الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون: مملكة حضر موت
مدخل
…
الفصل العشرون: مملكة حضرموت
وعاصرت مملكة "معين" مملكة أخرى من ممالك العربية الجنوبية، هي مملكة "حضرموت"، وقد ظهرت قبل الميلاد أيضًا، وما زال اسمها حيًّا يطلق على مساحة واسعة من الأرض، فلها أن تفخر بهذا على الحكومات العربية الأخرى التى عاشت قبل الميلاد، ثم ماتت أسماؤها، أو قل ذكرها قلة واضحة.
وقد قطع اسمها مئات من الأميال قبل الميلاد، فبلغ مسامع اليونان والرومان وسجله كتابهم في كتبهم لأول مرة في القارة الأوروبية، وكتب لذلك التسجيل الخلود حتى اليوم. ولكن سجلوه بشيء من التغيير والتحريف، اقتضته طبيعة اختلاف اللسان، أو سوء السماع، أو طول السفر، فرواه "ايراتوستينس"1Chatramotitae، ورواه "نبوفراستوس" 2Hadramyta وأما "بلينيوس" فقد روراه "Atramitae" و 3Chatramotitae. وقد ورد عند "بطلميوس" بشكل4Chathramitae = Adramitae.
1 Strabo، 16، 4، 2، Vol. 3، P. 190، Hamilton
2 Theophrastus، Enquiry into Plants، Vol.، 2، P. 235، Book، 9، 2
3 Ency.، Vol.، 2، P. 207، Forster، Vol.، I، P. 113، CLeary، P. 99، Pliny، 6، 28، 32
4 "Adramitae"، "Cathramonltae"، "Chatraraotitae"، Forster، Vol.، I، P. 113، 194، Vol.، 2، P. 270، Ptolemy، VI، 7، 10، Le Museon، 1964، 3-4،P. 441
وقد تحدث مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" عن سواحل حضرموت الجنوبية، فذكر أن فيها مناطق موبوءة، يتجنبها الناس، ولا يدخلونها إلا لضرورة، ولذلك لا يجمع التوابل والأفاويه إلا خول ملك حضرموت وأولئك الذين يراد إنزال عقوبات صارمة عليهم1. وهذا يدل على أن الروم والرومان كانوا قد سمعوا من ملاحيهم ومن غيرهم من ركاب البحر أخبار السواحل، وهي أخبار مهمة بالطبع بالنسبة إلى أصحاب السفن في ذلك العهد.
وكلمة "هزرماوت""حزرماوت""Hazarmaveth" الواردة في التوراة على أنها الابن الثالث لأبناء "يقطان"، يعني "حضرموت" ومعناها اللغوي "دار الموت"2 ولعل لهذا المعنى علاقة بالأسطورة التي شاعت عند اليونان أيضًا عن "حضرموت"، وأنها "وادي الموت"، وعرفت في الموارد الإسلامية كذلك3. وقد وصلت في الإسلام من طريق أهل الكتاب، قال ابن الكلبي: "اسم حضرموت في التوراة حاضر ميت، وقيل: سميت بحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ"4.
وقد ذهب أكثر من بحث في أسباب التسمية من العلماء العرب إلى أن حضرموت هو اسم "ابن يقطن" أو "قحطان" وأنه كان إنسانًا وبه سميت الأرض، وما بنا حاجة إلى أن نقول مرة أخرى أن هذه النظرية ليست عربية، وإنما تسربت إلى الأخباريين من التوراة، إذ جعلت حضرموت اسم رجل هو "ابن يقطان".
وقد ورد اسم "حضرموت" في الكتابات العربية الجنوبية، كما عثر على كتابات حضرمية ورد فيها أسماء عدد من ملوك حضرموت، وأسماء أسر حضرمية ومدن كانت عامرة زاهية في تلك الأيام5، وبفضل هذه الكتابات حصلنا على
1 Periplus Maris Erythraei، 12، Beitrge، S، 87
2 التكوين: الإصحاح العاشر الآية26، أخبار الأيام الأول: الإصحاح الأول الآية20، قاموس الكتاب المقدس "1/ 378".
3 قاموس الكتاب المقدس "1/ 378".
Hastings، P. 333، Ency. Bibli، P. 1976، Montgomery، Arabia and The Bible، P. 39.
4 البلدان "3/ 292" Enct، vol، 2، P. 207
5 Halevy 193، Halevy 423، Mordtmann، Beitrage zur Min. Epigr، S، 16
معلومات لا بأس بها عن مملكة حضرموت، وعن علاقاتها بالدول العربية الجنوبية الأخرى، ولما كانت أكثر هذه الكتابات قد عثر عليها على وجه الأرض، أو هي من نتائج حفريات لم تتعمق كثيرًا في باطن العاديات، فإننا نأمل أن يقوم المستقبل بإقناع المحبين للتأريخ العربي، بالقيام بحفريات علمية منتظمة وعميقة في مواطن الآثار، لاستنطاق ما فيها عن تأريخ العرب الجاهليين، وأنا على يقين من أن في باطن الأرض وبين الأتربة المتراكمة على هيأة أطلال وتلول أسرارًا كثيرة ستغير من هذا الذي نعرفه اليوم عن تأريخ حضرموت وعن تأريخ غيرها، من حكومات، وستزيد العلم به اتساعًا.
لقد قامت بعثة بريطانية صغيرة بأعمال الحفر في موضع يقال له "الحريضة"، فاكتشفت فيه آثار معبد الإله "سين"، وهو يرمز إلى القمر. وعثرت على عدد من الكتابات تبين أن بعضها سبئية، كما عثرت على قبور عثر فيها على عظام في حالة جيدة تمكن من دراستها، وعلى أواني ومواد من الفخار والخزف وخرز ومسابح يظن أنها من القرن السابع أو الخامس قبل الميلاد1. وعثر في خرائب "شبوة" وفي "عقلة" وفي مواضع أخرى على عدد من الكتابات الحضرمية، كما استنسخ نفر من السياح صور بعض الكتابات التي نقلها الناس من مواضع العاديات إلى المواضع الحديثة حيث استعملوا حجارتها في البناء.
وتشاهد في مباني "الحريضة" الحديثة، وهي لا تبعد كثيرًا عن الموضع القديم، أحجار مكتوبة أخذت من تلك الخرائب، شوهت بعضها أيدي البنائين وقضت على أكثرها معاولهم، ومحت آلاتهم كثيرًا من تلك الكتابات، ولا يستبعد وجود عدد آخر من الأحجار أوجهها المكتوبة في داخل البناء، فلا يمكن الوقوف عليها، أو أنها كسيت بطبقة من "الجبس" أو مادة أخرى تجعل الجدران صقيلة ملسًا.
ولم تتوصل جهود من بحث في الآثار التي استخرجت من معبد "سن""سين" في الحريضة" إلى نتيجة قطعية لتأريخ هذا المعبد، ويظن أن المقابر التي عثر
1 Reports of the research committee of the society of antiquaties of London، XIII، The Yombs and Moon Temple of Horeidha "Hadhramout"، By G. Caton Thompson، Oxford University Press، 1944، P. 15
وسيكون رمزه: Caton
عليها وبعض واجهات المعبد تعود إلى أواسط القرن الخامس فما بعد إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وأن قسمًا من بناء المعبد يعاصر العهد "السلوقي"1. ويعرف موضع الخريضة في الكتابات الحضرمية باسم "مذب" "مذبم" "مذاب"، وفي هذه المدينة الحضرمية القديمة، معبد خصص بعبادة "سين"، وعرف عندهم باسم معبد "سن ذ مذبم" "سين ذو مذاب"، وكان الناس ينذرون له النذور، ويتقربون إليه، ليمنحهم العمر الطويل والخير والبركة.
وليس علمنا بأحوال حكام "حضرموت" بأحسن من علمنا بأحوال حكام الحكومات العربية الجنوبية الأخرى، مثل معين أو قتبان أو سبأ، فلا نزال لا نعرف شيئًا يذكر عن حكامها الأول وعن عددهم وعن مدد حكمهم وعن أمور أخرى من هذا القبيل، ولا نزال نجد الباحثين في أحوالها غير متفقين لا على مبدأ قيام حكومة حضرموت ولا على منتهاها وسقوطها فريسة في أيدي السبئيين، ثم لا نزال نراهم يختلفون أيضًا في عدد الحكام وفي مدد حكمهم.
والحكام الذين يذكر العلماء أسماءهم ليسوا بالطبع هم جميع حكام حضرموت، بل هم جمهرة الحكام الذين وصلت أسماؤهم إلينا مدونة في الكتابات، ولذلك لا نستبعد أن تزيد أسماؤهم في المستقبل، زيادة قد تكون كبيرة، وهي ستتوقف بالطبع على مقدار ما يعثر عليه من كتابات.
لقد تبين من بعض الكتابات الحضرمية أن عددًا من المكربين حكموا شعب حضرموت، وذلك قبل أن يتحول هذا الشعب إلى مملكة. وقد ذكر "فلبي" بعضهم في آخر القائمة التي رتبها بحسب رأيه لحكام حضرموت2. ومن هؤلاء المكربين المكرب "يرعش بن أبيشع"، "يرعش بن أب يشع"، "يهرعش بن أب يشع" "يسكر ايل يهرعش بن اب يسع" "يشكر ايل يهرعش بن أبيع"3 الذي ورد اسمه في كتابة سجلها "شكمم سلحن بن رضون" "شكم سلحان بن رضوان"، والظاهر أنه كان من الموظفين أو الأعيان البارزين في حكومة
1Caton، P. 153
2 Background، P. 144
3 "شكيم"، "يشكرال يهرعش بن ايزع""يسكرايل يهرعش بن أبيع"
REP. EPIG، V، I، P. 39، No. 2687، Le Musen، 1964 3-4، P. 444، Beitrage، S. 95
حضرموت. وقد كلفه المكرب بناء سور وباب وتحصينات لحصن "قلت" الذي يهيمن على واد تقطعه الطريق القادمة من مدينة "حجر" والمؤدية إلى ميناء "قانه""كانه""قنا"، كما كلف إنشاء جدر وحواجز في ممرات الوادي المهمة لحماية منطقة "حجر" والمناطق الأخرى، من المغيرين ومن كل عدو يريد غزو حضرموت، ولا سيما الحميريين الذين صاروا يهددون المملكة، ويتدخلون في شئونها. وقد وضع تحت تصرفه موظفين ومعماريين للإشراف على العمل، وعمالًا يتولون أعمال البناء الذي تم في خلال ثلاثة أشهر تقريبًا1، وكان ذلك في السنة الثانية من سني "يشرح آل""يشرح ايل" من آل "عذذ""ذ عذذم"، ولسنا نعرف اليوم هذا التقويم:"تقويم يشح آل" الذي أرخت به الكتابة.
وقد أنجز "شكم سلحان""شكم سلحن" العمل الذي كلف إنجازه، فبنى الجدار والباب لحصن "قلت"، وبنى الحواجز والموانع الأخرى للمواضع الخطيرة الرئيسية الواقعة في ممرات الوادي ومعابره، لتصد الأعداء والغزاة عن عبوره، وأنشأ استحكامات ساحلية لحماية البر من الهجوم الذي قد يقوم به العدو من جهة
البحر. ويظهر أنه أقام حصونًا على لسانين كانا بارزين في البحر، فحمى بذلك الخليج الذي بينهما، كما حصن المنفذ المؤدي إلى وادي "أبنة" وإلى مدينة "ميفعة"، حيث بنى سورًا قويا لها، وبرجين هما برج "يذان "، وبرج "يذقان"، وباب "يكن" وأماكن حماية يلتجئ إليها الجنود إذا لزم الدفاع عن المدينة فضلًا عن بناء الموانع المذكورة وقد قام بهذا العمل الجنود بدليل ورود كلمة "أسدم" في النص، ومعناها الجنود2.
وتوجد اليوم في "وادي لبنة""لبنا" بقايا جدار كان يسد هذا الوادي في أيام مكربي حضرموت. ويظهر أن بانيه هو "شكم سلحن" "شكيم
1 "120" شخصًا في النص الذي دونه "رودو كناكس" و"210" في غيره:
Rhodokanakis، Stud. Lexi، 2. S. 48، REP. Epig، V، I، 39، 2687
السطر الخامس من النص، راجع:
von Maltzan، In A. bon Wrede. Reisein Hadhramount، S. 327، 362، Rhodokanakis. Stud. Lexi، 2، S. 48، REP. EPIG، V، I، P. 39، Hommel، chresto، S. 119. "257" Aufsa. und Abh، S، 166
سلحان" المذكور، يبلغ ارتفاعها زهاء سبعة أمتار، وقد أقيم من أحجار مكعبة، قطعت من الصخر، ونحتت نحتًا جيدًا، ونضد بعضها فوق بعض ووضعت بين سوفها مادة من نوع السمنت، وفي وسط الجدار آثار باب عرضه خمسة أمتار لمرور الناس والقوافل منها، وقد بني هذا الجدار ليمنع المغيرين القادمين من الجنوب، من الاتجاه نحو حضرموت، وذلك في ضمن الخطة العسكرية التي رسمت يومئذ لتحصين المدن المهمة وإحاطتها بأسوار وجدر قوية في الممرات المهمة، والطرق المؤثرة من الوجهة الحربية لمنع الأعداء من الزحف على حضرموت، ويرى بعض الباحثين أن إنشاء هذا الجدار كان في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد1.
ويرى بعض الباحثين أن الكتابة التى دونها "شكم سلحن""شكيم سلحان" ووضعت على جدار "لبنا" وعثر عليها في مكانها، هي أقدم كتابة حضرمية وصلت إلينا حتى الآن، وتليها في القدم الكتابة التي عثر عليها في "عقبة عقيبة" وتخص ممر "همريان"، وشرق "شبوة". ويرجع هؤلاء زمن كتابة الكتابة الأولى إلى القرن الخامس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد2.
لقد كان الغاية من سد الأودية بإقامة جدر قوية حصينة بين طرفي الوادي بحيث تمنع الناس من المرور في الوادي إلا من باب يشرف منه الجنود عليها، هو حماية حضرموت من غزو حمير، وكانت مساكن قبائل حمير إذ ذاك تجاور حضرموت. ولهذا صار الحميريون خطرًا على حضرموت. ويفهم من إحدى الكتابات أن جدار "قلت" وحصنه إنما أقيما لصد غارات الحميريين وغزوهم المتوالي لأرض حضرموت. وقد جددت تلك الجدر والحصون ورممت مرارًا وقويت بالحجارة الصلدة التي قدت من الصخر، إذ لم تتمكن من الوقوف أمام سيل غزاة حمير، والظاهر أن غزوهم كان مستمرًّا في أيام المكرب المذكور، فاضطر إلى بناء تلك العقبات والحواجز لمنعهم من تهديد شعبه.
لقد كانت مواطن الحميريين في هذا العهد في الجنوب وفي الجنوب الشرقي من "لبنا""لبنه" ومدينة "ميفعة". ولم ينتقل الحميريون نحو الغرب إلى
1 Beitrage S 94
2 Beitrag S 109
المواضع التي عرفت باسمهم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد، أو قبل ذلك بقليل، أما دولة حمير في أرض يافع وفي رعين وفي المعافر، فقد قامت في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، واستمرت هجرة حمير إليها إلى ما بعد الميلاد. وقد أطلق "الهمداني" على أرض "يافع" اسم "سرو حمير"1.
ويرى "فون وزمن" أن حمير كانت قد استولت على ميناء "قنا""قانه" في أيام هذا المكرب. وهذا الميناء هو الميناء الوحيد لحضرموت الصالح للاتجار بحرًا مع الهند وإفريقيا، أخذته من حمير، وكانت تتحكم -على رأيه- بطول الساحل بين "عدن" و "قنا"، ولها أسطول من السفن للاتجار مع الساحل الإفريقي الذي ربما كان خاضعًا لها في ذلك الزمن2.
وورد في إحدى الكتابات التى عثر عليها "فلبى" اسم مكرب آخر من مكربي حضرموت يسمى "علهان بن يرعش""علهن بن يرعش". ويظهر أن "يرعش" والد "علهان" هذا، هو "يرعش" المكرب المتقدم، وقد دون نص "philby 103" لمناسبة إنشاء طريق في ممر "همربان""Hamraban" الذي يقع شرق "شبوة"3. وقد أنشئت هذه الطريق لتسهيل وصول القوافل إلى العاصمة ولأسباب عسكرية قد يكون منها تسهيل مسيرة الجيش إلى مقر الملك للدفاع عنه.
وقد زهد آخر "مكرب" من مكربي حضرموت في لقبه هذا، فتركه إلى لقب آخر يتسمى به، يدل على الحكم الدنيوي وحده وعلى السلطان والملك، وهو لقب "ملك" فتسمى به. وانتقلت حضرموت بذلك من طور إلى طور، وصار النظام فيها نظامًا ملكيًّا، وإذا سألتني عن اسم هذا المكرب الذي أبدل لقبه، فصار ملكًا، وصار بذلك آخر مكرب وأول ملك، وأول جامع للقبين في حكومة حضرموت، فإني أقول لك أن علمي به لا يزيد على علمك به، وإن العلماء الباحثين الذين آخذ علمي منهم، لايزالوان في ذلك على خلاف، بل إن علمهم به لا يزيد -ويا للأسف- على علمك وعلمي به.
1 Beitriige، S.، 97
2 Le Museon، 1964، 3-4 P. 444
3 Philby، Three New Inscriptions from Hadhramaut، in Jurna. Asiat
Soc، 1945، Beitrfige، S.، 106
لقد وضع "فلبي" الملك "صدق آل""صدق ايل""صديق ايل" طليعة ملوك مملكة حضرموت، وجعل زمان توليه العرش في حدود عام "1020 ق. م."1. أما "البرايت"، فوضع اسم الملك "يدع آل" "يدع ايل" في رأس القائمة التي رتبها لملوك حضرموت، وجعله معاصرًا لـ "كرب آل" "كرب ايل" أول ملوك مملكة سبأ، وقد حكم على رأيه في حوالي سنة "450 ق، م"، ثم ترك فراغًا بعد هذا الملك يشير إلى أنه لم يهتد إلى معرفة من حكم بعده، وذكر بعد هذا الفراغ اسم الملك "صدق آل" "صدق ايل" الذي كان ملكًا على حضرموت ومعين، وقد ذكر أنه حكم في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد2، والفرق كما ترى، كبير جدًّا بين تقدير "فلبي" وتقدير "البرايت".
وقد وضع "هومل" الملك "صدق آل""صدق ايل" على رأس قائمة ملوك حضرموت، وعلى هديه سار "فلبي" في ترتيبة لملوك هذه المملكة، وكان على رأيه يعاصر الجماعة الثانية من جماعات ملوك معين3، وذكر بعده اسم ابنه "شهر علن""شهر علان"، ثم "معد يكرب بن اليفع يثع" "معد كرب بن اليفع يثع" ملك "معين" وكان لـ "معد يكرب" ابنان هما:"هوف عثت""هو فعثت"، و"أب يدع يثع""أبيدع يثع"، لم يتوليا عرش حضرموت بعد أبيهما، والظاهر أن حضرموت اندمجت بعد وفاة "معد يكرب" في مملكة "معين" مدة لا نعرف مقدارها بالضبط4. ويرى "فلبي" أنها زهاء ثلاثة قرون إلى نحو سنة "650 ق. م"5.
ولدينا كتابة حضرمية من أيام "معد يكرب"، ورد فيها اسمه واسم "شهر علن بن صدق آل"، ملك حضرموت، واسم "أب يدع يثع" ملك معين. وقد تقرب فيها صاحبها إلى الإله "عثتر ذ قبضم""عثتر ذي قبض" ببناء برج موضع "حرف"، وتيمن فيها أيضًا بذكر الآلهة:"عثتر شرقن"
1 Beckground، P. 144
2 BOASOOR، Num. 119، PP. 5-15، "1950"
3 مجموعة "B" في كتاب: Handbuch، S. 68 ومجموعة "C" في كتاب Chresto.
4 Handbuch، S. 68، 102
5 Background، P. 144
"عثتر الشارق" و"ود" و"نكرح"1، وتشير هذه الكتابة إلى الروابط المتينة التي كانت بين العرشين: عرش حضرموت وعرش معين. فقد كان "معد يكرب" ملكًا على حضرموت، على حين كان شقيقه ملكًا على معين.
ولا ندري إلى متى دام حكم هذه الأسرة التي جمعت بين عرشي المملكتين2.
وقد عثر على هذه الكتابة في "معين"3 وقد طمست منها كلمات واردة قبل اسم "أب يدع يثع"، ولم يبق منها غير "
…
خي.... شو"4، فلم يعرف المقصود بهذين المقطعين الباقيين. أيقصد بهما ابن أخيه "أب يدع يثع"، أم يقصد بهما أخاه "أب يدع يثع"؟ أم مؤاخيه وحليفه "أب يدع يثع"؟ ويعود الضمير في هذه الجملة إلى "معد يكرب" صاحب هذه الكتابة. وقد ذهب "هومل" إلى أن المقصود بذلك "ابن أخيه"5. وعلى هذا يكون "أب يدع يثع" الوارد في هذا النص الملك "أب يدع يثع بن اليفع ريام" شقيق "معد يكرب" ملك معين، وهو ابن أخي "معد يكرب" ملك حضرموت.
ولورود جملة: "ملك معين" بعد اسم "أب يدع يثع"، وهي جملة ترد في النصوص بعد اسم كلم ملك للدلالة على أنه كان ملكًا -نستنتج أن "أب يدع يثع" كان ملكًا على معين زمن تدوين هذه الكتابة- نعني أنه كان هو ملكًا على معين في الزمن الذي كان فيه "معد يكرب" ملكًا على حضرموت، ولهذا يبدو غريبًا ما ذهب إليه "فلبي" من أن "أب يدع يثع" حكم في حدود سنة "935 ق. م."6 وأن "معد يكرب: حكم في حوالي "980 ق. م."7 وأن مملكة "حضرموت" لم يكن عليها ملك في حدود عام "935 ق. م" بل كانت تتبع مملكة معين، فإن هذا الرأي يخالف ما جاء في النص المذكور من تعاصر الملكين.
وقد ورد في كتابة معينية وسمت بـ8Halevy 520، اسم "معد يكرب
1 REP. EPIG. 2775، Tome، V. 2، P. 129-130، Halevy، 193، Hommel، Chresto.،
S.، 106، Hartmann، Arab. Frage، S.، 171
2 جواد علي: تأريخ العرب قبل الإسلام "2/ 67 وما بعدها
3 REP. EPIC، V.'II، P. 129
4 Handbuch، I، S.، 69
5 REP. EPIG.. V. II، P. 129، Handbuch، S-، 69
6 Background، P. 141
7 Background، P. 144
8 Halevy 520، REP. EPIG. 3012، Glaser 1159 + 1160
ابن اليفع"، وذكرت بعده جملة: "ملك معين"، فذهب العلماء إلى أن "معد يكرب" هذا هو "معد يكرب" ملك حضرموت1 الذي نتحدث عنه، وجعلوه ملكًا على معين وعلى حضرموت. ولكن هذا الرأي يخالف ما ذهبوا إليه في ترتيبهم لأسماء ملوك معين، وقولهم إن ملك معين كان في هذا العهد الملك "أب يدع يثع"، وهو ابن الملك "اليفع ريام بن اليفع يثع". وأعود فأكرر ما قلته مرارًا من أن ترتيب الملوك يمثل آراء العلماء ويختلف باختلاف هذه الآراء. فلا مندوحة من الوقوف منها موقف المتفرج الباحث في هذا العهد.
وقد سجلت هذه الكتابة لمناسبة بناء برج "ذو ملح" في مدينة "قرنو" عاصمة مملكة معين، وبرج آخر في مدينة "يثل" المعينية. وقد ورد في النص اسما مدينتي "يفعن""يفعان" و"هرن""هران" من مدن المعينيين كذلك، كما ورد فيها اسم معبد الإله "عثتر ذو قبض"2.
ويظهر أن هذه الكتابة قد كتبت في زمن مقارب لزمن الكتابة المعينية المعروفة بـ 3Glaser 1155، التي تحدثت عن حرب نشبت بين "مذي" و"مصر"، فصاحبها "عم صدق بن حم عثت""عمصديق بن حم عثت"4، من "ذ يفعن""آل يفعان"، ورجل آخر اسمه "سعد بن ولج"5 من "ذ ضفجن""آل ضفجان"6، وكانا "كبيرين" في حكومة معين، وقد ورد فيها اسم "اب يدع يثع""أبيدع يثع" ملك "معين" و "ومعد يكرب بن اليفع"7.
وأصحاب كتابتنا المتقدمة المعروفة بـ Halevy 520" ثلاثة، هم: "عم صدق" و"عم يدع" و "عم كرب" أبناء "حم عثت" من "آل يفعان" "ذ يفعن". فأحدهم، وهو "عم صدق بن حم عثت" أسهم مع صاحبه "سعد بن ولج" في تدوين الكتابة الأولى وأسهم مع إخوته في تدوين هذه
1 Handbuch، S.، 69، Le Museon، LXII، 3-4، 1949، 235
2 REP. EPIC، V، II، P. 293، Halevy، Inscr. Sba.، 91، No. 520
3 Halevy 535 + 578، Grohmann، Gotter.، S.، 52، Hartmann، Arab. Frage، S.،
130.
، REP. EPIG.، V، II، P. 303، 3022
4 "عم صديق بن جمعثت".
5 "سعد بن ولك"، بحرف الجيم على النطق المصري.
6 "ضفكن" بحرف الجيم على النطق المصري.
7 Winckler، Mursi.، S.، 20
الكتابة الثانية التى ورد فيها اسم "معد يكرب" ابن "اليفع" ملك معين، وقد كان معاصرًا كما رأيت للملك "أب يدع يثع" ملك معين، ويكون زمن حكم "معد يكرب" في هذا الزمن الذي وقعت فيه تلك الحرب أو قبل ذلك.
وقد ورد في أحد النصوص اسم "سعد" من "آل ضفجن"، ولم يذكر معه اسم أبيه، وكان "كبيرًا" على "معين مصران"1، وذلك في أيام الملك "أب يدع يثع"، و"وقه آل ريمم""وقه ايل ريام" ملك معين، ويلاحظ أن هذا النص قدم اسم "أب يدع يثع" على اسم "وقه آل ريام"، مع أن المعروف أن "أب يدع يثع" هو ابن "وقه ايل ريام" شقيق "معد يكرب" فهل يدل على ذلك على أن "أب يدع يثع" كان شقيقًا للملك "معد يكرب"ولـ "وقه ايل ريام" كما ذهب إليه بعض الباحثين2. وقد ورد في النص اسم مدينة "قرنو" أي عاصمة معين، وقبيلة "ضفجن" ومزود معين"، وأن "سعدًا" أنشأ "مذاب"وعملها؟. وقد تيمن في النص بذكر أسماء آلهة معين. واسم "وهب آل بن رثدال""وهب ايل بن رثد ايل" من "آل يفعان".
ويظهر من الأسماء الواردة في هذا النص، ومن مضمونه، ومن اسم ملك معين الوارد فيه، أن صاحب هذه الكتابة، "سعد" من "ضفجن""ضفنكن" هو "سعد بن ولج" الذي اشترك مع "عم صدق بن حم عثت" وكان كبيرًا مثله في الكتابة التي مر الحديث عنها. وقد رأيت أن "عم صدق" كان من "يفعان"، وقد ورد اسم "يفعان" في هذا النص فهو لذلك من نصوص هذا العهد.
وأشار "هومل" إلى الملك "يدع أب غيلان" بعد إشارته إلى "يدع ايل بين""يدع آل بين" و "السمع ذبيان" ملكي حضرموت، وذكر أن الحميريين كانوا هم أصحاب الحل والعقد في ذلك الزمان. وذكر أن الذي تولى بعده هو "العز يلط""العذ يلط"3. ولكنه لم يجزم أنه كان ابن "يدع
1 REP. EPIEG. 3535، VI، I، P. 193، Weber، Studi.، II، s.، I، Rossini، Chrest. Arab. Merid.، P. 80
2 Philby، in Le Museon، LXII، 3-4، 1949، P. 235
3 الحرف الأخير من "العز""العذ" قد يقرأ زايا وقد يقرأ "ذلا"؛ وذلك لأن اللهجة الحضرمية لم تفرق بين الحرفين بل إن لهما نطقًا خاصًّا في هذه اللهجة ولذلك صعب التعبير عنه في كتابتنا فعبرت عنه بالحرفين.
أب غيلان"1. فأما "فلبي"، فقد جعله ابنه، غير أنه لم يضعه في هذا المكان2.
وتطرق "هومل" إلى ذكر الملك "يدع آل" بعد الملك "معد يكرب" وقد جاء اسمه في النص الموسوم بـ Glaser 1000" الذي دون في مدينة "صرواح" وكان معاصرًا للمكرب "كرب ايل وتر" مكرب سبأ، ويحتمل في نظره أن يكون "يدع ايل" هذا هو الملك "يدع ايل بين" الذي ذكر اسمه في الكتابة الحضرمية المعروفة "SE 43". وهو ابن "سمه يفع"، وقد ذكر معه اسم الملك "السمع ذبين" "السمع ذبيان"، وهو ابن "ملك كرب" "ملكي كرب" "ملكيكرب"3.
و"غيلان" هو أول من تولى حكم حضرموت بعد هذه الفترة التي لم نعرف من حكم فيها بعد "معد يكرب" على رأي "البرايت". وقد حكم من بعده ابنه "يدع أب غيلان". وذكر "البرايت" أن اسم هذا الملك قد ذكر في كتابة عثر عليها في "وادي بيحان" وهو يرى أن المحتمل أن يكون هو "يدع أب غيلان" الذي كان حليفًا لـ "علهن نهفن""علهان نهفان" ملك سبأ، وقد حكم على تقديره في حوالي سنة "50 ق. م."4.
وذهب "فون وزمن: إلى أن "يدع أب غيلان" المذكور كان معاصرًا لـ "علهان نهفان"، وأن والده هو الملك "يدع ايل بين" وقد حكم على رأيه في حوالي السنة "140 ب. م" وأما الملك "يدع أب غيلان" فقد حكم فيما بين السنة "160 ب. م" إلى "190 ب. م"5. وقد عقد صلحًا مع "علهان نهفان" الهمداني6.
أما "فلبي"، فقد رأى أن الذي حكم بعد هذه الفترة التي انتهت على حسب اجتهاده بحوالي سنة "650 ق. م." هو "السمع ذبيان بن ملك كرب"
1 Handbuch، S.، 102
2 Background، P. 144
3 Handbuch، S.، 102
4 The Chronology. P. 10، BOASOOR، Num. 119، P. 14
5 he Museon، 1964، 3-4، P. 498
6 Le Museon. 1964، 3-4، P. 466، 468، 498
و"يدع ايل بين بن سمه يفع"، واندمجت حضرموت بعده في مملكة سبأ أو قتبان، ثم أصبحت جزءًا من مملكة سبأ إلى حوالي سنة "180 ق. م." حيث عادت فاستقلت، فتولى الملك فيها الملك "يدع آل بين بن رب شمس"1 الذي كون أسرة ملكية جديدة اتخذت مدينة "شبوة" عاصمة لها2.
وقد ذكر "البرايت" أن الذي حكم بعد "يدع أب غيلان" وهو ابن الملك "غيلان"، وهو الملك "العذيلط""العزيلط"، وقد نعته بـ "الأول" وجعله معاصرًا لـ "شعرم أوتر""شعر أوتر" ملك سبأ. وقد كان حكمه على تقديره في حوالي سنة "25 ق. م."3.
وذهب "البرايت إلى احتمال كون "العزيلط" هذا هو الملك، "العزيلط بن عم ذخر" المذكور في كتابة عثر عليها في "وادي بيحان" في كتابات عثر عليها "فلبي" في "عقلة" بحضرموت4. غير أن "العزيلط بن عم ذخر" هم من المعاصرين للملك "شارن يعب يهنعم"، ولذلك لا يمكن أن يكون هو الملك "العزيلط" الذي لقبه "البرايت" بالأول، وجعله معاصرًا للملك "شعرم أوتر" "شعر أوتر".
وقد وجد اسم الملك "العز" في كتابة حفرت على صخرة عند قاعدة جبل "قرنيم""قرن"5، كما عثر على اسمه في كتابات وجدت في "عقلة"، و"عقلة" موضع مهم عثر فيه على كتابات وردت فيها أسماء عدد من ملوك حضرموت، زاروا هذا المكان، وذكرت أسماؤهم فيه6. وقد جاء في إحدى هذه الكتابات أن الملك "العزيلط" زار هذا الموضع، ورافقه في زيارته عدد من الزعماء والرؤساء، منهم: "شهرم بن والم" "شهر بن وائل" و"قريت بن ذمرم" "قرية بن ذمر" و"ابفال بن القتم" "أبفأل بن القتم" و "وهب آل بن هكحد"7.
1 "يدع ايل بين بن رب شمس""يدع ال بين رب ربشمس".
2 Background، P. 144، Philby، 46، 401، (4872) ، REP. EPIG.، VII، III، P. 400،4841
3 Chronology، P. 10، Philby، Sheba's، P. 442
Background، P. 144
4 The Chronology، P. 10
5 BOASOOR، Num. 120، (1950) ، P. 27
6 BOASOOR، Num. 119، (1950) ، P. 14
7 Sheba's Daughters، P. 448، Philby 81، REP. EPIG، VII، III، P. 413، 4908
وسجل هؤلاء الرجال ذكرى هذه الزيارة في هذا النص الذي وسم بـ "Philby 81". وقد ذكر فيه اسم والد "العذ""العز"، وهو "عم ذخر""عمذخر"، ولم يدون كاتبه حرف العطف "الواو" بين الأسماء.
ورفقة الملك هؤلاء الذين صحبوه في رحلته إلى حصن "أنود"، وإن كانوا لم يفصحوا عن مراكزهم ومنازلهم الاجتماعية نستطيع أن نجزم أنهم كانوا من الوجهاء والأعيان، فرفقة تصاحب الملك للاحتفال بزيارة كهذه الزيارة لا بد أن يكون لها شأن بين الناس.
وتعد الكتابة التي وسمت بـ "Philby82" من الكتابات المهمة، وقد دونها رجلان من أشراف "حمير يهن"، أي من حمير، رافقا الملك في سفرته إلى حصن "أنود"، لإعلان نفسه ملكًا على حضرموت ولمناسبة تلقبه بلقبه، وهي عادة كان يتبعها ملوك حضرموت عند توليهم الملك وتلقبهم بلقب جديد لم يكن يتلقبون به قبل انتقال العرش إليهم، ولسنا نعرف متى نشأ هذا التقليد عند ملوك حضرموت، ولا السبب الذي دفعهم إلى اختيار هذا المكان دون غيره، ولعله كان من الأماكن المقدسة القديمة عندهم، فكانوا يتبركون بتتويج أنفسهم فيه، أو أنه كان قلعة أو موضعًا قديمًا فجرت العادة أن يتوج الملوك فيه. وقد كان هذان الرجلان بعثهما "ثارين يعب يهنعم" ملك "سبأ وذي ريدان" لمرافقة ملك حضرموت في هذه المناسبة. والظاهر أن ملك سبأ إنما بعثها لتهنئة ملك حضرموت في هذه المناسبة. والظاهر أن ملك سبأ إنما بعثها لتهنئة ملك حضرموت ولتمثيله في هذا الاحتفال المهيب الذي يجري في "أنود"، فهما مبعوثان سياسيان من ملك إلى حليفه1. وقد سجل "العذيلط" "العزيلط" هذه المناسبة في كتابة قصيرة ورد فيها "العزيلط ملك حضرموت بن عم ذخر سيراد جندلن أنودم هسلقب"، أي "العزيلط ملك حضرموت ابن عم ذخر سار إلى حصن أنود ليتلقب بلقبه.."2 وقد كتبت هذه الكتابة في الزمن الذي دونت فيه الكتابتان الأخريان عن زيارة الملك لحصن "أنود" عند إعلان لقبه الجديد. وتوليه العرش رسميًّا، غير أننا لا نعرف -ويا للأسف- تأريخ هذه المناسبة.
وذكر اسم الملك "العزيلط بن عم ذخر" في كتابة دونها جماعة من الأعيان عند تتويجه وتوليه العرش وإعلان ذلك للناس في حصن "أنود" وأصحاب
1 Sheba's Daughters. P. 449، Philby 82، REP. EPIC، VII، III، P. 414
2 Sheba's P. 450، Philby 83، REP. EPIG.. VII، III، P. 415، 4910
هذه الكتابة هم: "نصرم بن نهد""نصر بن نهد" و"رقشم بن أذمر""رقاش بن أذمر"، "والم بن يعللد""وائل بن يعللد"، و" والم بن بقلن" و"ابكرب ذو دم""أبكرب ذو ود"1. وقد ورد أنهم ساعدوا الملك سيدهم "العزيلط بن عم ذخر" "العذيلط بن عم ذخر" حين ذهب إلى حصن "أنود" لإعلان نفسه ملكًا2. ويظهر من ذلك أنهم كانوا من جملة رجال الحاشية الملكية التي صحبت الملك إلى ذلك المكان، ووردت نصوص أخرى سجلها رجال الحاشية الملكية تخليدًا لاسمهم في هذه المناسبة3. وقد سجل كتابة من هذه الكتابات رجل اسمه "حصين بن ذا ييم مقتوي العزيلط ملك حضرموت"، "حصين بن ذ أييم مقتوي العزيلط ملك حضرموت"، ويظهر أن هذا الرجل كان من قواد جيش الملك وضباطه ولعله كان من مرافقيه4.
وقد منح بعض علماء العربيات الجنوبية هذا الملك، أي الملك "العز بن عم ذخر""العذ" لقب "العز الثالث"، لذهابهم إلى وجود ملكين حكما قبله عرفا بهذا الاسم. ورأى "ركمنس" أن حكمه كان في حوالي السنة "200 ب. م."5.
وقد ورد في كتابة حضرمية اسم ملك دعي بـ "العذ""العز" ابن "العزيلط""العذيلط" ملك حضرموت، فيظهر من ذلك أن والد هذا الملك كان ملكًا كذلك، ولم يشر أحد من الباحثين مثل "فلبي" أو "البرايت" إليه. ولعله ابن للملك المتقدم، وصاحب هذه الكتابة رجل اسمه "هبسل قرشيم"6 وتذكرنا كلمة "قرشم""قريشم"، أي "قريش" باسم قبيلة "قريش" صاحبة مكة.
ولم يتأكد "البرايت" من اسم الشخص الذي تولى العرش بعد "العزيلط" فترك فراغًا ذكر بعده ملكًا سماه "العزيلط""العذيلط" ميزه عن الأول بإعطائه لقبًا، هو "الثاني". وقد رأى أنه كان معاصرًا للملك "ثأرن يعب يهنعم"
1 "نصر بن نهد""ورقاش بن أذمر""وائل بن يعللد""وائل بن باقل""أيكرب ذوودة".
2 REP. EPIG.، VII، III، P. 392، 4852، Philby 27+29
3 REP. EPIG.، VII، III، P. 395، 4855، 396، 4857، Philby 30، 32، 34
4 REP. EPIG.، VII، III، P. 398، 4861، Philby 36، P، 401، 4874، Philby 49
5 Beltrage، S.، 114، 144
6 REP. EPIG.، VII، III، P. 322، 4693، Le Museon، LXII1، 3-4' 1950، P. 261
ملك سبأ. أما والد "العز الثاني" على رأيه فهو "علهان" أو "سلفان"1.
ويرى "فلبي" أن "علهان" أو "سلفان" هو ابن "العزيلط" الأول2.
وقد سبق أن ذكرت أن "ثأرن يعب يهنعم" كان حليفًا للملك "العزيلط بن عم ذخر"، وأنه أرسل وفدًا لتهنئته بتتويجه وإعلانه لقبه الجديد3. ولذلك يبدو غريبًا ما ذهب إليه "البرايت" من أن "العزيلط الثاني بن علهان" أو "سلفان" هو الملك المعاصر للملك "ثأرن يعب" السبئي.
ويحتمل على رأي "البرايت" أن يكون "العزيلط""العذيلط" الذي ورد ذكره في النص "Glaser 1619 = 1430" الذي عثر عليه في "وادي بيحان" ويعود تأريخه إلى سنة "144" من التقويم السبئي التي تقابل سنة "29م" تقريبًا، هو "العزيلط الثاني". ويحتمل على رأيه أيضًا أن يكون هو الملك "Eleazos" الذي ذكر في كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"4. وكان هذا الملك معاصرًا لملك آخر سماه مؤلف هذا الكتاب "Charibael" = "Karibael وهو ملك الحميريين والسبئيين5، وقد أراد به الملك "كرب ايل وتر يهنعم" وهو "ملك سبأ وذي ريدان" المذكور في النص 6Glaser 483.
أما "فون وزمن"، فيرى أن كاتب النص قد أهمل الرقم ثلاث مائة فكتب مائة وأربعة وأربعين، على حين أن الصحيح هو "344" من التقويم الحميري، وإذن يكون زمان تدوين الكتابة هو "229" أو "235" بعد الميلاد وهو وقت حكم "العزيلط بن عم ذخر" على تقديره7.
وجاء اسم ملك يدعى "العزيلط""العذيلط" في كتابة سجلها رجلان، يدعى أحدهما "عذ ذم بن أب أنس" عذ ذ بن أب أنس" ويدعى الآخر "رب آل بن عذم لت" "رب ايل بن عذم لات"، وهما من عشيرة "مريهن" "مريهان"، ذكر فيها أنهما قدما إلى معبد الإله "سن ذ علم"
1 OOR، Num. 119، (1950) ، P. 14
2 Background، P. 144
3 Sheba's، P. 449
4 يرى بعض العلماء أنه ألف بين 40-70 بعد الميلاد.
5 OASOOR، Num. 119 (1950) ، P. 14
6 Beitrage، S.، 114
7 Le Museon، 1964، 3-4، P. 482 4
"سين ذي علم" في معبده "علم" المشيد في مدينة "شبوة"، سبعة تماثيل من الذهب "سبعة أصلم ذهبن"، كما أمرهما سيدهما الملك1. ويظهر أنهما كانا من حاشيته وأتباعه، وقد أهملت هذه الكتابة اسم والد هذا الملك، فلا نعرف أي ملك هو، أهو "العزيلط الأول"، أم "العزيلط الثاني"؟
وقد ورد في بعض الكتابات ما يفيد استقبال "العزيلط" لضيوف وفدوا عليه من مختلف الأماكن: من الهند "هند"، ومن "تدمر""تذمر"، وضيوف آراميون جاءوا إليه من "كشد"2، بل ورد في الكتابة "Ja 919" مرافقة عشر نساء قرشيات له إلى حصن "أنود"3. وإذا كانت الكتابة قد قصدت من "قريش" قريش المعروفة صاحبة مكة، نكون قد وقفنا لأول مرة على اسمها في وثيقة مدونة.
ولإشارة النصين المذكورين إلى الهند وتدمر وإلى بني إرم وقريش، أهمية كبيرة ولا شك، إذ تدل على الاتصال الذي كان لمملكة حضرموت بالعالم الخارجي في ذلك الزمن، وعلى الروابط التجارية التي كانت تربط ذلك العالم بحضرموت. وقد كان اتصال حضرموت بالخارج عن طريق ميناء "قنا"، فقد كانت السفن تأتي إليه وتخرج منه لتذهب إلى إفريقيا والهند وعمان، وأرض فارس4.
وترك "البرايت" فراغًا بعد "العزيلط الثاني"، مغزاه أنه لا يدري من حكم بعد "العز" هذا، ثم ذكر بعده اسم "يدع أب غيلان بن أمينم""يدع أب غيلان بن أمين"، ثم جعل اسم ابنه من بعده. وهو "يدع ايل بين"،أي أنه هو الذي تولى الحكم من بعده. وقد بين أنه غير متأكد من زمان حكمهما، إلا أن دراسة الكتابات التي ذكر فيها اسماهما تدل على أنها من
1 لم يذكر في النص الذي نشره "بيستن" في مجلة: Le Museon اسم هذه العشيرة، راجع:
Le Mus6on، LXIII، 3-4، 1950، P. 262، 265، REP. EPIG.، VII، IH، p. 320،
4691، Phllby 2، Ryckmans 1266
2 JA 931، Le Museon، 1964، 3-4، P. 484
3 JA 919، Le Museon، 1964، 3-4، P. 484
4 Le Museon، 1964، 3-4، 484
نوع كتابات القرن الأول للميلاد، ولذلك وضع زمانهما في هذا العهد1.
ومن الكتابات التي ذكر فيها اسم "يدع ايل بين"، أي ولد "يدع أب غيلان بن أمينم" الكتابة التي وسمها العلماء بسمة "Glaser 1623"، وهي كتابة قصيرة تتألف من أربعة أسطر. ورد في جملة ما ورد فيها اسم الإله "سين ذو علم"، أي الإله "سين" رب معبد "علم"، وكان معبد "علم" قد خصص بعبادة هذا الإله2.
وقد وصلت إلينا كتابة أخرى ورد فيها اسم "يدع ايل بين"، إلا أنها لم تذكر لقب والده، وهو "غيلان"، وإنما اكتفى فيها بتسجيل الاسم وحده وهو "يدع أب". وقد ذكر فيها أن هذا الملك بنى وحصن سور مدينة "شبوة" ابتغاء الإلهتين:"ذات حشولم""ذت حشولم""ذات حشول" و"ذت حمم""ذات حميم"، وذكر فيها اسم "صدق ذخر""كبر""كبير" حضرموت3. ويظهر أن الغرض من ذكر اسم هذا الكبير "كبير" في النص، أن تؤرخ الكتابة به على نحو ما رأينا في الكتابات المعينية من التأريخ بأسماء الرجال4.
ولم يذكر "البرايت" من حكم بعد "يدع ايل بين"، فترك فجوة تدل على أنه لا يدري من حكم فيها، ثم ذكر بعدها ملكًا آخر، سماه "يدع ايل بين"، قال: إنه ابن "سمعه يفع"، ثم ذكر "السمع ذبيان بن ملكي كرب""ملكيكرب" من بعده، وقال إنهما كانا متعاصرين5، وقد حكما حكمًا مزدوجًا، أي أن كل واحد منهما كان يحكم بلقب "ملك حضرموت".
وكان حكمهما في حوالي السنة"100" بعد الميلاد على بعض الآراء6.
ثم عاد "البرايت" فترك فراغًا بعد "السمع ذبيان"، دلالة على وجود فجوة في ترتيب أسماء ملوك حضرموت، لا يدري من حكم فيها، ثم ذكر
1 The Chronology، P. IE
2 BOASOOR، Num. 119، (1950) ، P. 14، Ryckmans، 169، REP. EPIG.، 4698،
VII، m، P. 323، Philby 9، BE. 49
3 Le Museon، LX، 1-2، 1947، P. 53، Hamilton، 2، Plate، I
4 Le Museon، LX، 1-2، 1947، P. 55
5 BOASOOR، Num. 119، 1950، P. 14
6 Beitrage، S.، 85
بعدها الملوك: "رب شمس""ربشمس" ثم "يدع ايل بين" ثم "الريم يدم" ثم "يدع أب غيلان"1.
وقد ذكرت اسم "رب شمس" قبل قليل، وقدمت زمانه بعض التقديم، وذلك حكاية عن رأي بعض العلماء وفي ضمنهم "فلبي" الذي جعل حكمه قي حوالي سنة "180 ق. م." ثم عدت لأذكره هنا مجاراة لرأي "البرايت" الذي وضعه في أواخر قائمته لملوك حضرموت. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن حكم هذا الملك كان بعد سنة "200 ب. م."2. وفرق كبير كما نرى بين التقديرين.
وقد جعل "فون وزمن" زمان "رب شمس" بين السنة "100" و"120 ب. م." وصيره من معاصري "اوسلت رفش""أوسلة رفشان" ملك همدان ومن معاصري الفترة الواقعة بين حكم "ذمر على يهبر" و"ثأران يعب" الحميريين3. ثم البقية التى جاءت بعده، وتتألف من "يدع آل بين" "يدع ايل بين"، ثم "الريم يدم" "الريام يدم"، ثم "يدع اب غيلن" "يدع أب غيلان"، ثم "رب شمس" "ربشمس" وقد جعل نهاية حكمه سنة "180 ب. م"4.
وبعد النص الموسوم بـ Philby 84 من النصوص المهمة بالنسبة إلى تأريخ مدينة "شبوة"، وقد كتب في عهد "يدع ايل بين بن رب شمس"، وجاء فيه أن "يدع ايل بن رب شمس" من "أحرار يهبأر""أحرار يهبار""أحرار يهبر" عمر مدينة "شبوة" وأقام بها، وبنى المعبد بالحجارة، وذلك بعد الخراب الذي حل بها، وعمر ما تهدم وتساقط منها، وأنه احتفالًا بهذه المناسبة أمر بتقديم القرابين، فذبح "35" ثورًا، و"82" خروفًا ،"25" غزالًا و "8" فهود "أفهد"، وذلك في حصن "أنود"5.
1 The chronology، P. II، Le Museon، 1964، 3-4، P. 468، Jamme، Sabaean Inscriptlns، P. 305، The Al-'uqlah Texts، Catholic Univ. of America Press، Washington، 1963، PP.، 7.
2 Beitrfige، S.، 105.
3 Le Museon، 1964، 3-4، 498.
4 Le Museon، 1964، P. 498.
5 Philby 84، Sheba's، P. 451، Le Museon، LXI، 3-4، 1948، P. 190، REP. EPIG. 4912، Vn، in، P. 416.
وقد حدثنا هذا النص حديثًا صريحًا بأن أصل "يدع ايل بين" من أحرار "يهبأر""أحرر يهبر" أي من صرحاء القبيلة، وحدثنا أيضًا بأنه بنى مدينة شبوة، وعمر معبدها وكسا جدره بطبقة من القار أو غيره لتكون ملسًا، من أساسها إلى شرفاتها، وذلك بعد الخراب الذي حل بشبوة، إلا أن الملك لم يتحدث عن سبب ذلك الخراب الذي أصاب المدينة ومعبدها معها، وهو خراب كبير على ما يظهر، فتركنا في حيرة من أمره، وتباينت آراء الباحثين فيه.
ويرى "البرايت" أن النص المذكور هو من نصوص القرن الثاني بعد الميلاد، أما "ركمنس" فيرى أنه من نصوص ما بعد السنة "200" بعد الميلاد، فهو إذن نص يكاد يجمع أكثر علماء العربيات الجنوبية على أنه من نصوص بعد الميلاد، وإذا صدق رأي هؤلاء، كان خراب شبوة إذن وإعادة تعميرها قد وقعا بعد الميلاد1.
وقد فسر بعض الباحثين خراب "شبوة" باستيلاء أحد ملوك "سبأ وذي ريدان" عليها، فلما نهض "يدع ايل بين"، لاستردادها من السبئيين، وقع قتال شديد فيها بينه وبينهم في المدينة نفسها، لم ينته إلا بعد خراب المدينة وتدمير معبدها معبد الإله "سين"، وعندئذ ارتحل عنها السبئيون، فاضطر "يدع ايل" الذي طردهم منها إلى إعادة بناء المدينة والمعبد، فلما تم له ذلك، احتفل بهذه المناسبة، أو بمناسبة تتويجه ملكًا على حضرموت في حصن "أنود" وقرب القرابين إلى إله حضرموت "سين" وإلى بقية الآلهة، شكرًا لها على ذلك، النصر، وعلى النعم التي أغدقتها عليه. هذا في رأي فريق من علماء العربيات الجنوبية2.
ورأى فريق آخر أن في خراب "شبوة" سببًا من سببين، فإما أن يكون "يدع ايل" وهو من أحرار قبيلة "يهبأر"، وقد أعلن الثورة على السبئيين الحميريين الذين كانوا قد استولوا على شبوة، وقاومهم مقاومة عنيفة أدت إلى إلحاق الأذى بالمدينة، فلما تركها السبئيون الحميريون كانت ركامًا، فأعلن "يدع ايل" نفسه ملكًا على حضرموت، بعد أن ظلت المملكة بدون ملك، وإما أن
1 Beitrage، S، 115
2 Beitrage، S، 115
يكون ذلك الخراب بسبب عصيان "يدع ايل" على الأسرة المالكة الشرعية ومقاومته لها، مما أدى إلى إنزال التلف في المدينة، فلما تغلب على الأسرة المالكة أعاد بناء المدينة وجددها وجدد معبدها على نحو ما جاء في النص1.
وليس في النص شيء ما عن الطريقة التي كسب بها تاج حضرموت، إلا أن إشارة وردت في كتابة تفيد أن بعض الأعراب ورجال القبائل كانوا قد تعاونوا معه وساعدوه، فقد عاونه رجل من قبيلة "يم""يام"، ومائة من بني أسد، ومائتان من "كلب" أو "كليب"2، وعاونه ولا شك آخرون وبفضل هؤلاء وأمثالهم من رجال القبائل تغلب على من ثار عليهم، فانتزع التاج منهم، والإشارة المذكورة على أنها غامضة، كافية في إعطائنا فكرة عمن ساعد "يدع ايل" على الظفر بالعرش.
ويظهر من كل ما تقدم أن "يدع ايل بين"، وهو من أبناء العشائر، كان قد جمع حوله جماعة من القبائل، ساعدته في عصيانه وتمرده على السلطة الحاكمة في "شبوة" فاستولى على الملك وقد جاء بعده عدد من الملوك، إلا أن الأمر أفلت زمامه منهم، إذ نجد أن الملك "شمر يرعش""شمر يهرعش" يضيف "حضرموت" إلى الأرضين الخاضعة لحكومته، حتى صار اسم حضرموت منذ ذلك الحين جزءًا من اللقب الذي يلقب به الملوك. ومعنى ذلك انقراض مملكة حضرموت ودخولها في حكومة "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" اللقب الرسمي الذي اختاره "شمر" المذكور نفسه.
ويرى "فون وزمن" أن الكتابة الموسومة بـ jamme 629، هي من الكتابات التي تعود إلى أيام هذا الملك وقد جاء فيها أن "مرثدم""مرثد" و "ذرحن""ذرحان"، وهو قائد من قواد جيش "سعد شمع أسرع" و"مرثدم يهحمد" من "آل جرت""آل جرة"، قد حاربا الملك "يدع آل""يدع ايل" ملك حضرموت والملك "نبطم""نبط" ملك قتبان، وهو "وهب آل بن معهر""وهب ايل بن معاهر" و"ذاخولن""ذو خولان""ذ خولن" و"ذ خصبح""ذو خصبح" و"مفحيم""مفحى" حارباهم في أرض "ردمان" قرب العاصمة "وعلن""وعلان"3.
1 Beitrage، S، 115
2 Beitrage، S، 115
3 Le Museon، 1964، 3-4، P. 463
ويرى "فون وزمن" أن هذه الحرب قد وقعت في أواخر أيام حكم الملك "نبطم" نبط" ملك قتبان، المعروف بـ "نبطم يهنعم"، وقد لقب في هذه الكتابة بلقب: "ملك قتبان" إلا أنه كان في الواقع تابعًا لحكم ملك حضرموت، وقد كانت "تمنع" -كما يرى هو أيضًا- قد خربت قبل هذا العهد، وتحولت إلى قرية صغيرة. وقد التقت عساكر "سعد شمس" و"مرثد" بخصومها قرب هذا المكان. ولم تكن "أوسان" مملكة في هذا العهد، بل كانت قبيلة. وقد أذلت "شيعان" بعد هذه الحرب.
وأما "مرثد""مرثدم" صاحب الكتابة، فهو من "ذ بن جرفم""بني ذي جرفم""بني ذي جرف"1 بـ "صنعو"، أي "صنعاء"، وقد عمل مع الملكين:"سعد شمس أسرع" و"مرثدم يهحمد"، وهما من ملوك مملكة "جرت""جرة "، لتنظيم اجتماع لسادات القبائل في موضع "رحبت""رحابة" الواقع شمال صنعاء، بأرض "سمعي". وقد حضر الاجتماع:"شرحثت"، وهو من سادات "بتع"2، و"الرم""الرام""الريام"، وهو من "بني سخيم"، و"يرم أيمن" الهمداني. ويظهر أن ملكي "جرة" كان قد استحوذا على مرتفعات سبأ في هذا الحين3.
وكان "وهب آل بن معهر""وهب ايل بن معاهر" صاحب "ردمان""ردمن" والأرضين المتاخمة لـ "خولان" في هذا الوقت. وقصد بـ "معهر" دار الحكم بمدينة "وعلن""وعلان" من أرض "ردمان"4.
وأما "خصبح" فبطن من بطون قتبان.
وتولى الملك بعد "يدع ايل بين" ابنه "الريم يدم""الريام يدم" ونحن لا نعرف من أمره شيئًا يذكر، إلا ما ورد في كتابة تذكر أنه ذهب إلى حصن "أنود"، واحتفل هناك بتوليه العرش، وإعلانه لقبه الذي اتخذه لنفسه5.
وإلا ما ورد في كتابة أخرى، دونها "رب شمس بن يدع ايل بين"، أي
1 "حرف"، "كراف".
2 راجع النص: CIH222
3 Le Mus6on، 1964، 3-4، P. 465
4 Le MusSon، 1964، 3-4، P. 464
5 Sheba's، P. 452، Philby 85، REP. EPIG.، VII، III، P. 418، 4913
شقيق "الريم يدم"، تذكر أنه رافق شقيقه إلى حصن "أنود" عند المناسبة المتقدمة، فكان من جملة المشاهدين لحفلة التتويج1.
ولا نعرف من أمر "يدع أب غيلان" شقيق، "الريم يدم" شيئًا يذكر كذلك. وقد جعله "البرايت" خليفة شقيقه المذكور، وكل ما لدينا عنه، لا يتجاوز ما ذكرناه عن شقيقه. فقد جاء في كتابة أنه ذهب إلى حصن "أنود"، فاحتفل فيه بتتويجه وأعلن في الاحتفال اللقب الذي لقب نفسه به، وجاء في كتابة أخرى سجلها "رب شمس"، أي شقيقه، أنه ذهب مع أخيه "يدع أب" إلى حصن "أنود" لمشاهدة الاحتفال بتتويجه وبإعلانه اللقب2.
وقد ورد في أحد النصوص أن "يدع أب غيلن""يدع أب غيلان"، سور مدينة "ذ غيلن". ويرى بعض الباحثين، أن هذا الملك كان قد بنى هذه المدينة في أرض قتبانية فتحت في أيام والده، في مكان يقع عند فم وادي "مبلقه""مبلقت" المؤدي إلى وادي "بيحان"، ويشك بعض الباحثين في صحة قراءة اسم المدينة3.
وفي الكتابة المرقمة برقم philby 88 جملة هي: "رب شمس خير اسدن بن يدع آل بين"، ترجمها "بيستن" بـ "رب شمس أمير أسد بن يدع ايل بين" على أن "أسدًا" قبيلة، واستدل على ذلك بما جاء في إحدى الكتابات من أن الملك "ختن أسد"4، ومعنى ذلك أنه كان ختنًا لـ "بني أسد".
وأرى أن لفظة "اسدن""أسد" هنا لا تعني قبيلة أسد وإنما تعني جنودًا أو جيشًا، وهي بهذا المعنى في العربيات الجنوبية، فإن لفظة "أسدم" تعني الجندي، وأن المراد من جملة "رب شمس خبر اسدن""رب شمس أمير الجند" أو "الجيش"، أي أن لفظة "خير" بمعنى أمير أو قائد، وخير القوم سيدهم، فيكون بذلك قائدًا أو أميرًا لجيوش حضرموت.
1 Philby 86، Sheba's، P. 452، REP. EPIG. 4914، VII، III، P، 418
2 Philby 88، Sheba's، P. 487، REP. EPIG. 4918، VII، III، P. 419
3 A. Jamme، A New Chronology of the Qatabanlan Kingdom، BOASOOR، Num. 120، 1950، 26، Sabaean Inscriptions، P. 297، Le Museon، 1964،3-4، P. 464
4 Philby 88. Sheba's P. 444، REP. EPIG. 4919، VII، III، P. 419
وبناء على ما تقدم نكون قد عرفنا اسم ثلاثة أولاد من أبناء "يدع ايل بين" تولى الملك اثنان منهم على وجه أكيد، أما الثالث، وهو "رب شمس" فلم تصل إلينا كتابة تذكر ذهابه إلى حصن "أنود" للاحتفال بتتويجه وإعلان لقبه.
لذلك لا نستطيع أن نبت في موضوع توليه عرش حضرموت. ولم يذكر "البرايت" اسمه بين أسماء أبناء "يدع ايل بين". وقد استخرجته أنا من الكتابات التي ذكرتها، وهي الكتابات التي استنسخها "فلبي" من موضع "عقله".
وفي اللوح النحاس المحفوظ في المتحف البريطاني اسم ملك من ملوك حضرموت هو "صدق ذخر برن""صدق ذخر بران"، ووالده "الشرح"، وقد ذكر فيه أن هذا الملك قدم نذورًا إلى الآلهة:"سين" و"علم" و"عثتر" لخيره ولخير "شبوة" ولخير أولاده وأفراد أسرته، وقد وردت فيه أسماء قبائل يظهر أنها كانت خاضعة في هذا الزمن لحكمه هي:"مرثد" و"أذهن""أذهان"، و"ينعم"1. ولورود اسم "شبوة" في هذا النص، يجب أن يكون هذا الملك قد حكم بعد تأسيس هذه المدينة.
وذكر "هومل" أنه وجد محفورًا على الجبهة الثانية من اللوح النحاس "مونكراما" Monogramm طغراء تشير إلى اسم الملك الذي كان يحكم حضرموت في ذلك الزمن، وقد دعاه "هومل""سعد شمسم""سعد شمس"2.
وورد اسم ملك آخر من ملوك حضرموت، وهو:"حي آل""حي ايل"، وقد ورد اسمه في نقد حضرمي3. وما نعرف من أموره في الزمن الحاضر شيئًا.
ولم يشر "البرايت" و"فلبي" و "هومل" وغيرهم إلى اسم ملك حضرمي ورد ذكره في النص المرقم برقم "948" المنشور في كتاب ClH4.
وهو نص متكسر في مواضع متعددة منه، أضاعت علينا المعنى، واسم هذا الملك "شرح آل""شرح ايل""شرحبيل".
وقد سقطت كلمات قبل هذا الاسم، لعلها تكملته. وقد وردت بعده جملة:
1 Halevy، Etudes، P. 173، OS. 29
2 Hommel، Grundriss، I، S.، 138
3 Handbuch، S.، 96، Anm. 2، 103
4 CIH، IV، III، II، P. 275-276
"ملك حضر.."، وسقطت الأحرف الباقية من كلمة حضرموت وكلمات أخرى.
وقد ورد في النص المذكور اسم "شمر يهرعش" ملك "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات"1. ويدل ورود اسم "شمر يهرعش" في هذا النص مع اسم "شرح ايل" على أن الملكين، كانا متعاصرين، ويدل هذا النص على أن مملكة حضرموت بقيت إلى ما بعد الميلاد، وحتى أيام "شمر يهرعش"، يحكمها حكام منهم، يحملون لقب "ملك".
وكان آخرهم هو "شرح ايل" هذا المدون اسمه في النص المذكور. ولكنه لم يكن مستقلًّا كل الاستقلال، بل كانت تحت حماية "شمر يهرعش" ووصايته. ودليلنا على ذلك ذكر "شمر" في النص مع "شرح ايل" وإدخال اسم "حضرموت" ضمن أسماء المواضع الخاضعة" لحكم "شمر"، أي في اللقب" الرسمي الذي اتخذه "شمر" لنفسه بعد استيلائه على حضرموت.
وعثر على نص وسم بـ jA656، جاء فيه اسمًا ملكين من ملوك حضرموت أحدهما "رب شمس"، والآخر "شرح ايل""شرح آل"2. وليس في النص ما يكشف عن هوية الملكين، وأرى أن "رب شمس" هذ اهو "رب شمس" المتقدم عن شقيق الملكين، وابن "يدع ايل بين" وإذا صدق رأيي هذا، يكون قد تولى الملك لمدة قليلة، تولاه بعد وفاة شقيقه "يدع أب غيلان" ثم انتقل العرش إلى "شرح ايل"، وهو في نظري "شرح ايل" الذي اعترف بسيادة "شمر يهرعش" وسلطانه عليه كما تحدثت عنه.
وقد يكون أحد أبناء "رب شمس" وقد يكون حمل لقب "ملك حضرموت" مع "رب شمس" في آن واحد، وهذا النص هو بالطبع أقدم من النص المتقدم الذي ورد فيه اسم "شمر يهر عش".
لقد جعل بعض علماء العربيات الجنوبية سقوط مملكة "حضرموت" واندماجها نهائيًّا في مملكة "سبأ وذي ريدان" في أيام "شمر يهرعش"، وبعد السنة "300 ب. م"3. وأود أن أبين هنا أننا لما نظفر بكتابة عربية جنوبية،
1 وهو "شمر يرعش" عند الإسلاميين.
2 Le Museon، 1946، 3-4، P. 453
3 Bitrage، S. 116
فيها شيء عن كيفية سقوط مملكة حضرموت، وعن كيفية استيلاء "شمر يهرعش" أو غيره من الملوك عليها، فنحن لهذا في وضع لا يسمح لنا بوصف نهاية تلك المملكة وذكر الأحداث التي أدت إلى سقوطها واندماجها في ممكلة سبأ وذي ريدان.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن سقوط حضرموت كان في القرن الرابع بعد الميلاد، وقبل احتلال الجيش للعربية الجنوبية بقليل. وقد وقع هذا الاحتلال على رأيهم فيما بين السنة "335 ب. م" والسنة "370ب. م"1.
وقد أدت فتوحات "شمر يهرعش" لحضرموت، ولأرضين أخرى تعد من المناطق الخصبة الكثيفة بسكانها في جزيرة العرب، إلى هجرة الناس عنها إلى مناطق بعيدة نائية، وإلى نزول الخراب في كثير من القرى والمدن، إذ تهدمت بيوتها ومعابدها، وقتل كثير من أهلها، وأتت النار على بعضها حرقًا، فتحولت منازل الناس إلى خرائب، وجفت مزارعهم فآضت بوادي، فهجرها أهلوها ولم يعودوا إليها بعد هذا الخراب، فزادت مساحة الصحاري ولم تعمر منذ ذلك الحين. وقد زاد في نكبة العربية الجنوبية هذه أن حروب "شمر يهرعش" المذكورة استمرت زمنًا طويلًا، وشملت أكثر اليمن حتى بلغت البحر. مما أطمع الجيش في العربية الجنوبية، فزادت قواتها في الأرضين التي احتلتها، وتوغلت في مناطق واسعة، ولا سيما بعد موت "شمر يهرعش".
هذا وقد انتهت إلينا كتابات عدة تعرضت لأنباء الحروب التي نشبت بين حضرموت وسبأ، وبين حضرموت وحكومات أخرى، منها كتابات لم تذكر فيها أسماء الملوك الذين وقعت في أيامهم تلك الحروب، كالكتابة المرقومة بـ "4336" المنشورة في كتاب 2REP EPIG. وقد قدم صاحبها إلى إلهه الشكر والحمد، وتمثالين من الذهب إلى معبده في "نعلم"؛ لأنه نجى سيده "بشمم""بشم" ومن عليه بالشفاء من الجرح الذي أصابه في المعركة التي نشبت في مدينة "ثبير" في أرض "يحر"، وهي معركة من معارك نشبت بين "شمر ذي ريدان" و "أب أنس" من قبيلة "معهرم""معهر""معاهر" وأمراء "خولان"
1 Beitrage، S. 144
2 REP. EPIG، VII، II، P. 199