الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الفتح»
«1»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «الفتح» بعد سورة «الجمعة» ، وكان نزولها في الطريق عند الانصراف من الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فتكون من السور التي نزلت فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى في أولها: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) وتبلغ آياتها تسعا وعشرين آية.
الغرض منها وترتيبها
الغرض من هذه السورة التنويه بشأن صلح الحديبية، لأنّ قريشا سعت إليه بعد بيعة الرضوان، فظهر ضعفها وخضوعها بعد إبائها، وبدأ تخاذلها بعد بيعة المسلمين على الموت، وهذا كان فتحا مبينا للمسلمين، وتمهيدا لفتح مكة بعد ذلك في السنة الثامنة من الهجرة وبهذا وفي الله بوعده بنصرهم في السورة السابقة.
التنويه بصلح الحديبية الآيات [1- 29]
قال الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) فجعل صلح الحديبية فتحا مبينا للنبي (ص) ، وقيل إنه يقصد بذلك فتح مكة، لأن هذا الصلح كان تمهيدا لفتحها ثم ذكر سبحانه أنه هو
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «النظم الفنّي في القرآن» ، للشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالجمايز- المطبعة النموذجية بالحكمية الجديدة، القاهرة، غير مؤرّخ.
الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين حينما أبت قريش عليهم أن يدخلوا مكة ليؤدّوا عمرتهم، فلم يهنوا أو لم يرتدّوا على أعقابهم، بل وقفوا ينتظرون ما يكون بعد تبادل الرسل بينهم وبين قريش، وقد وعدهم على هذا بما وعدهم، وأوعد المنافقين الذين تخلفوا عنهم وظنّوا أنهم لن يرجعوا إليهم، ثم مدح الذين بايعوا الرسول (ص) على الموت تحت شجرة الرّضوان حينما أشيع أن قريشا قتلت عثمان بن عفان، وكان النبي (ص) قد أرسله إليها، وذكر أن الذين بايعوه على ذلك إنما بايعوه ويد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بعهده فسيؤتيه أجرا عظيما. ثم ذكر أن أولئك المتخلّفين من المنافقين سيعتذرون بأنهم اشتغلوا بأموالهم وأهليهم، وذكر أنهم كاذبون في اعتذارهم، وأوعدهم على ذلك بما أوعدهم، ثم ذكر جلّ وعلا أنهم سيطلبون من النبي (ص) بعد أن رأوا ظهور أمره أن ينطلقوا معه إلى القتال طمعا في الغنائم، وأمره ألّا يمكّنهم من الانطلاق معه، وأن يبيّن لهم أن القتال طمعا في الغنائم ليس طريقا لقبول توبتهم، وإنما طريق ذلك أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد- ولعلهم يهود خيبر- فإن يطيعوا أمر الله، سبحانه، في قتالهم يؤتهم أجرا حسنا، وإن يتولوا كما تولّوا من قبل يعذبهم عذابا أليما، واستثنى منهم صاحب العذر من الأعمى والأعرج والمريض، ثم عاد السّياق إلى أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة فذكر أن الله جل جلاله رضي عنهم، وأنه سيثيبهم فتحا قريبا هو فتح خيبر، وهذا إلى مغانم كثيرة يأخذونها بعدها، وقد عجّل لهم فتح خيبر بعد أن كفّ أيدي قريش عنهم بذلك الصلح، وهناك غنيمة أخرى لم يقدروا عليها هذه المدة وهي مكة، وقد أحاط بها بفتح ما حولها ثم ذكر أنه لو لم يعقد هذا الصلح وقاتلتهم قريش لانتصروا عليها، كما هي سنّته في نصر أوليائه على أعدائه، ولكنه أراد ذلك الصلح وكفّ الفريقين عن القتال من بعد أن أظهر المؤمنين عليهم، لأنّ مكة كانت لا يزال بها فريق من المسلمين لم يهاجروا إلى المدينة، فلو دخلها المسلمون عنوة لأصابوهم مع المشركين، ولهذا اقتضت إرادته ذلك، لتكتمل هجرة من بقي بمكة من المسلمين ولو تميزوا فيها من المشركين
لما كفّ المسلمين عنهم، ولعذّبهم عذابا أليما.
ثم عاد السياق إلى ذكر فضله تعالى عليهم في ذلك الصلح، فأمرهم أن يذكروا إحسانه إليهم إذ ثارت حميّة الجاهلية في قلوب قريش وصدّوهم عن عمرتهم، فأنزل سكينته عليهم فلم يغضبوا ولم ينهزموا بل صبروا، وكانوا أحق بهذا من أولئك الذين ثارت فيهم حميّة الجاهلية ثم ذكر أنه حقق بذلك الصلح رؤيا النبي (ص) أنهم دخلوا المسجد الحرام محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، لأنهم اتّفقوا فيه على أن يرجع المسلمون هذا العام ويعتمروا في العام المقبل. فعلم، سبحانه، من ذلك الصلح ما لم يعلموا، وجعل من دونه فتحا قريبا (فتح خيبر) وإنما يفعل ذلك لأنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) .