الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومحاربة الرذائل والانحراف. قال تعالى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
(13)
.
وتقرّر الآيات بعد ذلك أن التفرّق قد وقع مخالفا لهذه التوصية، ولم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام، ولكن عن علم. وقع بغيا وحسدا:
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [الآية 14] .
وتصف أتباع الأديان، وحملة الكتب السماوية بأنّهم في حيرة وشكّ، لاضطراب أحوال الديانات، وخروجها عن الهدف الذي جاءت له:
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) .
وعند هذا الحدّ يتبين أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب، ولم تعد لها قيادة راشدة تقوم على نهج ثابت قويم.
ثمّ يعلن القرآن الكريم انتداب الرسالة الأخيرة وحاملها (ص)، لهذه القيادة:
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) .
الفصل الثاني: صفات الجماعة المسلمة
يشتمل النصف الثاني من السورة، على الآيات [25- 53] . ويتحدّث عن صفات الجماعة المسلمة، التي انتدبها الله تعالى لحمل هذه الرسالة ويبدأ هذا الفصل باستعراض آيات الله في بسط الرزق وقبضه، وفي تنزيل الغيث برحمته، وفي خلق السماوات والأرض، وما بثّ فيهما من دابّة، وفي الفلك الجواري في البحر كالأعلام، ويستطرد السياق من هذه الآيات إلى صفة المؤمنين التي تميز جماعتهم، ومع أن سورة الشورى سورة مكّية، نزلت قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة، إلا أنها تذكر أن الشورى من صفات المؤمنين، في قوله تعالى:
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الآية 38] .
مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق،
في حياة المسلمين، من مجرّد أن يكون نظاما سياسيّا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم على أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها ممثّلة للجماعة.
والتأمّل في صفات المؤمنين، يوحي بأن الإسلام دين القيم، دين يهتم بالجوهر لا بالعرض، وبتكوين النفس البشرية لا بالقيم الزائلة.
فما قيم الجماعة المؤمنة؟
إنها الإيمان، والتوكل، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والشورى الشاملة، والإنفاق ممّا رزق الله، والانتصار من البغي، والعفو والإصلاح والصبر.
وبهذه القيم تحوّل العرب من أشتات مختلفين إلى أمّة متماسكة، متراحمة مؤمنة بالله مستقيمة على هداه وتعاليمه، فوطّأ الله لهم أكناف الأرض، وصاروا خير أمة أخرجت للناس.
وبعد تقرير صفة المؤمنين، وما ينتظرهم من عون وإنعام تعرض الآيات في الصفحة المقابلة، صورة الظالمين الضّالّين، وما ينتظرهم من ذلّ وخسران في يوم القيامة:
يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ.
وفي ظل هذا المشهد، نجد القرآن الكريم، يدعو الناس إلى إنقاذ أنفسهم من مثل هذا الموقف، قبل فوات الأوان:
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الآية 47] .
ويمضي سياق السورة حتى ختامها، يدور حول محور الوحي والرسالة، وأثرهما في صفات المؤمنين، مع بعض الاستطراد إلى وصف الكافرين، وبيان صفات الله الخالق الوهّاب، القابض الباسط، قال تعالى:
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) .
ويعود السياق في نهاية السورة، إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته.
وهناك ارتباط ظاهر بين الحديث عن
الوحي في القسم الأول من السورة، والحديث عن صفات المؤمنين، ودلائل الإيمان في القسم الثاني منها فإنّ الهداية والإيمان من آثار الوحي، وبركات الرسالة أي أن القسم الثاني، وهو السلوك، مترتّب عن القسم الأول، وهو العقيدة والوحي.