المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره ‌ ‌الفصل الأول: عصر المؤلف … الفصل الأول: عصر - تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد - جـ ١

[عبد الهادي البكري]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

-

- ‌مقدمة تحقيق الكتاب

- ‌الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره

- ‌الفصل الأول: عصر المؤلف

- ‌الفصل الثاني: حياة المؤلف

- ‌الفصل الثالث: عقيدته

- ‌الباب الثاني: التعريف بالكتاب ونسخه

- ‌الفصل الأول: التعريف بالكتاب

- ‌الفصل الثاني: التعريف بنسخ الكتاب

- ‌الفصل الثالث: الإضافة العلمية فيه

- ‌كتاب التوحيد

- ‌باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

- ‌باب من حقق التوحيد دخل الجنة

- ‌باب الخوف من الشرك

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع بلاء أو دفعه

- ‌باب ما جاء في الرقى والتمائم

- ‌باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

- ‌باب ما جاء في الذبح لغير الله

- ‌باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

- ‌باب من الشرك النذر لغير الله تعالى

- ‌باب من الشرك الاستعاذة بغير الله

- ‌باب من الشرك أن يستغيث بغير الله تعالى أو يدعوه

- ‌باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ

- ‌باب قول الله تعالى {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

- ‌باب الشفاعة

- ‌باب قول الله تعالى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}

- ‌باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم هو الغلو في الصالحين

الفصل: ‌ ‌الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره ‌ ‌الفصل الأول: عصر المؤلف … الفصل الأول: عصر

‌الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره

‌الفصل الأول: عصر المؤلف

الفصل الأول: عصر المؤلف

الحالة السياسية في عصره:

إذا اعتبرنا أن حياة المؤلف قد كانت بين سنتي بضع وسبعين ومائة وألف (1172 هـ) وبضع وستين ومائتين وألف (1262 هـ1) فإن الفترة الواقعة بين هذين التاريخين كانت مليئة بالأحداث السياسية فقد كان الصراع محتدما في المنطقة على الإمارة، وقبائل عسير كغيرها من القبائل في تلك الفترة من الزمن كان يحكمها أمراء ورؤساء القبائل المحليون2.

فقد كانت عسير تابعة للإدارة المركزية بمكة المكرمة أيام الخلافة الإسلامية. ولما ضعفت الدولة الإسلامية وكان الحكم للأتراك وكثر الخارجون عليهم، كانت تلك القبائل تخضع في الأعم لصاحب النفوذ القوي من حكام الأقاليم المجاورة3.

ولما ظهرت دعوة التوحيد في الجزيرة العربية على يد المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقامت بنصرتها الدولة السعودية الأولى فرفعها الله بها وامتدت إلى جهات كثيرة، كانت عسير من تلك الجهات التي دخلت في تلك الدولة.

(1) توصلت إلى ذلك من خلال دراستي لحياة المؤلف في الفصل الآتي بعد هذا: ص 43 - 54.

(2)

انظر: ((في ربوع عسير)) لمحمد رفيع: ص 177.

(3)

انظر: ((تاريخ عسير في الماضي والحاضر)) لهاشم بن سعيد النعمي: (1/ 131) .

ص: 21

وقد كانت البلاد التي تَنْضَمُّ لتلك الدولة - وبالتالي لدعوة التوحيد - تقوم بدورها بدعوة البلاد المجاورة إلى التوحيد - وبالتالي إدخالها في طاعة الدولة السعودية.

ولهذا كانت عسير قاعدة لتوسع الدولة السعودية في جنوب الجزيرة حيث امتدت من خلالها إلى الدرب والشقيق وبيش وصبيا وأبو عريش وما حول تلك البلاد.

بداية دخول عسير في الدولة السعودية الأولى:

ففي عام 1205 هـ وصلت أخبار الدعوة السلفية وما يحققه المنتسبون إليها من النصر إلى عسير، فبقي الناس في تشوق لها ومالت نفوسهم وأرواحهم لذلك الخير فهاجر إلى الدرعية اثنان منهم عام 1213 هـ وهما محمد بن عامر المتحمي وأخوه عبد الوهاب، وأخذا مبادئ تلك الدعوة وعادا لتطبيقها على قومهما فتمكنا بإعانة الدولة السعودية لهما من السلطة والسيادة على قبائل عسير1 فقد أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود معهما سرية لغزو عسير فلم ينتصف عام 1215 هـ حتى دخل سائر أهل عسير السراة في طاعة الدولة السعودية آنذاك2.

(1) انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي (والد المؤلف) : ص 23 ، و ((نفح العود في الظل الممدود)) لمحمد بن أحمد الحفظي (مخطوط) : ق 2 ، و ((في ربوع عسير)) لمحمد عمر رفيع: ص 177.

(2)

انظر: ((في ربوع عسير)) لمحمد عمر رفيع: ص 177،و ((تاريخ المخلاف السليماني)) لمحمد أحمد العقيلي:(439) .

ص: 22

إمارة آل المتحمي:

ومن هنا بدأت في عسير إمارة آل المتحمي التابعة للدولة السعودية آنذاك، وكان الأمير الأول محمد بن عامر المتحمي الذي عرف بلقب (أبو نقطة) وقد حكم سنتين، ثم خلفه أخوه عبد الوهاب الذي سار على نهجه في نصر الدعوة وتوسيع رقعة الدولة السعودية1 فقد قام عبد الوهاب بفتح مدينة (أبو عريش) وما حولها بعد قتال كبير مع الشريف حمود وأتباعه وكان ذلك سنة 1217 هـ2.

وقد كان المؤلف وأبوه وإخوانه وأسرته ممن يترقبون ويعايشون تلك الحروب قائمين بما يمكنهم القيام به لمناصرة الحق من مشاركة فعلية في تلك الحروب أو القيام بأعمال الدعوة والتدريس.

فقد كان أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) بصحبة ذلك الجيش فكان مع الأمير في خيمته3.

وكان المؤلف عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي قاضيا في تلك السنة4 فلعله كان قائما بالقضاء محل أبيه فقد عرف أن أباه كان قاضيًا أيضًا5.

وبهذا الفتح طالب الأشراف بالأمان ودخلوا ضمن الدولة السعودية، فأصبحت أبو عريش وصبيا وما حولهما تابعة للدولة السعودية، والتزم

(1) انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: (ص 24) .

(2)

انظر: ((نفح العود)) للبهكلي: ص 172- 174.

(3)

انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: ص 24.

(4)

انظر: ((تاريخ عسير في الماضي والحاضر)) لهاشم بن سعيد النعمي: ص 133.

(5)

انظر: كتاب ((في بلاد عسير)) لفؤاد حمزة: ص 154 ، ومقدمة ((الظل الممدود)) : ص 10.

ص: 23

الأشراف بقيادة حمود نصر الدعوة، فقاتلوا كثيرًا من البلاد اليمنية وأدخلوها في دولة التوحيد1.

ويستمر الجهاد من أهل تلك البلاد مع الدولة السعودية فيصدر الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أمره إلى عبد الوهاب في شهر ذي الحجة من سنة 1217هـ2 أن يتوجه بجيش إلى مكة لملاقاة جيش يقوده سعود ويصل الجيشان إلى مكة ويتم لهما النصر على الشريف غالب، ويعود كل جيش إلى دياره بعد أن يخلف حامية هناك وذلك في أوائل سنة 1218 هـ3.

وفي شهر رجب من تلك السنة يصل الخطاب من الإمام عبد العزيز إلى عبد الوهاب بالمسير مرة أخرى إلى مكة، وكذلك وصلت خطابات أخرى لأمراء تهامة لنفس الغرض ليجتمعوا بعبد الوهاب ويسيروا سويًّا ليلتقوا جميعًا في الطائف ويسيروا منها إلى مكة4 وقد كان بصحبتهم أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) داعيا وموجها، وكذلك أخوه إسماعيل بن محمد5.

ولما وصلوا كانت الأمور قد تغيرت فقد مات الإمام عبد العزيز وخلفه ابنه سعود فلم يصل الجيش من هناك، وكذلك فإن شريف مكة قد وصله مدد كبير من اليمن فاكتفى عبد الوهاب بإرسال خطاب للشريف

(1)((نفح العود)) للبهكلي: ص 173.

(2)

انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: ص 29 ، و ((نفح العود)) للبهكلي: ص 174 ، 176.

(3)

انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: ص 30.

(4)

انظر: نفس المصدر السابق: ص 32 ، و ((نفح العود)) للبهكلي: ص 211.

(5)

انظر: ((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: ص 36- 37.

ص: 24

غالب ينذره فيه ويحذره ويدعوه للتسليم بعد أن حصلت بينهما بعض المناوشات1 ثم توجه عبد الوهاب ومن معه إلى الدرعية والتقوا بالإمام سعود وإخوانه وأولاده والمشايخ والعلماء.

وتواعد عبد الوهاب مع سعود أن يكون اللقاء بينهم في هلال رمضان من سنة 1219 هـ ليقوموا بإيصال الدعوة إلى الأماكن المقدسة في مكة المكرمة ثم رجع عبد الوهاب بمن معه إلى الأوطان2.

وبدأ بعد عودته الاستعداد للرحلة والموعد الجديد وكان من ذلك الإعداد أن استلحق قبائل بللحمر وباللسمر وأهل العرضية وأهل الساحل والشريف حمود أمير (أبو عريش) والشريف منصور أمير (صبيا) ، وعرار أمير (الدرب)3.

وكان قد وصل إلى الأميرين منصور صاحب صبيا، وعرار صاحب الدرب كتابان من سعود يأمرهما بالمسير مع عبد الوهاب فجهزا جيشين وأمرا عليهما فلحقا عبد الوهاب في الطريق، وكأن جيش عرار قد تأخر فلم يلحق بعبد الوهاب إلا في أطراف الليث فوبخهم عبد الوهاب على التراخي وعاقبهم بأخذ الخيل والحلقة إذا عادوا بعد القتال4 ولعل هذا الفعل كان سببا فيما حدث من خلاف وقتال بين عبد الوهاب من جهة وعرار ورجال ألمع من جهة ثانية فيما بعد.

(1) نفس المصدر السابق: ص 37- 39.

(2)

نفس المصدر السابق: ص 42.

(3)

نفس المصدر السابق: ص 42.

(4)

((نفح العود)) للبهكلي: ص 211.

ص: 25

وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه لما وصل عبد الوهاب بمن معه إلى السعدية في ست بقين من رمضان، وكتب إلى الشريف غالب أمير مكة ينذره ويحذره ويقيم عليه وعلى قومه الحجة، كان الرد أن قدم غالب عليه بجنود وعساكر من الترك والمغاربة والمصارية وأشراف مكة وهذيل والمجاورين لمكة ممن هم في قبضة غالب، فتقاتل الجيشان وغنم عبد الوهاب ومن معه منهم غنائم كثيرة ثم رجع غالب إلى مكة وقفل عبد الوهاب إلى وطنه بعد هذا النصر1.

وعندما عاد عبد الوهاب حصل الخلاف بينه وبين الأمراء عرار أمير (الدرب) وحمود أمير (أبو عريش) ومنصور أمير (صبيا) ومعهم بعض رجال ألمع. وكان أول هذا الخلاف والقتال بين بعض رجال ألمع وعبد الوهاب بسبب ميلهم لعرار، وأخيرًا ألزمهم عبد الوهاب أن يذعنوا لطاعته، وخطب الفقهاء في الأسواق بحفظ عهد عبد الوهاب والصراحة ببغي عرار وأنه ممن يسعى في الأرض بالفساد2.

ولابد أن المؤلف قد شهد تلك الحادثة، ولعله من الفقهاء الذين قد عالجوا الأمور والأحداث، فقد كان قاضيًا في البلد وعمله يحتم عليه ذلك. ولما بلغت هذه الأحداث سعودًا أرسل لجنة من ثلاثة رجال لتنظر في الخلاف الدائر بين أمراء الجنوب وتقوم بحله، فأمرتهم بأن يتوجهوا جميعًا إلى الدرعية فسار عبد الوهاب ومنصور وعرار واعتذر حمود،

(1)((الظل الممدود)) لمحمد بن هادي: ص 44- 45 ، و ((عنوان المجد في تاريخ نجد)) :(1/ 134-135) .

(2)

انظر: ((نفح العود)) للبهكلي: ص 213.

ص: 26

وأرسل بدلاً عنه ابنه بصحبة وزيره الحسن بن خالد الحازمي1.

فذهب ذلك الوفد ثم عاد، وقد تبين من خلال المحاكمة بينهم عند سعود أن الحجة قد ظهرت لعبد الوهاب، وانجلت تلك المحاكمة على إطفاء نار المخاصمة، وأوضح سعود للأشراف أن الحجة عليهم قد قامت بالمخالفة ولكنه يعفو ويصفح2.

وانطلقت وفود جديدة للدعوة والجهاد بقيادة عبد الوهاب إلى نجران في سنة 1221 هـ، وقد أقام بها نحو شهر وبنى فيها قلعة عظيمة3.

وفي سنة 1222 هـ أمر سعود عبد الوهاب بن عامر بالتقدم على الشريف حمود والاستيلاء على ممالكه بعد أن تواترت إليه أخبار مخالفاته، وأمر أمير قحطان وأمير شهران بالمسير معه وعين بعض رجالاته ليكونوا معه4.

وبعد ترتيبات وتحريات ومراسلات تم العقد على تقدم عبد الوهاب ابن عامر على حمود، وفي شهر ربيع الثاني من سنة 1224 هـ وصلت الأخبار إلى الشريف حمود بأن عبد الوهاب قادم; فجهز جيشا استنفر فيه كل من أطاعه.

وقدم جيش عبد الوهاب في جمادى الآخرة من تلك السنة، ونشبت المعركة فولى أصحاب الشريف الأدبار، ولكن عبد الوهاب قتل في تلك المعركة، وعاد حمود إلى (أبو عريش) وصارت الحرب بينه وبين جيوش عسير سجالاً5.

(1) المصدر السابق: ص 216.

(2)

المصدر السابق: ص 225.

(3)

((نفح العود)) للبهكلي: ص 241.

(4)

نفس المصدر: ص 278.

(5)

انظر: نفس المصدر السابق: ص 282- 293.

ص: 27

وعين طامي بن شعيب أميرًا بدلاً من عبد الوهاب، وجاءت الأوامر من سعود إلى أمير مكة من قبله بأن يتجه إلى اليمن ومعه خمسة آلاف، وأن يمر على طامي ابن شعيب وقومه وعددهم ثلاثة آلاف وينضم إليهم رجال شهران وغيرهم نحو الألف، واتجهوا جميعا إلى اليمن ثم عادوا على الشريف حمود في (أبو عريش) وحصلت بينهم مقتلة هزم فيها حمود وعاد إلى (أبو عريش) .

وفي سنة 1226 هـ أجمع أمراء الترك على المسير إلى الحجاز بعددهم وعتادهم بقيادة محمد علي باشا، فوصل بعضهم سنة 1227 هـ إلى ينبع، ومنها ساروا إلى القرى والبوادي حتى وصلوا إلى المدينة النبوية، وقد كان بها جيش كبير لسعود يبلغون سبعة آلاف، كان من بينهم عدد كبير من رجال عسير وأهل بيته وأهل الجنوب ونجد، وقد حصرهم الترك وأعملوا فيهم القتل حتى انتشرت بينهم الأمراض والأوبئة والهلاك1.

ومن هنا بدأت الدولة السعودية في حروبها مع جيوش محمد علي باشا، وبدأ الضعف فيها، وبدأ جزرها عن عسير واليمن، ففي سنة 1229 هـ توجهت الجيوش التركية إلى عسير واليمن فتجهز لهم طامي بن شعيب ولاقاهم في القنفدة واقتتل معهم وانتصر عليهم2.

وفي شهر شوال من تلك السنة سار طامي بن شعيب برعاياه من عسير وألمع وغيرهم نحو عشرة آلاف مقاتل إلى أودية زهران حيث قد تجمع

(1) انظر: ((عنوان المجد)) : (1/ 157- 161) .

(2)

المصدر السابق: (1/ 179) .

ص: 28

نحو عشرين ألفا من الترك والمغاربة فتقاتل الجيشان وانتصر طامي عليهم وغنم منهم الكثير1.

وفي سنة 1230 هـ انضم طامي بن شعيب ومن معه من عسير وألمع إلى جيوش فيصل بن سعود لقتال الترك في تربة قرب الطائف وقد تغلب عليهم الترك وتفرق جندهم.

ثم إن الجيوش التركية واصلت سيرها إلى الجنوب فوصلوا بيشة ثم إلى تبالة2 حتى وصلوا إلى بلاد طامي بن شعيب ورعاياه من عسير وألمع ورفيده، وقد قاومهم طامي بما استطاع ولكنه عجز وهرب أخيرًا إلى شعوف الجبال، وما زال في توجه إلى الجنوب حتى وصل إلى صبيا حيث استدعاه الحسن بن خالد الذي كان وزيرًا لحمود الشريف، ثم سلمه للأتراك الذين كانوا في بحث عنه فبعثوا به إلى محمد علي الذي سيره إلى مصر حيث قتل وصلب فيها3.

وبهذا دخلت عسير في الحكم التركي، وانكمشت عنها الدولة السعودية فأصبح النفوذ والقوة للأتراك، وبهذا ضعف دور العلماء سيما البكريون4 الذين كانوا يتولون القضاء والتوجيه في البلاد وإعانة أمرائهم في نشر دعوة التوحيد.

(1) نفس المصدر: (1/ 180) .

(2)

تَبَالة بلد يقع إلى جنوب الطائف، وتبعد عن بيشة بما لا يزيد عن 30 كم، وهناك تباله أخرى في بلاد زهران، وذكر أيضًا أن صنم دوس بها، قال ابن بشر في ((عنوان المجد)) :(1/ 182) ، بأنها البلد التي هدم فيها المسلمون زمن عبد العزيز بن محمد (ذا الخلصة) وهو الصنم الذي كان قد بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي فهدمه فلما طال الزمان أعادوه.

(3)

انظر: ((عنوان المجد)) : (1/ 183) .

(4)

وهي الأسرة التي ينتمي إليها المؤلف كما سيأتي بيانه ص 43.

ص: 29

ولقد كان (المؤلف) وأبوه وإخوانه من أعيانهم الذين كان لهم دورهم في التوجيه والدعوة.

وفي سنة 1230 هـ تولى إمارة عسير محمد بن أحمد المتحمي (الرفيدي) وهو من قرابة طامي، وبعد أيام من توليه قضى على قوات محمد علي وتولى الحكم واجتمع على طاعته أهل السراة رغبة ورهبة1.

وفي سنة 1231 هـ جمع الجيوش لقتال الشريف حمود لما اجتمع في نفسه عليه من إسلام قريبه طامي للأتراك، ولما سبق من خروج صبيا ومخلافها من أيديهم إليه، وكذلك فعل الشريف حمود.

وفي الثامن عشر من شهر رجب من تلك السنة اقتتل الجيشان في درب بني شعبة، وكانت الغلبة للشريف حمود، ورجع كل إلى بلده.

وفي السنة التي تليها سنة 1232 هـ هَمَّ كلٌّ بغزو الآخر، وفي تلك السنة جاء الأتراك إلى عسير واستولوا عليها مرة أخرى، واستعادوا الحكم فيها فاختفى محمد ابن أحمد في جبل، ولما ذهبت القوات خرج ونادى بالجهاد ولكنه لم يوفق، فاتفق مع علي بن مجثل أن يطلبا من الشريف حمود أن يتقدم للاستيلاء على عسير فوافق ذلك رغبة عنده ففعل وملكها بعدما لاقى في ذلك ما لاقى2. وفي سنة 1233 هـ والناس يدخلون في طاعة الشريف حمود في جبال السراة ورجال ألمع جاءت الجيوش التركية لتعيد ما كان تابعا لها من قبل

(1) انظر: ((تتمة نفح العود)) لعاكش: ص 330 مع ((النفح)) ، و ((تاريخ المخلاف السليماني)) لمحمد بن أحمد العقيلي:(1/ 530) .

(2)

انظر: ((تتمة نفح العود مع النفح)) : ص 334- 335 ، و ((تاريخ المخلاف السليماني)) :(1/ 474-475 ، 530-531) .

ص: 30

ولتدفع من أراد تملكها، فعبأ الشريف جنوده ولاقاهم وانتصر عليهم1.

وتم للقوات التركية القبض على محمد بن أحمد وأسروه ثم قتلوه2.

وبعد سنة 1233 هـ توالت الحملات التركية بالتعاون مع أمير مكة محمد بن عون على بلاد عسير ودفعهم سعيد بن مسلط الذي نصب نفسه أميرًا على عسير إثر انتصارات أحرزها ضدهم واستمرت تلك الحملات حتى توفي سعيد بن مسلط سنة 1242 هـ3. ثم تولى الإمارة بعده ابن عمه علي بن مجثل الذي كان متشبعًا بالدعوة الإصلاحية السلفية فأخذ بالعمل في إمارته على غرار آل سعود من التقدير لرجال العلم وقد خص علماء الحفاظية بالمكان الأول في إمارته.

ومن هنا فإن المؤلف، وهو من الحفاظية كما سيأتي بيانه4 إن كان قد أدركته إمارة ابن المجثل فإنه سينال اهتمامًا وسيجد حرية في نشر العلم والدعوة.

وقد استمرت إمارة علي بن مجثل من سنة 1243 هـ إلى سنة 1249 هـ امتدت إمارته خلال تلك السنوات إلى الجنوب حتى ضمت إليها صبيا وأجزاء من اليمن.

وقد ساعد علي بن مجثل في قيام إمارته وقوتها انشغال محمد علي باشا بحروبه في نجد وسوريا، واختلاف أمراء مكة على السلطة5.

(1) المصدر السابق ((تتمة النفح)) : ص 338- 339 ، و ((تاريخ المخلاف)) :(1/ 476) .

(2)

((تاريخ المخلاف السليماني)) للعقيلي: (1/ 532) .

(3)

المصدر السابق: (1/ 532- 535) .

(4)

انظر: ص 44.

(5)

انظر: ((تاريخ المخلاف السليماني)) للعقيلي: (1/ 537- 541) .

ص: 31

ولما قاربت وفاة علي بن مجثل عهد إلى الأمير عائض بن مرعي المغيدي فحكم عسير من سنة 1250 هـ إلى سنة 1273 هـ.

وقد تقدمت في أثناء إمارته جحافل تركية للاستيلاء على عسير إلا أنها صدت من قبل قبائل عسير التي اتحدت والتفت حول أميرها، إضافة إلى ما حصل من اختلاف بين قواد الأتراك وأمراء مكة.

وقد كان ذلك الخلاف سببًا من الأسباب التي هيأها الله لتقوية حكم عائض فتفرغ لشئون إمارته والإصلاحات المحلية، وخصوصًا التشجيع على التفقه في الدين والذي كان للحفاظية الذين ربما كان (المؤلف) من بينهم - دور كبير فيه1.

(1) انظر: نفس المصدر السابق: (1/ 541-544) .

ص: 32

الحالة الدينية والعلمية في عصره:

لقد كان للحركة العلمية والدينية في عصر المؤلف ارتباط وثيق به وبأسرته فقد قام البكريون أو الحفاظية1 بنشاط كبير في نصرة الدعوة السلفية، سواء كان ذلك بتآليفهم أو خطبهم أو مشاركتهم في حملات الدعوة التي كان يقوم بها الأمراء الذين نصروا الدعوة السلفية هناك في أول ظهورها2، وأصبحت بذلك مدينة رجال ألمع مركزًا فكريًّا مهمًّا يَضُمُّ عددًا من المفسرين والمحدثين والمؤلفين والدعاة والشعراء والكتاب3.

وقد كان من البكريين أو الحفاظية - الدعاة والوعاظ والقضاة - فأصبحوا مع أمرائهم محال الشيخ مع أمراء آل سعود4.

وقد كان من أشهر العلماء القائمين بتلك النهضة العلمية والدينية أحمد بن عبد القادر الحفظي، ومحمد بن أحمد الحفظي وإبراهيم بن أحمد الزمزمي ومحمد بن عبد الهادي (أبو المؤلف) وعبد الهادي بن محمد (المؤلف) وإسماعيل بن محمد (أخو المؤلف) وإسماعيل بن إبراهيم الزمزمي وعبد القادر بن أحمد الحفظي5.

فقد خالطت قلوب هؤلاء العلماء بشاشة التوحيد فناصروا دعاتها بأشعار الحماسة والأقوال في الرسائل وغيرها، ومن أجل هذا فقد كان لهم ولمن استفاد منهم أثر كبير في تعليم الناس وتوجيههم.

(1) سيأتي بيان معنى التسميتين: ص 44.

(2)

انظر مزيدا من ذلك في الناحية السياسية: ص 21- 32.

(3)

انظر: ((نفحات من عسير)) : ص 18.

(4)

انظر: ((في ربوع عسير)) : ص 216.

(5)

انظر: ((نفح العود)) للبهكلي: ص 167.

ص: 33

ومن أهم الدعائم التي كانت سببًا في زوال الجهل وانقياد الناس للخير وتعظيم العلم والعلماء ما كان يتمتع به أولئك العلماء مع أمرائهم من الاتفاق على كلمة واحدة في نصر الدين ورفع راية التوحيد، فقد كانوا يصحبون الأمراء في غزواتهم وجهادهم المستمر من أجل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1.

ولقد كان لمسجد بلدة رجال ألمع التي تربى هؤلاء العلماء والمشايخ فيها أثر كبير في ثقافتهم، فقد كان منبرًا من منابر العلم يشع نوره في جميع أرجاء منطقة عسير.

ثم زاد ذلك النور عندما قام الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وصنوه إبراهيم بتأسيس مدرستين لطلبة العلم، فأصبحت تلك البلاد منارًا للعلم يقصد، ومنهلاً من مناهل المعرفة يورد، تضرب إليها أكباد الإبل، وتستقبل طلاب العلم من مختلف الجهات، فيعودون إلى أوطانهم يحملون العلم والنور2.

وقد كان من مظاهر الحركة الدينية والعلمية في تلك الفترة من الزمن المؤلفات التي ألفت لتوعية الناس ونقلهم من الظلمة والجهل والشركيات إلى التوحيد والاستنارة بدعوته.

(1) انظر: ((عسير في ظلال الدولة السعودية الأولى)) للدكتور/ أبو داهش: ص 40.

(2)

انظر: ((نفحات من عسير)) جمع محمد زين العابدين الحفظي: ص 19.

ص: 34

ومن أمثلة تلك المؤلفات:

1-

كتاب "الظل الممدود في الوقائع الحاصلة في عهد ملوك آل سعود الأولين" وهو لوالد المؤلف محمد بن هادي، وقد أوضح خلال ذكره لتلك الوقائع ما كان يتمتع به أصحاب تلك الدعوة من قوة في التمسك بالتوحيد، وما كانت عليه أكثر البلاد في تلك المناطق من ترك للتوحيد وتعلق بغير الله تعالى، وما كان يقوم به هو وأمثاله من العلماء في الغزوات من إقامة الحجة للمدعوين قبل حربهم.

2-

كتاب "نفخ العود في الظل الممدود" لمحمد بن أحمد الحفظي وقد احتوى تقريبًا على بعض ما احتوى عليه سابقه، وفيه مفاهيم الدعوة إلى التوحيد ما في الكتاب الأول وهو لا يزال مخطوطًا1.

3-

ومنها كتاب "اللجام المكين والزمام المتين" لمحمد بن أحمد الحفظي أيضًا، وهو مطبوع وقد ذكر فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان من المجددين وذكر فيه أنهم - يعني: الحفاظية - لدعوته من المحبين ولفتاويه من المطيعين2.

ومما يحتوي عليه هذا الكتاب التناصح مع الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، والطلب منه ومن المشايخ أن يبينوا للدعاة الحاملين لراية الأمير الأخطاء التي يقعون فيها والتي كانت سببًا في وصف دعوة الشيخ بغير ما كانت تتصف به3

(1) وقد بلغني بأن الدكتور/ محمد بن عبد الله آل زلفة، في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود يحققه.

(2)

انظر ذلك الكتاب: ص 38 ، 39 ، 40.

(3)

المصدر السابق: ص 48- 58.

ص: 35

4-

كتاب "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد" وهو الكتاب الذي بين أيدينا لمؤلفه عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي، وسيأتي التعريف به في الباب الثاني من هذه الدراسة1.

5-

وهناك مؤلفات ورسائل وشروحات وقصائد كلها أسهمت في تكوين حركة علمية ودينية عمت بلاد عسير واستفاد منها خلق كثير. كما أن من المظاهر الدالة على شهود المنطقة حالة دينية وعلمية في تلك الفترة من الزمن ما يحصل من مراسلات بين أهل العلم والأمراء في تلك البلاد وبين العلماء والأمراء في الدرعية من أمثلة ذلك:

1-

رسالة وجهت من الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن أحمد الحفظي جوابًا عن أسئلة تتعلق بالبناء على القبور، وعن الحدود، وعمن صدر منه كفر من غير قصد منه2.

2-

رسالة من الشيخ عبد الله أيضا إلى الأمير عبد الوهاب أبو نقطة أجابه فيها على أسئلة عمن قال: يعلم الله كذا وهو كاذب، وعن قول القائل: من صلى على النبي عشرًا صلى الله بها عليه مائة، ومن صلى مائة صلى الله عليه بها ألفًا، وعن التلفظ بالنية3.

(1) انظر: ص 43-45.

(2)

انظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) : (1/ 245- 248) .

(3)

المصدر السابق: (1/ 310- 311) .

ص: 36

دور الحفاظية في إقامة دولة التوحيد في بلادهم:

لقد كان لعلماء الحفاظية دورٌ كبيرٌ في قيام ذلك النظام السياسي والديني في أرجاء عسير في تلك الفترة من الزمن بسبب توليهم لأهم المناصب في ذلك الوقت من قضاء وإرشاد وفتوى، ولم يكونوا ليحصلوا على هذه الدرجة لولا إيمانهم بمبادئ الدعوة إلى التوحيد وتعمقها في نفوسهم فنصروها وأيدوها بكل ما أوتوا من قوة في العبارة وجهاد بالنفس والمال، ومن الأمثلة الحية الدالة على شغف قلوبهم بدعوة التوحيد والقائمين عليها تلك الخطبة التي ألقاها الشيخ محمد بن هادي (أبو المؤلف) لما بلغته وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود1.

وفي هذه الخطبة تظهر المحبة البالغة التي كان يكنها العلماء الحفاظية لدعوة التوحيد وعلمائها وأمرائها ومن تلك الخطبة قوله: (ألا وإن إمام زماننا ومحيي موات ديننا الذي جمع شمل الأمة على كلمة التوحيد وشيد حصن لا إله إلا الله على أرسخ أساس، وأرفع تشييد، وجدد دين الله بعد اندراسه وبين حق الله على العبيد، من نفى بأسياف عزمه الشرك والطواغيت والجحود، الداعي إلى الله المجدد لدين الله عبد العزيز بن محمد بن سعود قد قتل شهيدًا ولقي ربه حميدًا) .

ومن الأمثلة الدالة على منافحتهم عن دعوة التوحيد وبيانها للناس تلك القصيدة2 التي أرسلها الشيخ محمد بن أحمد الحفظي إلى حاكم المخلاف السليماني الشريف علي بن حيدر وقاضيه عبد الرحمن البهكلي

(1) انظر: كتاب ((الظل الممدود)) : ص 33.

(2)

انظر: ((نفحات من عسير)) : ص 58 ، و ((المخلاف السليماني)) للبهكلي (مخطوط) : ق2.

ص: 37

وعلماء تلك المنطقة، التي يدعو فيها إلى قبول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويدفع عنها ما علق في أذهانهم عنها حيث يقول في مطلعها:

هام الشجا وهاج شوق الممتلى

وبدت صبابات الغرام الأول

ثم يقول في أبيات منها:

واستشهد الأيام وانظر شأنها

وارمق عواقب حالها المتحول

والحق أولى أن يجاب وإنما

لم أدر ما حيلولة المتحيل

إن كان ظنًًّا أن ذاك مخالف

فهو البريء من الخلاف المبطل

بل قام يدعو الناس بالتوحيد

والتجريد والتفريد للرب العلي

ويذب عن شرع النبي محمد

ويذم من يدع النبي أو الولي

أو كان ظنًّا أن فيه غلاظة

وفضاضة وشكاية لم تحمل

فأقول حاشا إن فيه ليونة

وبشاشة للمقبل المستقبل

لا يطلب الأموال من خزانها

أو يقتل الأبطال إن لم تبطل

بل قصده التوحيد في أفعالنا

ثم اتباعًا للنبي المرسل

ومن الأدلة على ارتباط تلك الأسرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وعلمائها وأمرائها تلك الرسائل المتبادلة بين الطرفين التي يظهر منها عبارات التقدير والاحترام والتواصي بالخير وعرض كل طرف على الآخر ما فيه مصلحة الدعوة وتقدمها وتلافي ما يؤدي إلى إضعاف تقدمها.

ص: 38

ومن تلك الرسائل:

1-

رسالة وجهت من حسين وعبد الله ابني الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد ابن أحمد الحفظي.

ومما قالا فيها: (

وقد وصل إلينا كتابك وفهمنا ما حواه من حسن خطابك، وتذكر أنك على هذا الدين الذي نحن عليه من إخلاص الدين لله تعالى، وترك عبادة ما سواه وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد ولو قدر فواق، فالحمد لله الذي مَنَّ علينا وعليك، وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق

) . ومما أوصياه به قولهما له: "والذي نوصيك به ونحضك عليه التفقه في التوحيد ومطالعة مؤلفات شيخنا - رحمه الله تعالى - فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وحقيقة الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله".

ومما حذراه منه قولهما: (فإياك أن تغتر بما أحدثه المتأخرون وابتدعوه كابن حجر الهيتمي وأشباهه، واعتمد في هذا الأصل على كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وعلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا تغتر بما حدث بعدهم من البدع المضلة في أصول الدين وفروعه)1.

2-

ومنها رسالة من عبد العزيز بن محمد إلى الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وفيها يشرح له معاملتهم للناس حيث قال: (فإذا جاءنا من

(1)((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) : (5/ 4/ 542-545) .

ص: 39

يقول أنا أريد أن أبايعكم على دين الله ورسوله وافقناه وبايعناه وبينا له الدين الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ونأمره بذلك ونحضه على القيام به في بلده ودعوة الناس إليه وجهاد من خالفه، فإذا خالف ذلك وغدر فالله حسيبه

) .

وقال فيها أيضًا: (وأما الجيوش والأجناد الذين نجهزهم من الوادي وأتباعهم فنأمرهم بقتال كل من بلغته الدعوة وأبى عن الدخول في الإسلام والانقياد لتوحيد الله وأوامره وفرائضه

) 1.

3-

ومنها رسالة من الأمير عبد الله بن سعود إلى والد (المؤلف) محمد بن عبد الهادي وأولاده الذين كان من أشهرهم المؤلف قال فيها: من عبد الله بن سعود إلى الأخ محمد بن عبد الهادي وأولاده سلمهم الله تعالى:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:

وصل الخط وصلكم الله إلى رضوانه وما ذكرتم من نصر الله للإسلام وأهله فإنه المحمود على ذلك ووعد الله يتم

ثم طلب الأمير من الشيخ أن يلازم عبد الوهاب الأمير هناك ويناصره إذ قال: (ويذكر لنا أن ديرتكم متشطره2 عن عبد الوهاب والذي مثل عبد الوهاب يشره3 عليكم بالملازمة والمعاضدة في أمور دينه ودنياه

ثم قال: فنحن نلزم عليكم ونعزم أنكم تنتقلون

(1) انظر هذه الرسالة في كتاب ((عسير خلال القرنين)) : ص 41 ، وقد أحالها مؤلفه إلى دار الوثائق القومية بالقلعة في القاهرة.

(2)

متشطره ، يعني: بعيده.

(3)

يشره ، يعني: يؤاخذكم.

ص: 40

يم1 عبد الوهاب

وواجبكم نقوم به إن شاء الله

والمأمول فيكم الامتثال ساعة يجيكم الكتاب

وأنتم بحفظ الله وأمانه والسلام) 2.

وهناك رسائل كثيرة في "مجموعة الرسائل" وفي كتاب "أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" وكتاب "عسير خلال قرنين" كلها تدل على الصلة القوية بين أسرة (المؤلف) البكريين أو (الحفظيين) مع علماء الدعوة إلى التوحيد في الدرعية.

ولم يقتصر دورهم في نصر الدعوة على الإسهام بالخطبة والكتاب والدروس بل تعدى ذلك إلى المشاركة بالنفس: فإن أبا المؤلف محمد بن عبد الهادي كان قد صحب أحد الجيوش بنفسه وهو شيخ كبير كما يدل عليه قوله في تاريخه "الظل الممدود" (ثم حصل للفقير إلى الله تعالى العزم على السفر للمعاونة في الجهاد

وإن كان الحال يقصر والعذر واسع والعجز ظاهر) 3.

وكذلك محمد بن أحمد الحفظي كان يشارك في حضور الغزوات استجابة لدعوة الحق والهدى ويرسل إلى العلماء الكتب والقصائد ليقنعوا من وراءهم بقبول الدعوة كما حصل مع حكام المخلاف السليماني4.

(1)((يم)) ، بمعنى: نحو، أو إلى. وأصلها من يمم بمعنى اتجه، يقال: يمم وجهه نحوه: اتجه إليه.

(2)

انظر هذه الرسالة خلف هذه الورقة، وفي كتاب ((الظل الممدود)) : ص 17.

(3)

((الظل الممدود)) : ص 35.

(4)

انظر: ((نفح العود)) (مخطوط) : ق 4، و ((المخلاف السليماني)) لعاكش (مخطوط) : ق 14 ، و ((نفحات من عسير)) : ص 44 ، 58.

ص: 41

الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن1 إليه. وعن أبي2 شريح3 خويلد بن عمرو العدوي- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "م ن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه "4 أخرجاه5.

(1)((تفسير الطبري)) : (4/ 5/ 83)، و ((تفسير البغوي)) :(1/ 425)، و ((تفسير ابن الجوزي)) :(1/ 179)، وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في ابن السبيل ثلاثة أقوال:

1-

الضيف: قاله سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل والفراء وابن قتيبة والزجاج.

2-

المسافر: الذي يمر بك، قاله الربيع بن أنس ومجاهد وقتادة.

3-

الذي يريد سفرًا ولا يجد نفقه، ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي.

وقال ابن الجوزي: روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدًا آخر، وهذا اختيار ابن جرير وأبي سليمان الدمشقي والقاضي أبي يعلى. قال: ويحققه أن السبيل الطريق، وابنه صاحبه الضارب فيه.

(2)

في ((ر)) : (ابن أبي شريح) ، وهو خطأ من الناسخ.

(3)

في ((الأصل)) : (أبي شريح ابن خويلد) ، وهو خطأ، وهو: خويلد بن عمرو بن صخر ابن عبد العزى أبو شريح الخزاعي صحابي جليل، كان من عقلاء الرجال، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة. . .)) الحديث، توفي رضي الله عنه سنة 68 هـ. انظر ترجمته في:((الإصابة ((: (11/ 192)، ((أسد الغابة)) :(1/ 629)، ((الطبقات)) لابن سعد:(5/ 460) .

(4)

البخاري: الأدب (6019)، ومسلم: اللقطة (48)، والترمذي: البر والصلة (1967)، وأبو داود: الأطعمة (3748) ، وأحمد (6/385)، ومالك: الجامع (1728) .

(5)

[17 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 445، ح 6019) ، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. و ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(2 1/ 273، ح 48) ، كتاب اللقطة، باب الضيافة ونحوها. انظر تفصيل التخريج في الملحق.

ص: 41

الجائزة: العطية، أي: يقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل1 وقيل: هو أن يكرم الضيف ثلاثة أيام2 فإذا سافر أعطاه ما يكفيه يوما وليلة حتى يصل إلى موضع آخر3.

العاشر: قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني: المماليك، فأحسنوا إليهم والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية. وعن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه قال:" كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم "4 أخرجاه5.

(1) المنهل: المشرب ثم كثر ذلك حتى سميت منازل السفار على المياه مناهل، فيطلق المنهل على المشرب والشرب، والموضع الذي فيه المشرب والمنزل يكون بالمفازة. انظر:((لسان العرب)) : (11/ 681)، مادة:((نهل)) ، و (القاموس المحيط) :(ص 1377)، مادة:((نهل)) .

(2)

قوله: (ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل، وقيل: هو أن يكرم الضيف ثلاثة أيام) سقط ((ش)) .

(3)

انظر: (فتح الباري) : (10/ 533)، و ((النهاية في غريب الحديث)) :(1/ 314) .

(4)

في ((ر)) : (اتقوا الله وما ملكت أيمانكم) .

(5)

[18] لم أجد بعد البحث أن البخاري أو مسلمًا قد أخرجا هذا الحديث في صحيحيهما، ولعل الشيخ نظر إلى قول الحاكم بعد هذا الحديث المروي عن أنس وهو قوله:(قد اتفقا على إخراج هذا الحديث) ، فحكم به، إلا أن هذا القول قد تعقبه الذهبي بقوله للحاكم:(فلماذا أوردته؟) .

انظر: ((المستدرك)) : (3/ 57) .

وإنما رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) : (ص 68- 69، ح 58 1)، والحديث في ((سنن أبي داود)) :(5/ 359، ح 5156) ، كتاب الأدب، باب في حق المملوك، وفي ((سنن ابن ماجه)) :(2/901، ح2698) ، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والحديث صححه ابن حبان: ((الإحسان)) : (8/205، ح6571)، وصححه الحاكم في ((المستدرك)) :(3/57) .

وصححه الألباني. انظر: ((صحيح سنن أبي داود)) : (3/969، ح4295)، و ((صحيح سنن ابن ماجه)) :(2/109-110، ح284)، ((إرواء الغليل ((:(7/237، ح2178) . انظر تفصيل التخريج في الملحق.

ص: 42

عن المعرور بن سويد1 رضي الله عنه قال: " رأيت أبا ذر- رضي الله عنه وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ فيك جاهلية [قال] 2 ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم3 جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " أخرجاه4.

(1) هو: معرور بن سويد- أبو أمية- الأسدي الكوفي، تابعي عاش 120 سنة، أدرك بعض الصحابة، وقد روى عن عمر وأبي ذر وابن مسعود، توفي سنة بضع وثمانين هجرية. انظر ترجمته في:((السير)) للذهبي: (4/ 174)، ((الطبقات)) لابن سعد:(6/ 118)، ((تذكرة الحفاظ)) :(1/ 67)، ((تهذيب التهذيب)) :(15/ 230) .

(2)

في ((الأصل)) : (قلت)، وفي بقية النسخ:(قال) .

(3)

الخول: جمع خولي، وهو الراعي الحسن القيام على المال والغنم، كعربي وعرب. انظر:((لسان العرب)) : (11/ 225) .

(4)

[19ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (1/ 84، ح 30) ، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية. ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(143/11- 144، ح 39، 40/ 1661) ، كتاب الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس. جاءت الرو، الآية في ((صحيح مسلم)) قال: قلت: على حال ساعتي من الكبر، قال: نعم. وفي رو، الآية أبي معاوية: نعم على حال سعتك من الكبر.

انظر تفصيل التخريج في الملحق.

ص: 43

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} 1 المختال2 المتكبر العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الناس، والفخور هو الذي يفخر على الناس، ويتطاول عليهم، ختم الله هذه الآية الكريمة3 بهذين الوصفين المذمومين; لأن المختال والفخور يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء، فلا يحسن إليهم، ولا يلوي بنظره عليهم، ولأن المختال هو المتكبر، ومن كان متكبرًا فلا يقوم بحقوق الناس.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء "4.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الله

(1) سورة النساء، الآية:36.

(2)

كلمة: (المختال) سقطت من ((ر)) .

(3)

قوله: (ختم الله هذه ال، الآية الكريمة) بيض له في ((ر)) .

(4)

[20 ح] هو بهذا اللفظ في ((سنن الترمذي)) : (4/ 223 ، ح 1730) ، كتاب اللباس، باب ما جاء في كراهية جر الثوب. وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) ، انظر:((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 258، ح 5791) ، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه خيلاء. وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) - أيضا-، انظر:((صحيح مسلم مع شرح النووي)) : (14/ 304، ح 42/ 2085) ، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب.

انظر التفصيل في الملحق.

ص: 44

يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء "12.

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل شعره، يختال في مشيته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة "3.

وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل/ الوبر، والسكينة في أهل الغنم "4 الفدادون: الحراثون وأصحاب الإبل والبقر، المتكبرون على الناس بها5.

(1) في ((ر)) ، و ((ش)) :(من جر إزاره بطرا) ، وفي ((ع)) سقطت رو، الآية أبي هريرة هذه.

(2)

[21 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 257، ح 5788) ، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء. ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(14/ 304، ح 48/ 2087) ، كتاب اللباس، باب تحريم جر الثوب خيلاء.

(3)

[22 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 258، ح 5789) ، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه خيلاء. ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(14/ 308، ح 49/ 2088) ، كتاب اللباس، باب تحريم التبختر في المشي.

انظر تفصيل التخريج في الملحق.

(4)

[23 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (6/ 350 ، ح 3301) ، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال. ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(2/ 391، ح 85/ 52) ، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان.

انظر تفصيل التخريج في الملحق.

(5)

انظر التوسع في بيان معنى الفدادين في: ((لسان العرب)) : (3/ 330)، مادة:((فدد)) .

ص: 45

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار.......................................................

{عن معاذ بن جبل1} الأنصاري رضي الله عنه قال: " كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار "2 وفي رواية: "ردف"، الردف والرديف: الراكب خلف الراكب، قال النبي صلى الله عليه وسلم " صاحب الدابة أحق بصدرها "3 وقد أفرد ابن منده4 أسماء من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فبلغوا ثلاثين

_________

(1)

هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي - أبو عبد الرحمن - صحابي جليل كان فقيهًا مقرئًا، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن داعيًا ومعلمًا، توفي سنة 18هـ. انظر ترجمته في:((أسد الغابة)) : (4/ 418-421)، ((الإصابة)) :(9/ 219) .

(2)

البخاري: الجهاد والسير (2856)، ومسلم: الإيمان (30)، وأبو داود: الجهاد (2559) ، وأحمد (5/236) .

(3)

[24 ح]((سنن أبي داود)) : (3/ 62، ح 2572) ، كتاب الجهاد، باب رب الدابة أحق بصدرها. ((سنن الترمذي)) :(5/ 99، ح 2773) ، كتاب الأدب، باب ما جاء أن الرجل أحق بصدر دابته. والحديث ذكره البخاري تعليقا. انظر:((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 396) ، كتاب اللباس، باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه. والحديث مروي عن بريدة رضي الله عنه. والحديث: قال الألباني في ((مشكاة المصابيح)) (2/ 1146، ح 3918)، كتاب الجهاد: إسناده صحيح، وفي ((صحيح أبي داود)) :(2/ 489، ح 2242)، قال: حسن صحيح.

انظر التفصيل في تخريجه في الملحق.

(4)

هو: محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الأصبهاني -أبو عبد الله- إمام حافظ، نقل الذهبي عن أبي نعيم أنه قال عن ابن منده: أنه تخبط في أماليه، ونسب إلى جماعة أقوالاً في المعتقدات لم يعرفوا بها، وعن ابن منده أنه حط على أبي نعيم من أجل العقيدة، وقد قال الذهبي عنهما:(لا يعبأ بقولك في خصمك للعداوة المشهورة بينكما كما لا يعبأ بقوله فيك) . قال: وكل منهما صدوق غير متهم في الحديث بحمد الله.

انظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) : (3/ 1031- 1036)، ((شذرات الذهب)) :(3/ 146)، ((الأعلام)) للزركلي:(6/ 29) .

ص: 46

نفسًا1 قيل: إن حمار النبي صلى الله عليه وسلم أهداه2 المقوقس صاحب مصر الذي أهدى مارية القبطية3 أم إبراهيم، وقيل: أهداه فروة4 بن عمرو الجذامي5 وقيل: أصابه يوم خيبر، وسماه يعفور، وكان يركبه في حاجته، ويبعثه في حاجته، ويبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيضربه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار، أومأ إليه برأسه فيأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان6 فتردى فيها

(1) ذكره ابن حجر في ((الفتح)) : (10/ 398) .

(2)

زاد هنا في ((الأصل)) كلمة: (صاحب) ، والصواب حذفها كما في بقية النسخ.

(3)

هي: مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسريته، وهي أم ولده إبراهيم، أهداها له المقوقس، ووصلت إلى المدينة سنة 8هـ، وتوفيت سنة 16هـ.

انظر ترجمتها في: ((أسد الغابة)) : (6/ 261)، ((الإصابة)) :(13/ 125)، ((أعلام النساء)) :(5/ 10) .

(4)

كتب في كل النسخ: (عروة)، وما أثبته هو الصواب كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام:(4/ 234) .

(5)

هو: فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي ثم النفاثي، كان عاملا للروم على من يليهم من العرب وهو الذي بعث وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره عن إسلامه وأهدى له بغلة بيضاء فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه وحبسوه ثم صلبوه وقتلوه، وقال عندما قدموه للقتل:

بلغ سراة المسلمين بأنني

سلم لربي أعظمي ومقامي

انظر عنه في: ((السيرة)) لابن هشام: (4/ 234)، ((عيون الأثر)) :(2/ 422)، ((مختصر سيرة الرسول)) :(ص 429) .

(6)

هو: مالك بن بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقيل: مالك بن التيهان بن مالك بن عمر، صحابي جليل، كان يكره الأصنام في الجاهلية ويقول بالتوحيد، وكان أول من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، اختلف في وفاته بين كونها في خلافة عمر سنة 21هـ، أو 20هـ، وبين كونها في صفين مع علي رضي الله عنه سنة 37هـ. انظر ترجمته في:((طبقات ابن سعد)) : (3/ 447)، ((أسد الغابة)) :(4/ 238- 239)، ((صفة الصفوة)) :(1/ 462-463) .

ص: 47

فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال:"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا "

جزعا على النبي صلى الله عليه وسلم فصارت قبره1.

فيه تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوبه الحمار مع الإرداف عليه، وجواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت. وفضيلة معاذ بن جبل رضي الله عنه.

{فقال: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد "2} أي: ما يستحقه وما أوجبه وجعله محتمًا عليهم {" وما حق العباد على الله "3} إنما قال حقهم على سبيل المقابلة لحقه عليهم، لا أنهم4 يستحقون عليه شيئًا، ويجوز5 أن يكون من قول الرجل لصاحبه حقك علي واجب، أي: متأكد قيامي به " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن

_________

(1)

انظر هذه الحك، الآية في ((فتح الباري)) :(6/ 59) ، وقد أحالها على ابن حبان في ((الضعفاء)) في ترجمة محمد بن مرثد، ثم قال بعدها: لا أصل له وليس سنده بشيء. وانظر: ((الضعفاء)) لابن حبان: (ص 308-309) . وانظر: ((زاد المعاد)) : (1/ 123-124) .

(2)

البخاري: التوحيد (7373)، ومسلم: الإيمان (30)، والترمذي: الإيمان (2643)، وابن ماجه: الزهد (4296) ، وأحمد (5/228 ،5/229) .

(3)

البخاري: اللباس (5967)، ومسلم: الإيمان (30)، وابن ماجه: الزهد (4296) ، وأحمد (3/260 ،5/228) .

(4)

في ((ر)) ، و ((ش)) :(لا لأنهم) ولا يتغير المعنى، وفي ((ع)) :(لأنهم) ، وهو خطأ من الناسخ.

(5)

كلمة: (ويجوز) سقطت من ((ر)) ، وحرفت في ((ع)) إلى:(ويحبون) .

ص: 48

فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس، قال:" لا تبشرهم فيتكلوا "1 أخرجاه في " الصحيحين".

يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا "2 الحق الذي على العباد حق تعبد وإلزام، والحق الذي على الله سبحانه وتعالى حق تفضل وإنعام (فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا "3 على سعة رحمة الله تعالى ويتركوا العمل.

قال الحسن البصري4 " يرد كثير من الناس يوم القيامة مفاليس من الأعمال لاتكالهم على سعة رحمة الله تعالى "5.

{أخرجاه في "الصحيحين6 "} .

فيه جواز كتمان العلم للمصلحة، فإذا مست الحاجة أظهره فأخبر بها معاذ بن جبل رضي الله عنه عند موته تأثما [أي] 7 خشية الوقوع في إثم

_________

(1)

البخاري: الجهاد والسير (2856)، ومسلم: الإيمان (30)، والترمذي: الإيمان (2643)، وابن ماجه: الزهد (4296) ، وأحمد (3/260 ،5/228 ،5/229 ،5/230 ،5/236) .

(2)

البخاري: الجهاد والسير (2856)، ومسلم: الإيمان (30) .

(3)

البخاري: الجهاد والسير (2856)، ومسلم: الإيمان (30) .

(4)

هو: الحسن بن علي بن يسار البصري -أبو سعيد- من كبار التابعين، كان عالمًا زاهدًا ورعًا، وكان بليغ الموعظة، أدرك بعض الصحابة، وسمع عثمان وهو يخطب، كان يؤم الدار وعمره أربع عشرة سنة، توفي سنة 110هـ. انظر ترجمته في:((طبقات ابن سعد)) : (7/ 156-178)، ((تذكرة الحفاظ)) :(1/ 71- 72)، ((تهذيب التهذيب)) :(2/ 263-270) .

(5)

لم أجد هذا القول بنصه، وقد ورد نحوه في ((تفسير السيوطي)) :(3/ 594) عن أبي الشيخ عن الحسن البصري. (6)[25 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (13/ 347 ، ح 7373) ، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله. و ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(1/ 345-346 ، ح 49/ 30) ، كتاب الإيمان، باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا. انظر تفصيل التخريج في الملحق.

(7)

كلمة: (أي) سقطت من ((الأصل)) ، وهي ثابتة في النسخ الأخرى.

ص: 49

من كتم علمًا يعلمه لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كتم علمًا يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار 1 " والمراد بذلك العلم الذي يجب تعليمه من علوم الشرع، فلا يحمل ذلك على تعليم الحرف والصنائع2 إلا ما كان تعليمه فرض كفاية كتعليم الرمي وغيره من أسباب القتال، وفيه استحباب البشارة للمسلم بما يسره.

(1)[26 ح]((سنن أبي داود)) : (4/ 67-68 ، ح 3658) ، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، ((سنن ابن ماجه)) :(1/ 96، 98، ح261، 266) ، المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه.

والحديث روي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

والحديث صححه ابن حبان: ((الإحسان)) : (1/ 154، ح 95، 96) . وصححه الحاكم في ((المستدرك)) : (1/ 102) من حديث المصريين، ووافقه الذهبي. وقد نقل المنذري في ((الترغيب)) ، وتابعه الألباني في ((صحيح الترغيب ((عن الحاكم قوله:(صحيح لا غبار عليه) ، ولم أجد هذه العبارة في ((المستدرك)) . وصححه الألباني، انظر:((صحيح الترغيب والترهيب)) : (1/ 124، ح 115)، و ((صحيح الجامع)) :(2/ 111، ح 6517)، مع إسقاط لفظة:((عن أهله)) التي حكم عليها بالضعف في ((ضعيف الجامع)) : (ص 838، ح 5813) . والحديث جاء في بعض ألفاظه من سئل عن علم فكتمه، وفي بعضها:((من كتم. . .)) .

انظر تفصيل التخريج في الملحق.

(2)

وقد جاء ما يفيد كونه علم الدين من قوله صلى الله عليه وسلم في ((سنن ابن ماجه)) (1/ 97) : ((من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس أمر الدين. . .)) .

لكن هذه الرو، الآية ضعفها الألباني في ((ضعيف الجامع)) :(ص 839، ح 5814) .

ص: 50

‌الفصل الثاني: حياة المؤلف

حياة المؤلف

اسمه ونسبه:

هو عبد الهادي [هادي] بن محمد بن عبد الهادي [هادي] 1 بن بكري بن محمد بن مهدي بن موسى بن جعثم بن عجيل بن عيسى بن حسن ابن محمد بن أسعد بن عبد الله بن أحمد بن موسى بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن أبي العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر بن عجيل بن محمد بن حامد بن زرنوق بن وليد بن زكريا بن محمد بن حامد بن معزب ابن عبيد بن محمد الفارسي بن زايد بن ذؤال بن شنوءة بن ثوبان بن عيسى ابن غالب بن عبد الله بن عك بن عدنان2.

وعبد الهادي هو أحد أبناء أربعة أنجبهم محمد بن عبد الهادي وهم عقيلي وهادي وإسماعيل وإبراهيم وكلهم من أم إلا عقيلي3 فنلاحظ نسبته إلى البكري، وإلى العجيلي، وقد يطلق عليه وعلى أفراد أسرته الحفظي كما سيأتي بيانه.

(1) في بعض المصادر: (هادي)، وفي بعضها:(عبد الهادي)، والتسمية بهادي أو عبد الهادي كلاهما سائغ لأن الهادي من الأسماء المشتركة ومثله يقال: محسن وعبد المحسن.

(2)

انظر: ((قمع المتجري)) (مخطوط) : ق 5 ، وما بعدها، وانظر: مقدمة كتاب ((الظل الممدود)) : ص.

(3)

انظر: ((نسب الفقهاء العجليين)) (مخطوط) : ق 2.

ص: 43

أسرته:

البكريون أو (الحفاظية) كما اشتهر عنهم أخيرًا ينتمون إلى بيت العجيلي وهو بيت عرف بالفتوى والقضاء والتعليم والصلاح وكان مستقرهم بناحية من نواحي زبيد باليمن.

وقد ظهر من هذا البيت العالم المشهور أحمد بن موسى الذي اشتهر فقهه وعلمه وسكن محلة عرفت بعد ذلك (بيت الفقيه) نسبة إليه1.

وقد هاجر أحد أفراد هذا البيت من محلتهم تلك باليمن وهو موسى ابن جعثم متوجهًا إلى قرية رجال ورزقه الله فيها الأبناء والحفظة فكان من بين هؤلاء بكري ابن مهدي بن موسى فاشتهر وأصبحت القرية تنسب إليه2.

ثم إنه تفرع من بكري هذا خمسة بطون لأن أبناءه كانوا خمسة: عبد القادر وهادي ومحمد وطواشي وأحمد ولكل منهم عقب، فجد المؤلف هو هادي3، وأما آل الحفظي (أو الحفاظية) فعرفوا بذلك لأنه ولد لعبد القادر أحد الأبناء الخمسة لبكري ولد اسمه أحمد اشتهر بالذكاء والحفظ فسمي أحمد الحفظي فغلب هذا الاسم وشمل حتى أبناء عمومته من أبناء عبد الهادي وغيره4.

فالحفاظية من البكريين، والبكريون من العجيليين، فهي سلسلة نسب، والمؤلف متصل بهذه السلسلة فهو حفيد هادي بن بكري.

(1)((التصوف في تهامة)) لمحمد بن أحمد العقيلي: ص 174، 179، ((معجم المؤلفين)) :(2/ 189) .

(2)

انظر: ((في ربوع عسير)) : ص 91.

(3)

انظر: ((نسب الفقهاء العجليين)) (مخطوط) : ق 2.

(4)

انظر: ((نسب الفقهاء العجليين)) (مخطوط) : ق 2.

ص: 44

موطنه:

وأما موطنه فبلاد عسير في قرية رجال التي كانت موطنًا لآبائه وأجداده كما تقدم ذكره قريبًا، والتي أصبحت بعد هجرة واستيطان أجداده بها محطًّا لركاب وفود طلبة العلم من كل الجهات1.

مولده ووفاته:

وأما عن مولده ووفاته فإن المصادر المخطوطة والمطبوعة التي وقفت عليها لم تذكر عنه شيئًا.

ولا يمنع أن يكون ذلك موجودًا فيما لم يطبع أو لم أتمكن من الوصول إليه مما زال مخطوطًا فقد قال صاحب كتاب "نسب الفقهاء العجيليين" حسن بن عبد الرحمن الحفظي وهو منهم قال في الورقة الأولى عنهم: (ومناقبهم بحمد الله معلومة مقررة، وتراجمهم لدينا مجموعة محررة)2.

وقد اجتهدت وسعي في معرفة ذلك:

فاستعرضت الكتب التي يظن أن له فيها ترجمة وراسلت علماء في اليمن، وسافرت إلى ضمد وأبها - المجاورة لرجال ألمع مسقط رأس المؤلف وموطن أسرته - واتصلت بالعلماء فيهما فحصلت على معلومات شفوية ومخطوطات عن أسرة المؤلف وكتب قديمة.

(1) انظر: ((قمع المتجري على أولاد البكري)) (مخطوط) : ق 5.

(2)

انظر: ((نسب الفقهاء العجيليين)) (مخطوط) : ق 2.

ص: 45

فخرجت من ذلك بالنتيجة الآتية:

1-

لما عدد صاحب الرسالة المعروفة بـ "نسب الفقهاء العجيليين" أبناء الشيخ بكري بن محمد الذي ينسب إليه البكريون ذكر أن منهم هادي وعبد القادر1.

2-

ثم عدد أبناء هادي فذكر أن منهم محمدًا، وذكر أن لعبد القادر ابنًا اسمه أحمد عرف بالحفظي2.

فمحمد بن هادي هو أبو المؤلف، وأحمد الحفظي (ابن عم أبيه) وقد عرف مولد ووفاة أحمد الحفظي (1145 - 1233 هـ) .

ثم إن محمد بن هادي ولد له أبناء منهم المؤلف هادي بن محمد ولم يعرف مولده ولا وفاته بالدقة وأحمد الحفظي ولد له أبناء من بينهم محمد بن أحمد (1176 - 1237 هـ) وقد عرف مولده ووفاته وإبراهيم بن أحمد الذي عرف بالزمزمي وقد عرف مولده ووفاته (1199 - 1257 هـ) .

فمحمد بن أحمد وإبراهيم بن أحمد من أقران المؤلف فمولده على ذلك بالتقدير لعله في العقد الثامن من القرن الثاني عشر (؟ 117 هـ) ووفاته في العقد السابع من القرن الثالث عشر (؟ 126 هـ) .

3-

وقد ذكر محمد بن هادي والد (المؤلف) عند ذكره بعض الغزوات التي كانت تقوم بها الدولة السعودية الأولى لنشر الدعوة هناك سنة 1218 هـ بأن ابنه إسماعيل كان مطوعهم أي مرشدهم ومرجعهم في الأحكام3.

(1)((نسب الفقهاء العجيليين)) (مخطوط) : ق 2.

(2)

نفس المرجع.

(3)

انظر: ((الظل الممدود)) : ص 36.

ص: 46

وهذا يعني أنه في سنٍّ تمكنه من ذلك، ولابد أن أخاه عبد الهادي (المؤلف) كان أكبر منه لتقدمه عنه في الذكر عند من ذكروا أنسابهم وشجروا لهم فإذا قدر لإسماعيل (40) أربعون سنة، وأخوه أكبر منه بسنتين أو ثلاث تبين أن مولدهما كان حسب تقديري في العقد الثامن من القرن الثاني عشر وذلك بعد طرح هذا العمر من سنة الغزاة (1218 - 40 = 1178 هـ) .

4-

وجاء في أقدم نسخة عندي للكتاب أن كاتبها قد انتهى من نسخه لها سنة 1264 هـ، ولم يترحم على المؤلف بل مدحه بأنه عالم زمانه1 مما يعطي احتمالا أنه كان في تلك السنة حيًّا أو كان قد مات ولم يبلغ نبأ وفاته تلك الديار.

فيقوى احتمال تقديري لمولده ووفاته بما ذكرت أنه ولد في العقد الثامن من القرن الثاني عشر (؟ 117 هـ) وتوفي في العقد السابع من القرن الثالث عشر (؟ 126 هـ) .

5-

وجاء في كتاب "تاريخ عسير" لهاشم النعمي بعد أن ذكر وفاة أمير عسير (أبو نقطة) سنة 1217 هـ قوله وكان من ضمن قضاته الشرعيين كل من عبد الهادي بكري ومحمد بن أحمد الحفظي ومحمد بن موسى وغيرهم من رجال العلم2.

فعلم من ذلك أن عبد الهادي كان حينها كما قدرت له حين ذكر بجوار أخيه إسماعيل فوق الأربعين.

(1) انظر: صفحة العنوان: ص 77.

(2)

انظر: ((تاريخ عسير في الماضي والحاضر)) لهاشم النعمي: (1/ 133) .

ص: 47

{كتاب التوحيد} هو مصدر وحد، ومعنى وحدته: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه2 وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} 3 قيل: معناه إلا ليوحدون4 فالمؤمن يوحده اختيارًا في الشدة والرخاء، والكافر يوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء5 وقال علي- كرم الله وجهه-[في الجنة] 67 إلا ليعبدون،

_________

(1)

سورة الذاريات، الآية:56.

(2)

هذا معنى توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ولا يكفي لمعنى التوحيد فينبغي أن يزاد:(وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له) ليدخل توحيد الألوهية.

(3)

سورة الذاريات، الآية:56.

(4)

انظر: ((صحيح البخاري مع الفتح)) : (13/ 347 ، ح 7372) ، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله.

(5)

ويدل على هذين المعنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن المؤمن: ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ، وقال الله تعالى عن الكافر:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} .

(6)

قوله: (في الجنة) زيدت في ((ر)) .

(7)

تخصيص علي رضي الله عنه بهذا الدعاء دون غيره من الصحابة غير لائق، وما علله بعضهم من أن سبب ذلك أنه لم يسجد لصنم قط لا يصح فإن أمثاله كثير: كأبي بكر رضي الله عنه وصغار الصحابة الذين أسلموا تبعًا لآبائهم فلم يعبدوا غير الله، ولم يسجدوا لصنم، ولعل مبدأ ذلك الاستعمال كان من الشيعة. وما وجد من ذلك في كتب بعض الأعلام من أهل السنة فإما في كتب ألفوها في أول حياتهم، أو من تصرف النساخ في كتبهم، ومثله التعبير بالقول: عليه السلام لأهل البيت. والواجب علينا نحو الصحابة كلهم الترضي عنهم والدعاء لهم.

ص: 21

أي: إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي1 وقيل: إلا ليعرفون2 كلما كان في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد، وأصل العبودية التذلل3 والعبادة غاية التذلل، ولا يستحقها إلا لمن4 له غاية5 الإفضال والإعظام وهو الله تعالى وتقدس، وفي الآية الكريمة دليل على أن الجن مكلَّفون ومخاطبون بالعبودية، ومجزيُّون ومحاسبون ثوابًا وعقابًا، وهذا وجه الحكمة في خلق الجن والإنس6 قال الله تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون} 7 وقال عز وجل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} 8 وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} 9 أي: بالعدل، وهو الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية.

(1)((تفسير البغوي ((: (4/ 235) .

(2)

((تفسير البغوي ((: (4/ 235) . ولا بد أن يعلم هنا بأن المعرفة هنا ليس على الإطلاق، وإنما المعرفة لله مع الطاعة له وإلا فإن معرفة إبليس لربه لم تنفعه، وإقرار قريش بأن الله خلقهم وخلق السموات والأرض، كل ذلك لم ينفعهم حينما لم يتخذوه سبحانه إلها يعبد وحده، ومن هنا ضل من فسر الإيمان بالمعرفة وحدها.

(3)

قوله: (فمعناه التوحيد، وأصل العبودية التذلل) سقط من نسخة ((ر)) .

(4)

هكذا في جميع النسخ، والأولى أن يقال:(إلا من له) .

(5)

كلمة: (غ، الآية) سقطت من ((ر)) .

(6)

وبهذا يتضح أن الحكمة التي خلق الله من أجلها هذا الخلق، وأرسل الرسل وأنزل الكتب هي عبادته تعالى: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ، فمتى خلت الأرض من عبادته قامت القيامة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله.

(7)

سورة المؤمنون، الآية:115.

(8)

سورة ص، الآية:27.

(9)

سورة الدخان، الآية: 39-38.

ص: 22

وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً} 2 وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً3 بعثهم الله تعالى بالتوحيد كما بعثنا فيكم محمدًا رسولاً بالتوحيد {أنِ اعْبُدُوا الله} ، أي: وحدوا الله بالعبادة، والإخلاص {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} هو عام في كل ما عبد من دون الله، وشر الطواغيت إبليس لعنه الله، ومنها الحاكم بغير ما أنزل الله، والكاهن والساحر، والطاغي عن حده، وكل ما يطغى الإنسان فهو طاغوت4 وعبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، وفيه معنى قوله

_________

(1)

سورة النحل، الآية:36.

(2)

سورة النحل، الآية:36.

(3)

أعداد الأنبياء والرسل مما نَقَلَ العلماء فيه الخلاف، فقال البغدادي في ((أصول الدين)) (ص 157) بأن: عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا كما وردت به الأخبار الصحيحة. . . وأجمعوا على أن الرسل معهم ثلاثمائة وثلاثة عشرة. وقال ابن كثير في ((تفسيره)) (1/ 599) : (وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل. . . وذكره بسنده عن ابن مردويه، وفيه: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا)) ، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال:((ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير. . .)) الحديث. قال: وقد روي الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه ((الأنواع والتقاسيم)) ، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه ((الموضوعات)) . . . . وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر. . . عن أبي أسامة وذكره إلا أنه قال في الرسل: ثلاثمائة وخمسة عشر.

(4)

وقد عرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب الطاغوت بأنه: كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، ثم ذكر رءوسهم وهي: الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله. الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله. الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله. الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة. انظر: ((مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب)) ، قسم العقيدة والآداب:(ص377-378) .

ص: 23

وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ..........................................

تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} 1 والرسل عليهم السلام كانوا يأمرون أممهم بأن يعبدوا الله بالإخلاص، وأن يجتنبوا الطاغوت {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة} 2.

{وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومعناه وأمر ربك3، وقيل معناه: وأوجب ربك، وقيل: وحكم ربك، وقيل: أوصى ربك، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود4 -رضي الله عنهما5 -.

_________

(1)

سورة البقرة، الآية:256.

(2)

سورة النحل، الآية:36.

(3)

انظر: ((تفسير السيوطي)) : (5/258) .

(4)

هو: عبد الله بن مسعود بن غافل -أبو عبد الرحمن- صحابي جليل أسلم متقدمًا، وكان خادمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فقيها مقرءا، مما روي عنه قوله:((ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم)) ، توفي رضي الله عنه سنة 32هـ وله من العمر نحو ستين سنة. انظر ترجمته في:((أسد الغابة)) : (3/ 280-286)، ((الإصابة)) :(6/ 214- 217)، ((تذكرة الحفاظ)) :(1/ 13-16) .

(5)

انظر: ((تفسير الطبري)) : (9/ 15/ 26)، ((تفسير القرطبي)) :(10/ 237)، و ((تفسير ابن كثير)) :(3/ 37)، و ((تفسير البغوي)) :(3/ 110) .

ص: 24

أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماًوَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} 1.

{أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} 2 الآيات المحكمات إلى قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} 3 وفيها ثمان عشرة مسألة:

الأولى: وجوب عبادة الله والمنع من4 عبادة غيره; لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم، ولا تليق إلا لمن له5 الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا الله تعالى، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره.

الثانية: لزوم القيام بحق الوالدين إحسانًا إليهما برًّا وعطفًا عليهما سيما عند بلوغ الكبر وانتهائهما إلى حالة الضعف. والإنسان يكلف في حق الوالدين بخمسة أشياء:

الأول: قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 6 وهي كلمة تضجر وكراهية.

الثاني: قوله تعالى: {وَلا تَنْهَرْهُمَا} 7 أي: تزجرهما.

_________

(1)

سورة الإسراء، الآية: 24-23.

(2)

سورة الإسراء، الآية:23.

هذا ما كتبه من ال، الآية ثم قال في شرحها: الآيات المحكمات إلى قوله تعالى {وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} ثم شرح الآيات وفي ((المؤلفات)) أتم الآيتين إلى قوله: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}

(3)

سورة الإسراء، الآية:39.

(4)

هكذا في ((الأصل)) ، وفي بقية النسخ:(عن) .

(5)

كلمة: (له) سقطت من ((ر)) .

(6)

سورة الإسراء، الآية:23.

(7)

سورة الإسراء، الآية:23.

ص: 25

الثالث: قوله تعالى {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} : 1 أي: حسنًا جميلاً لينًا ويحسن الأدب معهما بأن يقول: يا أبتاه، يا أماه، ولا يسميهما بأسمائهما.

الرابع: قوله عز وجل {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} 2 أي: ألن لهما جناحك واخفض لهما حتى لا تمنع من شيء أحباه، وقوله من الرحمة، أي: من الشفقة.

الخامس: قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} 3 أي: وادع الله لهما أن يرحمهما برحمته الباقية، والأحاديث الواردة في بر الوالدين كثيرة، منها قول هصلى الله عليه وسلم " رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب من سخط الوالد45 ".

الثالثة: أمره تعالى أن يؤتي الإنسان أقاربه حقوقهم، وحقهم صلتهم بالموادة والزيارة وحسن المعاشرة سواء كانوا محارما6 أم لا.

(1) سورة الإسراء، الآية:23.

(2)

سورة الإسراء، الآية:24.

(3)

سورة الإسراء، الآية:24.

(4)

في ((الأصل)) ، و ((ش)) :(الوالد) بالإفراد، وفي الأخرى بالتثنية:(الوالدين) .

(5)

[5 ح]((سنن الترمذي)) : (4/ 310، ح 1899) ، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، ((الأدب المفرد)) للبخاري:(ص 18، ح 2) ، والحديث في ((سنن الترمذي)) عن عبد الله بن عمرو، وجاء الحديث في بعض المصادر معزوا إلى ابن عمر. والحديث صححه الألباني، انظر:((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) : (2/ 29، ح 516)، و ((صحيح سنن الترمذي)) :(2/ 176، ح 1549) . وقد اختلف في رفعه ووقفه. انظر تفصيل التخريج في الملحق. ولا بد أن يعلم هنا أن ذلك مقيد بما شرع فلا يفهم أن رضا الوالد مطلوب حتى في مخالفة الشرع إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

(6)

في ((ر)) : (محارم بدون تنوين) .

ص: 26

الرابعة: ما أمر الله به من إيتاء المسكين حقه ومثله الفقير، وهما1 المحتاجان اللذان لا يفي خرجهما بدخلهما2 والفقير أسوأ حالاً من المسكين عند الشافعي3.

الخامسة: 4 ما أمر به من إيتاء ابن السبيل حقه- وهو المسافر المنقطع عن ماله- ويحق5 لهؤلاء الثلاثة في الصدقة.

السادسة: النهي عن التبذير وهو إنفاق المال في غير حقه من سرف أو معصية أو رياء أو مفاخرة، ويدخل في ذلك الرشا، وحلوان الكاهن، وما يعطى النائحة وعن مجاهد6 " لو أنفقت مدا في باطل كان تبذيرا "7 ويدخل في ذلك الإسراف8 في الوضوء.

السابعة: النهي عن البخل، وذلك المراد بقوله: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ

(1) كلمة: (وهما) تفردت بها ((الأصل)) .

(2)

هكذا في كل النسخ، والصواب:(لا يفي دخلهما بخرجهما) .

(3)

انظر: ((مغني المحتاج)) : (3/ 108)، و ((روضة الطالبين)) :(2/ 311) . والمسكين والفقير من الكلمات التي إذا اجتمعت اختلفت في المعنى، وإذا انفرد كل منهما كان له معنى خاصا به. وقد اختلف في المسكين والفقير أيهما أحسن حالا.

(4)

كلمة: (الخامسة) سقطت من ((ر)) .

(5)

هكذا في النسخ الثلاث، وفي ((الأصل)) :(والحق) .

(6)

هو: مجاهد بن جبر -أبو الحجاج المخزومي- إمام في التفسير والقراءة، سمع من بعض الصحابة، ولزم ابن عباس مدة وقرأ عليه القرآن، قال ابن جريج عنه: لأن أكون سمعت من مجاهد أحب إليَّ من أهلي ومالي، وُلد سنة 31هـ، ومات سنة 104هـ. انظر ترجمته في:((تذكرة الحفاظ)) : (1/ 92-93)، ((صفة الصفوة)) :(2/ 208- 211)، ((طبقات المفسرين)) :(2/ 305- 308) .

(7)

((تفسير ابن كثير)) : (3/ 39) .

(8)

سقطت كلمة: (الإسراف) من ((ر)) .

ص: 27

مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} 1.

وهذه كناية عن البخل، وقوله:{وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} 2 هو نهي عن الإسراف، والواجب الاقتصاد، ففي الخبر:" خير الأعمال أوسطها " وفي رواية3 " خير الأمور أوساطها "4.

الثامنة: النهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق- أي: الفقر والإفلاس-; لأن5 أهل الجاهلية كانوا يئدون البنات خشية الفاقة وخشية نكاحهن غير الكفؤ، وفي الآية دلالة على كبر هذه الخطيئة.

التاسعة: النهي عن الزنا، وذلك معلوم ضرورة6 من الدين.

العاشرة: النهي عن قتل النفس التي حرم الله [إلا بالحق] 7 وذلك - أيضا- معلوم تحريمه.

(1) سورة الإسراء، الآية:29.

(2)

سورة الإسراء، الآية:29.

(3)

هكذا في ((الأصل)) ، وفي بقية النسخ: (وقال صلى الله عليه وسلم .

(4)

[6، 7 ح]((تفسير القرطبي)) : (2/ 154) ، (6/ 276)، قال القرطبي قبله:(وفي الحديث)، ثم قال:(وفيه عن علي رضي الله عنه: عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل) . و ((شعب الإيمان)) للبيهقي: (5/ 261، ح 6601) ، وهو موقوف على مطرف.

وأخرجه البيهقي -أيضا- في ((السنن الكبرى)) : (3/ 273) عن عمرو بن الحارث بلفظ: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرا بين أمرين وخير الأمور أوساطها ثم قال بعده: (هذا منقطع) .

الحديث مختلف بين وقفه ورفعه.

الحديث قال الألباني في مقدمة ((حجاب المرأة المسلمة)) (ص 7) : (حديث ضعيف الإسناد، ورواه أبو يعلى من قول وهب بن منبه بنحوه وسنده جيد) . انظر بقية تخريجه في الملحق.

(5)

في ((ر)) ، و ((ع)) :(أن أهل الجاهلية) .

(6)

في ((ر)) : (ضرورته) .

(7)

هذه الزيادة من ((ر)) ، و ((ع)) .

ص: 28

وقوله: {إِلَاّ بِالْحَقِّ} ، وذلك نحو ما ورد في الحديث:" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل النفس بغير حق "1 وكذلك القتل لمدافعه2 والبغي على الإمام، ونحو ذلك مما حصل فيه دليل الإباحة كالتارك لدينه والمفارق الجماعة.

الحادية عشرة: أن3 من قتل ظلمًا وعدوانًا فقد جعل الله لوليه سلطانًا - أي: ولاية على القاتل بالقتل-، وقيل: سلطانه هو أن يتخير فإن شاء استقاد4 وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه.

الثانية عشرة: 5 النهي عن الإسراف في القتل، أي: الولي لا يقتل غير القاتل كفعل الجاهلية، ولا يمثل بالقاتل فيقطع أنفه وأذنيه ويبقر بطنه.

الثالثة عشرة: 6 النهي عن أخذ مال اليتيم وهو الطفل الذي لا أب له، وقوله تعالى:{إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} 7 وذلك حفظه وزراعة أرضه، والتجارة في ماله، وقوله تعالى:{حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه} 8 أي: يكمل عقله، ويمكنه القيام بمصالح ماله.

(1)[8 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (12/ 201 ، ح 6878) ، كتاب الديات، باب إن النفس بالنفس، ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(11/ 176 ، ح 25/ 1676) ، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم. الحديث: جاءت روايته عن عبد الله (هكذا) قال ابن حجر في الفتح عند الحديث عبد الله بن مسعود وجاء -أيضا- عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه. انظر التخريج المفصل في الملحق.

(2)

في ((ر)) ، و ((ع)) :(مدافعة) ، وهو خطأ.

(3)

في ((ر)) : (إنه) .

(4)

لا بد أن يقيد أن اختيار الاستقادة بأن تكون عن طريق السلطان لا أن ينفذ ذلك بنفسه.

(5)

في ((ر)) : قدم هنا النهي عن أخذ مال اليتيم خلافا للأصل.

(6)

في ((ر)) : أخر هنا النهي عن الإسراف في القتل خلافا للأصل.

(7)

سورة الإسراء، الآية:34.

(8)

سورة الإسراء، الآية:34.

ص: 29

الرابعة عشرة: أمره تعالى بوفاء العهد، وهو الإتيان3 بما أمر الله به، والانتهاء عن ما نهى عنه، أو ما التزمه الإنسان على نفسه.

الخامسة عشرة: أمره تعالى بالإيفاء في الكيل والوزن بأن يؤديه من هو عليه على الوفاء والكمال.

السادسة عشر: النهي عن اتباع ما ليس له به علم في قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 4 أي: لا تقل سمعت ما لم تسمع، ولا أبصرت ما لم تبصر، ولا علمت ما لم تعلم5.

ويدخل في ذلك أصول الدين وفروعه، والفتوى والشهادة والغيبة ورواية الأخبار.

السابعة عشر: النهي عن البطر والخيلاء في قوله تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} 6 فيعرف الإنسان نفسه لأنه خلق ضعيفا.

الثامنة عشرة: النهي عن الشرك في قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} .

{وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا

_________

(1)

سورة الأنعام، الآية:151.

(2)

سورة الأنعام، الآية:153.

(3)

في ((ر)) : (بوفاء العهد والإتيان بما أمر الله) .

(4)

سورة الإسراء، الآية:36.

(5)

انظر: ((تفسير ابن الجوزي)) : (5/ 35) .

(6)

سورة الإسراء، الآية:37.

ص: 30

تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا} 12} الآيات المحكمات إلى قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 3. وفيها عشر مسائل:

الأولى: أن لا تشركوا به شيئًا، والمعنى: تحريم الشرك بالله تعالى، فيلزم من ذلك وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة; لأنه أخرجه من العدم إلى الوجود بعد أن لم يكن شيئًا.

الثانية: قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} 4 قيل: لما كانت نعمة الوالدين تالية لنعمة الله تعالى في التربية قرن ذلك الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن الشرك، وقد فرع على هذا فروع:

منها: وجوب نفقتهما مع الإعسار ولو كانا كافرين، ومثل هذا قوله في سورة لقمان عليه السلام {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} 5.

ومنها: أن يعف أباه بتزويج حرة.

ومنها: أن لا يحج ولا يجاهد إلا بإذنهما، بخلاف طلب العلم فإنه يجوز الخروج له6.

الثالثة: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاق} 7 وهذا خرج

(1) سورة الأنعام، الآية:151.

(2)

اقتصر في جميع النسخ على هذا القدر من ال، الآية، ثم قال بعدها: الآيات المحكمات إلى قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ثم شرحها، وفي ((المؤلفات)) تمم ذكر ال، الآيةإلى قوله:{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

(3)

سورة الأنعام، الآية:153.

(4)

سورة الأنعام، الآية:153.

(5)

سورة لقمان، الآية:15.

(6)

قال ابن حجر -رحمه الله تعالى- في ((فتح الباري)) (6/ 141) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ((ففيها فجاهد)) : (واستدل به على تحريم السفر بغير إذن لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقا إليه فلا منع، وإن كان فرض كف، الآية ففيه خلاف) .

(7)

سورة الأنعام، الآية:151.

ص: 31

على1 العادة وإلا فهو محرم خشي الفقر أم لا.

الرابعة: قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش} 2 يعني: الزنا وغيره من المحرمات والمنهيات ما ظهر منها وما بطن- قيل: سره وعلانيته-، وقيل: القليل والكثير، وقيل3 الظاهر ما ظهر تحريمه، والباطن ما فيه شبهة، ويعضده الخبر:"المؤمنون وقافون عند الشبهات "4.

الخامسة: قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 5 وقد تقدم تفسيره6.

السادسة: قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} 7 وقد تقدم تفسيره8.

السابعة: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} 9 أي: العدل، وقد تقدم تفسيره] 1011.

الثامنة: قوله تعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} 12 يعني: طاقتها، أي: لا نكلف المعطي أن يعطي أكثر مما وجب عليه، ولا نكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه13.

(1) هكذا في ((الأصل)) ، وقد سقطت كلمة:(على) من بقية النسخ.

(2)

سورة الأنعام، الآية:151.

(3)

سقط من العبارة في ((ر)) قوله: (والكثير، وقيل) .

(4)

لم أجد هذا الخبر بنصه فيما بحثت فيه، ووجدت في ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/ 382) معناه بلفظ:((المؤمن وقاف متبين)) منسوبا للحسن البصري.

(5)

سورة الأنعام، الآية:151.

(6)

انظر: (ص 28، 29) .

(7)

سورة الأنعام، الآية:152.

(8)

انظر: (ص 29) .

(9)

سورة الأنعام، الآية:152.

(10)

(السابعة....) سقطت من ((الأصل)) وألحقته من بقية النسخ.

(11)

انظر: (ص30) .

(12)

سورة الأنعام، الآية:152.

(13)

انظر ((تفسير البغوي)) : (2/142)، وانظر:((تفسير الشوكاني)) : (2/178) .

ص: 32

[التاسعة] 1: قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} 2 أي: اصدقوا في مقالتكم: من الإقرار، والشهادة، والوصايا، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والفتاوى، والأحكام3 ثم أنه تعالى أكد ذلك وبيَّن أنه يلزم العدل في القول ولو كان المقول له ذا قربى وهو كقوله تعالى:{وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 4.

[العاشرة] 5: قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} 6 قيل: العهد الفرائض، وقيل: ما أوجبه باليمين، وقيل: ما أمر به في هذه الآية. وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} 7 فتمتثلون ما أمرتكم به.

قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} 8 يعني: وأن هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي، يعني: طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي9 {مُسْتَقِيماً} يعني: قويما- لا اعوجاج فيه10 {َاتَّبِعُوهُ} ، واعملوا به،

وقوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} 11 يعني: الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع المردية، وسائر الملل

(1) في (الأصل) : (الثامنة) وفي بقية النسخ: (التاسعة) .

(2)

سورة الأنعام، الآية:152.

(3)

انظر (تفسير البغوي) : (2/142)، وانظر:((تفسير القرطبي)) : (7/137) ..

(4)

سورة النساء، الآية:135.

(5)

في (الأصل) : (االتاسعة) وفي بقية النسخ: (العاشرة) .

(6)

سورة الأنعام، الآية:152.

(7)

سورة الأنعام، الآية:152.

(8)

سورة الأنعام، الآية:153.

(9)

انظر (تفسير البغوي) : (2/142) .

(10)

انظر (تفسير البغوي) : (2/142) .

(11)

(تفسير البغوي) : (2/142) ..

ص: 33

والأديان المخالفة لدين الإسلام1 {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه} 2 يعني: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده3 روى4 البغوي5 بسنده عن ابن مسعود قال: " خط لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم خطا ثم قال: "هذا سبيل الله" ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه "6 وقرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} 78 يعني: باتباع دينه وصراطه الذي لا اعوجاج فيه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 9 يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة.

(1) انظر: ((تفسير البغوي)) : (2/142) .

(2)

سورة الأنعام، الآية:153. ((تفسير البغوي)) : (2/142) .

(3)

انظر: ((تفسير البغوي)) : (2/142) .

(4)

في ((ر)) (رواه البغوي بسند) ، وهو خطأ من الناسخ، والصواب ما أثبت من ((الأصل)) ، وبقية النسخ.

(5)

هوك الحسين بن مسعود بن محمد –أبو محمد- المعروف بالفراء البغوي، الشافعي، الفقيه، المحدث، المفسر، كان من العلماء الربانيين، وكان ذا تعبد ونسك، وقناعة باليسير، مات سنة 516 هـ. انظر ترجمته في:((سير أعلام النبلاء)) .. (19/439-443)، ((تذكرة الحفاظ)) :(4/1257- 1259)، ((وفيات الأعيان)) :(2/136)، و ((شذرات الذهب)) :(4/48) .

(6)

أحمد (1/435)، والدارمي: المقدمة (202) .

(7)

سورة الأنعام، الآية:153.

(8)

[9ح]((سنن الدارمي)) : (1/60، ح208) ، المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي.

((مسند الإمام أحمد)) : (1/465)، ((المستدرك)) للحاكم:(2/8) .

والحديث قال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وشاهده لفظًا واحدًا حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد.

وصححه ابن حبان: ((الإحسان)) : (1/105، ح6) .

وحسنه الألباني في ((مشكاة المصابيح)) : (1/58، ح1606)، وصححه في تخريجه لـ ((شرح العقيدة الطحاوية)) :(ص525، ح810) . انظر التخريج المفصل في الملحق.

(9)

سورة الأنعام، الآية:153.

ص: 34

قال ابن مسعود:" من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} 1 إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} "2 الآيات، وقوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا} 3.

قال ابن عباس: "هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار "4.

{قال5} أبو عبد الرحمن عبد الله {ابن مسعود} بن غافل بالمعجمة والفاء، ابن حبيب الهذلي- رضي الله عنه:{من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم} عند موته في الصحيفة {التي عليها خاتمه} أي: طابعه وعلامته التي لا تغير; لأن خاتم الكتاب يصونه عن التغيير، وتفتح تارة/ وتكسر لغة {فليقرأ:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} 6 إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} 7} الآيات89. وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا} 10 وهذه

_________

(1)

سورة الأنعام، الآية:151.

(2)

سورة الأنعام، الآية:153.

(3)

سورة النساء، الآية:36.

(4)

((تفسير الطبري)) : (5/ 8/ 86-87)، ((تفسير البغوي)) :(2/ 142) .

(5)

قدم ذكر الحديث على في النسخ الأربع على ال، الآية التي بعده خلافا للمؤلفات فقد جاء ذكره بعد الآيات كلها..

(6)

سورة الأنعام، الآية:151.

(7)

سورة الأنعام، الآية:153.

(8)

سورة الأنعام، الآيات: 151-153.

(9)

((سنن الترمذي)) : (5/ 264، ح 3070) ، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، ((تفسير ابن كثير)) :(2/ 194)، و ((تفسير السيوطي)) :(3/ 381) . والحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

(10)

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}

ص: 35

الآية الكريمة تسمى آية الحقوق العشرة:

الأول- بدأها الله بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا} 1 يعني: وأخلصوا له في العبادة ولا تجعلوا له شريكًا من خلقه2.

الثاني: قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} 3، يعني: البر بهما، والأم أحق الناس بالبر ثم الأب ثم الأدنى فالأدنى.

الثالث: قوله: {وَبِذِي الْقُرْبَى} ، أي: أحسنوا إلى ذي القربى وواصلوه وهو ذو رحمه من قبل أبيه وأمه

الرابع: قوله: {وَالْيَتَامَى} أي: أحسنوا إلى اليتامى، إنما أمر بالإحسان إليهم; لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز4 الصغر وعدم المشفق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين - وأشار بالسبابة والوسطى- وفرج بينهما شيئًا "5.

(1) سورة النساء، الآية:36.

(2)

انظر: ((تفسير الطبري)) : (4/ 5/ 77) .

(3)

سورة النساء، الآية:36.

(4)

زيد هنا حرف: (في) في جميع النسخ، ولعله من الناسخ الأول فتبعه من بعده، وقد أسقطته ليستقيم الكلام.

(5)

[10 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 436، ح 6005) ، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما. ((سنن الترمذي)) :(4/321، ح1918) ، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة اليتيم. الحديث مروي عن سهل بن سعد- رضي الله عنه. وروي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب من الماضي في ((صحيح مسلم)) . انظر:(صحيح مسلم مع شرح النووي) : (18/ 323، ح 42/ 2983) ، كتاب الزهد والرقاق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم.

انظر التفصيل في التخريج في الملحق.

ص: 36

الخامس: قوله: {والمساكين} المسكين: الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله،- وأحسبه قال: كالقائم 1 الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر "2.

السادس: قوله: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} أي: أحسنوا إلى الجار ذي القربى، وهو الذي قرب جواره منك

السابع: قوله: {وَالْجَارِ الْجُنُب} وهو الذي بعد جواره منك، وقيل: الجار ذي القربى هو القريب، والجار الجنب3 الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة. عن ابن عمر4 رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما زال

(1) في ((ر)) : (وأحسبه كالقائم الذي.....إلخ) .

(2)

البخاري: الأدب (6007)، ومسلم: الزهد والرقائق (2982)، والترمذي: البر والصلة (1969)، والنسائي: الزكاة (2577)، وابن ماجه: التجارات (2140) ، وأحمد (2/361) .

(3)

قوله: (الذي بعد جواره منك، وقيل: الجار ذي القربى هو القريب والجار الجنب) سقط من ((ر)) .

(4)

هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب -أبو عبد الرحمن- صحابي جليل أسلم مع أبيه صغيرًا، ولم يشهد أحدا لصغره، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، قال: وكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل. مات سنة 74هـ، وقيل: 73هـ. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) : (3/ 203-239)، ((طبقات ابن سعد)) :(4/ 142-188)، ((تاريخ بغداد)) :(1/ 171-173) .

ص: 37

جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "1.

عن عائشة2 رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: " إن لي جارين فإلى أيهما أهدي3؟ قال: " إلى أقربهما بابا منك" " أخرجه البخاري4. عن أبي ذر5 جندب بن جنادة الغفاري- رضي الله عنه قال: قال

(1)[12 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 441، ح 6015) ، كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(16/ 415، ح 141/ 2625) ، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه. وقد روي الحديث -أيضا- في ((الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها. انظر التفصيل في التخريج في الملحق.

(2)

هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر نسائه وإحدى أمهات المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضلها: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام. انظر ترجمتها في: ((الإصابة)) : (13/ 38-42)، ((أسد الغابة)) :(6/ 188-199) .

(3)

في ((ر)) ، و ((ع)) :(قال: أيّهما أهدي) .

(4)

[13 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 447، ح 6020) ، كتاب الأدب، باب حق الجوار في قرب الأبواب. ((سنن أبي داود)) :(5/ 358، ح 5155) ، كتاب الأدب، باب في حق الجوار. انظر تفصيل التخريج في الملحق.

(5)

هو: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو -أبو ذر- الغفاري، وقد اختلف في اسمه، صحابي جليل، كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام، فمر عليه رجل من أهل مكة بعدما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر إن رجلاً بمكة يقول مثل ما تقول: لا إله إلا الله، ويزعم أنه نبي. . . فذهب أبو ذر إليه وكان إسلامه، وذلك في قصة طويلة. . . توفي رضي الله عنه بالربذة سنة 32هـ. انظر ترجمته في:((طبقات خليفة بن خياط)) : (ص 31-32)، ((تهذيب التهذيب)) :(12/ 90-91)، ((طبقات ابن سعد)) :(4/ 219-237) .

ص: 38

رسول الله صلى الله عليه وسلم " [يا أبا ذر] 1 إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد2 جيرانك " أخرجه مسلم3. عن أبي هريرة4 رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه "5 أخرجه البخاري ومسلم6.

وفي رواية: " لا يدخل الجنة 7 ".

البوائق: الغوائل والشرور8.

(1) ما بين القوسين سقط من ((الأصل)) ، وهي في جميع النسخ.

(2)

هكذا في ((الأصل)) ، وفي النسخ الأخرى:(وتعهد) .

(3)

[141 ح]((صحيح مسلم مع شرح النووي)) : (16/ 415، ح142/ 2625) ، كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار، ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) :(5/ 149، 156، 161) بألفاظ متقاربة.

انظر التفصيل في التخريح في الملحق.

(4)

هو: عبد الرحمن بن صخر على الأشهر، وكنيته أبو هريرة، دوسي صحابي جليل، حافظ فقيه، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا أيام فتح خيبر، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم ، وحفظ عنه كثيرًا من السنة، توفي رضي الله عنه سنة 58هـ على المشهور. انظر ترجمته في:((تذكرة الحفاظ)) : (1/ 32-37)، ((الإصابة)) :(12/ 63-79)، ((أسد الغابة)) :(5/ 318-321) .

(5)

البخاري: الأدب (6016) .

(6)

[15 ح]((صحيح البخاري مع الفتح)) : (10/ 443 ، ح 6016) ، كتاب الأدب، باب إثم من لم يأمن جاره بوائقه. ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) :(2/ 376-377 ، ح 73) ، كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار. والحديث جاء في البخاري -أيضا- عن أبي شريح.

انظر التفصيل في تخريج الحديث في الملحق.

(7)

هي رو، الآية ((صحيح مسلم)) السابقة.

(8)

((النه، الآية في غريب الحديث)) : (1/ 162)، ومفرد بوائق: بائق، وهي الداهية.

ص: 39

الثامن: قوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} قال ابن عباس- رضي الله عنهما: هو الرفيق في السفر1 وقيل: هي المرأة تكون معك إلى جنبك2. عن ابن عمر3 رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الأصحاب عند الله4 خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله، خيرهم لجاره " أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن5.

التاسع: قوله تعالى: {وَابْنَ السَّبِيلِ} يعني: المسافر6 المجتاز بك، الذي قد انقطع به، وقال الأكثرون: المراد بابن السبيل:

(1)((تفسير ابن كثير)) : (1/ 507)، و ((تفسير البغوي)) :(1/ 425)، و ((تفسير السيوطي)) :(2/ 531) .

(2)

المصادر السابقة بأرقامها، وقد ذكر البغوي هذا الخبر عن ابن عباس وعكرمة وقتادة، وعن علي وعبد الله والنخعي، وذكره السيوطي عن زيد بن أسلم.

(3)

هكذا في جميع النسخ: (ابن عمر)، وفي ((سنن الترمذي)) وغيره:(عبد الله بن عمرو ابن العاص) .

(4)

ما بين القوسين سقط من جميع النسخ، وهو تمام الحديث كما جاء في مصادره من كتب السنة، فأضفته تصحيحا للخطأ في الحديث.

(5)

[16 ح]((سنن الترمذي)) : (4/ 333، ح 1944) ، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار. والحديث رواه -أيضا- الإمام أحمد في ((مسنده)) :(2/ 168) ، ورواه غيرهما، والحديث جاء في الترمذي والمصادر الأخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وليس عن ابن عمر. الحديث صححه الألباني، انظر:((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) : (1/ 162، ح 103) .

وانظر تفصيل التخريج في الملحق.

(6)

سقطت كلمة: (المسافر) من ((ر)) .

ص: 40