم يشفق على فتى أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده. (18) وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعاً إلى بابل.
(19)
وأحرقوا بيت الله وهدموا سور أورشليم وأحرقوا جميع قصورها بالنار وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة. (20) وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس) وفصّلوها أكثر في سفر الملوك الثاني (25): (8) وفي الشهر الخامس في سابع الشهر وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذناصر ملك بابل جاء نبوزرادان رئيس الشرط عبد ملك بابل إلى أورشليم. (9) وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار. (10) وجميع أسوار أورشليم مستديراً هدمها كل جيوش الكلدانيين الذين مع رئيس الشرط. (11) وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربون الذين هربوا إلى ملك بابل وبقية الجمهور سباهم نبوزرادان رئيس الشرط. (12) ولكن رئيس الشرط أبقى من مساكين الارض كرامين وفلاحين. (13) وأعمدة النحاس التي في بيت الرب والقواعد وبحر النحاس الذي في بيت الرب كسرها الكلدانيون وحملوا نحاسها إلى بابل. (14) والقدور والرفوش والمقاص والصحون وجميع آنية النحاس التي كانوا يخدمون بها اخذوها (15) والمجامر والمناضح. ما كان من ذهب فالذهب وما كان من فضة فالفضة أخذها رئيس الشرط. (16) والعمودان والبحر الواحد والقواعد التي عملها سليمان لبيت الرب لم يكن وزن لنحاس كل هذه الأدوات. (17) ثماني عشرة ذراعاً إرتفاع العمود الواحد وعليه تاج من نحاس وإرتفاع التاج ثلاث أذرع والشبكة والرمانات التي على التاج مستديرة جميعها من نحاس. وكان للعمود الثاني مثل هذه على الشبكة) ومن الواضح أنهم لم ينسوا شيئاً من الآنية لا الصحون ولا القدور ولا حتى الرفوش والمباخر ولم ينسوا وصف الأعمدة بالتفصيل الممل، ولكنهم بقدرة من الله نسوا أن يذكروا شيئاً واحداً، وهو أغلى كنز عند بني إسرائيل وعند الموحدين جميعاً، وهو شريعة موسى المكتوبة بيده!! ماذا حل بها؟ أُحرقت؟ سرقت؟ نهبت مع الصحون والقدور؟ ليس من ذكر لها على الإطلاق! فهل نسوا ذكرها أم ذُكرت وكتموا ما حل بها؟ أقول: من سوّغ لهم
أن يقولوا "يعتقد أنها أحرقت أو أتلفت في السبي البابلي" والإعتقاد غير الجازم ظنٌّ محض، يسوّغ لي أن أفرض أنهم كتموا ما حل بها لغاية في نفسهم لا نعلمها ولا نريد أن نعلمها، ولكننا سنثبت الكتمان هنا بالأدلة القاطعة من نفس الكتاب، ويتمثل الكتمان بإثبات النقص في سفر إرميا عن عمد وهذه الأدلة هي:
الدليل الأول: يعرف تاريخياً بحسب العهد القديم وكتب التاريخ الأخرى بأن الكاتب لهذا السفر في الأصل شخص اسمه باروخ بن نيريا، إلّا أن السفر الحالي يحوي كلاماً يدل على أن الكاتب غيره، إذ كتب عن قصص باروخ وكتابته للسفر من ضمن السياق وفي مواطن كثيرة مثل قوله في إرميا (36:13) (واخبرهم ميخايا بكل الكلام الذي سمعه عندما قرأ باروخ السفر في آذان الشعب.) وسفر إرميا الحالي عليه إضافة واضحه بقلم الكاتب، فهو الآن52 إصحاح وفي نهاية الإصحاح 51 قال الكاتب "إلى هنا كلام إرميا". يعني انتهى كلام إرميا! وأكمل الإصحاح الأخير من نفسه، لذلك علّقوا في بعض النسخ على هذه الزيادة بأنها مأخوذة من سفر أخبار الأيام وأنها معدلة. إذن فقد تم الإسقاط فيه واستبدال الكلام الجديد بما كان سابقاً مثبت. ولو قال قائل هذا استنتاج لقلت بل هو حقيقة ظاهرة وبشهادة الكتاب نفسه وهو الدليل الثاني على أن الإسقاط قد حصل وعن عمد.
الدليل الثاني: لاحظنا سابقاً فيما نقلت عن سفر أخبار الأيام الثاني (35) قوله: ((25) ورثى إرميا يوشيا. وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم. وجعلوها فريضة على إسرائيل. وها هي مكتوبة في المراثي. (26) وبقية أمور يوشيا ومراحمه حسبما هو مكتوب في ناموس الرب (27) وأموره الأولى والأخيرة ها هي مكتوبة في سفر ملوك إسرائيل ويهوذا.) وأقول: أما التطابق بين هذا السفر وهو أخبار الأيام وسفر الملوك فهو حاصل وقد أشرت سابقاً أن الكاتب صرف فيه جهداً لإثبات مطابقته، أما سفر المراثي الخاص بإرميا فليس لهذه المرثية
ذكر فيه!! بل إن في سفر إرميا نفسه ما يدل على الإسقاط الواضح لهذه المرثية وتغيير كلام إرميا بكلام يناقض السفر كاملاً! وهو كلامٌ ظاهر الإقحام في سياق النص، فقد أتى في سفر إرميا (22)((10) لا تبكوا ميتاً ولا تندبوه إبكوا إبكوا من يمضي لأنه لا يرجع بعد فيرى أرض ميلاده (11) لأنه هكذا قال الرب عن شلوم بن يوشيا ملك يهوذا المالك عوضاً عن يوشيا أبيه الذي خرج من هذا الموضع لا يرجع إليه بعد (12) بل في الموضع الذي سبوه إليه يموت وهذه الأرض لا يراها بعد (أي ينهاهم عن البكاء ورثاء يوشيا ويدعوهم للبكاء على شلوم بن يوشيا وهو يهواحاز الملك الفاسد الوثني الذي أسره الفرعون! أي تناقض وأي إسقاط هذا إلا التحريف المفضوح بالكتمان العمد؟
الدليل الثالث: ورد في العهد الجديد (الإنجيل) في بشارة متى (27) في رواية قصة يهوذا الذي أسلم المسيح بثلاثين قطعة من الفضة ثم ندم وسلّمها لكهنة وشيوخ المعبد: ((7) فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. (8) لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم. (9) حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل (10) وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب) ولكننا لا نجد هذه النبوءة في سفر إرميا! بل نجدها في العهد القديم (التوراة) في سفر زكريا (11) في قصة ليس لها علاقة بشراء حقل فخّاريّ أو خزّاف: ((12) فقلت لهم إن حسن في أعينكم فاعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. (13) فقال لي الرب القها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذت الثلاثين من الفضة والقيتها إلى الفخاري في بيت الرب.) أما قصة شراء الحقل من غير ذكر الفخاري أو ثمن المثمن أو ثلاثين من الفضة فنجدها في إرميا (32): ((9) فاشتريت من حنمئيل ابن عمي الحقل الذي في عناثوث ووزنت له الفضة سبعة عشر شاقلاً من الفضة. (10) وكتبته في صك وختمت واشهدت شهودا ووزنت الفضة بموازين.
(11)
وأخذت صك الشراء المختوم حسب الوصية والفريضة والمفتوح (12) وسلمت صك الشراء لباروخ بن نيريا بن محسيا أمام حنمئيل ابن عمي وأمام الشهود الذين أمضوا صك الشراء أمام كل اليهود الجالسين في دار السجن. (13) وأوصيت باروخ أمامهم قائلاً (14) هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل. خذ هذين الصكين صك الشراء هذا المختوم والصك المفتوح هذا واجعلهما في إناء من خزف لكي يبقيا أياماً كثيرة.) ومن المعروف والمشهور أن سفر إرميا يمتاز بوجود الحركات الرمزية عند تدوين الأحداث، ومن هذه الأحداث الزيارة إلى الفخاري أو الخزّاف، والإبريق الفخاري المكسور، ولكن ليس فيها ما ذكر عن شراء الحقل من الفخاريّ! والغلط هنا حاصل لا محالة! وعليه فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول: لو قلنا بأن الإنجيل كُتب بوحي من الله وأن ما فيه هو الصحيح للزمنا القول بأن التوراة محرّفة وسفر إرميا ناقص، وقد أُسقطت منه هذه العبارة وجعلت في سفر زكريا من ضمن قصة أخرى ليس لها علاقة إلا في تطابق النص. والثاني: أن كاتب الإنجيل وقع في الوهم فنسب القول لإرميا لأن فيه قصة الفخاري وقصة شراء حقل كل منهما على حده وهو في الواقع قول لزكريا في قصة أخرى.
وكل هذا "وهم يعلمون"، فانظر في حواشي الكتاب المقدس، لتعرف أنهم يعلمون أنه محرّف ولكنهم يكتمون، قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) آل عمران}
وبعد هذا البيان في أسباب التحريف والكشف عن بعض الأصول والأسس العميقة في بيان التحريف القديم والجديد والمتجدد، لا يبقى إلا أن نعجب من عِظَم الحكمة في ورود الحروف المقطّعة في أوائل السور، لتمنع هذا اللّغط وهذه الخلافات من أن تتطرق لكتاب الله وخاتمة الرسالات السماوية وشرع الله المتبع لأبد الآبدين.