الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غير مرة، وكان في استماع الجن للنبي (ص) ، بمكّة قبل الهجرة، تطييبا لخاطره، وتصديقا لدعوته، وتحقيقا للحق بشأن الجن، وتصحيحا لمفاهيم الجاهلية عن الجن، وترشيدا للمسلمين ليكون إيمانهم عن بينة. وقد ساقت سورة الجنّ كثيرا من الحقائق عن الألوهيّة والعقيدة والوحدانية، وإخلاص العبادة لله سبحانه فهي سورة الجنّ، ولكنها توجيه وإرشاد وتعليم للخلق أجمعين.
أسماء السورة
نلاحظ أنّ السورة في القرآن، تسمّى بأغرب شيء فيها، أو أهمّ شيء فيها، فسورة البقرة اشتملت على قصة قتيل ضرب بقطعة من البقرة، فردّت إليه الحياة. وسورة آل عمران اشتملت على قصة مريم ابنة عمران، وسورة النساء اشتملت على ذكر أحكام النساء.
وسورة المائدة اشتملت على قصة المائدة التي نزلت من السماء استجابة لدعاء عيسى (ع) .
كما سمى الله سبحانه سور كتابه الكريم، بأسماء تبعث على النظر والاعتبار، وتوجب التفكير، فسمى بالأنعام وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت، وبما هو ألطف من ذلك كالنور كما سمى ببعض الأنبياء، كيوسف ويونس وهود عليهم السلام وببعض الأخلاق كالتوبة وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى وببعض المعادن كالحديد وببعض الأماكن كالبلد وببعض النبات كالتين وكل ذلك مما نراه.
وهنا، سمّى هذه السورة بعالم لا نراه، وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلّا من طريق الوحي، وليس للعقل دليل عليه فالمؤمن يؤمن بالغيب، ويؤمن بالملائكة وبالجن، على نحو ما ورد في القرآن.
وسمّيت السورة سورة الجن، لأنّها تحدّثت عنهم، وبدأت بذكرهم، فقالت: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) .
مع آيات السورة
[الآيتان 1- 2] : تطالعنا السورة، بأنّ الجنّ فوجئت باستماع القرآن
الكريم، فقالوا لقومهم إنّا سمعنا كتابا بديعا يهدي إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، فصدّقنا به، ولن نعود إلى ما كنّا عليه من الإشراك بالله.
[الآية 3] : ثم نزّهوا ربّهم عن الزوجة والولد، فقالوا: علا ملك ربنا وسلطانه، أن يكون ضعيفا ضعف خلقه، الذين تضطرّهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو ملامسة يكون منها الولد وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن فجاءت الجنّ، تكذّب هذه الخرافة الأسطورية، في تسبيح لله وتنزيه.
[الآية 4] : وأنّ الجهّال من الجن، كانوا يقولون قولا شططا بعيدا عن الصواب، بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى.
[الآية 5] : وأنّهم، كانوا يستعظمون أن يجرأ أحد على الكذب على الله فلمّا قال لهم سفهاؤهم: إن لله صاحبة وولدا، صدّقوهم، لأنهم لم يتصوّروا أنهم يكذبون على الله.
[الآية 6] : وأنّ رجالا من الإنس، كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، فزادوا الجنّ بذلك طغيانا وغيّا وأنّهم لما استعاذوا بالجن خوفا منهم، ولم يستعيذوا بالله، استذّلوهم واجترءوا عليهم.
[الآية 7] : ظنّت الطائفة الظالمة من الجن، أنّ الله لن يبعث رسولا إلى خلقه، يدعوهم إلى توحيده، والإيمان برسله، واليوم الاخر.
أو ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا بعد الموت، وهذا الظنّ مخالف للاعتقاد في حكمة الله وكماله. وهؤلاء النفر من الجنّ المؤمن، يصحّحون لقومهم ظنّهم والقرآن، في حكايته عنهم، يصحّح للمشركين أوهامهم.
[الآيتان 8- 9] : كان الجن يحاولون الاتصال بالملإ الأعلى، واستراق شيء ممّا يدور فيه بين الملائكة، عن شؤون الخلائق في الأرض، ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرّافين، الذين يستغلّون الكثير من الحق، فيمزجونه بالكثير من الباطل، ويروّجونه بين جماهير الناس.
وبعد رسالة النبي محمد (ص)
حاول الجن استراق السمع من السماء، فلم يتمكّنوا، لأنّ الحراسة شدّدت على السماء، ومن حاول استراق السمع ومعرفة الغيب، رجم بالشهب فقتلته، أو خبلته.
[الآية 10] : إن الجن لا تعلم شيئا عن الغيب المقدّر للبشر، ولا يدرون الحكمة من حراسة السماء بالشهب، ولا ماذا قدّر الله لعباده في الأرض، أعذابا أراد الله أن ينزله بهم، أم أراد بهم ربهم الهدى، بأن يبعث منهم رسولا مرشدا، يهديهم إلى الحق، والى طريق مستقيم.
[الآية 11] : من الجن الصالح والطالح، ومنهم المسلم والجائر، فهم مثلهم مثل الإنسان في طبيعته، لديهم استعداد للخير والشرّ، إلّا من تمحّض منهم للشر، وهو إبليس وقبيله.
[الآية 12] : إن الله قادر علينا حيث كنا، فلا نفوته هربا فهم يقررون ضعف المخلوق أمام الخالق، ويشعرون بسلطان الله القاهر الغالب.
[الآية 13] : لمّا سمعنا القرآن صدّقنا به، وأقررنا بأنه من عند الله. ومن يصدق بالله وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصا من حسناته، ولا هوانا ولا جورا لأنّ المؤمن في حماية الله وعونه ورعايته، وسينال جزاءه وافرا كاملا.
[الآية 14] : من الجن فريق مؤمن، أطاع الله واستقام على الهدى، وفريق قاسط جائر مائل عن الصواب. وقد وصل الفريق المؤمن إلى الصواب، حينما اختار الإسلام، وحرص على الرشد والاهتداء.
[الآية 15] : أمّا الجائرون عن سنن الإسلام، فشأنهم أن يكونوا حطبا لجهنّم، تتلظّى بهم وتزداد اشتعالا، كما تتلظّى النار بالحطب.
[الآية 16] : يلتفت القرآن في الخطاب، وينتقل من الحديث على لسان الجن، إلى مخاطبة الرسول (ص) والخلق أجمعين فيقول ما معناه:
لو استقام الإنس والجن على ملّة الإسلام، لوسّعنا عليهم أرزاقهم، ولبسطنا لهم خيرات الحياة.
[الآية 17] : وهذه النعم للاختبار والابتلاء، فمن شكر النعمة وأحسن
التصرّف فيها استحق بقاءها ومن أعرض عن منهج الله، دخل في العذاب الشاقّ الذي يعلوه، ويغلبه ولا يطيق له حملا.
[الآية 18] : إنّ السجود، أو مواضع السجود، وهي المساجد، لا تكون إلا لله فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كلّ ظلّ لأيّ كائن، ولكل قيمة، ولكل اعتبار وينفرد الجو للعبودية الخالصة لله.
[الآية 19] : لمّا قام محمد (ص) يعبد الله، كاد الجن يكونون جماعات بعضها فوق بعض، تعجّبا مما شاهدوا من عبادته، وسمعوا من قراءته، واقتداء أصحابه، قياما وركوعا وسجودا. وأخذوا ودهشوا من جلال ما سمعوا، وروعة ما شاهدوا وهو دليل على انشغال السماء والأرض والملائكة والجنّ بهذا الوحي، وعلى الجد الذي يتضمّنه: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14)[الطارق] .
[الآية 20] : قل يا محمّد للناس:
إنما أعبد الله وحده، ولا أشرك بعبادته صنما، ولا وثنا، ولا مخلوقا.
[الآية 21] : قل إني لا أملك لكم نفعا ولا ضرّا فالله وحده هو الذي يملك الضرّ، ويملك الخير.
[الآيتان 22- 23] : إنّي لا أجد ملجأ أو حماية من دون الله، إلّا أن أبلّغ هذا الأمر، وأؤدّي هذه الأمانة فهذا الأمر ليس أمري، وليس لي فيه إلّا التبليغ، ولا مفرّ لي من هذا التبليغ والرسالة ليست تطوّعا، وإنّما هي تكليف صارم جازم، لا مفرّ من أدائه، فالله من ورائه يقول سبحانه:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة:
67] .
ومن يكذّب برسالات الله، فإن له نارا يصلاها، خالدا فيها إلى غير نهاية.
[الآية 24] : وإذا كان المشركون، يركنون إلى القوة والعدد، ويقيسون قوّتهم بقوة محمد (ص) والمؤمنين القلائل الذين معه فسيعلمون حينما يرون ما يوعدون: أيّ الفريقين هو الضعيف المخذول، والقليل المهزول.
[الآية 25] : ويتجرّد الرسول (ص) وينفض يده من أمر الغيب، فالعذاب