الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} .
ونذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وليس فيه كفارة، وكفارته تركه، ومن ذلك ما ينذره كثير من الجهال من الشمع والزيت وغيرهما لقبور وأحجار1.
{12- باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى2}
الاستعاذة: الالتجاء والامتناع بالغير مما يخشاه من عاذ يعوذ، والله سبحانه وتعالى ملاذ المستعيذ المجهود لا غيره.
{وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} 3} وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية، كان إذا سافر في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح4. روى البغوي بإسناد عن الثعلبي5 عن
_________
(1)
في ((ع)) : (القبور والأحجار) .
(2)
في ((ر)) : (باب استعاذة بغير الله) خلافا للنسخ الأخرى و ((المؤلفات)) .
(3)
سورة الجن، الآية:6.
(4)
((تفسير البغوي)) : (4/402) ، ومن أجل هذا سلط الله عليهم قادة الجن فزادوهم تخويفا وإرجافا كما أخبر الله عنهم في هذه ال، الآية.
(5)
هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم -أبو إسحاق- النيسابوري، له كتاب في التفسير لم يطبع، وله كتاب ((عرائس المجالس في قصص الأنبياء)) ، وكان صادقا موثقا بصيرا بالعربية، طويل الباع في الوعظ، توفي سنة 427 هـ. انظر ترجمته في:((وفيات الأعيان)) (1/79-80)، ((سير أعلام النبلاء)) :(17/435 -437)، ((الأعلام)) :(1/212) .
كردم بن أبي السائب1 الأنصاري2 قال: خرجت مع أبي إلى المدينة، وذلك أول ما ذكر بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم -الحمل: بالتحريك الجذع من الضأن فما دونه- فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد، أي: يجري بسرعة، حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} 34 ومعنى الآية زاد الإنس الجن باستعاذتهم بقادتهم رهقا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إثما، وقيل: طغيانا، وقيل: غيا، وقيل: شرا، وقيل: عظمة، وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا وعظمة ويقولون -يعني: عظماء الجن-: سدنا الجن والإنس، والرهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم5.
(1) هذا في ((الأصل)) ، وقد جاء في النسخ الأخرى:(الشائب) ، وهو تصحيف، فهو كردم ابن أبي السائب الأنصاري، وقيل: ابن أبي السنابل.
(2)
هو: كردم بن أبي السائب الأنصاري، وقيل: ابن أبي السنابل، قال البخاري وابن السكن: له صحبة، وقد سكن المدينة. وقال ابن حبان: له صحبة، ثم أعاده في التابعين فقال: يروي المراسيل، ومخرج حديثه عن أهل الكوفة. انظر ترجمته في:((الإصابة)) : (8/276-277)، ((أسد الغابة)) :(4/164) ، (5/133) .
(3)
سورة الجن، الآية:6.
(4)
((تفسير البغوي)) : (4/402)، ((تفسير ابن كثير)) :(4/457-458)، ((تفسير القرطبي)) :(19/10) .
(5)
((تفسير البغوي)) : (4/402)، وانظر:((تفسير الطبري)) : (14/29/108-109)، و ((تفسير ابن كثير)) :(4/457) .
عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك " رواه مسلم. 3
وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح عن رجل من أسلم قال: " جاء رجل فقال: لدغت الليلة فلم أنم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك "45 قال ابن
_________
(1)
هي: خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة السلمية، أم شريك صحابية وكانت امرأة صالحة، وهي التي كانت قد وهبت نفسها للنبي في قول بعضهم فأرجأها، وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجها عثمان بن مظعون ومات عنها. انظر ترجمتها في:((أسد الغابة)) : (6/93)، ((تهذيب التهذيب)) :(12/415)، ((الطبقات)) لابن سعد:(8/158) .
(2)
سقطت كلمة: (مسلم) من ((ر)) ، وهي مثبتة في بقية النسخ و ((المؤلفات)) .
(3)
[83 ح]((صحيح مسلم مع شرح النووي)) : (17/34، ح 54/2708) ، كتاب الذكر، باب في التعوذ من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وغيره. ((مسند الإمام أحمد)) :(6/377-378) . انظر زيادة تخريجه في الملحق.
(4)
مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2709) ، وأحمد (2/375)، ومالك: الجامع (1774) .
(5)
[84 ح]((سنن أبي داود)) : (4/221، ح 3858) ، كتاب الطب، باب كيف الرقى. والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) :(ص 388-390، ح 585-592) . والحديث في ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) : (17/35، ح 2709) ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء. وقد جاء في بعض طرقه عن أبي هريرة عن رجل من أسلم، وفي أخرى عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه سمع رجلا من أسلم.
انظر زيادة تخريجه في الملحق.
التين1 الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار حصل الشفاء بإذن الله تعالى2.
وقد ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن 3...................................
(1) هو: أبو محمد عبد الواحد بن التين السفاقسي أو الصفاقسي المغربي المالكي، المحدث، الإمام، الراوي، المفسر، الفقيه، له عدة مصنفات منها:((المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح)) فيه اعتناء زائد في الفقه ممزوجا بكثير من كلام ((المدونة)) اعتمده الحافظ ابن حجر في ((شرحه)) ، توفي سنة 611 هـ.
انظر عنه في: ((شجرة النور الزكية في طبقات المالكية)) : (1/168)، ((السيرة الشامية)) :(3/333)، ((إتحاف القارئ بمعرفة جهود وأعمال العلماء في صحيح البخاري ((:(ص 191) .
(2)
انظر: ((فتح الباري)) : (10/196) ، كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات. وتمام قول ابن التين:(فلما عز هذا فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعاذة بهم والتعوذ بمردتهم) .
انظره في: ((فتح الباري)) : (10/196) .
(3)
هو: الحسن بن علي بن أبي طالب -أبو محمد- القرشي الهاشمي سبط النبي صلى الله عليه وسلم، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين. وكان ورعا فاضلا، وقد دعاه ذلك إلى ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله تعالى، وكان يقول: ما أحببت أن إلي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم، فكان ذلك هو ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، ولد في السنة الثالثة، وتوفي سنة 50 من الهجرة.
انظر ترجمته في: ((الإصابة)) : (2/242-246)، ((أسد الغابة)) :(1/487- 492)، ((وفيات الأعيان)) :(2/65-69) .
والحسين1 بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة "2.
وقد اتفق العلماء رضي الله عنهم أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، واستدلوا بحديث خولة، وقالوا: فيه دليل أن كلمات الله غير مخلوقة وردوا به على الجهمية والمعتزلة في قولهم بخلق القرآن،3 ولو كان كلمات الله مخلوقة لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بها; لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
(1) هو: الحسين بن علي بن أبي طالب -أبو عبد الله- سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو وأخوه حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانتيه في الدنيا، ولد في السنة الرابعة من الهجرة، وقتل في كربلاء سنة 61 هـ.
انظر ترجمته في: ((الإصابة)) : (2/248-253)، ((أسد الغابة)) :(1/495-500) .
(2)
[85 ح] لم أجد في المصادر التي اطلعت عليها أن الحديث روي عن عائشة رضي الله عنه، وإنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولعله قد سبق نظر المؤلف حين الاستدلال من ((فتح الباري)) إلى حديث قبله عن عائشة. ((سنن الترمذي)) :(4/396، ح 2060) ، كتاب الطب، باب (18) . و ((سنن أبي داود)) :(5/104، ح 4737) ، كتاب السنة، باب في القرآن. الحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني، انظر:((صحيح سنن ابن ماجه)) : (2/268، ح 2841)، و ((صحيح سنن الترمذي)) :(2/206، ح 1683)، و ((صحيح سنن أبي داود)) :(3/897، ح 3963) . انظر تفصيل التخريج في الملحق.
(3)
مسألة القول بخلق القرآن من المسائل التي ابتدعتها الجهمية وحصل بسببها الإيذاء والامتحان للعلماء فأحق الله الحق وأزهق الباطل بعد أن جاهد العلماء لبيان الحق وكان أعظمهم بلوى وثباتا في تلك الفتنة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-.