المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والاضطراب حين مجيء الدين الجديد، أيتَّبعونه؟ ولكن رُبّما خذله أتباعه، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والاضطراب حين مجيء الدين الجديد، أيتَّبعونه؟ ولكن رُبّما خذله أتباعه،

والاضطراب حين مجيء الدين الجديد، أيتَّبعونه؟ ولكن رُبّما خذله أتباعه، أم يحتفظون بالقديم، ولكن رُبّما كسدت سوقه وقلَّ أنصاره، وقالوا: من الخير كل الخير أن نُوافق كُلَّ حزبٍ نَخْلُو به، ونعَتِذرَ إلى الحزبِ الآخر إذا عَرَف ما كان منَّا، حتى يَتبيَّنَ اتّجاهُ ريحِ السفينة.

أمَّا عامَّتهم: فلا علم لهم بشيء من الكتاب، وما عندهم من الدين إلّا ظُنونٌ أخذوها عن أسلافهم، دون أن يكون لديهم دليلٌ على صحتها أو فسادها، ومثل هذا لا يسمَّى عِلْمًا، إنّما العلم ما كان عن حجّة وبرهان، ولا يقبل الله إلّا العلم الصحيح في عقائد الأديان.

التفسير وأوجه القراءة

‌75

- والخطاب في قوله (1): {أَفَتَطْمَعُونَ} للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان صلى الله عليه وسلم، شديد الحرص على الدعاء إلى الحق، وقبول الناس الإيمانَ منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمرّدهم، فقصَّ الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع نبيّهم، مع مشاهدة الآيات الباهرة منه؛ تسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يظهر من أهل الكتاب، في زمانه، من قلّة القبول، والاستجابة. والطَّمَعُ: تَعلُّقُ النفس بإدراك ما تُحِبُّ تعلُّقًا قويًّا، وهو أشدُّ من الرجاء. والهمزة فيه للاستفهام الإنكاريِّ الاستبعاديِّ، وهو حمل المخاطب على الإنكار، بأمر علم عنده نفيه مع استبعاده؛ أي: لإنكار الواقع واستبعاده، كما في قولك: أتضرب أباك، لا لإنكار الوقوع، كما في قولك: أأضرب أبي، داخلةٌ على محذوف يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون بعد ذلك في إيمانهم. ومآل المعنى: أي: أَبَعْدَ أَنْ علمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤيسَة، من إيمانهم تطمعون في:{أَنْ يُؤْمِنُوا} جميع اليهود أو علماؤهم، فإنّهم متماثلون في شدّة الشَّكيمة والأخلاق الذميمة، لا يتأتَّى من

(1) روح البيان.

ص: 12

أخْلافِهم إلّا مِثْلُ ما أتى من أسلافهم، فلا تحزنوا على تكذيبهم، واللام في قوله:{لَكُمْ} لتضمين معنى الاستجابة؛ أي: أتطمعون في إيمانهم مستجيبين لكم، أو للتعليل؛ أي: في أن يُحْدِثُوا الإيمانَ لأجل دعوتكم إيّاهم، والمعنى (1): أي: أتعلمون وتسمعون أخبارهم، فتطمعون، وترجون أيُّها النبيُّ والمؤمنون في أن يؤمن هؤلاء اليهود بواسطتكم، ويستجيبوا لكم، ويصدِّقوا بما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، {و} الحال أنَّه {قد كان فريق} كائنٌ {مِنْهُمْ} أي: طائفةٌ ممن سلف من اليهود. والفريق: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، كالرهط؛ أي: والحال أنَّ جماعة منهم، وهم أحبارهم {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى؛ أي: يسمعون كلام الله في التوراة من موسى عليه السلام، ويقرؤونه بأنفسهم {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}؛ أي (2): يغيِّرونه ويبدِّلون معناه؛ أي: يغيِّرون ما فيها من الأحكام، كتغييرهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. وقيل: كان قومٌ من السبعين المختارين، سمعوا كلام الله حين كلَّم موسى بالطور، وما أمر به ونهى عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: (إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس).

قال في "التيسير": الصحيحُ أنهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطةٍ، فإنَّ ذلك كان لموسى عليه السلام على الخصوص، لم يشركه فيه غيره في الدنيا.

ومعنى يسمعون كلام الله؛ أي: التوراة من موسى بقراءته، {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}؛ أي: من بعدما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم يبق لهم شبهةٌ في صحته؛ أي: يحرِّفونه من بعد تعقُّلهم، ومعرفتهم تأويله ومعناه بعقولهم؛ أي: لم يفعلوا (3) ذلك عن خطأ ونسيان، بل فعلوه عن تعمُّد {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؛ أي: والحال أنهم يعلمون أنّهم مبطلون، ومفترون كاذبون، وذلك كنعت محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: أكحل العين، ربعة القامة، جعد الشعر، حسن

(1) العمدة.

(2)

روح البيان.

(3)

العمدة.

ص: 13