الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتوفّى الشيخ الإمام المقرئ شمس الدين أبو عبد الله المعروف بالحكرىّ الشافعى فى ذى الحجة بالقاهرة، وكان فقيها فاضلا بارعا في القراءات.
وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد زين الدين محمد بن الموّاز في شهر ربيع الأوّل، وكان صاحب عبادة وللناس فيه اعتقاد حسن
وتوفّى الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن نجم بن عمر بن محمد بن عبد الوهّاب ابن محمد بن ذؤيب الأسدىّ الدّمشقى المعروف بابن قاضى شهبة أحد أعيان الفقهاء الشافعية في ثامن المحرّم. ومولده ليلة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستمائة بدمشق. وكان بارعا فقيها مدرّسا مفتنّا.
وتوفّى الشيخ زين الدين أبو محمد ححّىّ بن موسى بن أحمد بن سعد السّعدىّ الحسبانىّ الشافعىّ الدّمشقىّ في ليلة الأربعاء سابع عشر صفر، وكان أحد فقهاء الشافعية بدمشق، وحجّى هذا هو والد بنى حجىّ رؤساء دمشق في عصرنا.
انتهى.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع- انتهى.
[ما وقع من الحوادث سنة 783]
ذكر سلطنة الملك الصالح حاجىّ الأولى على مصر
السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية.
تسلطن بعد وفاة أخيه الملك المنصور علاء الدين علىّ في يوم الاثنين رابع عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة.
وخبر سلطنته أنه لمّا مات أخوه الملك المنصور علىّ تكلّم الناس بسلطنة الأتابك برقوق العثمانىّ وأشيع ذلك فعظمت هذه المقالة على أكابر أمراء الدولة وقالوا: لا نرضى أن يتسلطن علينا مملوك يلبغا وأشياء من هذا النّمط، وبلغ برقوقا ذلك، فخاف ألّا يتمّ له ذلك، فجمع برقوق الأمراء والقضاة والخليفة في اليوم المذكور بباب الستارة بقلعة الجبل وتكلم معهم في سلطنة بعض أولاد الأشرف شعبان، فقالوا له: هذا هو المصلحة وطلبوهم من الدور السلطانية وحضر أمير حاج هذا من جملة الإخوة، فوجدوا بعضهم ضعيفا بالجدرى والبعض صغيرا، فوقع الاختيار على سلطنة أمير حاج هذا، لأنه كان أكبرهم، فبايعه الخليفة وحلف له الأمراء وباسوا يده ثم قبّلوا له الأرض، ولقّب بالملك الصالح وهو الذي غيّر لقبه فى سلطنته الثانية بالملك المنصور، ولا نعرف سلطانا تغيّر لقبه غيره، وذلك بعد أن خلع برقوق وحبس بالكرك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى مفصّلا في وقته- انتهى.
ولمّا تمّ أمر الملك الصالح هذا ألبسوه خلعة السلطنة وركب من باب الستارة بأبّهة الملك وبرقوق والأمراء مشاة بين يديه إلى أن نزل إلى الإيوان بقلعة الجبل وجلس على كرسىّ الملك وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، ثم مدّ السّماط وأكلت الأمراء. ثم قام السلطان الملك الصالح ودخل القصر وخلع على الخليفة المتوكّل على الله خلعة جميلة ونودى بالقاهرة ومصر بالأمان والدعاء للملك الصالح حاجّى وخلع على الأتابك واستقرّ على عادته أتابك العساكر ومدبّر الممالك لصغر سنّ السلطان، وكان سنّ السلطان يوم تسلطن نحو تسع سنين تخمينا.
ثم في سابع عشرين صفر المذكور جلس السلطان الملك الصالح بالإيوان للخدمة على العامه. ثم قام ودخل القصر، بعد أن حضر الخليفة والقضاة والأمراء والعساكر
وقرئ تقليد السلطان الملك الصالح عليهم، وعند فراغ القراءة أخذ بدر الدين محمد ابن فضل الله كاتب السر التقليد وقدّمه للخليفة فعلّم عليه بخطّه وخلع السلطان على القضاة وعلى كاتب السّر المذكور. وانفضّ الموكب وأخذ برقوق في التكلّم في الدولة على عادته من غير معاند وفي خدمته بقية الأمراء يركبون في خدمته وينزلون عنده ويأكلون السّماط.
وأما القضاة والنوّاب بالبلاد الشاميّة وأرباب الوظائف بالديار المصريّة فى هذه الدولة، فكان أتابك العساكر برقوق العثمانىّ اليلبغاوى ورأس نوبة الأمراء أيتمش البجاسىّ وأمير سلاح علّان الشّعبانىّ وأمير مجلس ألطنبغا الجوبانىّ اليلبغاوىّ والدوادار الكبير آلابغا العثمانىّ والأمير آخور جركس الخليلىّ وحاجب الحجّاب مأمور القلمطاوى اليلبغاوى وأستادار العالية بهادر المنجكىّ ورأس نوبة ثانى- أعنى رأس نوبة النّوب في زماننا- قردم الحسنى وهؤلاء غير نائب السلطنة وهو الأمير آقتمر عبد الغنى وغير أيدمر الشمسى وهما من أجل الأمراء وأقدمهم هجرة، يجلس الواحد عن يمين السلطان والآخر عن يساره.
والقضاة: الشافعىّ برهان الدين بن جماعة والحنفىّ صدر الدين بن منصور والمالكىّ علم الدين البساطىّ والحنبلىّ ناصر الدين العسقلانىّ وكاتب السر بدر الدين ابن فضل الله العمرى والوزير شمس الدين المقسى وناظر الجيش والمحتسب جمال الدين محمود القيصرى العجمىّ وناظر الخاصّ هو ابن المقسى أيضا، ونائب دمشق إشقتمر الماردينى ونائب حلب إينال اليوسفىّ ونائب طرابلس كمشبغا الحموى ونائب حماة طشتمر القاسمى ونائب صفد الأمير الكبير طشتمر العلائىّ، نقل إليها من القدس ونائب غزّة آقبغا بن عبد الله ونائب إسكندريّة بلّوط الصّرغتمشىّ.
والذين هم معاصروه من ملوك الأقطار: صاحب بغداد وتبريز وما والاهما الشيخ حسين بن أويس وصاحب ماردين الملك الظاهر مجد الدين عيسى وصاحب اليمن الملك الأشرف ابن الملك الأفضل وصاحب مكّة الشريف أحمد بن عجلان وصاحب المدينة الشريفة عطية بن منصور وصاحب سيواس القاضى برهان الدين أحمد وصاحب بلاد قرمان الأمير علاء الدين وصاحب بلاد سمرقند وما والاها تيمور لنك كوركان وصاحب بلاد الدّشت طقتمش خان من ذرية جنجز خان انتهى.
ولمّا كان يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر: أنعم على الأمير تغرى برمش بتقدمة ألف بديار مصر بعد وفاة أمير علىّ بن قشتمر المنصورى. ثم أنعم على سودون الشيخونى بتقدمة ألف أيضا واستقرّ حاجبا ثانيا عوضا عن علىّ بن قشتمر المنصورى. ثم بعد مدّة استقرّ تغرى برمش المقدّم ذكره أمير سلاح بعد وفاة علّان الشعبانىّ. ثم استقرّ مأمور القلمطاوى حاجب الحجّاب في نيابة حماة بعد وفاة طشتمر خازندار يلبغا العمرى.
ثم طلب يلبغا الناصرى من دمشق وكان منفيّا بها على تقدمة ألف، فحضر فى آخر شعبان، فتلقاه الأتابك برقوق والأمراء وترجّل له برقوق وأركبه مركوبا من مراكيبه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة وأجلس راس ميسرة فوق أمير سلاح فلم تطل مدّته بديار مصر وأخلع عليه بنيابة حلب في يوم الخميس ثانى شوّال بعد عزل إينال اليوسفى وطلبه إلى مصر، فلما وصل إينال إلى غزّة قبض عليه وأرسل الى سجن الكرك. ثم أنعم الأتابك برقوق على دواداره الأمير يونس النوروزى بتقدمة ألف بمصر عوضا عن يلبغا الناصرى وخلع على الأمير جركس الخليلى الأمير آخور الكبير واستقرّ مشير الدولة ورسم للوزير ألا يتكلم في شىء إلا بعد مراجعته.
وفي العشر الأخير من شوّال أنعم على قطلوبغا الكوكائىّ بتقدمة ألف بعد وفاة الأمير آنص والد الأتابك برقوق العثمانىّ الذي قدم قبل تاريخه من بلاد الجركس، يأتى ذكر وفاته في الوفيات.
ثم في يوم الاثنين تاسع ذى الحجّة من سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة تخلّى الأمير تغرى برمش أمير سلاح عن إمرته ووظيفته وتوجّه إلى جامع قوصون ليقيم به بطّالا، فأرسل الأتابك إليه الأمير سودون الشيخونى الحاجب الثانى وقردم الحسنى رأس توبة وتوجّها إليه وسألاه أن يرجع إلى وظيفته وإمرته فلم يرجع لها، فعادا بالجواب إلى برقوق بذلك.
ثم إنّ تغرى برمش المذكور ندم من ليلته وأرسل يسأل الشيخ أكمل الدين شيخ الشيخونية أن يسأل برقوقا أن يعيده إلى إمرته ووظيفته فأرسل أكمل الدين إلى برقوق بذلك فلم يقبل برقوق ورسم بخروجه إلى القدس ماشيا، فأخرجه النّقباء إلى قبة النصر ماشيا. ثم شفع فيه فركب وسار إلى القدس.
ثم في العشر الأخير من شعبان أجرى جركس الخليلى الأمير آخور الماء إلى الميدان من تحت القلعة إلى الحوض الذي على بابه.
قلت: وإلى الآن الحوض باق على حاله بلا ماء.
ثم في التاريخ المذكور أخرج الأمير جركس الخليلى فلوسا جددا من الفلوس العتق، منها فلس زنته أوقيّة بربع درهم وفلس زنته نصف أوقية وفلس بفلسين.
فلما فعل ذلك وقف حال الناس وحصل الغلاء وقلّ الجالب؛ فلمّا بلغ الأتابك برقوقا أمر بإبطالها، وفي المعنى يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار- رحمه الله تعالى:[البسيط]
تغيير عتق فلوس قد أضرّ فكم
…
حوادث جدد جلّت من العدد
فكيف تمشى علاقات الأنام إذا
…
والحال واقفة بالعتق والجدد
وقالت العامّة- لمّا فعل الخليلى ذلك ورسم بنقش اسمه على الفلوس-:
الخليلى من عكسو، نقش اسمو على فلسو. انتهى.
ثم حضر إلى الديار المصرية في ذى الحجّة الأمير كمشبغا الحموى نائب طرابلس وكان السلطان والأتابك برقوق في الصيد بناحية كوم برا «1» ؛ فأخلع السلطان عليه باستمراره على نيابة طرابلس.
ثم في يوم الخميس ثالث المحرّم سنة أربع وثمانين وسبعمائة استقرّ سودون الفخرى الشيخونى حاجب الحجاب بالديار المصرية، وكانت شاغرة من العام الماضى منذ توجّه مأمور القلمطاوى إلى نيابة حماة.
ثم أرسل الأتابك برقوق بكلمش الطازى العلائى إلى دمياط «2» لإحضار بيدمر الخوارزمى المعزول عن نيابة دمشق قبل تاريخه فحضر في العشرين من المحرّم وتلقّاه الأتابك برقوق من البحر «3» وخلع عليه باستقراره في نيابة دمشق على عادته عوضا عن إشقتمر الماردينى.
وفي سلخ صفر تولّى القاضى بدر الدين بن أبى البقاء قضاء الشافعية بديار مصر عوضا عن قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة ورسم بانتقال مأمور القلمطاوى من
نيابة حماة إلى نيابة طرابلس عوضا عن كمشبغا الحموى بحكم انتقال كمشبغا إلى دمشق على خبز جنتمر أخى طاز بحكم توجّه جنتمر إلى القدس بطّالا ونقل إلى نيابة حماة الأمير الكبير طشتمر العلائى الدّوادار الذي كان قبل تاريخه حكم مصر، وتولّى نيابة صفد بعد طشتمر الدوادار تلو حاجب حجّاب دمشق.
وفي العشر الأوسط من شعبان نام الأتابك برقوق بمبيته بسكنه بالإسطبل السلطانىّ وقعد شيخ الصّفوىّ الخاصّكى يكبّسه وبينما هو نائم مسكه شيخ المذكور فى جنبه قويّا خارجا عن الحدّ، فقعد برقوق من اضطجاعه وقال له: ما الخبر؟ فقال:
إنّ مملوكك أيتمش اتّفق مع مماليك الأسياد الذين في خدمتك ومعهم بطا الأشرفىّ على أنهم الساعة يقتلونك، فسكت برقوق وجلس على حاله، فإذا أيتمش المذكور دخل عليه فقام برقوق وأخذ بيده قوسا وضربه به ضربة واحدة صفحا أرماه وأمر بمسكه وقال له: يا متخنّث! الذي يأخذ الملك ويقتل الملوك يقع من ضربة واحدة. ثم مسك بطا الخاصّكى وخرج برقوق وجلس بالإسطبل وطلب سائر الأمراء الكبار والصغار، فطلع الجميع إليه في الحال فكلّمهم بما سمع وجرى ثم أمسك من مماليك الأسياد نحو سبعة عشر نفرا؛ منهم: كزل الحططىّ، ويلبغا الخازندار الصغير وجماعة من رءوس نوب الجمداريّة عنده.
ثم في صبيحة نهاره أمسك جماعة من رءوس نوب الجمدارية وجماعة أخر تتمة خمسة وستين نفرا من مماليك الأسياد وهرب من بقى منهم. فالذين كان قبض عليهم اوّل يوم حبسهم بالبرج «1» من قلعة الجبل والذين مسكهم من الغد حبسهم بخزانة شمائل «2» . ثم أنزل بطا الخاصّكى الأشرفىّ وأيتمش إلى خزانة شمائل. ثم أمسك الأتابك
برقوق الأمير ألابغا العثمانى الدوادار الكبير وأحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية وسجنه. ثم أخرجه على إمرة طبلخاناه بطرابلس. ثم نقله بعد مدّة يسيرة إلى تقدمة ألف بدمشق.
ثم في يوم السبت مستهل شهر رمضان أخرج برقوق من خزانة شمائل ثلاثة وأربعين مملوكا من الممسوكين قبل تاريخه، وأمر بتخشيبهم وتقييدهم ومشوا وهم مزنجرين بالحديد. ومعهم سودون الشّيخونىّ حاجب الحجّاب ونقيب الجيش إلى أن أوصلوهم إلى مصر القديمة وأنزلوهم إلى المراكب، وصحبتهم جماعة من الجبليّة فتوجّهوا بهم إلى قوص.
وكان سبب اتفاق هؤلاء المماليك على برقوق وقتله بسكنه بباب السلسلة لفرصة كانت وقعت لهم باشتغال الأمير جركس الخليلى الأمير آخور بجسر كان عمّره بين الروضة ومصر في النيل.
وخبره أنه لمّا كان في أوائل شهر ربيع الأوّل من هذه السنة اهتمّ الأمير جركس الخليلىّ المذكور في عمل جسر «1» بين الرّوضة وبين جزيرة «2» أروى المعروفة بالجزيرة الوسطى، طوله نحو ثلاثمائة قصبة وعرضه عشر قصبات وأقام هو بنفسه على عمله ومماليكه وجعل في ظاهر الجسر المذكور خوازيق «3» من سنط وسمّر عليها أفلاق نخل، جعلها على الجسر كالستارة تقيه من الماء عند زيادته، وانتهى العمل منه في آخر شهر ربيع الآخر. ثم حفر في وسط البحر خليجا من الجسر المذكور إلى زريبة «4» قوصون ليمرّ الماء فيه عند زيادته. ويصير البحر ممرّه دائما منه صيفا
وشتاء. وغرّم على هذا العمل أموالا كثيرة فلم يحصل له ما أراد على ما يأتى ذكره.
وفي هذا المعنى يقول الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار. [الخفيف]
شكت النّيل أرضه
…
للخليلى فأحضره
ورأى الماء خائفا
…
أن يطأها فجسّره
وقال في المعنى شرف الدين عيسى بن حجّاج العالية- رحمه الله تعالى-[الكامل]
جسر الخليلى المقرّ لقد رسا
…
كالطّود وسط النّيل كيف يريد
فإذا سالتم عنهما قلنا لكم
…
: ذا ثابت دهرا وذاك يزيد
فهذا هو الذي كان أشغل الخليلى عن الإقامة بالإسطبل السلطانى. وأيضا لما كان خطر في نفوسهم من الوثوب على الملك فإنه من يوم قتل الملك الأشرف شعبان وصار طشتمر اللّفّاف من الجنديّة أتابك العساكر. ثم من بعده قرطاى الطازى. ثم من بعده أينبك البدرى. ثم من بعده قطلقتمر. ثم الأتابك برقوق وبركة، وكلّ من هؤلاء كان إمّا جنديّا أو أمير عشرة وترقّوا إلى هذه المنزلة بالوثوب وإقامة الفتنة، طمع كلّ أحد أن يكون مثلهم ويفعل ما فعلوه فذهب لهذا المعنى خلائق ولم يصلوا إلى مقصودهم. انتهى.
واستمرّ الأتابك برقوق بعد مسك هؤلاء في تخوّف عظيم واحترز على نفسه من مماليكه وغيرهم غاية الاحتراز. فأشار عليه بعد ذلك أعيان خشداشيّته وأصحابه مثل:
أيتمش البجاسى وألطنبغا الجوبانى أمير مجلس وقردم الحسنىّ وجركس الخليلى ويونس النّوروزىّ الدوادار وغيرهم- أن يتسلطن ويحتجب عن الناس ويستريح ويريح من هذا الذي هو فيه من الاحتراز من قيامه وقعوده. فجبن عن الوثوب على السلطنة وخاف عاقبة ذلك فاستحثّه من ذكرناه من الأمراء، فاعتذر بأنّه يهاب قدماء
الأمراء بالديار المصريّة والبلاد الشامية. فركب سودون الفخرى الشيخونى حاجب الحجّاب ودار على الأمراء سرّا حتّى استرضاهم، ولا زال بهم حتّى كلّموا برقوقا فى ذلك وهوّنوا عليه الأمر وضمنوا له أصحابهم من أعيان النّوّاب والأمراء بالبلاد الشامية، وساعدهم في ذلك موت الأمير آقتمر عبد الغنى، فإنّه كان من أكابر الأمراء، وكان برقوق يجلس في الموكب تحته لقدم هجرته وكذلك بموت الأمير أيدمر الشّمسى، فإنه كان أيضا من أقران آقتمر عبد الغنى، فماتا في سنة واحدة على ما يأتى ذكرهما في الوفيات- إن شاء الله تعالى.
فعند ذلك طابت نفسه وأجاب، وصار يقدّم رجلا ويؤخر أخرى، حتّى كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة طلع الأمير قطلوبغا الكوكائى أمير سلاح وألطنبغا المعلّم رأس نوبة إلى السلطان الملك الصالح أمير حاجّ صاحب التّرجمة، فأخذاه من قاعة الدّهيشة «1» وأدخلاه إلى أهله بالدور السلطانية، وأخذا منه النّمجاة وأحضراها إلى الأتابك برقوق العثمانى، وقام بقيّة الأمراء من أصحابه على الفور وأحضروا الخليفة والقضاة وسلطنوه؛ على ما سنذكره في أوّل ترجمته، بعد ذكر حوادث سنين الملك الصالح هذا على عادة هذا الكتاب. إن شاء الله تعالى.
وخلع الملك الصالح من السلطنة، فكانت مدّة سلطنته على الديار المصريّة سنة واحدة وسبعة أشهر تنقص أربعه أيام، على أنه لم يكن له في السلطنة من الأمر والنهى لا كثير ولا قليل. واستمرّ الملك الصالح عند أهله بقلعة الجبل إلى أن أعيد للسلطنة ثانيا، بعد خلع الملك الظاهر برقوق من السلطنة وحبسه بالكرك في واقعة يلبغا الناصرىّ ومنطاش؛ كما سيأتى ذكر ذلك مفصّلا.