الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إضرابًا عن اللفظ المقول؛ لأنّه واقعٌ لا محالة، فلا يضرب عنه، وإنَّما الإضراب عن النسبة المفهومة من قولهم: قلوبنا غلفٌ؛ لأنّها خُلقت متمكنة من قبول الحق، مفطورةً لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تُخْلق عليه، ثمّ أخبر تعالى أنّهم لُعِنُوا بسبب ما تقدّم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الذي هو اللَّعن المتسبَّب عن الذنب الذي هو الكفر، فانتصاب {قليلًا} في قوله:{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} على المصدرية على أنّه نعت لمصدر محذوف، و {مَا} مزيدةٌ؛ لتأكيد القلَّة، والفاء لسببية (1) اللعن؛ لعدم الإيمان؛ أي: فَبسبَبِ ذلك اللعنِ يؤمنون إيمانًا قليلًا في غاية القلّة، قاله قتادة؛ أي: يؤمنون بالقليل مِمَّا كلفوا به؛ لأنّهم يؤمنون بالله، ويكفرون بالرسل، وبما جاؤوا به؛ أي: إيمانهم قليلٌ جدًّا، أو على الظرفية على أنّه نعت لزمان محذوف؛ أي: فيؤمنون زمانًا قليلًا في غاية القلة؛ لقوله تعالى: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} أو على الحالية من فاعل يؤمنون حال كونهم جمعًا قليلًا؛ أي: المؤمن منهم قليلٌ، كعبد الله بن سلام، وأضرابه، وقال هذا المعنى ابن عباس، وقتادة أيضًا، وهو مذهب سيبويه، والأحسن من هذه المعاني كلِّها هو الأول؛ لأنّ دلالة الفعل على مصدره، أقوى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة، وعلى المفعول، وعلى الفاعل؛ ولموافقته ظاهر قوله تعالى:{فلا يؤمنون إلّا قليلًا} اهـ. من "البحر".
89
- {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} ؛ أي: ولما جاء اليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم {كِتَابٌ} وقرآن نازلٌ {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، ووصفه بقوله: من عند الله؛ للتشريف؛ وللدلالة على أنَّه جديرٌ بأن يقبل، ويُتَّبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو واردٌ من عند خالقهم، وإلههم الذي هو ناظرٌ في مصالحهم، {مُصَدِّقٌ}؛ أي: موافقٌ {لِمَا مَعَهُمْ} ؛ أي: لكتابهم؛ أي: للتوراة التي في أيديهم في التوحيد، وبعض الشرائع، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفةٌ ثانيةٌ، وقُدّمت (2) الأولى عليها؛ لأنّ الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشيءٌ عن كونه
(1) روح البيان.
(2)
البحر المحيط.
من عند الله تعالى، لا يقال: إنّه يحتمل أن يكون من عند الله متعلِّقًا بجاءهم، فلا يكون صفة؛ للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمولٌ لغير أحدهما. وفي مصحف أُبَيٍّ {مصدقًا} وبه قرأ ابن أبي عبلة، ونصبه على الحال من كتاب وإن كان نكرة، وقد أجاز ذلك سيبويه بلا شرطٍ، فقد تخصَّص هنا بالصفة فقَرَّبَتْهُ من المعرفة، وقوله:{لِمَا مَعَهُمْ} هو التوراة والإنجيل، وتصديقه إمّا بكونهما من عند الله، أو بما اشتملا عليه من ذكر بعث الرسول ونعته.
قال ابن التمجيد: المصدَّق به: ما يختصُّ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدلُّ عليها من العلامات لا الشرائع والأحكام؛ لأنَّ القرآن نسخَ أكثرها.
وجواب (1){لِمَا} محذوفٌ دلَّ عليه جواب {لِمَا} الثانية تقديره: ولمَّا جاءهم كتابٌ من عند الله مصدّق لما معهم كذَّبوه. وقيل: جوابها جملة قوله الآتي: {كَفَرُوا بِهِ} كما سيأتي قريبًا. {و} قد {كانوا} ؛ أي: اليهود {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن، وبُني لقطعِه عن الإضافة إلى معرفة {يَسْتَفْتِحُونَ} ويستنصرون؛ أي: يطلبون من الله الفتح والنصر {عَلَى} أعدائهم {الَّذِينَ كَفَرُوا} وأشركوا بالله؛ أي: يستنصرون به على مشركي العرب، وكفار مكة من أَسَدٍ، وغَطَفَانَ، ومُزَيْنَةَ، وجُهَيْنَةَ، ويقولون: اللهمّ! انصرنا عليهم بالنبيِّ الأميّ المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة، فكانوا يُنصَرون عليهم، وكانوا يقولون: لأعدائهم المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قَتلَ عاد وإرم {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} وظهر لهم {مَا عَرَفُوا} وما سبق لهم تعريفه للمشركين؛ أي: الحقُّ الذي عرفوه أوّلًا من كتابهم حقَّ المعرفة، وأخبروه للمشركين من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن: لأنَّ معرفة من أنزل هو عليه معرفةٌ له، والفاء (2) للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير أن يتخلَّل بينهما مدّةٌ مَنْسِيَّةٌ {كَفَرُوا بِهِ} أي: بذلك الحق؛ أي:
(1) العمدة.
(2)
روح البيان.
جحدوا، وأنكروا برسالته صلى الله عليه وسلم وبِكَوْنِ القرآن من عند الله تعالى حسدًا، وخوفًا على الرئاسة، وحرصًا عليها، وغيَّروا صفته، وهو جواب {لمَّا} الأولى، والثانية تكريرٌ لها، كما مرت الإشارة إليه؛ أي: فيكون قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} تكريرًا لقوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ؛ للتأكيد؛ ولطول الفصل بين لمّا الأولى، وجوابها الذي هو جملة قوله:{كَفَرُوا بِهِ} {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ؛ أي: إِبعادُ الله سبحانه، وطَرْده من خيرات الدنيا والآخرة عليهم؛ أي: على اليهود، ففيه (1) وَضْعُ الظاهر موضع المضمر؛ إشعارًا بأنّهم استحقُّوا اللعنة لكفرهم، والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر، واللام في الكافرين للعهد، أو للجنس، ودخلوا فيه دخولًا أوَّليًّا؛ لأنّ الكلام فيهم.
واعلم: أنّ (2) اللعنة في حقّ الكفار: الطرد والإبعاد من الرحمة، والكرامة، والجنّة على الإطلاق، وفي حقّ المذنبين من المؤمنين: الإبعاد عن الكرامة التي وعد بها من لم يَخُضْ في ذلك الذنب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"مَن احتكر فهو ملعون"؛ أي: من ادّخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه وقت زيادة الغلاء، فهو مطرودٌ من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار.
واعلم: أن الصفات المقتضية للعن ثلاثٌ: الكفر، والبدعة، والفسق، وله في كل واحدة ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين، أو المبتدعة والفسقة.
والثانية: اللعن بأوصافٍ أخصَّ منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى، أو على القدريّة، والخوارج، والروافض، أو على الزُّناة والظلمة، وآكل الربا، وكُلُّ ذلك جائزٌ.
والثالثة: اللعن علي الشخص، فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعًا، يجوز لعنه
(1) النسفي.
(2)
روح البيان.
إن لم يكن فيه أذًى على مسلم، كقولك: لعنة الله على فرعون، وقارون، وهامان، وأبي جهل؛ لأنّه ثبت أنَّ هؤلاء ماتوا على الكفر، وعُرف ذلك شرعًا، وإن كان ممن لم يثبت كفره شرعًا كلعنة الله على زيدٍ، أو عمرٍو، أو غيرهما بعينه، فهذا فيه خطرٌ؛ لأنَّ حال خاتمته غير معلوم، ورُبَّما يسلم الكافر، أو يتوب المذنب، فيموت مقرَّبًا عند الله تعالى، فكيف يحكم بكونه ملعونًا؟ ألا ترى أنَّ وحشيًّا قتَلَ عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أعني حمزة رضي الله عنه ثُمَّ أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وبشَّره الله بالجنّة، وهذا حجةُ مَنْ لم يلعن يزيد بن معاوية؛ لأنّه يحتمل أن يتوب ويرجع عمَّا عليه، فمع هذا الاحتمال لا يُلْعنُ.
قال بعضُهم: لَعْنُ يزيد على اشتهارِ كفره، وتواترِ فظاعةِ شرّه؛ لَمَّا أنَّه كفَرَ حين أمر بقتل الحُسين رضي الله عنه ولمَا قال في الخمر:
فإنْ حُرِّمَتْ يومًا على دينِ أَحمدٍ
…
فخُذْهَا على دينِ المسيحِ ابنِ مريمِ
واتَّفقوا على جواز اللَّعن علي من قتل الحُسَيْن رضي الله عنه أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، كما قال سعد الدين التفتازانيُّ: الحقُّ إِنَّ رِضَى يزيد بقَتْلِ الحسين، واستبشاره به، وإهانَته أهلَ بيت النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحادًا، فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله عليه، وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى.
ثم اعلم (1): أن اللعنة ترتدُّ على اللاعن إن لم يكنْ الملعون أهلًا لذلك، ولعن المؤمن كقتله في الإثم، وربَّما يلعن شيئًا من ماله، فتنزع منه البركة، فلا يلعن شيئًا من خلق الله تعالى، لا للجماد ولا للحيوان، ولا للإنسان، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا قال العبد لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه" فالأولى أن يترك، ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح، إذ فيه ثوابٌ، ولا ثواب في اللعن، وإن كان يستحقُّ اللعن.
(1) روح البيان.