الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النور»
«1»
1-
وقال تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) .
«كبره» قرئ بضم الكاف وكسرها، وكبر الشيء عظمه، أي: والذي تحمّل معظم الشر في حديث الإفك هو عبد الله بن أبيّ، رأس النفاق مع جماعته أقول: والكبر بالكسر على أنه العظم والمعظم من باب ما جاء على «فعل» بكسر الفاء من الأسماء الثلاثية، كالذّبح والنّقض والمسخ وغير ذلك.
2-
وقال تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (16) .
وقوله تعالى: سُبْحانَكَ للتعجب من عظم الأمر.
أقول: إن «سبحان» ، مصدر أفاد التعجب في هذه الآية، كما أفاد معاني أخرى في غيرها.
وقولنا: «سبحان الله» معناه: تنزيها لله من الصحابة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل مالا ينبغي له أن يوصف به.
وقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء/ الآية الأولى] .
معناه: أسبّح الله تسبيحا.
أقول: فما معنى قول بعض النحويين إنه اسم فعل مضارع؟ لعلهم لم يذهبوا إلى هذا إلّا بسبب تفسير هم له، أي:
أنه بمعنى أسبّح. ولعل تفسير هم بالمصدر جرّأهم على ذلك.
3-
وقال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [الآية 17] .
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «بديع لغة التنزيل» ، لإبراهيم السامرّائي، مؤسسة الرسالة، بيروت، غير مؤرّخ. [.....]
والمعنى: كراهة أن تعودوا لمثله.
وحذف المصدر هذا المبيّن للسبب والعلة كثير في القرآن، وقد مرّ بنا شيء منه.
4-
وقال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [الآية 21] .
أقول: قوله تعالى أَبَداً، أي:
إلى الأبد، وهو الزمن الدائم المتصل، ونصبه على الظرفية. وذكر الظرف هنا أفاد تأبيد النفي ب «ما» . وقد ورثنا هذا الأسلوب في النفي في عربيتنا المعاصرة حتى كأن (أبدا) في استعمال المعاصرين شيء من حواشي النفي وضروراته.
وكما ترد «أبدا» في حشو النفي لإرادة التأبيد، ترد أيضا في الإثبات فيقال مثلا: أشتاقه أبدا.
5-
وقال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [الآية 31] .
الجيوب: جمع جيب، والجيب جيب القميص والدرع.
وجيّبت القميص: قوّرت جيبه.
أقول: والجيب له دلالة جديدة في عصرنا، واستعماله، بهذا المعنى الجديد، ربّما عرف قبل عصرنا هذا.
6-
وقال تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [الآية 31] .
الطفل: اسم جمع ويكون للواحد.
وانظر [الحج: 5] .
7-
وقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [الآية 32] .
أقول: الأيامى: جمع أيّم، رجلا كان أو امرأة، وقد آم الرجل وآمت المرأة: إذا لم يتزوّجا، بكرين كانا أو ثيّبين.
والمراد أنكحوا من تأيّم منكم من الأحرار والحرائر، والخطاب للمذكر على وجه التغليب.
8-
وقال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً [الآية 33] .
وقوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ أي:
وليجتهد في العفّة وظلف النفس، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه.
وهذا من فوائد زيادة الهمزة والسين والتاء في الفعل.
9-
وقال تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [الآية 35] .
أقول: وينبغي أن ننظر إلى هذا الاستعمال البليغ في معناه الرشيق في خفة لفظه، ألا ترى أننا نقول في مثل هذا في العربية المعاصرة:
…
حتى ولو لم يكن له حاجة، أو نقول: حتى وإن لم تكن له حاجة
…
10-
وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [الآية 39] .
والقيعة: بمعنى القاع، ولعلها جمع القاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض وهي مثل جيرة في جار.
أقول: وهذا الجمع في «قاع» من الجموع العزيزة: ذلك أن المشهور المعروف في جمعها: «قيعان» .
11-
وقال تعالى: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [الآية 43] .
وقوله تعالى: مِنْ خِلالِهِ الخلال:
جمع خلل مثل جبال وجبل.
وقرئ: من خلله.
وقد جرّت «خلال» ب «من» لبيان الخروج وبدايته. ولتضمن «الخلل» ، و «الخلال» معنى المكانية، قربت «خلال» من الظرفية التي تقوّى بالحرف «في» فيقال: ومرّ في خلال أو من خلال ذلك، مثلا.
وقد شاع هذا الاستعمال الذي يومئ إلى الظرفية فاستغني عن الخافض، فصار المعربون يقولون:«حدث خلال ذلك» ، أي:«في خلال» . وقد جدّ في هذا الاستعمال المعاصر، شيء آخر، وهو أن الكلمة قد اتّسع فيها، فدلّت على الظرفية الزمانية، بعد أن كانت تفيد المكان، على أن المعاصرين ربما استعملوها للمكان أيضا، فقالوا مثلا:
يجري الماء في خلال الشجر، أو من خلاله.
ومثل «خلال» هذه، كلمة «أثناء» ، وهي جمع «ثني» ، وهو اسم يعني ما يثنى من أشياء مختلفة. وليس في «ثني» ولا في «أثناء» ما يفيد الظرفية الزمانية، ولكن هذه الظرفية استفيدت من استعمال الأداة «في» كقولنا: حدث في أثناء ذلك كيت وكيت.
وعلى عادة المعربين في كل العصور، يميلون إلى الإيجاز والتخفيف ممّا هو قد عرف واشتهر، فيقولون:
حدث أثناء ذلك كيت وكيت، فهم يسقطون الأداة «في» إيجازا لمعرفتها.
ومثل هاتين الكلمتين في إفادة
الظرفية «خلال، أثناء» قولهم:
«غضون» والغضون: جمع «غضن» ، وهو ما تغضّن، أي: تكسّر في الجلد والثوب ونحوهما.
وكما قلنا: في كلمة «أثناء» ، نقول:
في هذه الكلمة، أي: أنها لا تدل على الظرفية الزمانية، إلا بعد استعمال الأداة «في» ، فنقول: وحدث في غضون ذلك، والمراد: وحدث في أثناء ذلك أو في خلال ذلك.
وقد نبّه أهل التصحيح، للخطأ اللغوي، فقالوا بخطإ قولهم: حدث خلال أو أثناء، والصحيح عندهم استعمال الأداة «في» قبلهما للدلالة على الظرفية.
والذي أراه: أن الكلمة أو التركيب «في خلال» ، «وفي أثناء» ، لما شاع فيها الدلالة على الظرف، وعرف حتى غلب على الدلالة في الأصل، جاز أن يستعمل ظرفين من غير أن يسبقا ب «في» ، التماسا للإيجاز.
وبعد، ألم نقل: دخل فلان الدار، والأصل: دخل فيها؟ «1» .
12-
وقال تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) .
أقول: في قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) ، جاءت «إذا» التي تفيد الفجاءة، ويتلوها جملة اسمية وهذا هو الأسلوب، الذي جرت عليه لغة التنزيل، فأمّا قول المعربين في عصرنا وقبله، بعدة قرون مثلا:
خرجت فإذا بي أمام حادثة مروّعة، فهو أسلوب آخر غير ما جاء في فصيح العربية، وأولها لغة التنزيل فقد جرّ الاسم بعدها بالباء، وقالوا في هذه الباء انها زائدة، والتقدير: فإذا أنا أمام
…
ومثل هذه الآية قوله تعالى:
(1) . والردّ على من يقول إن «أثناء» لا يمكن أن تكون ظرفا إلا مع الخافض «في» : قوله تعالى: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [الإسراء: 5] .
وقوله سبحانه: وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً [النّمل: 61] .
و «خلال» هذه مثل «أثناء» ، في كونها جمعا لاسم، ولكنها رشّحت للظرفية بالخافض، ثم حذف هذا الخافض لشيوع الظرفية فيها.
ومما تجب ملاحظته، أن المعاصرين يستعملون «من خلال» بمعنى بوساطة كقولهم مثلا: نحن نتبيّن هذه المسألة من خلال دراستنا لنتائجها، وهذا القول ترجمة لشيء من الانكليزية.
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس] .
13-
وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
[الآية 53] .
وقد مرّ بنا مثل هذه الآية في [المائدة 53]، وفي [الأنعام: 109] .
وفي [النحل: 38] .
وهي مفيدة أنهم بالغوا في اليمين وبلغوا الغاية.