المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وسميت الفدية عدلًا؛ لأنّها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه، يقال: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وسميت الفدية عدلًا؛ لأنّها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه، يقال:

وسميت الفدية عدلًا؛ لأنّها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه، يقال: فداه إذا أعطى فداءه فأنقذ {وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} شافع؛ لأنّها كفرت بالله {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ؛ أي: يمنعون من عذاب الله تعالى؛ أي: ولا الكفار ينصرون فيه؛ أي: يمنعون فيه ممَّا يريد الله بهم من الانتقام الأليم؛ أي: لا يدفع عنهم أحدٌ عذاب الله، ولا يجيرهم من سطوة عذابه.

والمعنى: أي: واتقوا يا معشر بني إسرائيل! المبدِّلين كتابي، المحرِّفين له عن وجهه، المكذّبين برسولي محمد صلى الله عليه وسلم عذاب يوم لا تقضي فيه نفسٌ عن نفس شيئًا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤخذ نفسٌ بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئًا. وفي "الصحيحين":"يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت! لا أغني عنك من الله شيئًا" ولا يؤخذ فيه من نفسٍ فديةٌ تنجو بها من النار، إذ هي لا تجد ذلك لتفتدي به، ولا يشفع فيما وجب عليها من حقٍّ شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ فديةٌ عمَّا فرَّطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله تعالى أنّه لا يقوم مقام الاهتداء به شيءٌ آخر، وأنّهم لا يأتيهم ناصر ينصرهم، فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم، وهذا ترهيبٌ لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها.

‌124

- {و} اذكر يا محمد! لقومك قصّة {إذ ابتلى} اختبر وكلَّف {إبراهيم} عليه السلام، وهو اسم أعجميٌّ معناه: أبٌ رحيمٌ، قال السهيليُّ: وكثيرًا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو تقاربه في اللفظ ألا ترى: أن إبراهيم تفسيره: أب رحيم؛ لمرحمته بالأطفال {رَبُّهُ} سبحانه وتعالى، والضمير لإبراهيم، وقُدّم المفعول لفظًا وإن كان مؤخّرًا رتبةً؛ لاتصال الفاعل بضميرٍ يعود عليه؛ وللاهتمام به، فإنّ الذهن يتشوَّق، ويطلب معرفة المبتلى، والابتلاء في الأصل: الامتحان والاختبار، والتكليف بالأمر الشاقِّ؛ ليُعلم ما جُهل من حال الإنسان، من جودته، أو رداءته، ولكن ابتلاء الله سبحانه لعباده ليس ليعلم ما خفي عليه من أحوالهم؛ لأنّه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد؛ ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة أو رداءة، فالمراد هنا: عامله معاملة المختبر؛ ليظهر ذلك للخلق، فاختبر إبراهيم، فظهر صدقه، وإبليس، فظهر كذبه؛ أي: واذكر وقت اختباري إبراهيم، والمقصود من ذكر

ص: 252

الوقت، ذكر ما، وقع فيه من الحوادث؛ لأنَّ الوقت مشتملٌ عليها، فإذا استحضر كانت حاضرةً بتفاصيلها، كأنّها مشاهدةٌ عيانًا {بِكَلِمَاتٍ}؛ أي: اختبره، وكلَّفه بأوامر ونواهٍ {فَأَتَمَّهُنَّ} إبراهيم، وأدَّاهُنَّ أحسن التأدية، وقام بهنّ حقَّ القيام من غير تفريط، ولا تقصير، ولا توان، ولذا قيل: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدين، فأقامه كلَّه إلا إبراهيم، فكتب الله له البراءة، فقال:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} والقرآن الكريم لم يعيِّن تلك الكلمات، ولذلك اختلف المفسّرون في تفسير تلك الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام، فقال عكرمة عن ابن عباس: هي ثلاثون من شرائع الإسلام: عشرٌ في براءة {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ

} إلخ. وعشرٌ في الأحزاب {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ

} إلخ. وعشرٌ في المؤمنون إلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وفي سأل: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} . وقال طاووس عن ابن عباس: ابتلاه الله بعشرة أشياء هي: الفطرة: خمسٌ في الرأس الشامل للوجه: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء؛ أي: غسل مكان الغائط والبول بالماء، وأمَّا بالحجر، فهو من خصائص هذه الأمّة. كانت فرضًا في شرعه، وهي سنة في شرعنا، وقال قتادة: هي مناسك الحج؛ أي: فرائضه، وسننه، كالطواف، والسعي، والرَّمى، والإحرام، والتعريف، وغيرهنَّ.

وقال الحسن: ابتلاه الله بذبح ولده، فصبر على ذلك، وابتلاه بالنظر في الكواكب، والشمس والقمر، إقامةً للحجة على قومه، فأحسن النظر في ذلك، وعرف أن ربّه دائم لا يزول، ثمّ ابتلاه بالهجرة من وطنه، فخرج مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالإلقاء في النار، فصبر عليها، وبالختان بعد الكبر، فصبر عليه، وهذا القول الأخير أرجح ما قيل هنا، وفي الخبر: أنّ إبراهيم أوّل من قصّ الشارب، وأوّل من اختتن، وأوّل من قلّم الأظفار، وأوّل من رأى الشيب، فلمّا رآه قال: يا ربّ! ما هو؟ قال: الوقار، قال: يا ربّ! زدني وقارًا.

وقرأ الجمهور {إِبْرَاهِيمَ} بالألف والياء. وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين، زاد هشام أنّه قرأ كذلك في إبراهيم والنحل ومريم

ص: 253

والشورى والذاريات والنجم والحديد وأول الممتحنة وثلاثةٍ آخر النساء وآخر التوبة وآخر الأنعام والعنكبوت وقرأ المفضّل إبراهام بألفين إلّا في التوبة والأعلى. وقرأ ابن الزبير (إبراهام) أيضًا، وقرأ أبو بكرة (إبراهم) بألفٍ وحذف الياء وكسر الهاء. وقرأ الجمهور: بنصب {إبْرَاهِيمَ} ورفع {رَبُّهُ} ، وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة: برفع {إبراهيمُ} ونصب {ربَّهُ} ، والمعنى حينئذٍ: وإذا دعا إبراهيم ربَّه بكلمات؛ أي: بدعواتٍ، فأتَّمهنّ الله تعالى؛ أي: فأجابهنّ، وأعطاه إياهنّ، وتلك الدعوات، كقوله:{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} وقولهُ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} وقوله {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} ، وإبراهيم الخليل عليه السلام، هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خليل الله بن تارخ، وهو آزر بن ناخور، بن شاروخ بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، وهو هود النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بن شالح، بن أرفَخْشَذْ، بن سام، بن نوح عليه السلام، ومولده بأرض الأهواز، وقيل: بكوثى، وقيل: ببابل، وقيل: بنجران، ونقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان، وقوله:{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ} كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدّر، كأنّه قيل: فماذا قال له ربُّه حين أتمَّ الكلمات؟ فقيل: {قَالَ} الله تعالى لإبراهيم بعدما أتمهنَّ {إِنِّي جَاعِلُكَ} ومُصَيِّرُكَ {لِلنَّاسِ إِمَامًا} يأتمون به في هذه الخصال، ويقتدى به الصالحون، فهو نبي في عصره، ومقتدًى به لكافة الناس إلى يوم القيامة؛ أي: جاعلك قدوة لهم في الدين إلى يوم القيامة، إذ لم يبعث بعده نبيٌّ إلّا كان من ذريته مأمورًا باتباعه في الجملة، والمعنى: أي؛ ثُمَّ قال له ربّه: يا إبراهيم! إنّي مصيِّرك إمامًا للناس في الخيرات، يقتدون بأفعالك، ويهتدون بهديك، ويستنون بسنتك، فلذلك اجتمعت أهل الأديان كلُّهم على تعظيمه، وجميع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم يقولون في آخر صلاتهم: اللهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

وقوله: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال إبراهيم عنده؟ فقيل: {قَالَ} إبراهيم {و} اجعل يا ربّ! {مِنْ ذُرِّيَّتِي} ؛ أي: من بعض أولادي أئمّةً يقتدى بهم في الدين؛ أي: أنبياء وملوكًا عدولًا، وعلماء يقتدى بهم، وتخصيص البعض بذلك؛ لبداهة استحالة

ص: 254

إمامة الكل، وإن كانوا على الحق، وقوله:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} عطفٌ على الكاف في {جَاعِلُكَ} و {من} تبعيضية متعلِّقة بجاعل؛ أي: وجاعل بعض ذريتي إمامًا يقتدى به؛ أي: اجعل، لكنَّه راعى الأدب بالاحتراز عن صورة الأمر. وقرأ زيد بن ثابت {ذُرِّيَّتِي} بكسر الذال. وقرأ أبو جعفر بفتحها وليست في المتواتر عنه. وقرأ الجمهور بالضمّ، وهي لغاتٌ فيها، وقوله:{قَالَ لَا يَنَالُ} كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدّر، كأنّه قيل: فماذا قال الرب جل جلاله؟ فأجيب: {قال} الله سبحانه وتعالى لإبراهيم {لَا يَنَالُ} ولا يصيب {عَهْدِي} ؛ أي: لا يصل ما عهدته، ووعدته لك من الإمامة، والنبوة في أولادك إلى {الظَّالِمِينَ} والكافرين منهم، يعني: أنّ أولادك منهم مسلمون، وكافرون، فلا تصل الإمامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالمًا من أولادك، وغيرهم، وإنما ينال عهدي من كان بريئًا من الظلم؛ لأنَّ الإِمام لمنع الظلم، فكيف يجوز أن يكون ظالمًا؟! وإن جاز، فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب الغنم ظلم.

ودلَّت الآية بمفهومها على أنّه ينالها ويصيبها غير الظالم؛ يعني: من كان ظالمًا من أولادك، لا يكون إمامًا وقدوة للناس؛ لأنّ الإمامة في أوليائه لا في أعدائه. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء {الظالمون} بالرفع على الفاعلية و {عَهْدِي} مفعول به؛ لأنّ العهد يَنال كما يُنال، أي: عهدي لا يصل إلى الظالمين، أو لا يصل الظالمون إليه، ولا يُدْرِكُونَهُ، ومعنى: عهدي نبوّتي، وفي هذا دليلٌ على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر. وفي (1) ذكر الظلم مانعًا من الإمامة، تنفيرٌ لذرية إبراهيم منه، وتبغيضٌ لهم فيه ليتحاموه، ويُنَشِّئُوا أولادهم على كراهته كيلا يَقَعُوْا فيه ويُحرَموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، كما هو تنفيرٌ من الظالمين، وعن مخالطتهم، فالإمامة الصالحة لا تكون إلّا لذوي النفوس الفاضلة التي تَسوق صاحبهَا إلى خير العمل، وتَزَعُهُ عن الشرورِ والآثام، ولا حظَّ للظالمين في شيء من هذا.

(1) المراغي.

ص: 255