المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ضَلَّ}؛ أي: عدل وجار من حيث لا يدري {سَوَاءَ السَّبِيلِ}؛ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ضَلَّ}؛ أي: عدل وجار من حيث لا يدري {سَوَاءَ السَّبِيلِ}؛

ضَلَّ}؛ أي: عدل وجار من حيث لا يدري {سَوَاءَ السَّبِيلِ} ؛ أي: عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تنبيه الهوى، وتردَّى في مهاوي الردى.

ومعنى {سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي: قصد الطريق السويّ، ووسطه الذي هو بين الغلوّ والتقصير وهو الحق، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: قد أخطأ الطريق المستوي؛ أي: المعتدل الحقَّ. وقرىء {يُبْدِلْ} من أبدل الرباعيِّ. وقد قرئ {فَقَدْ ضَلَّ} بالإدغام، وبالإظهار في السبعة، والمعنى: ومن ترك الثقة بالآيات البينات المنزَّلة، وشكّ فيها، واقترح غيرها، فقد ضَلَّ الطريق المستوي حتى وقع في الكفر بعد الإيمان، وحاصل معنى الآية: لا تقترحوا فتضِلُّوا وسط السبيل وقصده، ويؤدِّي بكم إلى البعد عن المقصد، وتبديل الكفر بالإيمان.

وأكثر المفسرين (1): على أنَّ سبب نزول الآية اليهود حين قالوا: يا محمد! ائتنا بكتاب من عند الله جملةً، كما جاء موسى بالتوارة جملةً، فنزلت هذه الآية كما قال في آية أخرى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} إلى قوله:{جَهْرَةً} فالمخاطبون بقوله: {أَمْ تُرِيدُونَ} هم اليهود، وإضافة الرسول إليهم في قوله:{رَسُولَكُمْ} باعتبار أنّهم من أمة الدعوة، ومعنى تبدُّل الكفر بالإيمان، ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك، وإيثارهم للكفر عليه. قال الإِمام: وهذا القول أصحُّ؛ لأنَّ الآية مدنيَّةٌ؛ ولأنّ هذه السورة من أوّل قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} حكايةٌ عنهم، ومحاجَّةٌ معهم، وفي الآية إشارة إلى حفظ الآداب، فمن لم يتأدَّب بين يدي مولاه، ورسوله، وخلفائه، فقد تعرَّض للكفر، وحقيقة الأدب: اجتماع خصال الخير، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حقُّ الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن مرضعه، ويحسن أدبه، فإنّه مسؤولٌ عنه يوم القيامة، ومؤاخذٌ بالتقصير فيه". وسئل ابن سيرين: أيُّ الأدب أقرب إلى الله؟ فقال: معرفة ربوبيته، والعمل بطاعته، والحمد على السراء، والصبر على الضرّاء. انتهى كلامه.

‌109

- {وَدَّ} أي: تمنَّى وأحبَّ {كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ؛

(1) روح البيان.

ص: 201

أي: من أحبار اليهود، ككعب بن الأشرف، وحيّي بن أخطب {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ}؛ أي: أن يردّوكم أيها المؤمنون، فإنّ {لَوْ} من حروف المصادر، إذا جاء بعد فعلٍ يفهم منه معنى التمني، كقوله تعالى:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ؛ أي: ودّوا أن يصرفوكم عن التوحيد والإِسلام {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} يا معشر المؤمنين! بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن {كُفَّارًا}؛ أي: مرتدّين، حال من ضمير المخاطبين في {يَرُدُّونَكُمْ} ويحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا ليردُّونكم على تضمينه معنى يصيِّرونكم، وقوله:{حَسَدًا} علةٌ، لقوله:{وَدَّ} كأنَّه قيل: ودَّ كثير منهم ذلك من أصل الحسد، وقوله:{مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} يجوز أن يتعلَّق بودَّ على معنى: أنّهم تمنَّوا ارتدادكم من عند أنفسهم، وقِبَلِ شهوتهم وأهوائهم، لا من قِبَل التديُّنِ، والميل مع الحق، ولو على زعمهم؛ لأنّهم ودُّوا ذلك، فكيف يكون تمنّيهم من قبل الحق؟ ويجوز أن يتعلَّق بحسدًا؛ أي: حسدًا منبعثًا من أصل نفوسهم، بالغًا أقصى مراتبه، وقوله:{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} وظهر {لَهُمُ الْحَقُّ} وعلموا في كتابهم التوارة، أنَّ ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم ودينه، ونعته، وصفته، هو الحقُّ لا يشكُّون فيه، فكفروا به حسدًا وبغيًا، متعلِّقٌ بقوله:{وَدَّ} ؛ أي: ودُّوا ذلك بعد ظهور الحق عندهم، وأولئك الكثير هم رهطٌ من أحبار اليهود. روي أنَّ فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس، ونفرًا من اليهود، قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلًا، فقال عمَّارٌ: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديدٌ، قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أمَّا عمَّارٌ فقد صبأ؛ أي: خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع إليه أبدًا، فكيف أنت حذيفة؟ ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: رضيت بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، فقالوا: وإله موسى، لقد أشرب في قلوبكما حبُّ محمد، ثُمَّ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبراه، فقال: أصبتما خيرًا، وأفلحتما، والمعنى أحبَّ وأراد كثيرٌ منهم ردَّكم عن دينكم من بعد إيمانكم، حالة كونكم كفارًا مرْتدين، من بعد ما ظهر لهم الحقُّ من

ص: 202

أصل حسدهم إيّاكم حسدًا ناشئًا من قبل أنفسهم، وأهوائهم، لا بأمر الله إيّاهم بذلك، وأصل (1) الحسد: تمنِّي زوال النعمة عمَّن يستحقُّها، ربّما يكون مع ذلك سعيٌ في إزالتها، والحسد مذمومٌ من الكبائر؛ لما رُوِي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب" أخرجه أبو داود، فإذا أنعم الله على عبده نعمةً فتمنَّى آخر زوالها عنه، فهذا هو الحسد، وهو حرامٌ، فإن استعان بتلك النعمة على الكفر والمعاصي، فتمنَّى آخر زوالها عنه فليس بحسدٍ، ولا يحرم ذلك؛ لأنّه لم يحسده على تلك النعمة من حيث إنّها نعمةٌ، بل من حيث إنّه يتوصَّل بتلك النعمة إلى الشرِّ والفساد.

{فَاعْفُوا} واسمحوا عنهم أيها المؤمنون! إساءتهم، أي: اتركوهم، فلا تؤاخذوهم بهذه المقالة بالانتقام الفعلي، كالقتل والضرب {وَاصْفَحُوا}؛ أي: أعرضوا عنهم، فلا تلوموهم على أخلاقهم، وكلامهم السيء، ولا تقابلوهم بالانتقام القولي؛ أي: فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عمّا يكون منهم من الجهل، والعداوة. وأصل (2) العفو: ترك عقوبة المذنب، يقال: عفت الريح المنزل درسته، وعفا المنزل يعفو درس، ويتعدّى، ولا يتعدّى، ومن ترك المذنب، فكأنّه درس ذنبه من حيث إنّه ترك المكافأة والمجازاة، وذلك لا يستلزم الصفح، ولذا قال تعالى:{وَاصْفَحُوا} فإنّه قد يعفو الإنسان ولا يصفح. والصفح: ترك التقريع باللسان والاستقصاء، يقال: صفحت عن فلانٍ، إذ أعْرضْتَ عن ذنبه بالكلية، وقد ضربت عنه وتركته، وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما: الرضى بما فعلوا؛ لأنّ ذلك كفرٌ، والله تعالى لا يأمر به، بل المراد بهما: ترك المقاتلة والإعراض عن الجواب عن مساوي كلامهم. انتهى من "الروح".

والفرق بين العفو والصفح: أنّ العفو: ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك

(1) الخازن.

(2)

روح البيان.

ص: 203