الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بذلك رأيه السابق الذي كان قد جعل منازل تلك القبيلة في أرض "أوسان"1.
كما ذهب إلى أن منازل "يحر" لم تكن في أرض "مراد"؛ لأن "مرادًا" هي "حرمتم". وذهب إلى أن "يحر" هذه، تختلف عن "يحر" القبيلة المذكورة في النص:"2ERP. EPIG. 4336".
وأما "شيار""سيار"، الذين ذكروا في نص الملك "يدع اب ذبيان" بعد "وعلان" فإنهم "سيار" في الوقت الحاضر على بعض الآراء. وهم عشيرة صغيرة منعزلة تعيش في أرض "العوذلة""العوذلي"، ويرى بعض الباحثين أن موضع "حصى"، هو مكان "شيار"3.
وفي "حصى"، خرائب وآثار. وقد ذكر "الهمداني" أنه كان لـ"شمر تاران" وفيه قبره، وذكر في كتابه "الإكليل"، أن في "حصى" قصر لـ"شمر تاران لهيعة" من "رعين" وفيه قبره4 وذكر من زار الموضع من السياح المستشرقين، أنه رأى هناك آثار خرائب واسعة ذات حجارة ضخمة وكتابات كثيرة وتماثيل بحجم الإنسان5. ولا يستبعد أن يكون هذا الموضع مدينة مهمة كبيرة من مدن تلك الأيام.
1 Le Museon، 1964، 3-4، P. 434
2 Le Museon، 1964، 3-4، P. 434
3 Beltrage، S.، 60
4 Beltrage، S.، 62
5 Beltrage، S.، 62
مدن قتبان:
أهم مدن قتبان، هي العاصمة "تمنع"1. وتعرف حديثًا بـ "كحلان" وبـ "هجر كحلان" في "وادي بيحان"2 في منقطة عرفت قديمًا بخصبها وبكثرة مياهها وبساتينها، ولا تزال آثار نظم الري القديمة تشاهد في هذه المنطقة
1 "تمنع" وقد حرف بعض المترجمين للكتب الأعجمية اسم هذه المدينة المدون في المسند، وهو "تمنع" فصيره "تمنه""تمنة".
2 حرف بعض المترجمين للكتب الغربية هذا الاسم فصيروه "وادي بيهان" وهو خطأ.
الجاب الجنوبية لمدينة "تمنع" وقد كانت هذه الآثار. مطمورة تحت الرمال ويعود تأريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد. من كتاب Qataban and Sheba الصفحة "118".
حتى اليوم1.
و"تمنع" هي "2Tamna" أو "3Thomna" و "Thumna" عند "الكلاسيكيين"4. وقد اختلف علماء العربيات الجنوبية المتقدمون في تعيين مكان هذه العاصمة التي بلغت شهرتها اليونان والرومان5، ثم تبين أخيرًا أنها الخرائب التي تسمى اليوم بـ "كحلان" وبـ "هجر كحلان"، وقد أثبتت هذا الرأي
1 Background، P. 63، Ency.، Vol.، 2، P. 811، Rhodokanakis، Die Inschriften an der Mauer von Kohlan، Tlmm'، in BAK، Wien، 1924، CC/n، 8
2 Ency.، 2، P. 811، Glaser، Abess.، S.، 112
3 Pliny، 2، P. 453، (H. Rackham) ، Loeb، Classical library،BIC، 6، 153-154
4 Ency.، 2، P. 811، (Thomala) ، Sprenger، Georg.، S.، 160، Ptolemy، VI، 7، 37.
5 Glaser، ZDMG، XHV، 184، Sklzze، 2، 18، Abessi.، S.، 112، 115، Hommel، Gxundriss.، S.، 137، Ency.، 2، B 811
وأيدته الحفريات التي قامت بها البعثة الأمريكية التي كونها "ويندل فيلبس"، إذ عثرت على كتابات عديدة وعلى آثار أثبتت أن "كحلان" اليوم، هي "تمنع" أمس، سوى أن "تمنع" اليوم هي خراب وأتربة تؤلف حجابًا كثيفًا يغطي الماضي الجميل البعيد، أما "تمنع" أمس، فكانت مدينة عامرة ذات ذهب وتراث ومعابد عديدة، ووجوه ضاحكة مستبشرة. هذا هو وجه "تمنع" في هذا اليوم ووجهها في الماضي وفرق كبير بين هذين الوجهين.
ويرى "أوليري" أن مدينة "ثومة""Thouma" المذكورة في جغرافية "بطلميوس" هي مدينة "تمنع"1 وقد ذكر "بلينيوس" أن "Thomna" تبعد "4.436" ميلًا من "غزة"، وتقطع هذه المسافة بخمس وستين يومًا تقريبًا على الإبل، وأنها هي ومدينة "Nagia" هما من أكبر المدن في العربية الجنوبية، وبها خمسة وستون معبدًا2.
وقد اختارت البعثة الأمريكية البقعة الجنوبية من مدينة "تمنع" الكائنة على مقربة من بابها الجنوبي لتكون الموضع الذي تسرق منه أخبار الماضين، وتنبش فيه الأرض لتسألها عن أخبار الملوك ومن كان يسكن هذه المدينة من أناس.
وسبب اختيارها هذه البقعة وتفضيلها على غيرها من خربة هذه المدينة التي تقدر مساحتها بستين فدانًا، أنها تكشف عن نفسها بين الحين والحين بتقديم إشارات تظهرها من خلال الرمار المتراكمة عليها، لتنبئ أن في بطون تلال الرمال كنوزًا تبحث عن عشاق لتقدم نفسها إليهم، وعن هواة البحث عن الماضي لثبت لهم هوى أهل "قتبان"، وأخبار عاصمتهم الحبيبة ذات المعابد الجميلة العديدة التي ذهبت مع أهلها الذاهبين، كما اختارات بقعة أخرى لا تبعد عن ركام "تمنع" غير ميل ونصف ميل لتكون مكانًا آخر تحفر فيه لتستخرج منه حديثًا عن الماضي البعيد، وسبب اختيارها لهذا المكان أنه كان مقبرة أهل "تمنع" والمقابر من المحجات التي يركض خلفها المنقبون؛ لأنهم يجدون فيها أشياء
1 O'leary، p. 97، Ptolemy 6. 7، 37
2.
O'leary p. 97 2.pilny 6. 32
كثيرة تتحدث عن أصحابها الثاوين فيها منذ مئات السنين1.
وكان موضع "هجر بن حميد"2، وهو على تسعة أميال، من جنوب آثار مدينة "تمنع"، مكانًا آخر من الأمكنة التي اختارتها البعثة للحفر فيها. وهو عبارة عن تل بيضوي الشكل يرتفع زهاء سبعين قدمًا، يظهر أنه كان قرية مهة في ذلك العهد، طمرها التراب فصارت هذا التل العابس الكثيب. وقد سبق أن عثر في هذا الموقع على آثار، منها لوح من البرنز صغير. عليه رسوم وكتابات، عثر عليه أحد الأعراب هناك، ولهذا تشجع رجال هذه البعثة الأمريكية على الحفر في هذا الموضع3.
وكان من نتائج أعمال الحفر عند الباب الجنوبي لمدينة "تمنع" أن عثر على آثار ذلك الباب الذي كان يدخل منه الناس إلى المدينة ويخرجون منه من هذه الجهة، كما عثر على أشياء ثمينة ذات قيمة في نظر علماء الآثار، إذ عثر على قدور كبيرة وعلى خرز وكتابات وأقراص صنعت من البرنز والحديد، وعثر على شيء أخر قد لا يلفت نظر أحد من الناس إليه، وقد يجلب السخرية على من يذكره ويتحدث عنه لتفاهته وحقارته في نظر من لا يهتم بالآثار وبالنبش في الخرائب، ذلك الشيء التافه الحقير هو طبقات من رماد وبقايا خشب محروق ومعادن منصهرة وقطع من حجارة منقوشة وغير منقوشة، وقد لبست ثوبًا من السخام كأنها لبسته حدادًا على تلك المدينة التي كانت جميلة فاتنة في يوم من الأيام. أما ذلك الرماد. فإنه صار في نظر رجال البعثة علامة على أن المدينة
1 اعتمدت على النسخة المعربة لكتاب: "وندل فيلبس" المسماة "كنوز مدينة بلقيس: قصة اكتشاف مدينة سبأ الأثرية في اليمن" ترجمة عمر الديراوي، ونشر دار العلم للملايين بيروت 1961م، وهي نسخة قد حرفت فيها الأعلام العربية تحريفًا معيبًا مثل "تمنع" وبيحان وقتبان وشبوة وصبلقة ويفش وحريضة وحريب وغيرها فحرفت إلى تمنه وبيهان وقطبان وشابوا وما بلاقا ويافاش وحريدة وحارب وهكذا وقد كان في إمكان المترجم مراجعة الكتب العربية أو الأشخاص لضبطها، وما كنت لأشير إلى هذه الأغلاط، لولا خشيتي من وقوع من لا علم له بهذه الأمور فيها باعتماده على النقل.
2 "هجر"، ومعناها "مدينة": في اللهجات العربية الجنوبية وفي اللغة الأثيوبية وتلفظ "هكر" على الطريقة المصرية الآن في النطق بحرف الجيم، ولكن الشائع بين الناس "حجر بن حميد"، وهو خطأ شائع. The chronology، P. 5
Wendell Phillips، Qataban and Sheba، London، 1955، PP. 58، 64، 119، 166
3 كنوز مدينة بلقيس "ص57"، The Chronology، P. 5
المذكورة المسكينة كانت قد تعرضت لحريق هائل أحرق المدينة وأتى عليها، ولعل ذلك كان بفعل عدو مغير أراد بها سوءًا، فقاومته وعضته ولكنه تمكن وتغلب عليها، فعاقبها بهذا العقاب الجائر المؤلم.
وفي جملة ما عثر عليه من كتابات، كتابة ورد فيها اسم الملك "شهر يجل يهرجب""شهر يكل يهركب"1 وكتابات أخرى ورد فيها أسماء حكام آخرين2. كما عثر على عمودين كتب على كل واحد منهما كتابة تبلغ زهاء خمسة وعشرين سطرًا، وعلى كتابات على جدار بيت "يفش"3 وهو بيت معروف وقد حصل السياح على كتابات ورد فيها اسم هذا البيت، وعلى كتابة عثر عليها على بيت "ينعم"4. وقد ورد فيها اسم الملك "شهر هلل يهقبض" وهو من البيوت المعروفة في هذه العاصمة، ويرى أن عمره لا يتجاوز عشرين سنة عن خرابها5.
وقد ساعد عثور البعثة الأمريكية على غرف بيوت سليمة أو شبه سليمة رجال البعثة على تكوين رأي في البيوت القتبانية، فقد وجدت في البيت الذي سمي ببيت "يفش"، ثلاث غرف ممتدة على الجهة الشرقية للبيت، وقد وجدت في إحدى الغرف مرايا صنعت من البرنز وصناديق محفورة منقوشة للبيت، وقد وجدت في إحدى الغرف مرايا صنعت من البرنز وصناديق محفورة منقوشة وعليها صور ورسوم، لها قيمة تأريخية ثمينة
من ناحية دراسة الفن العربي القديم6، وسوف تقدم الحفريات في المستقبل صورًا واضحة ولا شك للبيوت العربية الجنوبية وتنظيم القرى والمدن فيها، وعندئذ يكون في استطاعتنا تكوين رأي واضح في الحضارة العربية في العربية الجنوبية قبل الإسلام.
وقد وجد أن الباب الجنوبي لمدينة "تمنع" كان ذا برجين كبيرين، بنيا
1 يكتب بحرف الجيم ويلفظ على الطريقة المصرية في النطق بهذا الحرف، وقد صير "شاهر يا ثميل يوحرغب" و "شاهر يا فيل يوحار قيب" في كتاب:"كنوز مدينة بلقيس"، "ص 105، 113 وما بعدها".
The Chronology p. 9.
2 كنوز "ص 105 وما بعدها".
3 صير "يفش""يافاش" في كنوز "ص 108 ومواضع أخرى".
4 صير "يا فعام" و "يا فعام" في كنوز "ص 108- 117".
5 The Chronology p. 9 Nota 23.
6 كنوز "ص 191".
بحجارة غير مشذبة، حجم بعضها ثماني أقدام في قدمين، وقد كانا ملجأين للمحاربين، يلجئون إليهما والى الأبراج الأخرى للدفاع عن المدينة عند مهاجمة العدو. وقد وجدت نقوش كثيرة على الحجارة الكبيرة التي شيد منها البرجان، ويظهر أن زخارف من الخشب كانت تبرز فوق الباب لإعطائه جمالًا ورونقًا وبهاًء، كما يتبين ذلك من آثار الخشب التي ظهرت للعيان بعد رفع التراب والرمال عن الباب.
وقد تبين أن مدخل الباب الجنوبي يؤدي إلى ساحة واسعة مبلطة ببلاط ناعم وضعت على أطرافها مقاعد مبنية من الحجر، لجلوس الناس عليها، ومثل هذه الساحات هي محال تلاقي الناس ومواضع اجتماعهم وتعاملهم، كما هو الحال في أكثر مدن ذلك اليوم.
وفي جملة الأشياء الثمينة التي عثر عليها في "تمنع" تمثالًا أسدين صنعا من البرنز، أثرت فيهما طبيعة الأرض فحولت لونهما إلى لون أخضر داكن، وقد ركب أحدهما راكب يظهر وكأنه طفل سمين على هيأة "كيوبيد"1 ابن "فينوس" إله الحب، يحمل بإحدى يديه سهمًا وباليد الأخرى سلسلة قد انفصمت، تنتهي بطوق يطوق عنق الأسد، يشعر أنه كان متصلًا بالسلسلة التي قطعها الزمان باعتدائه عليها، وأما الأسد الآخر فقد فقد راكبه وبقي من غير فارس، إلا أن موضع ركوبه بقي على ما كان عليه ليقدم دليلًا على أن شخصًا كان فوق ذلك الأسد، وقد وجد أن التمثالين كانا على قاعدتين، مكتوبتين، ورد فيها اسم "ثوبم"، "ثوبيم"2 وقد ورد هذا الاسم نفسه في كتابة وجدت على جدار بيت "يفش" كتبت في أيام الملك "شهر يجل يهرجب" وقد استدل "ألبرايت" من طريقة صنع التمثالين ومن طرازهما أنهما تقليد ومحاكاة لتماثيل "هيلينية" ولا يمكن لذلك أن يرتقي تأريخ صنعهما إلى أكثر من "150" سنة قبل الميلاد، وذلك؛ لأن اليونان لم يكونوا قد صنعوا
1 "كيوبيدو""كيوبيد"، وهو ابن "فينوس" في الأساطير اليونانية الرومانية، ويرمز إلى الحب.
2 لقد صير المعمار "ثوبم" على هذه الصورة: "فاوايابام" في كنوز مدينة "بلقيس""ص 117" فسبحان المغير.
هذا النوع من التماثيل قبل هذا التأريخ1.
وقد أعلن "ثويبم بن يشرحعم" و "صبحم" و "هوفعم"، وكلهم من "آل مهصنعم"، أنهم ابتاعوا البيت المسمى بـ "بيت يفش" ورمموه وأصلحوه، وعمروا سقفه وممراته ومماشيه، بمشيئة "انبي" وباركوه بالآلهة "عثتر""و "عم" و"انبي" و "ورفو ذلفان" "ورفو ذلفن" و"ذات صنتم" و"ذات ضهران"، وقد تم ذلك في عهد الملك "شهر يجل يهرجب" وقد دون "ثويبم" اسمه على قاعدة تمثال الأسد المصنوع من البرنز، وسجل معه اسم "عقربم" "عقرب"، ويظهر أنهما أمرا بصنع التمثالين، أو أنهما صنعاهما ليكونا زينتين في هذا البيت2.
ويرى الخبراء في موضع تطور الخط، والمتخصصين في دراسات المصنوعات المعدنية، أن هذين الثمثالين لا يمكن أن يكونا قد صنعا قبل الميلاد، وأن عهد صنعهما يجب أن يكون في القرن الأول للميلاد، في حوالي السنة "75" أو المائة بعد الميلاد، وذلك لعثور العلماء على عدد من التماثيل المشابهة، وهي من القرن الأول للميلاد. ويرون لذلك أن الملك "شهر يجل" الذي في أيامه صنع هذان التمثالان يجب أن يكون من رجال النصف الثاني من القرن الأول للميلاد3.
وقد توصل رجال البعثة الأمريكية إلى أن مدينة "تمنع" كانت قد جددت مرارًا، ذلك أنهم كانوا كلما تعمقوا في الحفر وجدوا طبقات تشير إلى قيام بيت على بيت آخر. وأن البيوت المبنية في الطبقات السفلى هي بيوت مبنية من "اللبن"، أي الطين المجفف بالشمس، وذلك يدل على أن الناس أقاموها بيوتًا ساذجة بسيطة، فلما تقدم الزمن ونزح الناس إليها، ازداد عمرانها، واتخذ من نزحوا إليها الحجر والصخور المقطوعة مادة للبناء، فظهرت البيوت العامرة، ظهرت فوق البيوت القديمة على عادة الناس في ذلك العهد في بناء البيوت الجديدة فوق البيوت القديمة وعلى أنقاضها، ومن هنا صار في إمكان عالم الآثار تقدير
1 كنور "ص 113".
W. Phillips، Qataban and Sheba، P. 100، Bowen — Albright، Discoveries
in South Arabia، P. 155، B. Segall، 179، J. Terbach، 183، Die Araber، I، P. 27.
2 W. Phillips،'P. 99، 102
3 J. Pirenne، Le Royaume Sud — Arabe، PP. 45، 48، 198
عمر الطبقات والاستدلال بواسطته على العهود التأريخية التي مرت على المدينة.
وقد تبين من فحص المقبرة: مقبرة أهل "تمنع" أن حرمتها كانت قد انتهكت في الماضي وفي الحاضر. وأن سراق القبور الطامعين في الذهب وفي الأحجار الكريمة وفي الكنوز كانوا قد نبشوا القبور وهتكوا أسرارها لاستخراج ما فيها، وقد تعرضت بذلك للتلف وتعرض ما فيها مما لم يؤخذ لعدم وجود فائدة مادية فيه بالقياس إليهم للكسر والتلف والأذى، كما تبين أن سراق القبور المعاصرين ما زالوا على سنة أسلافهم يراجعون هذه القبور وغيرها غير عابئين بحرمتها؛ لأنهم يطمعون في كنوز، سمعوا عنها أنها تغني، وأنها تجعل من المعدم ثريًّا، وقد زاد في جشعهم إقبال الغربيين على شراء ما يسرقونه، وإن كان حجرًا، بثمن مهما كان زهيدًا تافهًا في نظري ونظرك إلا أنه شيء كثير في نظر الأعراب الذين لا يملكون شيئًا، فالفلس على تفاهته ذو قيمة وأهيمة عند من لا يملكه.
وقبور هذه المقبرة مع تعرضها للنبش والاعتداء لا يزال كثير منها محتفظًا بكنوز ثمينة ذات أهمية كبيرة عند رجال الآثار وعشاق البحث، عن الماضي، ونتيجة لبحث فريق من البعثة الأمريكية في بعض القبور على التل وفي سفوحه وفي الأرض المحيطة به، وجدت أشياء ذات قيمة، وتمكنت من تكوين رأي عن هيئة القبور وهندستها عند القتبانيين، لقد تبين لهم أن قبورهم كانت مزخرفة متينة البناء، وأن المقبرة عندهم كناية عن دهليز طويل صفت على جانبيه القبور. والقبور عبارة عن غرفتين إلى أربع غرف لها أبواب تؤدي إلى الدهاليز1 أرى أنها بهذا الوصف قبور أسر، فمتى مات شخص من الأسرة فتح باب المقبرة وأدخل الميت إلى الدهليز الذي هو الممر، ليوضع في الغرفة التي تختار له ليثوي فيها.
وقد وجدت في غرف الأموات عظام بشرية مهشمة، ووجدت في الممرات جرار وخزف وأشياء أخرى، ولكنها وجدت مكسورة ومحطمة في الغالب، ولم يعثر على هيكل بشري واحد موضوع بصورة تشعر أن عظامه كانت كلها سليمة وهذا مما يجعل البعثة ترى أن للقتبانيين عادات دينية في دفن موتاهم،
1 كنوز "ص 127 وما بعدها".
من ذلك أنهم كانوا يكسرون ما يأتون به من أشياء يضعونها مع الميت، عند وضعها في القبر، وأنهم كانوا يضعون ما يرون ضرورة وضعه مع الميت في الممرات التي تقع على جانبها غرف الأموات. أما الغرف، فقد كانت مستودعات تحفظ فيها العظام، ولذلك تكدست تكدسًا. وهي عادة عرفت عند أمم أخرى في مختلف أنحاء العالم1.
وفي جملة ما عثر عليه من أشياء ذات قيمة كبيرة من الوجهة الفنية، رأس لفتاة منحوت من رخام أبيض معرق، وقد تدلى شعرها على شكل خصلات مجعدة على الطريقة المصرية وراء رأسها، وكانت أذناها مثقوبتين ليوضع حلق الزينة فيهما، ووجد أن جيدها محلى بعقد. وكانت عيناها من حجر اللازورد الأزرق على الطريقة المصرية، وقد نحت التمثال باتقان وبذوق يلدلان على مهارة وفن، كما عثر على بقايا ملابس وأخشاب متآكلة وعلى حلي بعضه من ذهب، ومن جملته عقد من ذهب، يتألف من هلال فتحته إلى الأعلى، أما حاشيته فإنها مخرمة، وقد زين الهلال باسم صاحبته2.
ومن مدن قتبان مدينة "شور""شوم"، وقد كان أهلها من قبيلة "ذهربت""ذو هربة" وقد ذكرت في نص سبق أن تحدثت عنه، وذلك لمناسبة بنائها حصنًا أمام سور المدينة، إذ كان الحصن القديم قد تهدم في عهد الملك "وروال غيلان يهنعم"3. وقد عرفت هذا الحصن بحصن "يخضر" "يخضور".
ومن مدن "قتبان"، مدينة "حرب"، وهي "حريب" وقد ذكرت في الكتابات، واشتهرت عند الباحثين بالنقود التي تحمل اسمها؛ لأنها فيها ضربت وقد أشار "الهمداني" إلى "حريب" وتقع كما يظهر من وصفه في أرض
1 كنوز "ص 131 وما بعدها".
2 كنوز "ص 129 فما بعدها".
3 لاحظت أن الأستاذ "ركمنس" قد كتب اسم المدينة على هذا الشكل في الترجمة الفرنسية "شور" على حين كتبه في موضع آخر "شوم" وكذلك فعل في النص العبراني للكتابتين وربما كان مرد ذلك إلى اختلاف ناسخي النسختين في الاستنساخ، فحاول المحافظة على أشكال النسختين.
REP. EPIG. 4329 V II II. P. 193 Glaser 1392 REP EPIF\G 3507 VI I، P 177 SE. 96.
قتبان1. وهناك موقع آخر يقع على خمسة وخمسين كيلومترًا إلى شرقي شمالي صنعاء على طريق مأرب، يسمى "حريب" وقد عثر على نقود ضربت في "حريب". منها نقد ضرب في عهد "يدع اب ينف""يدع اب ينوف".
وورد في الكتابات اسم مدينة تدعى "برم"، فورد في كتابة من أيام الملك "يدع اب ذبيان بن شهر" مكرب قتبان، كتبت عند تمهيده الطريق بين هذه المدينة ومدينة "حرب""حريب" وإنشاء مبلقة أي شق طريق جبلي، ليساعد على الوصول بيسر وسهولة بين المكانين2، وورد في كتابة أخرى عند انتهاء الملك "يدع أب ذبيان" من بناء "برج برم"3. وهناك واد عرف بوادي
من تماثيل عثر عليها من مقبرة "تمنع"، ويعود عهدها إلى ما قبل الميلاد
من كتاب Qataban and Sheba الصفحة 125".
1 الصفة "ص80، 95، 103، 134".
Hill، Catalogue of the Greek Coins of Arabia، Mesopotamia and Persia* P. IXXIV، 75، PL. XI، 20، D..H. Muller، und J. W; Kubistschek، Sudarabische
Altertumer، Wien، 1899، S. 73، 78
2 Glaser، 1600
3 Glaser، 1581