الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الحجرات»
«1»
إن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية 1] ، والمراد به نهيهم أن يتقدّموا على رسول الله (ص) بقول أو فعل، لا أن يقدّموا غيرهم.
قلنا: «قدّم» هنا لازم بمعنى «تقدّم» ، كما في قولهم: بيّن وتبيّن، وفكّر وتفكّر، ووقّف وتوقّف، ومنه قول الشاعر:
إذا نحن سرنا سارت الناس خلفنا
…
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
أي توقفوا، وقيل معناه: لا تقدّموا فعلا قبل أمر رسول الله (ص) .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الآية 2] بعد قوله سبحانه: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الآية 2] .
قلنا: فائدته تحريم الجهر في مخاطبته (ص) باسمه نحو قولهم يا محمد، ويا أحمد، فهو أمر لهم بتوقيره وتعظيمه (ص) في المخاطبة.
وأن يقولوا يا رسول الله، ويا نبي الله، ونحو ذلك، ونظيره قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور/ 63] .
فإن قيل: لم قال تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الآية 2] أي مخافة أن تحبط
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها» ، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، غير مؤرّخ.
أعمالكم مع أن الأعمال إنّما تحبط بالكفر لا بغيره من المعاصي، ورفع الصوت في مجلس النبي (ص) ليس بكفر وقد روي أن الآية نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لمّا رفعا صوتيهما بين يدي رسول الله (ص) وأنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهوريّ الصّوت، فربما تأذّى رسول الله (ص) بصوته؟
قلنا: معناه لا تستخفّوا به، فإن الاستخفاف به ربّما أدى خطأه الى عمده، وعمده كفر يحبط العمل. وقيل حبوط العمل مجاز عن نقصان المنزلة وانحطاط المرتبة.
فإن قيل: ما وجه الارتباط والتعلق بين قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [الآية 7] وبين ما قبله؟
قلنا: معناه فاتركوا عبادة الجاهلية، فإن الله تعالى لم يترككم عليها، ولكن الله حبّب إليكم الإيمان. وقيل معناه فتثبّتوا في الأمور كما يليق بالإيمان، فإن الله حبّب إليكم الإيمان.
فإن قيل: إن كان الفسوق والعصيان بمعنى واحد، فما فائدة الجمع بينهما، وإن كان العصيان أعم من الفسوق فذكره مغن عن ذكر الفسوق لدخوله فيه فما فائدة الجمع بينهما؟
قلنا: قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالفسوق هنا الكذب، وبالعصيان بقية المعاصي، وإنما أفرد الكذب بالذكر لأنه سبب نزول الآية.
فإن قيل: كيف يقال إن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الآية 14] .
قلنا: المنفي هنا الإيمان بالقلب بدليل قوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الآية 14] يعني لم تصدّقوا بقلوبكم وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الآية 14] أي استسلمنا وانقدنا خوف السيف ولا شكّ في الفرق بين الإيمان والإسلام بهذا التفسير، والذي يدّعي اتحادهما لا يريد به أنهما حيث استعملا كانا بمعنى واحد، بل يريد به أن أحد معاني الإيمان هو الإسلام.
فإن قيل: كيف يقال إن العمل ليس
من الإيمان، والله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية 15] ؟
قلنا: معناه إنما المؤمنون إيمانا كاملا، كما في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر/ 28] ، وقوله (ص)«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، وقولهم:
الرجل من يصبر على الشدائد. ويردّ على هذا الجواب أن المنفي في أول الآية عن الإعراب نفس الإيمان الكامل، فلا يناسب أن يكون المثبت بعد ذلك الإيمان الكامل بل نفس الإيمان.