الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «القصص»
«1»
1-
وقال تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ [الآية 4] .
وقوله تعالى: يُذَبِّحُ فعل مضاعف، والغرض من التضعيف الاستفظاع، وقوله تعالى:
وَيَسْتَحْيِي، أي: يستبقي النساء على قيد الحياة، ولا يقتلهنّ.
أقول: والاستحياء على هذا معنى غريب، لا نعرفه الآن، ولم نعرفه إلا في هذه اللغة الشريفة.
2-
وقال تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ [الآية 12] .
والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع.
وقالوا: جمع مرضع، وهو موضع الرضاع، أي: الثدي. والمرضع التي معها رضيع كالمرضعة، ومثلها المطفل وهي ذات الطّفل. وعلى هذا يصحّ أن يأتي «مفاعل» جمعا لمفعل ومفعلة، وبهذا يصحّ جمع مشكلة مشاكل، خلافا لأهل التصحيح في جعلهم «مشاكل» من الخطأ.
3-
وقال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [الآية 15] .
وقوله تعالى: فَوَكَزَهُ، أي دفعه بأطراف الأصابع، وقيل: بجمع الكف.
أقول: وينبغي أن ننظر إلى الأفعال:
لكز، ولقز، ونكز، ووكز فكلّها تتضمن معنى الدفع، بهيئة خاصة.
وإذا كان لنا أن نقرّب بين هذه
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «بديع لغة التنزيل» ، لإبراهيم السامرّائي، مؤسسة الرسالة، بيروت، غير مؤرّخ.
الأصوات، وتشابه الدلالات التي جاءت في الأفعال كان لنا أيضا أن ننظر في: نسق ووسق، ونفر وأفر ووفر.
4-
وقال تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما [الآية 19] .
أقول: جاءت «أن» المفتوحة الهمزة زائدة بعد «لما» وهي كقوله تعالى:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: 96] .
وإذا زيدت «أن» بعد «لمّا» فقد زيدت «إن» المكسورة الهمزة بعد «ما» النافية، وهذا ما لم نقف على شاهد له في لغة التنزيل، وقد استدل عليه النحاة في قول النابغة:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي وقد زيدت، قبل الاسم، في بيت لفروة بن مسيك، أو لعمرو بن قعاس، ونسب إلى الكميت، وهو:
فما إن طبّنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا وقول الشاعر:
بني غدانة ما إن أنتم ذهبا ولا طريفا ولكن أنتم الخزف وهذه الأبيات من شواهدهم التي نجدها في عامّة كتبهم.
وتزاد «إن» المكسورة الحقيقية في مواضع أخرى، ذكرها ابن هشام في «المغني» ، وليس من همنا في هذا الموضع استيفاؤها.
وقد عرضت لزيادة «إن» هذه، وهي ليست موضعا في لغة التنزيل، بسبب الخطأ الذي يعرض للمعربين في عصرنا، فيجعلونها «أن» مفتوحة الهمزة، وهي زائدة زيادة «أن» بعد «لما» موضع بحثنا هذا فيقولون: وما أن حضر الرئيس حتى عزفت الموسيقى.
والصحيح الفصيح: وما إن حضر
…
، بكسر الهمزة.
5-
وقال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) .
أقول: جاءت «تلقاء» مصدرا في اللغة ليس على فعله، وذلك لأنّه مكسور التاء، والمصادر كلها المبدوءة بتاء تكون مفتوحة التاء، كالتجوال والتطواف وغير هما إلا تلقاء وتبيان فإنهما مكسوران.
أما تلقاء هذه التي وردت في الآية،
فهي ظرف مكان، والمعنى: ولما توجّه نحو مدين
…
أقول: وليس لنا هذا الاستعمال في العربية المعاصرة، أي: كونها ظرفا.
والذي نعرفه من «تلقاء» أنها مصدر، يستعمل نحو قولهم مثلا: واعترف من تلقاء نفسه، أي: أنه اعترف من دون إكراه أو إجبار أو شيء آخر.
6-
وقال تعالى: حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ [الآية 23] .
أقول: والرّعاء جمع راع، وهو من الجموع العزيزة في عصرنا، ذلك أنّنا لا نعرف إلا «الرّعاة» في العربية المعاصرة. ومفعول «يصدر» محذوف، تقديره: ماشيتهم.
7 وقال تعالى: قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [الآية 35] .
والمعنى: سنقوّيك به، ونعينك.
ويقال: شدّ الله في عضدك وضدّه:
فتّ الله في عضدك. والعضد: الساعد من المرفق إلى الكتف.
أقول: وقد أفادت العربية من العضد في هذا المعنى، فقالوا: عضد يعضد، بمعنى أعان وأيّد.
والإفادة من أعضاء الجسم في توليد المعاني كثيرة، فقالوا: أيّد من اليد، وأنف من «الأنف» ، وفاه من «فوه» ، وعاين من «العين» ، وغير ذلك كثير.
8-
وقال تعالى: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ [الآية 47] .
أقول: جاءت «لولا» أداة تحضيض، مثل «هلّا» ، فاستحقّت الفعل بعدها.
وهذه من الأدوات التي افتقدناها في العربية المعاصرة، على أنّ استعمالها كثير على هذا النحو في القرآن.
9-
وقال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً [الآية 57] .
أي: أن الله، جلّ وعلا، جعل لهم من الحرم مكانا آمنا.
وجاء قوله تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، وقرئ: تجبى.
أما القراءة المشهورة المثبتة، فقد غلّب فيها التذكير، لأن «الثمرات» وإن كانت مؤنثة فهي عامة، تشمل أجناس النبات كلّها، وأصناف الخير كلّها، فضلا عن أنها مؤنث مجازي، وأنها مفصولة عن فعلها.
10-
وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [الآية 58] .
وقوله تعالى: مَعِيشَتَها بالنصب، والمعنى: بطرت في معيشتها.
والأصل: بطر أهلها بمعيشتهم ولما دلّت القرية على أهلها، كما هو كثير في القرآن، جاز ذلك.
11-
وقال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ [الآية 66] .
والمراد: طمست، وغامت، فجهلوها.
أقول: واستعارة «العمى» للإنباء، من الكلم المجازيّ الجميل.
12-
وقال تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [الآية 76] .
قالوا: ناء بالحمل، إذا نهض به مثقلا، وناء به الحمل إذا أثقله.
والمعنى في الآية: أنّ المفاتح تنوء بالعصبة، أي: تميلهم من ثقلها.
أقول: والاستعمال في عصرنا على الوجه الاخر فيقال:
ناء فلان بالعبء أي: شقّ عليه وأثقله.
13-
وقال تعالى: يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية 82] .
أقول: «وي» مفصولة عن «كأنّ» ، ولكن بسبب من خط المصحف اتصلت وهي كلمة تنبّه على الخطأ وتندّم، ومعناها أن القوم قد تنبّهوا على خطأهم في تمنّيهم.
وقد بقي شيء من هذه الأداة في المحكيات، ففي «لغة» النساء في العراق، تستعمل «وي» بكسر الواو في مقام التعجب والاستغراب، فكأنها شيء مما اصطلح عليه النحويون ب «أسماء الأفعال» . وهي في «لغة» الأعرابيات في الجنوب «بفتح الواو» أيضا.