الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صفة لأمرا وكان واسمها المستتر وخبرها. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) يجوز تعليق ليهلك بما تعلق به ليقضي أي فهو بدل منه، ويجوز أن يتعلق بمفعولا، ويهلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ومن اسم موصول فاعل وجملة هلك صلة وعن بينة حال.
(وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) عطف على الجملة السابقة، وحي أصلها حيي أدغمت الياء بالياء. (وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وسميع خبر أول لإن وعليم خبر ثان.
البلاغة:
في قوله: «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» الى قوله: «ويحيا من حي عن بينة» فن الاستدراك فإن الحق سبحانه أخبر عن الأمر الواقع بخبر أخرجته الفصاحة مجرى المثل، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبرته عيونه بقفول ركب قريش من الشام الى مكة على الجادة المعروفة التي لا بد لسالكها من ورود «بدر» ، أمر أصحابه بالخروج وخرج معهم يريد العير، وكان وعد الله قد تقدم له بإحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، وبلغ أبا سفيان، وهو على الركب، خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الركب أن يأخذ على سيف البحر، ومضى أبو سفيان على وجهه لمكة، فاستنفر قريشا، فخرجوا الى بدر ليشغلوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تتبّع العير، فصادفوه ببدر، وهو يظن أن الركب يمر على بدر، فوقعت اللقيا من غير ميعاد، فأخبر الله سبحانه بموضع المسلمين من بدر وموضع المشركين منه بقوله:
«إذ أنتم بالعدوة الدنيا» أي القريبة، «وهم بالعدوة القصوى» :
أي البعيدة، «والركب أسفل منكم» لأن سيف البحر في غور، وبدر في نجد بالنسبة إليه، وأراد أن يخبر عن وقوع اللقاء بغير ميعاد، وعدل عن لفظ المعنى الى لفظ الارداف فلم يقل فالتقوا من غير ميعاد، بل قال:«ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» لخروج لفظ الإرداف مخرج المثل ليكون أسير وأشهر ولو وقع الاقتصار على هذا المقدار لاحتمل أن يقال: فما الحكمة في حرمان الله رسوله والمسلمين هذه الغنيمة الباردة لأجل منها. وهي فتح مكة واستئصال أموال أهلها، فإن اختياره لهم لقاء النفير دون العير ليقتل حماة مكة وصناديدها فيتمكن المسلمون من فتحها وكذلك كان، وقد كان مراد المسلمين لقاء العير دون النفير بدليل إخباره سبحانه عنهم بذلك في قوله:
«ويودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم» يعني العير، فإن ذات الشوكة: النفير، لأن الشوكة السلاح، فأرادوا هم ذلك، وأراد الله خلافه لعلمه بالعواقب، فأوقع اللقاء من غير ميعاد لهذه المصلحة، وأخرج الإخبار به مخرج المثل لما بينّا من فائدة ذلك، ثم قوى دليل الكلام بذكر العلة في تقويت تلك المصلحة الظاهرة، حيث قال بلفظ الاستدراك:«ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا» ، ثم فصل ما أجمله في الاستدراك بقوله:«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ، فاتضح الإشكال، وارتفع ما قدر من الاحتمال وأبان عن المعنى أحسن بيان، فحصل في هذه الكلمات أربعة عشر نوعا من البلاغة وهي: الإيجاز، والترشيح، والإرداف، والتمثيل، والمقارنة، والاستدراك، والإدماج، والإيضاح، والتهذيب، والتعليل، والتنكيت، والمساواة، وحسن النسق، وحسن البيان.