الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اتِّبَاعُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ، أَوَّلًا وَاتَّبَعَ فِي عَدِّهَا أَهْلَ بَلْدَةِ الْبَصْرَةِ، وَغَيْرِهَا. وَعَنْهُمْ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ ثَانِيًا فَهُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِعٌ الْقِرَاءَةَ وَالْعَدَدَ وَلِذَلِكَ خَيَّرَ فِي الْمَذْهَبَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : لَيْسَ إِثْبَاتُ هَذِهِ الْيَاءَاتِ فِي الْحَالَيْنِ، أَوْ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ مِمَّا يُعَدُّ مُخَالِفًا لِلرَّسْمِ خِلَافًا يَدْخُلُ بِهِ فِي حُكْمِ الشُّذُوذِ لِمَا بَيَّنَاهُ فِي الرُّكْنِ الرَّسْمِيِّ، أَوَّلَ الْكِتَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابُ بَيَانِ إِفْرَادِ الْقِرَاءَاتِ وَجَمْعِهَا
لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي تَوَالِيفِهِمْ لِهَذَا الْبَابِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ فِي إِعْلَانِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمُ الْفَائِدَةِ، كَثِيرُ النَّفْعِ، جَلِيلُ الْخَطَرِ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأُصُولِ، وَنَتِيجَةُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْفُصُولِ. وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِعَدَمِ تَعَرُّضِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَيْهِ هُوَ عِظَمُ هِمَمِهِمْ، وَكَثْرَةُ حِرْصِهِمْ، وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ وَاسْتِيعَابِ رِوَايَاتِهِ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْحِرْصِ وَالطَّلَبِ بِحَيْثُ إِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ بِالرِّوَايَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الشَّيْخِ الْوَاحِدِ عِدَّةَ خَتَمَاتٍ لَا يَنْتَقِلُونَ إِلَى غَيْرِهَا وَلَقَدْ قَرَأَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحُصْرِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الْقَصْرِيُّ تِسْعِينَ خَتْمَةً كُلَّمَا خَتَمَ خَتْمَةً قَرَأَ غَيْرَهَا حَتَّى أَكْمَلَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ حَسْبَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي قَصِيدَتِهِ:
وَأَذْكُرُ أَشْيَاخِي الَّذِينَ قَرَأْتُهَا
…
عَلَيْهِمْ فَأَبْدَأُ بِالْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ
قَرَأْتُ عَلَيْهِ السَّبْعَ تِسْعِينَ خَتْمَةً
…
بَدَأْتُ ابْنَ عَشْرٍ ثُمَّ أَكْمَلْتُ فِي عَشْرٍ
وَكَانَ أَبُو حَفْصٍ الْكِتَّانِيُّ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَمِمَّنْ لَازَمَهُ كَثِيرًا وَعُرِفَ بِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ سِنِينَ لَا يَتَجَاوَزُ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ.
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَنْقُلَنِي عَنْ قِرَاءَةِ عَاصِمٍ إِلَى غَيْرِهَا فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَرَأَ أَبُو الْفَتْحِ فَرَجُ بْنُ عُمَرَ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ
ابْنِ سَوَّارٍ الْقُرْآنَ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى ابْنِ مَنْصُورٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الشَّعِيرِ الْوَاسِطِيِّ عِدَّةَ خَتَمَاتٍ فِي مُدَّةِ سِنِينَ وَكَانُوا يَقْرَءُونَ عَلَى الشَّيْخِ الْوَاحِدِ الْعِدَّةَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْكَثِيرَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ كُلُّ خَتْمَةٍ بِرِوَايَةٍ لَا يَجْمَعُونَ رِوَايَةً إِلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ عَصْرِ الدَّانِيِّ وَابْنِ شَيْطَا الْأَهْوَازِيِّ وَالْهُذَلِيِّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ظَهَرَ جَمْعُ الْقِرَاءَاتِ فِي الْخَتْمَةِ الْوَاحِدَةِ وَاسْتَمَرَّ إِلَى زَمَانِنَا وَكَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ عَادَةُ السَّلَفِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ هُوَ الْأَخْذُ بِهِ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ.
وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ فُتُورُ الْهِمَمِ وَقَصْدُ سُرْعَةِ التَّرَقِّي وَالِانْفِرَادِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشُّيُوخِ يَسْمَحُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ أَفْرَدَ الْقِرَاءَاتِ وَأَتْقَنَ مَعْرِفَةَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ، وَقَرَأَ لِكُلِّ قَارِئٍ خَتْمَةً عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يَسْمَحْ أَحَدٌ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَوِ الْعَشْرَةِ فِي خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا أَحْسَبُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ حَتَّى إِنَّ الْكَمَالَ الضَّرِيرَ صِهْرَ الشَّاطِبِيِّ لَمَّا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّاطِبِيِّ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِ قِرَاءَةً وَاحِدَةً مِنَ السَّبْعَةِ إِلَّا فِي ثَلَاثِ خَتَمَاتٍ فَكَانَ إِذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ مَثَلًا يَقْرَأُ أَوَّلًا بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ خَتْمَةً ثُمَّ خَتْمَةً بِرِوَايَةِ قُنْبُلٍ ثُمَّ يَجْمَعُ الْبَزِّيَّ وَقُنْبُلَ فِي خَتْمَةٍ هَكَذَا حَتَّى أَكْمَلَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ خَتْمَةً، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا رِوَايَةُ أَبِي الْحَارِثِ وَجَمَعَهُ مَعَ الدُّورِيِّ فِي خَتْمَةٍ، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَقْرَأَ بِرِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فَأَمَرَنِي بِالْجَمْعِ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى (سُورَةِ الْأَحْقَافِ) تُوَفِّي رحمه الله، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ إِلَى زَمَنِ شُيُوخِنَا الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ عَلَى التَّقِيِّ الصَّائِغِ الْجَمْعَ إِلَّا بَعَدَ أَنْ يُفْرِدَ السَّبْعَةَ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ خَتْمَةً وَلِلْعَشَرَةِ كَذَلِكَ. وَقَرَأَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجُنْدِيِّ عَلَى الصَّائِغِ الْمَذْكُورِ وَالْمُفْرَدَاتِ عِشْرِينَ خَتْمَةً، وَكَذَلِكَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الصَّائِغِ، وَكَذَلِكَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدَّيْنِ الْبَغْدَادِيُّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَرَأَ شَيْخُنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقَرَوِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيُّ عَلَى شَيْخِهِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ
بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُوصِيِّ بِمُضْمَنِ الْإِعْلَانِ فِي السَّبْعِ أَرْبَعِينَ خَتْمَةً وَكَانَ الَّذِينَ يَتَسَاهَلُونَ فِي الْأَخْذِ يَسْمَحُونَ أَنْ يَقْرَءُوا لِكُلِّ قَارِئٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِخَتْمَةٍ سِوَى نَافِعٍ وَحَمْزَةَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ خَتْمَةً لَقَالُونَ ثُمَّ خَتْمَةً لِوَرْشٍ، ثُمَّ خَتْمَةً لِخَلَفٍ ثُمَّ خَتْمَةً لِخَلَّادٍ، وَلَا يَسْمَحُ أَحَدٌ بِالْجَمْعِ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِمَا طَلَبْتُ الْقِرَاءَاتِ أَفْرَدْتُهَا عَلَى الشُّيُوخِ الْمَوْجُودِينَ بِدِمَشْقَ وَكُنْتُ قَرَأْتُ خَتْمَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ عَلَى الشَّيْخِ أَمِينِ الدِّينِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ السِلَارِ خَتْمَةً بِقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَخَتْمَةً بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ أَيْضًا ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي الْجَمْعِ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَقَالَ: لَمْ تُفْرِدْ عَلَى جَمْعِ الْقِرَاءَاتِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ أَذِنَ لِي فِي جَمْعِ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ فَقَطْ " نَعَمْ " كَانُوا إِذَا رَأَوْا شَخْصًا قَدْ أَفْرَدَ وَجَمَعَ عَلَى شَيْخٍ مُعْتَبَرٍ وَأُجِيزَ وَتَأَهَّلَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْقِرَاءَاتِ فِي خَتْمَةٍ عَلَى أَحَدِهِمْ لَا يُكَلِّفُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى إِفْرَادٍ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى حَدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِتْقَانِ كَمَا وَصَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ حِينَ دَخَلَ بَغْدَادَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بِمُضْمَنِ كِتَابِهِ الْكَامِلِ فِي خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَمَّا دَخَلَ الْكَمَالُ بْنُ فَارِسٍ الدِّمَشْقِيُّ مِصْرَ وَقَصَدَهُ قُرَّاءُ أَهْلِهَا لِانْفِرَادِهِ بِعُلُوِ الْإِسْنَادِ، وَقِرَاءَةِ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةِ عَلَى الْكَنَدِيِّ فَقَرَءُوا عَلَيْهِ بِالْجَمْعِ لِلِاثْنَيْ عَشْرَ بِكُلِّ مَا رَوَاهُ عَنِ الْكَنَدِيِّ مِنَ الْكُتُبِ.
وَرَحَلَ الشَّيْخُ عَلِيُّ الدِّيوَانِيُّ مِنْ وَاسِطٍ إِلَى دِمَشْقَ فَقَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْكَنْدَرِيُّ بِهَا بِمُضْمَنِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، فِي خَتْمَةٍ.
وَرَحَلَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ مُؤْمِنٍ إِلَى مِصْرَ مِنَ الْعِرَاقِ فَقَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّائِغِ بِمُضْمَنِ عِدَّةِ كُتُبٍ جَمْعًا، وَكَذَلِكَ رَحَلَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ السِلَارِ فَقَرَأَ عَلَى الصَّائِغِ الْمَذْكُورِ خَتْمَةً جَمْعًا بِمُضْمَنِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْعُنْوَانِ. وَرَحَلَ بَعْدَهُ شَيْخُنَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ اللَّبَّانِ فَقَرَأَ خَتْمَةً جَمْعًا لِلثَّمَانِيَةِ بِمُضْمَنِ عَقْدِ الْآلِي، وَغَيْرِهَا عَلَى أَبِي حَيَّانَ وَأَوَّلُ مَا قَرَأْتُ أَنَا عَلَى اللَّبَّانِ قَرَأْتُ عَلَيْهِ خَتْمَةً جَمْعًا بِمُضْمَنِ عَشَرَةِ كُتُبٍ، وَلَمَّا رَحَلْتُ أَوَّلًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَرَأْتُ جَمْعًا بِالْقِرَاءَاتِ الِاثْنَيْ عَشْرَ بِمُضْمَنِ عِدَّةِ كُتُبٍ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الْجُنْدِيِّ، وَقَرَأْتُ عَلَى كُلٍّ مِنَ ابْنِ الصَّائِغِ
وَالْبَغْدَادِيِّ جَمِيعًا بِمُضْمَنِ الشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّيْسِيرِ، وَالْعُنْوَانِ، ثُمَّ رَحَلْتُ ثَانِيًا، وَقَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ جَمْعًا لِلْعَشَرَةِ بِمُضْمَنِ عِدَّةِ كُتُبٍ وَزِدْتُ فِي جَمْعِي عَلَى الْبَغْدَادِيِّ فَقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
(فَهَذِهِ) طَرِيقَةُ الْقَوْمِ رحمهم الله، وَهَذَا دَأْبُهُمْ. وَكَانُوا أَيْضًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَا يَزِيدُونَ الْقَارِئَ عَلَى عَشْرِ آيَاتٍ، وَلَوْ كَانَ مَنْ كَانَ لَا يَتَجَاوَزُونَ ذَلِكَ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي نَظَمَهَا فِي التَّجْوِيدِ، وَهُوَ، أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فِيمَا أَحْسَبُ:
وَحُكْمُكَ بِالتَّحْقِيقِ إِنْ كُنْتَ آخِذًا
…
عَلَى أَحَدٍ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى عَشْرٍ
وَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ، بَلْ يَأْخُذُ بِحَسَبِ مَا يَرَى مِنْ قُوَّةِ الطَّالِبِ قَلِيلًا وَكَثِيرًا إِلَّا أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّيُوخِ هُوَ الْأَخْذُ فِي الْأَفْرَادِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي الْجَمْعِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَرَوَيْنَا الْأَوَّلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
(أَخْبَرَنِي) عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ظَاهِرَ دِمَشْقَ عَنِ الْخَطِيبِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاسِطِيِّ أَخْبَرْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الطِّيبِيُّ، أَخْبَرْنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرْنَا أَبُو الْعِزِّ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ بِهَا يَعْنِي قِرَاءَةَ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ. وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا أَبِي عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّهَاوِيِّ بِدِمَشْقَ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ صَالِحِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّازِيِّ خَتْمَةً كَامِلَةً فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءً مِنْ أَجْزَاءِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَأَنَّ صَالِحًا قَرَأَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الرَّازِّيِّ خَتْمَةً كَامِلَةً فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى هَذِهِ الْأَجْزَاءِ وَأَنَّ الْفَضْلَ قَرَأَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدٍ الْحُلْوَانِيِّ. وَأَخَذَ آخَرُونَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا لِلْأَخْذِ حَدًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَكَانَ الْإِمَامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ يَخْتَارُهُ وَيَحْمِلُ مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي تَحْدِيدِ الْأَعْشَارِ عَلَى التَّلْقِينِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ
مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَالَّذِي قَالَهُ: وَاضِحٌ فَعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِنَا وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَئِمَّتِنَا، قَالَ الْإِمَامُ يَعْقُوبُ الْحَضَرِيُّ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَةٍ وَنِصْفٍ عَلَى سَلَامٍ. وَقَرَأْتُ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ بْنِ شَرِيفَةَ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَقَرَأَ شِهَابُ عَلَى مُسْلِمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ فِي تِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ قَرَأَ شَيْخُنَا أَحْمَدُ بْنُ الطَّحَّانِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ نَحْلَةٍ خَتْمَةً كَامِلَةً بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَأَخْبَرْتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا خَتَمَ قَالَ الشَّيْخُ: هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، قُلْ: هَلْ رَأَيْتَ شَيْخًا يَسْمَعُ هَذَا السَّمَاعَ؟ ، وَلَمَّا رَحَلَ ابْنُ مُؤْمِنٍ إِلَى الصَّائِغِ قَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَاتِ جَمِيعًا بِعِدَّةِ كُتُبٍ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَرَأَ عَلَى شَخْصٍ خَتْمَةً لِابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلِلْكِسَائِيِّ كَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ.
وَلَمَّا رَحَلْتُ أَوَّلًا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَأَدْرَكَنِي السَّفَرُ كُنْتُ قَدْ وَصَلْتُ فِي خَتْمَةٍ بِالْجَمْعِ إِلَى سُورَةِ الْحِجْرِ عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ الصَّائِغِ فَابْتَدَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْحِجْرِ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَتَمْتُ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ فِي تِلْكَ الْجُمُعَةِ وَآخِرُ مَا كَانَ بَقِيَ لِي مِنْ أَوَّلِ الْوَاقِعَةِ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَعْظَمُ مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ قَضِيَّةُ الشَّيْخِ مَكِينِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمَعْرُوفِ بِالسَّمَرِ مَعَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَثِيقٍ الْإِشْبِيلِيِّ، وَهِيَ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الثِّقَةُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَرَّامٍ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ مِنْ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثُمَّ نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ بِهَا أَنَّ الشَّيْخَ مَكِينَ الدِّينِ الْأَسْمَرِ دَخَلَ يَوْمًا إِلَى الْجَامِعِ الْجُيُوشِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَوَجَدَ شَخْصًا وَاقِفًا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَبْوَابِ الْجَامِعِ فَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْمَكِينِ الْأَسْمَرِ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّهُ يَعْزِمُ عَلَى الرَّوَاحِ إِلَى جِهَةٍ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَإِذَا بِهِ ابْنُ وَثِيقٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا مَعْرِفَةٌ بِالْآخَرِ، وَلَا رُؤْيَةٌ فَلَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ؟ قَالَ: نَعَمْ مَا جِئْتُ مِنَ الْغَرْبِ إِلَّا بِسَبَبِكَ لِأُقْرِئَكَ الْقِرَاءَاتِ، قِيلَ فَابْتَدَأَ
عَلَيْهِ الْمَكِينُ الْأَسْمَرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْخَتْمَةَ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِذَا بِهِ يَقُولُ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ فَخَتَمَ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْخَتْمَةِ جَمْعًا بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ يُرِيدُ تَحْقِيقَ عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ وَإِحْكَامِ تِلَاوَةِ الْحُرُوفِ فَلَا بُدَّ مِنْ حِفْظِهِ كِتَابًا كَامِلًا يَسْتَحْضِرُ بِهِ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ أَوَّلًا اصْطِلَاحَ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْفَظُهُ وَمَعْرِفَةَ طُرُقِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ بِكِتَابِ غَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِفْرَادِ الَّتِي يَقْصِدُ مَعْرِفَتَهَا قِرَاءَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِذَا أَحْكَمَ الْقِرَاءَاتِ إِفْرَادًا وَصَارَ لَهُ بِالتَّلَفُّظِ بِالْأَوْجُهِ مَلِكَةً لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا عَلَى تَكَلُّفٍ وَأَرَادَ أَنْ يُحْكِمَهَا جَمْعًا فَلْيُرِضْ نَفْسَهُ وَلِسَانَهُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَهُ وَلْيَنْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ أُصُولًا وَفَرْشًا فَمَا أَمْكَنَ فِيهِ التَّدَاخُلُ اكْتَفَى مِنْهُ بِوَجْهٍ وَمَا لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ نَظَرَ فَإِنْ أَمْكَنَ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِكَلِمَةٍ، أَوْ بِكَلِمَتَيْنِ، أَوْ بِأَكْثَرِ مِنْ غَيْرِ تَخْطِيطٍ، وَلَا تَرْكِيبٍ اعْتَمَدَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ عَطْفَهُ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعٍ ابْتَدَأَ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْأَوْجُهَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ إِهْمَالٍ، وَلَا تَرْكِيبٍ، وَلَا إِعَادَةِ مَا دَخَلَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِيَ مَكْرُوهٌ وَالثَّالِثَ مَعِيبٌ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ أَحْرُفَ الْخِلَافِ الْجَائِزِ فَمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْخِلَافَيْنِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجَمْعِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى الْقِرَاءَاتِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الطَّرِيقِ وَالرِّوَايَاتِ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ التَّرْكِيبِ فِي الْقِرَاءَاتِ وَسَأُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِيضَاحًا لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى زِيَادَةٍ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَعَوْنِهِ.
(فَاعْلَمْ) أَنَّ الْخِلَافَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْقَارِئِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ لِلرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي كِتَابِنَا هَذَا وَنَحْوِهِمْ، أَوْ لِلرَّاوِي عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ الْعِشْرِينَ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنْ سَفَلَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِكَمَالِهِ أَيْ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ وَالطُّرُقُ عَنْهُ فَهُوَ قِرَاءَةٌ وَإِنْ كَانَ لِلرَّاوِي عَنِ الْإِمَامِ فَهُوَ رِوَايَةٌ وَإِنْ كَانَ لِمَنْ بَعْدَ الرُّوَاةِ
وَإِنْ سَفَلَ فَهُوَ طَرِيقٌ وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَخْيِيرِ الْقَارِئِ فِيهِ كَانَ وَجْهًا فَنَقُولُ: مَثَلًا إِثْبَاتُ الْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وَقِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ، وَقِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ وَرِوَايَةُ قَالُونَ عَنْ نَافِعٍ، وَطَرِيقُ الْأَصْفَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْهَادِي عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ التَّذْكِرَةِ عَنْ يَعْقُوبَ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ.
وَنَقُولُ: الْوَصْلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ خَلَفٍ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ عَنْ عَامِرٍ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْغَايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ، وَالسَّكْتُ بَيْنَهُمَا طَرِيقُ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ عَنْ خَلَفٍ وَطَرِيقُ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وَطَرِيقُ صَاحِبَيِ التَّخْلِيصِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَطَرِيقُ صَاحِبِ التَّذْكِرَةِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ.
وَنَقُولُ لَكَ فِي الْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ لِمَنْ بَسْمَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
وَلَا نَقُلْ ثَلَاثَ قِرَاءَاتٍ، وَلَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَلَا ثَلَاثَ طُرُقٍ، وَفِي الْوَقْفِ عَلَى نَسْتَعِينُ لِلْقِرَاءَةِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الْإِدْغَامِ لِأَبِي عَمْرٍو فِي نَحْوِ: الرَّحِيمِ مَالِكِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَلَا نَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا رِوَايَاتٌ، وَلَا قِرَاءَاتٌ، وَلَا طُرُقٌ كَمَا نَقُولُ لِكُلٍّ مِنْ أَبِي عَمْرٍو وَابْنِ عَامِرٍ وَيَعْقُوبَ وَالْأَزْرَقِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ وَنَقُولُ لِلْأَزْرَقِ فِي نَحْوِ آمَنَ وَآدَمَ ثَلَاثُ طُرُقٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الطُّرُقِ وَغَيْرِهَا: أَوْجُهٌ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ الْعَدَدِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ. إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخِلَافَيْنِ أَنَّ خِلَافَ الْقِرَاءَاتِ وَالرِّوَايَاتِ وَالطُّرُقِ خِلَافُ نَصٍّ وَرِوَايَةٍ، فَلَوْ أَخَلَّ الْقَارِئُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَانَ نَقْصًا فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ وَضِدُّهُ وَاجِبٌ فِي إِكْمَالِ الرِّوَايَةِ، وَخِلَافَ الْأَوْجُهِ لَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَتَى الْقَارِئُ أَجْزَأَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَكُونُ إِخْلَالًا بِشَيْءٍ مِنْهَا فَهُوَ وَضِدُّهُ جَائِزٌ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَارِئَ مُخَيَّرٌ فِي الْإِتْيَانِ بِأَيِّهِ شَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ
إِلَى هَذَا، وَذَكَرْنَا مَا كَانَ يَخْتَارُ فِيهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَمَا يَرَاهُ شُيُوخُنَا فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ مِنَ الْفَصْلِ السَّابِعِ آخَرَ بَابِ الْبَسْمَلَةِ، وَذَكَرْنَا السَّبَبَ فِي تَكْرَارِ بَعْضِ أَوْجُهِ التَّخْيِيرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ هُنَاكَ فَإِنَّهُ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ يَنْدَفِعُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ وَيَرْتَفِعُ بِهِ شُبَهُ التَّرْكِيبِ وَالِاحْتِمَالَاتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
لِلشُّيُوخِ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِالْجَمْعِ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا الْجَمْعُ بِالْحَرْفِ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَعَ الْقَارِئُ فِي الْقِرَاءَةِ فَإِذَا مَرَّ بِكَلِمَةٍ فِيهَا خُلْفٌ أُصُولِيٌّ، أَوْ فَرْشِيٌّ أَعَادَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ بِمُفْرَدِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُسَوَّغُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَقَفَ وَاسْتَأْنَفَ مَا بَعْدَهَا عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَإِلَّا وَصَلَهَا بِآخِرِ وَجْهٍ انْتَهَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى وَقْفٍ فَيَقِفُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَتَيْنِ كَمَدٍّ مُنْفَصِلٍ وَالسَّكْتِ عَلَى ذِي كَلِمَتَيْنِ وَقَفَ عَلَى الْكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ وَاسْتَوْعَبَ الْخِلَافَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَا بَعْدَهَا عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ أَوْثَقُ فِي اسْتِيفَاءِ أَوْجُهِ الْخِلَافِ وَأَسْهَلُ فِي الْأَخْذِ وَأَحْضُرُ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ رَوْنَقِ الْقِرَاءَةِ وَحُسْنِ أَدَاءِ التِّلَاوَةِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي الْجَمْعُ بِالْوَقْفِ، وَهُوَ إِذَا شَرَعَ الْقَارِئُ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَدَّمَهُ لَا يَزَالُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى وَقْفٍ يَسُوغُ الِابْتِدَاءُ مِمَّا بَعْدَهُ فَيَقِفُ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْقَارِئِ الَّذِي بَعْدَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ خَلْفَهُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَا يَزَالُ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْوَقْفِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَفْعَلُ بِقَارِئٍ قَارِئٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخُلْفُ، وَيَبْتَدِئَ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْفِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّامِيِّينَ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي الِاسْتِحْضَارِ وَأَشَدُّ فِي الِاسْتِظْهَارِ وَأَطْوَلُ زَمَانًا، وَأَجْوَدُ إِمْكَانًا، وَبِهِ قَرَأْتُ عَلَى عَامَّةِ مَنْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِصْرًا وَشَامًا، وَبِهِ آخُذُ وَلَكِنِّي رَكَّبْتُ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَذْهَبًا، فَجَاءَ فِي مَحَاسِنِ الْجَمْعِ طِرَازًا مُذَهَّبًا. فَابْتَدِئْ بِالْقَارِئِ وَانْظُرْ إِلَى مَنْ يَكُونُ مِنَ الْقُرَّاءِ أَكْثَرَ مُوَافَقَةً لَهُ فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَى كَلِمَتَيْنِ بَيْنَ الْقَارِئِينَ فِيهَا خُلْفٌ وَقَفْتَ وَأَخْرَجْتَهُ
مَعَهُ ثُمَّ وَصَلْتَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْوَقْفِ السَّائِغِ جَوَازُهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخِلَافُ، وَلَمَّا رَحَلْتُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَجْمَعُونَ بِالْحَرْفِ كَمَا قَدَّمْتُ أَوَّلًا فَكُنْتُ أَجْمَعُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالْوَقْفِ وَأَسْبِقُ الْجَامِعِينَ بِالْحَرْفِ مَعَ مُرَاعَاةِ حُسْنِ الْأَدَاءِ وَكَمَالِ الْقِرَاءَةِ وَسَأُوَضِّحُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِأَمْثِلَةٍ يَظْهَرُ لَكَ مِنْهَا الْمَقْصُودُ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَخْتَارُ الْجَمْعَ بِالْآيَةِ فَيَشْرَعُ فِي الْآيَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا لِقَارِئٍ قَارِئٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخِلَافُ وَكَأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ فَصْلَ كُلِّ آيَةٍ عَلَى حِدَّتِهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ لِيَكُونَ أَسْلَمَ مِنَ التَّرْكِيبِ وَأَبْعَدَ مِنَ التَّخْلِيطِ، وَلَا يُخَلِّصُهُمْ ذَلِكَ إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الْآيَاتِ لَا يَتِمُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْسُنُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ فَكَانَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ هُوَ الْأَوْلَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْدَلُسِيِّ الْقِيجَاطِيِّ فِي قَصِيدَتِهِ التَّكْمِلَةِ الْمُفِيدَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِنَا مِمَّا رَوَيْنَاهُ مِنْ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: بَابُ كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بِالْحَرْفِ وَشُرُوطِهِ ثُمَّ قَالَ:
عَلَى الْجَمْعِ بِالْحَرْفِ اعْتِمَادُ شُيُوخِنَا
…
فَلَمْ أَرَ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى عَنْهُ مَعْدِلَا
لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو تَرَقَّاهُ سُلَّمَا
…
فَصَارَ لَهُ مَرْقًا إِلَى رُتَبِ الْعُلَا
وَلَكِنْ شُرُوطٌ سَبْعَةٌ قَدْ وَفَوْا بِهَا
…
فَحَلُّوا مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْحُسْنِ مَنْزِلَا
ثُمَّ قَالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: كُلُّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ كِبَارِ الشُّيُوخِ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كَالشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْغُونٍ وَالشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَّاخِ وَالشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحَوْصِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ إِنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ بِالْحَرْفِ لَا بِالْآيَةِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ مَذْهَبَ أَبِي عَمْرٍو يَعْنِي الدَّانِيَّ. قَالَ: وَأَمَّا الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ فَتَرِدُ بَعْدَ هَذَا ثُمَّ قَالَ:
فَمِنْهَا مَعَالٍ يَرْتَقِي بِارْتِقَائِهَا
…
وَمِنْهَا مَعَانٍ يَتَّقِي أَنْ تُبَدَّلَا
قَالَ: أَمَّا الْمَعَالِي فَمَا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا الْمَعَانِي فَحَيْثُ كَانَ الْوَقْفُ، أَوِ الْوَصْلُ يُبَدِّلُ أَحَدُهُمَا الْمَعْنَى، أَوْ يُغَيِّرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَتَّقِيَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ:
فَتَقْدِيسُ قُدُّوسٍ وَتَعْظِيمُ مُرْسَلٍ
…
وَتَوْقِيرُ أُسْتَاذٍ حَلَا رَعْيُهَا عُلَا
وَوَصْلُ عَذَابٍ لَا يَلِيقُ بِرَحْمَةٍ
…
وَفَصْلُ مُضَافٍ لَا يَرُوقُ فَيُفْصَلَا
وَإِتْمَامُهُ الْخُلْفَ الَّذِي قَدْ تَلَا بِهِ
…
وَيَرْجِعُ لِلْخُلْفِ الَّذِي قَبْلُ أَغْفَلَا
وَيَبْدَأُ بِالرَّاوِي الَّذِي بَدَءُوا بِهِ
…
وَلَكِنَّ هَذَا رُبَّمَا عُدَّ أَسْهَلَا
قَالَ: هَذِهِ الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ قَدْ ذُكِرَتْ هُنَا.
(فَأَوَّلُهَا) مَا يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ قَبْلَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهَ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي ذَلِكَ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ (الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) ، وَفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي نَحْوِ قَوْلِهِ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنْ وَصَلَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ فِي قَوْلِهِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا. بِقَوْلِهِ لَسْتَ مُرْسَلًا دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَهَذَا هُوَ (الشَّرْطُ الثَّانِي)، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَقِفَ فِي قَوْلِهِ: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ قَبْلَ قَوْلِهِ أَيْدِيهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ (الشَّرْطُ الثَّالِثُ)، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ.
وَأَمَّا قَطْعُ الْمُضَافِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَمَا زَالَ الشُّيُوخُ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ حَتَّى كَانُوا يُنْكِرُونَ مَا يَجِدُونَ فِي الْكُتُبِ مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى مِثْلِ رَحْمَتُ نِعْمَتُ وَسُنَّتَ وَجَنَّتُ وَشَجَرَتَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ، أَوْ بِالْهَاءِ. وَيَقُولُونَ: كَيْفَ يُقَالُ هَذَا، وَقَطْعُ الْمُضَافِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ؟
وَيَقُولُونَ مُعْتَذِرِينَ عَنْهُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ الْوَقْفُ لَكَانَ هَذَا.
وَأَمَّا أَنْ يَجُوزَ قَطْعُ الْمُضَافِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَلَا، وَهَذَا (الشَّرْطُ الْخَامِسُ) .
وَأَمَّا إِتْمَامُ الْخُلْفِ إِلَى آخِرِهِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ ثُمَّ قَرَأَ بَعْدَهُ الْقَارِئُ الْآخَرُ
ثُمَّ عَرَضَ لَهُ خُلْفٌ إِلَّا أَنَّ يُتِمَّ قِرَاءَةَ الْقَارِئِ الثَّانِي إِلَى انْقِطَاعِ الْآيَةِ ثُمَّ يَسْتَدْرِكُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقَارِئِ الْأَوَّلِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَقْرَأَ، أَوَّلَ الْآيَةِ لِقَارِئٍ وَآخِرَهَا لِآخَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا هُوَ (الشَّرْطُ السَّادِسُ) .
وَأَمَّا (الشَّرْطُ السَّابِعُ) ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِوَرْشٍ قَبْلَ قَالُونَ وَبِقُنْبُلٍ قَبْلَ الْبَزِّيِّ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فَهَذَا أَسْهَلُ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ فَإِنَّ الشُّيُوخَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا لَا يَكْرَهُونَ هَذَا كَمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا قَبْلَهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُؤَلِّفُونَ فِي كُتُبِهِمُ انْتَهَى قَوْلُ الْقَيْجَاطِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ نَظْمًا وَنَثْرًا.
وَفِي الشَّرْطِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ إِذْ لَيْسَتْ وَافِيَةً بِالْقَصْدِ تَجَنُّبُ مَا لَا يَلِيقُ مِمَّا يُوهِمُ غَيْرَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ كَمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، أَوِ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ، وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا الْأُسْتَاذِ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ بَضْحَانَ رحمه الله وَكَانَ كَثِيرَ التَّدْبِيرِ أَنَّ شَخْصًا كَانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فَقَرَأَ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي وَوَقَفَ وَأَخَذَ يُعِيدُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَرَاتِبَ الْمَدِّ، فَقَالَ لَهُ: يَسْتَأْهِلُ الَّذِي أَبْرَزَ مِثْلَكَ.
(فَالْحَاصِلُ) أَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ عَلَى جَامِعِي الْقِرَاءَاتِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ رِعَايَةُ الْوَقْفِ، وَالِابْتِدَاءِ، وَحُسْنُ الْأَدَاءِ، وَعَدَمُ التَّرْكِيبِ.
وَأَمَّا رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ وَالْتِزَامُ تَقْدِيمِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ، بَلِ الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنَ الْأُسْتَاذَيْنِ الْحُذَّاقِ الْمُسْتَحْضِرِينَ لَا يَعُدُّونَ الْمَاهِرَ إِلَّا مَنْ لَا يَلْتَزِمُ تَقْدِيمَ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَلَكِنْ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى وَجْهٍ لِقَارِئٍ ابْتَدَأَ لِذَلِكَ الْقَارِئِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ مِنَ التَّرْكِيبِ وَأَمْلَكُ فِي الِاسْتِحْضَارِ وَالتَّدْرِيبِ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يُرَاعِي فِي الْجَمْعِ نَوْعًا آخَرَ، وَهُوَ التَّنَاسُبُ فَكَانَ إِذَا ابْتَدَأَ مَثَلًا بِالْقَصْرِ أَتَى بِالْمُرَتَّبَةِ الَّتِي فَوْقَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِ مَرَاتِبِ الْمَدِّ وَإِنِ ابْتَدَأَ بِالْمَدِّ الْمُشْبَعِ أَتَى بِمَا دُونَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَصْرِ: وَإِنِ ابْتَدَأَ بِالْفَتْحِ أَتَى بَعْدَهُ بِبَيْنَ بَيْنَ ثُمَّ الْمَحْضِ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِالنَّقْلِ أَتَى بَعْدَهُ بِالتَّحْقِيقِ ثُمَّ السَّكْتِ الْقَلِيلِ ثُمَّ مَا فَوْقَهُ وَيُرَاعَى ذَلِكَ طَرْدًا
وَعَكْسًا. وَكُنْتُ أُنَوِّعُ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّنْوِيعَاتِ حَالَةَ الْجَمْعِ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي بْنِ اللَّبَّانِ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْوَى مَنْ لَقِيتُ اسْتِحْضَارًا فَكَانَ عَالِمًا بِمَا أَعْمَلُ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَا تُسْلَكُ إِلَّا مَعَ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ.
أَمَّا مَنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي الِاسْتِحْضَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكَ بِهِ نَوْعًا وَاحِدًا مِنَ التَّرْتِيبِ لَا يَزُولُ عَنْهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ لِلْخَاطِرِ. وَأَوْعَى إِلَى الذِّهْنِ الْحَاضِرِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَرَى تَقْدِيمَ قَالُونَ، أَوَّلًا كَمَا هُوَ مُرَتَّبٌ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ. وَآخَرُونَ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ مِنْ أَجْلِ انْفِرَادِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ عَنْ بَاقِي الرُّوَاةِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخِلَافِ كَالْمَدِّ وَالنَّقْلِ وَالتَّرْقِيقِ وَالتَّغْلِيظِ فَإِنَّهُ يُبْتَدَأُ لَهُ غَالِبًا بِالْمَدِّ الطَّوِيلِ فِي نَحْوِ: آدَمَ وَآمَنَ وَإِيمَانٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَكْثُرُ دَوْرُهُ، ثُمَّ بِالتَّوَسُّطِ، ثُمَّ بِالْقَصْرِ فَيَخْرُجُ مَعَ قَصْرِهِ فِي الْغَالِبِ سَائِرُ الْقُرَّاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ يَظْهَرُ فِي الِاخْتِيَارِ. وَهَذَا الَّذِي أَخْتَارُهُ، أَمَّا إِذَا أَخَذْتَ بِالتَّرْتِيبِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ أَقْرَأْ بِسِوَاهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ شُيُوخِي بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْحُكْمِ إِذَا قُدِّمَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ يُتْبَعُ بِطَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، ثُمَّ بَقَالُونَ، ثُمَّ بِأَبِي جَعْفَرٍ، ثُمَّ بِابْنِ كَثِيرٍ، ثُمَّ بِأَبِي عَمْرٍو، ثُمَّ يَعْقُوبَ ثُمَّ ابْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ عَاصِمٍ، ثُمَّ حَمْزَةَ، ثُمَّ الْكِسَائِيِّ، ثُمَّ خَلَفٍ، وَيُقَدِّمُ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ الرَّاوِي الْمُقَدَّمُ فِي الْكِتَابِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ حَتَّى يُكْمِلَ مَنْ قَبْلُ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْحُذَّاقُ مِنَ الشُّيُوخِ إِذَا انْتَقَلَ شَخْصٌ إِلَى قِرَاءَةٍ قَبْلَ إِتْمَامِ مَا قَبْلَهَا لَا يَدَعُونَهُ يَنْتَقِلُ حِفْظًا لِرِعَايَةِ التَّرْتِيبِ وَقَصْدًا لِاسْتِدْرَاكِ الْقَارِئِ مَا فَاتَهُ قَبْلَ اشْتِغَالِ خَاطِرِهِ بِغَيْرِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ قَرَأَهُ. فَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ خَفِيفًا لِيَتَفَطَّنَ الْقَارِئُ مَا فَاتَهُ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا قَالَ: مَا وَصَلْتَ. يَعْنِي إِلَى هَذَا الَّذِي تَقْرَأُ لَهُ فَإِنْ تَفَطَّنَ وَإِلَّا صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَذْكُرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ عَجَزَ قَالَ الشَّيْخُ لَهُ. وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَصْبِرُ عَلَى الْقَارِئِ حَتَّى يُكْمِلَ الْأَوْجُهَ فِي زَعْمِهِ وَيَنْتَقِلَ فِي الْقِرَاءَةِ إِلَى مَا بَعْدُ فَيَقُولُ مَا فَرَغْتَ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَتْرُكُ الْقَارِئَ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ فِي مَوْضِعٍ يَقِفُ حَتَّى يَعُودَ وَيَتَفَكَّرَ مِنْ نَفْسِهِ وَكَانَ ابْنُ يَصْخَانَ إِذَا رَدَّ عَلَى الْقَارِئِ شَيْئًا