الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن عبد السلام: يعني أن الشفعة يملكها الشفيع بأحد هذه الوجوه الثلاثة، ويعني بالإشهاد أنه بحضرة المشتري وإلا فلا معنى له، وما تقدم من قول محمد والعتبية على قوله في إمهاله ثلاثة أيام قولان: يصح أن يفسر به هذا الموضع، ثم ذكر ما نقلناه من كلام ابن رشد على قوله: في الإمهال.
قلت: لا أعلم هذا المعنى لأحد من أهل المذهب إلا لابن شاس، ولفظه: ويملك الأخذ بتسليم الثمن، وإن لم يرض المشتري، ويقضي القاضي له بالشفعة عند الطلب ولمجرد الإشهاد فيما يملك بشهادة على الأخذ، وبقوله: أحذت وتملكت، ثم يلزمه إن كان علم بمقدار الثمن، وإن لم يكن علم لم يلزمه.
قلت: وهذا تبع فيه الغزالي في وجيزه على عادته في إضافته كلام الغزالي للمذهب لظنه موافقته إياه، وهذا دون بيان لا ينبغي حسبما نبهنا عليه غير مرة، وظاهر كلامهم أن المملوك بأحد هذه الوجوه هو نفس الأخذ بالشفعة لا نفس الشقص المشفوع فيه، وروايات المذهب واضحة بخلافه.
[باب الموجب لاستحقاق الشفيع الأخذ بالشفعة]
وإن ملك الآخذ نفسه إنما هو ثبوت ملك الشفيع لشقص شائع من كل من ربع واشترى غيره شقصاً آخر منه، فهذا هو الموجب لاستحقاقه الأخذ؛ ولذا يكلفه
القاضي إذا طلبه بالحكم له بالأخذ على غريمه بإثبات ذلك.
قال ابن فتوح والمتيطي وغيره: إذا طلب الشفيع المبتاع بالشفعة عند الحاكم لم يقض له حتى يثبت عنده البيع والشركة ويقر المبتاع بالابتياع على الإشاعة ولا يحكم بإقرار المشتري والشفيع حتى يثبت عنده البيع، وأما ملك الشقص المشفوع فيه فلا أعلم فيه نصًا جليًا إلا ما تقدم من لفظ المدونة، ونزلت عندنا هذه المسألة عام خمسين وسبعمائة في شفيع أخذ بشفعته في دار يملك باقيها بشهادة عدلين دون أن يقف المشتري ويشهد عليه بذلك، ثم إن الشفيع باع جميع الدار فقام المشتري يخاصم في الدار المذكورة لبيعها دون إشهاد الشفيع عليه بالأخذ، ولم يأت بشيء لو أتى به قبل البيع قدح في الشفعة عليه فوقف القاضي في إمضاء البيع، وفسخه وشاور في ذلك شيخنا أبا عبد الله السطي فلم يذكروا في ذلك شيئًا غير كلام ابن الحاجب وما أشار إليه ابن عبد السلام من كلام ابن رُشْد عليه، وكنت أنا وبعض فقهاء الوقت وهو الفقيه أبو عبد الله بن خليل السكوني فعتبنا القاضي في الشهادة في البيع، وكانت شهادتي فيها عاطفًا عليه لاعتقادي فقهه وكونه من خواص القاضي المذكور.
فاحتججت على القاضي بنص المدونة: الأول: قوله في كتاب الخيار: إذا اختار من له الخيار من المتبايعين وصاحبه غائب وأشهد على ذلك، جاز على الغائب والشفيع بمنزلة من الخيار على المشتري، فهذا يدل على صحة أخذه في غيبة المشتري.
الثاني: قوله في كتاب الشفعة: ولا يجوز بيع الشفيع الشقص قبل أخذه بالشفعة.
قُلتُ: فمفهوم قوله: قبل أخذه أنه يجوز بعد أخذه، والعمل بمفهومات المدونة هو المعهود من طريقة ابن رشد وغيره من الشيوخ، وإن كان ابن بشير يذكر في ذلك خلافًا، فعمل الأشياخ الأجلة إنما هو على الأول، وانفصل الخصمان بعد طول ومرافعة لأهل الأمر على صلح وقع بينهما.
وشرط لزوم أخذ الشفيع إياه علمه بالثمن: فيها: إن قال بعد الشراء: اشهدوا أني أخذت بشفعتى، ثم رجع، فإن علم الثمن قبل أخذه لزمه، وإن لم يعلم به فله أن يرجع.
اللخمي: قوله: أن يرجع ظاهره أن له الأخذ قبل معرفته بالثمن، وفي "الموازية": أنه
فاسد، ويجبر على رده.
الصقلي لمحمد عن أشهب: إن لم يعلم بالثمن إلا بعد أخذه لم يجز وفسخ على ما أحبا أو كرها ثم يكون له الشفعة بعد الفسخ، وإذا تعدد الشفعاء واختلف قدر أنصبائهم ففي كونها على قدرها أو على قدر رؤوسهم طرق.
الباجي وأبو عمر: على أنصبائهم، وهو نصها ونص الموطأ.
ابن رشد في رسم الأقضية من سماع يحيى رواية ابن القاسم عن علي رضى الله عنه: لا أعلم في المذهب في خلافًا.
اللخمي: على قول ابن الماجشون: يقوم باقي عبد أعتق شريكان فيه بالنصف والسدس حظيهما عليهما بالسواء وتكون الشفعة كذلك، وهذا إن كانت فيما ينقسم، وإن كانت في غيره كانت على الرؤوس.
عياض: وخرجه بعضهم من قولها: اجر القسام على الرؤوس، وحكاه ابن الجهم عن بعض أصحابنا نصًا، وإن أسقط بعضهم حظه فيها أو غاب ففيها مع غيرها الباقي كمنفرد ليس له الاقتصار على واجبه مع أخذ غيره أو حضوره، ولا عليه ذلك.
اللخمي عن ابن حبيب: لو أراد من أسقط حقه في ذلك هبتها لوجه المشتري لم يستشفع إلا بنصيبه، وغن تركه كراهية لأخذه أخذ هذا جميع النصيب.
وفي مختصر الوقار: ليس لمن لم يجز إلا مصابته خاصة، وهو أقيس؛ لأن الذي كان له من الشفعة نصفها والفاضل لغيره، فإذا أسقط الآخر حقه فيه كان لمن ترك له.
قُلتُ: كذا وقع في غير نسخه من التبصرة، وحاصله أن نصيب التارك للمشتري لا للباقي من الشفعاء مطلقًا، وأن ابن حبيب خص ذلك بكون الترك لوجه المشتري، وظاهر المدونة والعتبية أنه لمن بقي مطلقًا، فتكون الأقوال ثلاثة.
وفي أول كتاب الشفعة سمع ابن القاسم: إن سلم بعض الشركاء الشفعة بعد بيع بعض الشركاء حظه، فلمن أبى أن يأخذ جميع المبيع نصيبه ونصيب من سلم.
ابن رشد: إن سلم أحد الشفعاء بعد وجوب الشفعة ولم يقل: لك ولا له على وجه تركها وكراهة الأخذ بها، فلمن بقي أخذ حظه وحظ من سلم من شركائه.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم للخمي عن مختصر الوقار فتأمله.
قال ابن رشد: وإن قال للمشتري أو لمن سأله ذلك: سلمت لك شفعتي، فقال أصبغ: إن سلمه على وجه الهبة والعطية للمشتري اختص المشتري بسهام الذي سلم له، وعلى هذا يكون البيع بنزول المشتري منزلة الشفيع البائع الشفعة فلا يكون لمن سواه من الشفعاء شفعة، إلا أن يكون بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حظوظهم، وعلى هذا تأول ابن لبابة رواية ابن القاسم: لا يجوز أن يبيع الرجل شفعة وجبت له ولا يهبها، فقال: معناه من غير المبتاع.
واحتج لتأويله برواياتن كتاب الدعوى: يجوز أن يبيع شفعته من المبتاع بعد وجوب صفقته قبل أن يستشفع، ولا يجوز له بيع ذلك من غيره، وحكى مثله من رواية أشهب أنه لا يجوز له بيعها من غير المبتاع قبل أن يأخذ بشفعته، واختار من رأيه عدم بيعها وهبتها لا من مبتاع ولا من غيره، وهو الصواب، وما جلبت من الروايات ليست بجلية لاحتمال حملها على أخذ العوض من المبتاع على تسليم الشفعة له بما يجوز بعد وجوب الصفقة، وسماه بيعًا لما فيه من معنى البيع، وقول أصبغ شاذ بعيد.
وحكى ابن لبابة أنه رأى ابن الحباب عقد لنفسه وثيقة شراء نصيب من رجل من مال، وما وجب له من الاستشفاع في حظ كان بيع من ذلك المال قبل ذلك، فلما تمت الوثيقة قال لي: هذا من غرائب التنبيهاتا التي لا يعرفها والله غيرنا يريدني ونفسه، فالحاصل أنه لا يجوز للشفيع هبة ما وجب له من الاستشفاع لغير المبتاع ولا بيعه منه، واختلف فيهما للمبتاع على قولين:
أحدهما: جوازهما، فيختص المشتري بذلك، فلا يكون لغير البائع أو الواهب من الشفعاء عليه شفعة إلا أن يكونوا بمنزلته فيكون لهم بقدر حظوظهم، والثاني: أنه لا يجوز فيفسخ البيع والهبة ويكون الشفيع على شفعته وبيع الشفيع حظه الذي يجب له بالشفعة قبل أخذه بها فلا يجوز اتفاقًا، وكذا هبته لا تلزم.
وتسليم الشفعة بمال بعد وجوبها له جائز اتفاقًا:
وفي نوازل ابن رشد: إن صالح مشتري شقص أحد شفعائه لغيبة بقيتهم، ثم
قدموا فأخذوا بالشفعة فلا رجوع له على من صالحه، أما على القول باختصاصه بحظ من صالحه فواضح، وكذا على أخذهم حظه؛ لانتفاعه بقلة الشركاء معه، وهو الفرق بين هذه وسماع يحيى ابن القاسم فيمن قتل رجلين عمدًا فصالح أولياء أحدهما على الذية، ثم قام أولياء الآخر فقتلوه؛ أن ورثة القاتل يرجعون بالدية على المصالح لعدم انتفاعهم بالصلح، إذ فائدته حياة وليهم وقد قتل.
قُلتُ: الأظهر في مسألة الشفعة رجوع المشتري على الشفيع المصالح بمناب اختصاصه بحظ الشفيع المصالح، من انتفاعه بقلة الشركاء بما أخذه الشفيع المصالح، كمن صالح على أمرين استحق منه أحدهما.
وتعدد الصفقات يوجب انفراد كل صفقة بحكمها حسبما يأتي إن شاء الله تعالى وإن اتحدت، والبائع والمشتري والشقص فواضح، وتعدد الأشقاص فقط كاتحادها، وإن تعدد البائع فقط في مشترك بينهم.
اللخمي: كبيع رجلين حظيهما من دارين أو دار وبستان بينهما فكاتحادهما.
قُلتُ: ولأبي عمر عن ابن القاسم: في ثلاثة شركاء في أرض باع اثنان منهم حظيهما صفقة واحدة ليست للثالث إلا أن يشفع في الجميع أو يدع، وقال أشهب: يأخذ من أيهما شاء.
قُلتُ: وهذا يوهم أن ذلك والمشتري واحد، ولكن آخر قوله: من أيهما شاء يدل على تعدد المشتري فيكون ذلك موافقًا لنقل الجماعة.
اللخمي: ولو كان في غير مشترك بينهما كبيع أحدهم حظه في دار وبيع آخر حظه في بستان لا شركة بينهما فيهما، فقال ابن القاسم: كذلك، وعلى تعدد صفقتهم بتعددهم، وهو القول بأن العقد لو كان بالنسبة لأحدهم حلالًا، وبالنسبة للآخر حرامًا صح الحلال وفسخ الحرام، يكون للشفيع أخذ حظ أحدهم دون الآخر.
الشيخ: قال ابن القاسم وأشهب: من ابتاع حظًا من دار من رجل وحظًا من حائط من آخر صفقة واحدة وشفيعهما واحد فليس له إلا أخذ الجميع.
ابن عبدوس: وقاله عبد الملك.