المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ١

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كُحْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخَتُّمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَتِهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي اتِّكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِدَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ فَاكِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ شَرَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌(باب ما جاء في ذكر خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم

وَعُمَرَ قِبَالَانِ (وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا) أَيِ اتَّخَذَ قِبَالًا (وَاحِدًا عُثْمَانُ) رضي الله عنه، إِشَارَةً إِلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ لُبْسَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ، لَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَفْعَالَهُ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ: مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ وَفَرْضٌ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ رضي الله عنه لَتُوُهِّمَ كَرَاهَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِبَالٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَاهُ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ النَّعْلَيْنِ وَلُبْسَ غَيْرِهِمَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ أَيْضًا.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، قَالَ الْعِصَامُ: كَانَ مُقْتَضَى دَأْبِهِ فِي تَرَاجِمِ الْأَبْوَابِ أَنْ يَقُولَ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (ذِكْرِ) وَلَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ لِمَزِيدِ الذِّكْرِ، وَهِيَ خَفِيَّةٌ انْتَهَى. وَالذِّكْرُ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ «ذِكْرِ» بَيْنَ «فِي» وَمَجْرُورِهَا، وَلَعَلَّهَا تَحْرِيفٌ مِنْ نَاسِخٍ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيفَ لَا يُقَالُ إِلَّا فِي ذِكْرِ كَلِمَةٍ مَقَامَ ذِكْرِ كَلِمَةٍ أُخْرَى مَعَ تَغْيِيرٍ فِيهَا، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي زِيَادَةِ الذِّكْرِ هُنَا تَمْيِيزُهُ عَنْ سَائِرِ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ ; لِتَكْرَارِ بَابِ الْخَاتَمِ، وَإِنْ كَانَ مَيَّزَ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ عَنْ خَاتَمٍ يُخْتَمُ بِهِ بِإِضَافَةِ الْأُولَى إِلَى النُّبُوَّةِ، وَالثَّانِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ تِكْرَارُ مَا بِهِ التَّمْيِيزُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِذْ تَرَاجِمُ الْكِتَابِ قَاضِيَةٌ بِحَذْفِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهَا فِيهِ نَظِيرٌ، وَلَا حِكْمَةَ فِي تَمْيِيزِ هَذَا الْبَابِ بِهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ وَكَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِ الْمُصَنِّفِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا

(عَنْ يُونُسَ) أَيِ الْأَيْلِيِّ وَقَدْ مَرَّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيِّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْهُ (قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَرِقٍ)

ص: 137

بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ فِضَّةٍ (كَانَ فَصُّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ، وَقَدْ يُضَمُّ وَبِتَشْدِيدِ الصَّادِ مَا يُنْقَشُ فِيهِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرُهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَامَّةُ تَكْسِرُهَا وَأَثْبَتَهَا بَعْضُهُمْ لُغَةً، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمَّ وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ الْفَصُّ لِلْخَاتَمِ مُثَلَّثَةً وَالْكَسْرُ غَيْرُ لَحْنٍ، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ (حَبَشِيًّا) أَيْ حَجَرًا مَنْسُوبًا إِلَى الْحَبَشِ ; لِأَنَّهُ مَعْدِنُهُ وَقِيلَ: كَانَ فَصُّهُ عَقِيقًا كَمَا فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَارِ، وَقِيلَ: كَانَ جَزْعًا، وَقَالَ: حَبَشِيًّا ; لِأَنَّهُ يُؤْتَى بِهِمَا مِنْ

بِلَادِ الْيَمَنِ، وَهُوَ كُورَةُ الْحَبَشَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ فَصًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ، إِذْ مَعْدِنُهُمَا بِالْحَبَشَةِ كَالْيَمَنِ فَمَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ مَعْنًى حَبَشِيًّا جِيءَ بِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، أَوْ كَانَ أَسْوَدَ عَلَى لَوْنِ الْحَبَشَةِ، أَوْ صَانِعُهُ أَوْ صَانِعُ نَقْشِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ تَعَدُّدُ خَاتَمِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وَمِنْ ثَمَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهَا أَصَحُّ، وَقِيلَ: مَعْنَى «فَصُّهُ مِنْهُ» أَنَّ مَوْضِعَ فَصِّهِ مِنْهُ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ فَصِّهِ حَجَرًا.

وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ مِنْ أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَأَنَّهُ مُبَارَكٌ، وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ لَمْ يَزَلْ فِي خَيْرٍ

ص: 138

فَكُلُّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحُفَّاظُ، وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ، أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أَيِ ابْنُ سَعِيدٍ (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) هُوَ الْوَضَّاحُ رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) سَيَأْتِي ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ) أَيْ أَمَرَ بِصِيَاغَتِهِ أَوْ وَجَدَهُ مَصُوغًا فَاتَّخَذَهُ (فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ) أَيِ الْكُتُبَ الَّتِي يُرْسِلُهَا لِلْمُلُوكِ، وَهُوَ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ أَيْ يَضَعُهُ عَلَى الشَّيْءِ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ يَتَخَتَّمُ بِهِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ

مِنْ أَنَّ مَعْنَى تَخَتَّمْتُ لَبِسْتُ الْخَاتَمَ، لَكِنَّهُ يُنَافِي قَوْلَهُ:(وَلَا يَلْبَسُهُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ مِيرَكُ: وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ هُوَ أَنَّ جُمْلَةَ وَلَا يَلْبَسُهُ حَالٌ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِهِ فِي حَالِ عَدَمِ اللُّبْسِ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ إِظْهَارُ التَّوَاضُعِ، وَتَرْكُ الْإِرَاءَةِ وَالْكِبْرِ ; لِأَنَّ الْخَتْمَ فِي حَالِ لُبْسِ الْخَاتَمِ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَبُّرٍ وَخُيَلَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَلَا يَلْبَسُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: يَخْتِمُ بِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ بَلْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ضَرُورَةَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ لِلْخَتْمِ بِهِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الرَّاوِي مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَيَانُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ مِنَ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ الْخَتْمَ بِهِ لَا اللُّبْسَ وَالتَّزَيُّنَ ; لِأَنَّ لُبْسَ الْخَاتَمِ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي سَبَبِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. قَالَ الْعِصَامُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْرَبُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلُبْسُهُ حَالَةَ الْخَتْمِ بَعِيدٌ لَا يُحْتَاجُ لِنَفْيِهِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّدَ خَاتَمُهُ صلى الله عليه وسلم كَمَا يَكُونُ لِلسَّلَاطِينِ وَالْحُكَّامِ، وَكَانَ يَلْبَسُ مِنْهَا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أَرْبَابِ هَذَا الْفَنِّ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّرْجِيحِ، وَتَعَقَّبَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّخَذُ لِلْحَاجَةِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّخِذَهُ صلى الله عليه وسلم مُتَعَدِّدًا، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُ الْحَنَفِيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَاتَمِ لَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِلَافٍ سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَلِخَبَرِ: كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلُبْسُهُ مَنْدُوبٌ وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لِخَتْمٍ انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا إِنَّهُ إِنَّمَا يُنْدَبُ لِمَنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْخَتْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ سَبَبُ وُرُودِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِجْمَاعًا، وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ لُبْسَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَاذٌّ، نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَاتَّخَذُوا مِثْلَهُ، طَرَحَهُ فَطَرَحُوا خَوَاتِيمَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَدْبِ الْخَاتَمِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الْخَتْمِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا طَرَحَهُ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَهْمٌ مِنَ الزُّهْرِيِّ رَاوِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي لَبِسَهُ يَوْمًا ثُمَّ أَلْقَاهُ خَاتَمُ ذَهَبٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَوْ خَاتَمُ حَدِيدٍ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاتَمُ حَدِيدٍ مَلْوِيٌّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ فَلَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي طَرَحَهُ، وَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ، وَقَالَتْ: طَائِفَةٌ يُكْرَهُ إِذَا قُصِدَ بِهِ الزِّينَةُ، وَآخَرُونَ يُكْرَهُ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ انْتَهَى. وَقَالَ قَاضِي خَانْ: وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ بِالْعَقِيقِ، ثُمَّ التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُبَاحُ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّخَتُّمِ، كَالْقَاضِي وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ، وَإِذَا تَخَتَّمَ بِالْفِضَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَصُّ إِلَى بَاطِنِ الْكَفِّ مِنَ الْيُسْرَى (قَالَ أَبُو عِيسَى) أَيِ الْمُصَنِّفُ (أَبُو بِشْرٍ) أَيِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ (اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيٍّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونِ

مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ، وَفِي نُسْخَةٍ وَحْشِيَّةَ بِغَيْرِ انْصِرَافٍ، اخْتُلِفَ فِيهِ ثِقَةً

ص: 139

وَضَعْفًا.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (هُوَ الطَّنَافِسِيُّ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، مَنْسُوبٌ إِلَى طَنَافِسَ جَمْعُ طُنْفُسَةٍ بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا: الْبِسَاطُ الَّذِي لَهُ حَمْلٌ وَحَصِيرٌ مِنْ سَعَفٍ قَدْرُهُ ذِرَاعٌ فَكَانَ النِّسْبَةُ لِلْعَمَلِ أَوِ الْبَيْعِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَاشْتَهَرَ بِهِ وَهُوَ ثِقَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ هُوَ الطُّفَالِيُّ بِضَمِّ الطَّاءِ وَبِالْفَاءِ آخِرُهُ لَامٌ بَعْدَهُ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ (أَخْبَرَنَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْبَأَنَا (زُهَيْرٌ) بِضَمِّ زَايٍ وَفَتْحِ هَاءٍ (أَبُو خَيْثَمَةَ) بِتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ فَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ زُهَيْرٍ أَبِي الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ (عَنْ حُمَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الطَّوِيلِ (عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ) الظَّاهِرُ مِنْهَا لِيَرْجِعَ إِلَى الْفِضَّةِ فَأَوَّلَهُ بَعْضٌ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا صُنِعَ مِنْهُ الْخَاتَمُ، وَهُوَ الْفِضَّةُ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَوْضَحُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالضَّمِيرُ لِلْخَاتَمِ أَيْ فَصُّهُ بَعْضُ الْخَاتَمِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ حَجَرًا، فَإِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ مُجَاوِرٌ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْفِضَّةِ وَالتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ الْوَرِقِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ مِنْ فِضَّةٍ كُلُّهُ.

قَالَ مِيرَكُ: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْخَوَاتِيمِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِيَاسِ بْنِ حَرْثِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي يَدِي، قَالَ: وَكَانَ مُعَيْقِيبُ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي كَانَ أَمِينًا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ ابْنُ سَعْدٍ شَاهِدًا مُرْسَلًا عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ، غَيْرَ أَنَّ فَصَّهُ بَادٍ، وَأَخْرَجَ مُرْسَلًا أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلَهُ دُونَ مَا فِي آخِرِهِ، وَثَالِثًا مُسْنَدًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَبِسَهُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَخِي خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا هَذَا الْخَاتَمُ فِي يَدِكَ يَا عَمْرُو، قَالَ: هَذِهِ حَلْقَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا نَقْشُهَا، قَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ لَبِسَهُ عُثْمَانُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَحْفِرُ بِئْرًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أَرِيسٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى شَفَتِهَا يَأْمُرُ بِحَفْرِهَا سَقَطَ الْخَاتَمُ فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ مِنْ يَدِهِ وَإِدْخَالَهُ فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْخَاتَمَ هُوَ الَّذِي كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا، حَيْثُ أُتِيَ بِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ وَرِقٍ أَيْ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ قُلْتُ: وَيُلَايِمُهُ قَوْلُهُ: يَخْتِمُ بِهِ أَيْ أَحْيَانًا وَلَا يَلْبَسُهُ أَيْ أَبَدًا، قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَالِدٍ أَوْ عَمْرٍو لِئَلَّا يَشْتَبِهَ عِنْدَ الْخَتْمِ بِخَاتَمِهِ الْخَاصِّ إِذْ نَقْشُهُ مُوَافِقٌ لِنَقْشِهِ فَيُفَوِّتُ

مَصْلَحَةَ الْخَتْمِ بِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سَبَبِ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ، وَأَمَّا الَّذِي فَصُّهُ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِصِيَاغَتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَنَا صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أَحَدٌ نَقَشْتُ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَكَانَ اتِّخَاذُهُ قَبْلَ أَخْذِ خَاتَمِ خَالِدٍ أَوْ عَمْرٍو وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُمْ خَاتَمًا وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْبَسُهُ فِيهِ تِمْثَالُ أَسَدٍ قَالَ مَعْمَرٌ فَغَسَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَشَرِبَهُ فَفِيهِ مَعَ إِرْسَالِهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَعَلَّهُ لَبِسَهُ مَرَّةً قَبْلَ النَّهْيِ وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ، قَالَ فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ وَالْفِضَّةِ سُنَّةٌ، قَالَ شَارِحُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْعَقِيقِ قِيلَ حَرَامٌ لِكَوْنِهِ حَجَرًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ يَجُوزُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَلَيْسَ بِحَجَرٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الشِّرْعَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْحَلْقَةِ لَا الْفَصِّ، حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَجَرِ وَالْحَلْقَةُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِذِي سُلْطَانٍ أَيْ ذِي غَلَبَةٍ وَحُكُومَةٍ مِثْلَ الْقُضَاةِ وَالسَّلَاطِينِ، فَتَرْكُهُ لِغَيْرِ ذِي الْحُكُومَةِ أَحَبُّ لِكَوْنِهِ زِينَةً مَحْضَةً، بِخِلَافِ الْحُكَّامِ ; لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخَتْمِ فِي

ص: 140

الْأَحْكَامِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: حَدَّثَنِي (أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ حِينَ رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (أَنْ يَكْتُبَ) أَيِ الْمَكَاتِيبَ الَّتِي فِيهَا الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُرْسِلَهَا (إِلَى الْعَجَمِ) أَيْ عُظَمَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ، فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَلَالَةٌ أَنَّ الْعَجَمَ هُمُ الرُّومُ لَكِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ فِيمَا بَعْدُ يُفَسِّرُهُ بِالْأَعَمِّ (قِيلَ لَهُ أَنَّ الْعَجَمَ) قِيلَ قَائِلُ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَمِ.

وَقِيلَ: مِنْ قُرَيْشٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُرْسَلِ طَاوُسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ قُرَيْشًا هُمُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لَكِنْ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (لَا يَقْبَلُونَ) أَيْ لَا يَعْتَمِدُونَ (إِلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتَمٌ) بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ أَيْ وُضِعَ عَلَيْهِ خَاتَمٌ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ عَلَيْهِ نَقْشُ خَاتَمٍ، وَسَبَبُ عَدَمِ اعْتِمَادِهِمْ لَهُ عَدَمُ الثِّقَةِ بِمَا فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهُ شِعَارَ تَعْظِيمِهِمْ، وَهُوَ الْخَتْمُ أَوِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخَتْمَ الَّذِي شِعَارُهُمْ وَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ اطِّلَاعِ غَيْرِهِمْ، هُوَ خَتْمُ الْوَرِقِ، وَهُوَ لَا يُلَايِمُ اصْطِنَاعَ الْخَاتَمِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَاصْطَنَعَ خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ (اضْطَرَبَ) أَيْ سَأَلَ أَنْ يُصْنَعَ أَوْ يُضْرَبَ، كَمَا يُقَالُ: اكْتَتَبَ إِذَا سَأَلَ أَنْ يُكْتَبَ كَذَا فِي الْفَائِقِ (كَأَنِّي) وَفِي نُسْخَةٍ فَكَأَنِّي (أَنْظُرْ إِلَى بَيَاضِهِ) أَيْ بَيَاضِ الْخَاتَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ كَمَالَ إِتْقَانِهِ لِهَذَا الْخَبَرِ فَكَأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ (فِي كَفِّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ

مِنْ بَاطِنِ إِصْبَعِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْكَفُّ الْيَدُ أَوْ إِلَى الْكُوعِ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) أَيِ ابْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَالْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ ثَلَاثَةٌ أَكْثَرُهُمْ هَذَا وَثَانِيهِمُ اسْمُ جَدِّهِ حَفْصٍ، وَثَالِثُهُمُ اسْمُ جَدِّهِ زِيَادٍ (قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُثَنَّى، صَدُوقٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَعَلَّ خَبَرَ كَانَ مَحْذُوفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ كَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ (مُحَمَّدٌ سَطْرٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَرَسُولُ) بِالرَّفْعِ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَجَوَّزَ التَّنْوِينَ

ص: 141

عَلَى الْإِعْرَابِ ; لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (سَطْرٌ وَاللَّهُ) بِالرَّفْعِ وَالْجَرِّ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ (سَطْرٌ) هَذَا حَلُّ الْحَنَفِيِّ وَضَعَّفَهُ الْعِصَامُ، وَقَالَ: التَّقْدِيرُ كَانَ مَدْلُولُ نَقْشِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَقْشُ مُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَصْحِيحِ الْحَمْلِ إِلَى الْقَوْلِ، فَمُحَمَّدٌ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، خَبَرُ كَانَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ هَكَذَا، وَالْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ بِتَعَدُّدِ الْأَخْبَارِ أَوْ بِمُلَاحَظَةِ الرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنْ قَصَرَ فِي الْعِبَارَةِ، حَيْثُ قَالَ مُحَمَّدٌ خَبَرُ كَانَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَوِ اسْمُهَا وَنَقْشٌ هُوَ الْخَبَرُ، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْ نَقْشُهُ نَقْشُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ، ثُمَّ قَالَا وَقَوْلُهُ: سَطْرٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا سَطْرٌ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرُهُ الثَّالِثُ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ كُلَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ رِوَايَةِ عَرْعَرَةَ عَنْ عَرْزَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ فَصُّ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَبَشِيًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَعَرْعَرَةُ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، فَزِيَادَةُ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ

بِزِيَادَةِ «بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» شَاذَّةٌ أَيْضًا، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ مُرْسَلِ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَغَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَقُولُ عَلَى تَقْدِيرِ تَوْثِيقِهِ، لَا شَكَّ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الِاقْتِصَارِ، وَبَيَانُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ مِنْ تَخْصِيصِ اسْمِهِ، أَوْ يُبْنَى عَلَى تَعَدُّدِ الْخَوَاتِيمِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لَكِنَّ كِتَابَتَهُ عَلَى السِّيَاقِ الْعَادِيِّ، فَإِنَّ ضَرُورَةَ الْخَتْمِ بِهِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَحْرُفُ الْمَنْقُوشَةُ مَقْلُوبَةً ; لِيَخْرُجَ الْخَتْمُ مُسْتَوِيًا، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى فَوْقَ، يَعْنِي أَنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى الْأَسْطُرِ الثَّلَاثَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا، فَلَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، بَلْ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُخَالِفُ ظَاهِرَهَا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِيهَا: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَالسَّطْرُ الثَّانِي رَسُولُ، وَالسَّطْرُ الثَّالِثُ اللَّهُ انْتَهَى. وَبِهَذَا يَتَلَاشَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعِصَامِ وَابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَتَدَبَّرْ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ صلى الله عليه وسلم نَقْشُ اسْمِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ أَقُولُ لَكِنْ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لَا يَخْفَى وَهُوَ تَعْظِيمُ اسْمِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُمْتَهَنَ، وَلَوْ كَانَ أَحْيَانًا، كَمَا قَالُوا بِكَرَاهَةِ كِتَابَةِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَنَقْشِهِ عَلَى حِجَارَةِ الْقُبُورِ، وَغَيْرِهَا.

(حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى جَهَاضِمَةَ مَحَلَّةٌ بِالْبَصْرَةِ (أَبُو عَمْرٍو) بِالْوَاوِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (قَالَ أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ) بِفَتْحِ قَافٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَبِمُهْمَلَةٍ أَيِ الْحُرَّانِيُّ نِسْبَةً إِلَى حُرَّانَ، بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ،

ص: 142

وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ، لَكِنْ رُمِيَ بِالتَّشْيِيعِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ) أَيِ ابْنِ رِمَاحٍ الْبَصْرِيِّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (إِلَى كِسْرَى) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا لَقَبُ مُلُوكِ الْفُرْسِ، ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ وَفِي الْمُغْرِبِ كَسْرَى بِالْفَتْحِ أَفْصَحُ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ: كِسْرَى وَيُفْتَحُ مَلِكُ الْفُرْسِ مُعَرَّبُ خِسْرَوَاى وَاسِعُ الْمُلْكِ (وَقَيْصَرَ) لَقَبُ مَلِكِ الرُّومِ، كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَنْ مَلَكَ مِصْرَ، وَتُبَّعَ لِمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ وَالْيَمَنَ، وَخَاقَانَ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ التُّرْكَ، وَلَمَّا جَاءَ كِتَابُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم بِتَمْزِيقِ مُلْكِهِ فَمُزِّقَ، وَإِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ حَفِظَهُ فَحُفِظَ مُلْكُهُ (وَالنَّجَاشِيِّ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَهُوَ

لَقَبُ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ، وَكَتَبَ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ يَطْلُبُ إِسْلَامَهُ، فَأَجَابَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ سَنَةَ سِتٍّ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ حِينَ كُشِفَتْ لَهُ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ الَّذِي بَعْدَهُ وَكَتَبَ لَهُ صلى الله عليه وسلم يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ اسْمٌ، وَلَا إِسْلَامٌ، وَالْكِتَابَةُ لِهَذَا وَأَنَّهُ غَيْرُ أَصْحَمَةَ، وَصُحِّحَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ وَكَتَبَ لِأَصْحَمَةَ كِتَابًا ثَانِيًا لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابَهُ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَإِهْدَاؤُهُ إِلَيْهِ بِالْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ صَوَّرْنَا صُوَرَ بَعْضِ الْمَكَاتِيبِ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ (فَقِيلَ: لَهُ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ) أَيْ إِلَّا مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ وَسَبَقَ تَعْلِيلُهُ (فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا) أَيْ أَمَرَ بِصَوْغِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّائِغَ كَانَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، فَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ:«بَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ» فِي النِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ (حَلَقَتُهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (فِضَّةٌ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَصُّهُ فِضَّةً (وَنُقِشَ فِيهِ) أَيْ فِي الْخَاتَمِ أَيْ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَنُقِشَ ضُبِطَ مَجْهُولًا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ رُوِيَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا ضُبِطَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَضَبَطْنَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ أَيْ أَمَرَ بِنَقْشِهِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالرَّفْعِ أَيْضًا عَلَى الْحِكَايَةِ.

ص: 143

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) أَيِ الضُّبَعِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (وَالْحَجَّاجُ)

بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْأُولَى (بْنُ مِنْهَالٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَسُكُونِ نُونٍ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ هَمَّامٍ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْأُولَى وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مَبْسُوطًا (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِالْجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا وَسَبَقَ ذِكْرُهُمَا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ) أَيْ إِذَا أَرَادَ دُخُولَهُ (نَزَعَ خَاتَمَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَفْظِ اللَّهِ، فَاسْتِصْحَابُهُ فِي الْخَلَاءِ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ جُمَلِ الْقُرْآنِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى اسْمِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَعَلَى وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَيُنَاقَشُ فِي الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَصِيرُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقَصْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، إِلَّا إِذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ صُورَةُ جُمْلَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: وَهُوَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بَعْضُ آيَةٍ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَفِي رِوَايَتِهِ، وَضَعَ مَكَانَ نَزَعَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا وَضْعَ إِلَّا بَعْدَ النَّزْعِ، نَعَمْ رِوَايَةُ النَّزْعِ تَدُلُّ عَلَى لُبْسِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْوَضْعِ، تَأَمَّلْ قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ انْتَهَى. وَكَذَا ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَمَّا الْمُؤَلِّفُ فَأَخْرَجَهُ فِي الْجَامِعِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي هَذَا التَّضْعِيفِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَمَّامًا هَذَا هُوَ ابْنُ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ ثَبْتٌ فِي كُلِّ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ ابْنُ رَعْدِيٍّ: هُوَ أَصْدَقُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِذْ أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، وَصَوَّبَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلَ تَفَرُّدِهِ لَا يُوهِنُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ غَرِيبًا كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ، أَقُولُ: أَمَّا حُكْمُ أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ فَوَجْهُهُ أَنَّ هَمَّامًا خَالَفَ النَّاسَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهَكَذَا وَجَّهَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ، وَهُوَ هَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَخَصَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْكَرَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي خَالَفَ الضَّعِيفُ الثِّقَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ، وَخَصَّ الشَّاذَّ بِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، لِمَزِيدِ ضَبْطِهِ أَوْ أَكْثَرِهِ عَدَدًا، وَقَالَ فِي آخِرِ بَحْثِ الشَّاذِّ وَالْمُنْكَرِ، الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ، وَالْمُنْكَرَ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ قَالَ: وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى حَدِيثِ هَمَّامٍ هَذَا بِالشُّذُوذِ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ ; لِأَنَّهُ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ; وَلِهَذَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَكِنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغَرَابَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ

الْمُتَوَكِّلِ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هَذَا شَاهِدٌ ضَعِيفٌ، وَكَانَ الْبَيْهَقِيُّ ظَنَّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْمُتَوَكِّلِ هُوَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَاهِلِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ: لَا أَعْرِفُهُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا، إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ تَفَرُّدُ هَمَّامٍ بِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَهُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، لَكِنِ اتَّفَقَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَهِمَ فِيهِ وَغَلِطَ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَاتَمَ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ، لَا خَاتَمُ الْوَرِقِ، وَكَذَا نَقَلَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِيهِ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْوَهْمِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلزِّينَةِ، فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهِ وَافَقَ تَحْرِيمَهُ فَطَرَحَهُ ; وَلِذَا قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، كَمَا سَيَأْتِي، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ تَبَعًا لَهُ، وَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ ; لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ، فَاتَّخَذَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَنَقَشَ عَلَيْهِ اسْمَهُ الْكَرِيمَ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، فَرَمَى

ص: 144

بِهِ حَتَّى رَمَى النَّاسُ كُلُّهُمْ تِلْكَ الْخَوَاتِيمَ الْمَنْقُوشَةَ عَلَى اسْمِهِ ; لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ النَّقْشِ بِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ، فَلَمَّا عُدِمَتْ خَوَاتِيمُهُمْ بِرَمْيِهَا رَجَعَ إِلَى خَاتَمِهِ الْخَاصِّ بِهِ، فَصَارَ يَخْتِمُ بِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَعَلَّلَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ بَعْضُ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ، مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ مِنْ مُنَافِقٍ وَنَحْوِهِ، اتَّخَذُوا فَنَقَشُوا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، وَيَكُونُ نَشَأَ لَهُ غَضَبٌ مِمَّنْ تَشَبَّهَ لَهُ فِي ذَلِكَ النَّقْشِ انْتَهَى، وَأَقُولُ الْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ تَحْرِيمِهِ خَاتَمَ الذَّهَبِ لَبِسَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ عَلَى قَصْدِ الزِّينَةِ، فَتَبِعَهُ النَّاسُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ، فَرَأَى أَنَّ فِي لُبْسِهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَرَمَاهُ فَرَمَاهُ النَّاسُ، فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ لَبِسَهُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ:«إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا - أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ - فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ» أَيِ اسْمَنَا بَلْ يَنْقُشُ اسْمَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ الْحُكَّامِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بِضَمِّ نُونٍ وَفَتْحِ مِيمٍ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ لَابِسَهُ أَوْ فِي تَصَرُّفِهِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِلْخَتْمِ (ثُمَّ كَانَ) أَيْ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما أَيْ بِالْخَتْمِ بِهِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَيْ فِي إِصْبَعِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ

الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ إِلَى آخِرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ، وَكَانَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْخَاتَمِ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ، أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَهُوَ ذُو الْيَدِ أَيْ عِنْدَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَأْبَى عَنْهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (حَتَّى وَقَعَ)

ص: 145

أَيْ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبِئْرُ بِالْهَمْزَةِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ عِنْدَ الْمَدِينَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ بُسْتَانٌ مَعْرُوفٌ يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ، وَفِي بِئْرِهَا سَقَطَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ يَدِ عُثْمَانَ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِطْلَاقَ بِئْرِ أَرِيسَ عَلَى الْبُسْتَانِ بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ: وَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقَعَ (فِي بِئْرِ أَرِيسَ) انْتَهَى. مَعَ أَنَّ لَهُ وَجْهًا آخَرَ مِنْ صَنِيعِ الْبَدِيعِيِّ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ ثُمَّ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ، وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ يَدِ مُعَيْقِيبٍ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَلَا تَنَافِيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ اسْتَقْبَلَهُ بِأَخْذِهِ، فَسَقَطَ فَنُسِبَ سُقُوطُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ لِيَخْتِمَ بِهِ شَيْئًا فَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، وَأَمَّا مَا أَجَابَهُ الْعِصَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَلَا يَلْتَئِمُ بِهِ النِّظَامُ، ثُمَّ فِي النَّسَائِيُّ مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْوَاقِعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ نِسْبَةِ الْعَبَثِ بِهِ، حَيْثُ كَانَ سَبَبُ الْعَبَثِ بِهِ التَّفَكُّرَ الْبَاعِثَ عَلَى التَّحَيُّرِ فِي الْأَمْرِ، وَالِاضْطِرَابِ فِي الْفِعْلِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الشِّيعَةِ عَلَيْهِ رضي الله عنه، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْعَبَثِ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ وَإِدْخَالَهُ، وَلَعَلَّهُ كَانَ إِشَارَةً إِلَى تَغَيُّرِ حَالِهِ وَاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي إِبْقَاءِ نَصْبِهِ، وَإِفْشَاءِ عَزْلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَبَثًا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ نَشَأَ عَنْ فِكْرٍ وَفِكْرَةُ مِثْلِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَيْرَةِ، (نَقْشُهُ) أَيْ نَقْشُ ذَلِكَ الْخَاتَمِ أَوْ نَقْشُ فَصِّهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالْجُمْلَةُ بِتَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ لِلرَّبْطِ قَالَ الْعِصَامُ: فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ خَاتَمٍ مَنْقُوشٍ بِاسْمٍ آخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا الْتِبَاسَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَامَةَ التَّوْثِيقِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الِالْتِبَاسَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ التَّارِيخِ، قَالَ: وَاسْتِعْمَالُ ثُمَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الِانْتِقَالُ بِلَا مُهْلَةٍ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْفِعْلِ الثَّانِي مُتَرَاخٍ عَنْ آخِرِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْفَاءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَرَاخِي أَوَّلِهِ عَنْ آخِرِ الْأَوَّلِ، فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْكَ، فَإِنَّهُ دَاءُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوَاءِ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْفَرَّاءِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُهْلَةِ فِي ثُمَّ أَوِ الْمُرَادُ

بِهِ التَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَلُبْسُ مَلَابِسِهِمْ وَالتَّيَمُّنُ بِهَا، وَجَوَازُ لُبْسِ الْخَاتَمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُوَرِّثْ إِذْ لَوْ وَرَّثَ لَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِلَى وَرَثَتِهِ، بَلْ كَانَ الْخَاتَمُ وَالْقَدَحُ وَالسِّلَاحُ وَنَحْوِهَا مِنْ آثَارِهِ الصُّورِيَّةِ صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ، يَصْرِفُهَا مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ حَيْثُ رَأَى الْمَصَالِحَ، فَجَعَلَ الْقَدَحَ عِنْدَ أَنَسٍ إِكْرَامًا لَهُ بِخِدْمَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَجَعَلَ بَاقِيَ الْأَثَاثِ عِنْدَ نَاسٍ مَعْرُوفِينَ، وَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ عِنْدَهُ لِلْحَاجَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ اتُّخِذَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فَانْتَقَلَ لِلْإِمَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِيمَا صُنِعَ لَهُ.

قُلْتُ: الْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ (قَالَ مِيرَكُ: تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِجْمَالًا حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا أَنَّ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِ مَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ؟ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ نَنْزَحُ الْبِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتِّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ الْبَاقِيَةِ، كُنَّا مَعَهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، وَكَانَ عُثْمَانُ يُكْثِرُ إِخْرَاجَ خَاتَمِهِ مِنْ يَدِهِ وَإِدْخَالَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى شَفَتِهَا يَعْبَثُ بِهِ سَقَطَ الْخَاتَمُ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ: نِسْبَةُ السُّقُوطِ إِلَى أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ، وَإِلَى الْآخَرِ مَجَازِيَّةٌ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ إِلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ طَلَبَ الْخَاتَمَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فَخَتَمَ بِهِ شَيْئًا، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَتَفَكَّرُ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ، أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَسَقَطَ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ، قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ عَمَلِهِ، فَلَمَّا كَثُرَتْ عَلَيْهِ

ص: 146

أَعْمَالُهُ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ فَخَرَجَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى قَلِيبٍ لِعُثْمَانَ فَسَقَطَ، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ. انْتَهَى.

أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ عُثْمَانَ لَمَّا أَرَادَ أَخْذَهُ مِنْ مُعَيْقِيبٍ أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ سَقَطَ مِنْ بَيْنِهِمَا، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي إِعْطَاءِ شَخْصٍ شَيْئًا إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَيَسْقُطُ مِنْ بَيْنِهِمَا أَحْيَانًا اعْتِمَادًا لِلْمُعْطِي أَنْ أَخَذَهُ الْآخِذُ، وَظَنًّا مِنَ الْآخِذِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَاقِيًا بَعْدُ، فَلَمْ يَدْرِ الرَّاوِي تَحْقِيقًا أَنَّهُ مِنْ يَدِ أَيِّهِمَا سَقَطَ، فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى عُثْمَانَ، وَتَارَةً إِلَى مُعَيْقِيبٍ، بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، هَذَا غَايَةُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّرْجِيحِ، فَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ رِوَايَةُ مَنْ نَسَبَ السُّقُوطَ إِلَى عُثْمَانَ ; لِأَنَّهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى تَحْقِيقِ حِكَايَةِ الْوَاقِعَةِ أَيْضًا، وَرِوَايَةُ نِسْبَةِ السُّقُوطِ إِلَى مُعَيْقِيبٍ هِيَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

أَقُولُ: وَمِنْ حَيْثُ الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ يُرَجِّحُ رِوَايَةُ النِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَانَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْقَرِيبُ فِي السُّقُوطِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ لَهُ

التَّصَرُّفُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَاتَّخَذَ عُثْمَانُ خَاتَمًا، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَانَ يَتَخَتَّمُ بِهِ أَوْ يَخْتِمُ بِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ مُرْسَلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَلَكِنْ شَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَا الْخَاتَمِ وَبَيْنَ الْخَاتَمِ الَّذِي فِي يَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُدَّةً مَدِيدَةً وَبُرْهَةً عَدِيدَةً، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاتِّخَاذَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَاتَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ فِي خَاتَمِهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ مِنَ الْأَسْرَارِ، كَمَا كَانَ فِي خَاتَمِ سُلَيْمَانَ عليه السلام ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَهُ ذَهَبَ مُلْكُهُ، وَعُثْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْخَارِجُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَبْدَأَ الْفِتْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِهِ، وَاتَّصَلَتْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ يَسِيرَ الْمَالِ يَجِبُ الْبَحْثُ فِي طَلَبِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي تَفْتِيشِهِ، يَعْنِي دَفْعًا لِإِضَاعَةِ الْمَالِ، قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لَمَّا ضَاعَ عِقْدُ عَائِشَةَ وَحَبَسَ الْجَيْشَ حَتَّى وَجَدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَأَمَّا عِقْدُ عَائِشَةَ فَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ بِالْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ، وَهِيَ الرُّخْصَةُ فِي التَّيَمُّمِ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قُلْتُ: هَذَا غَرِيبٌ مِنَ الشَّيْخِ، فَإِنَّ اسْتِدْلَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، حَيْثُ وَقَعَ الْبَحْثُ، وَأَمَّا ظُهُورُ الْأَثَرِ فَأَمْرُ مُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ، نَعَمْ، قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعِقْدَ لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ، لَا سِيَّمَا وَيَتَعَلَّقُ بِقَلْبِ النِّسَاءِ فِي الْحَالِ، وَالْمَآلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهَا، فَيَتَعَيَّنُ الْبَحْثُ وَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الضَّيَاعِ الَّذِي لَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَبَيْنَ الْإِضَاعَةِ الْمَنْهِيَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ ضَاعَ شَيْءٌ مِنْ شَخْصٍ وَتَرَكَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَرَجٌ، بَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ إِنْ جَعَلَهُ صَدَقَةً لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُ عُثْمَانَ فَلَا يَنْهَضُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَصْلًا، لِمَا ذُكِرَ وَلِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ فِي التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ أَثَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي الْعَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ الْمَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَاكْتَفَى فِي طَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ الْمُؤْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الْخَاتَمِ، لَكِنِ اقْتَضَتْ عَظَمَةُ قَدْرِهِ ذَلِكَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ الْمَالِ انْتَهَى. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعَ هَذَا أَنَّ الْخَاتَمَ الْمُخْتَصَّ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ; لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ضَيَاعِهِ مِنْ مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ خُصُوصًا وَقْتَ الْفِتْنَةِ، وَانْظُرْ إِلَى قَضِيَّةِ مَرْوَانَ وَخَتْمِ حُكْمِ عُثْمَانَ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْخَاتَمِ عِنْدَهُ، وَفِي تَصَرُّفِهِ فَكَيْفَ إِذَا ضَاعَ وَوَقَعَ فِي يَدِ أَهْلِ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ مَالٍ كَثِيرٍ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَنَّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُضَيِّعًا، فَفِيهِ مَا سَبَقَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٌ ; وَلِذَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْتَهَدُ فِي الطَّلَبِ عَلَيْهِ كَتَمْرَةٍ وَحَبَّةِ عِنَبِ وَفَلْسٍ وَفَلْسَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ يَوْمًا وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يُطْلَبُ إِلَى جُمُعَةٍ، وَإِلَى شَهْرٍ وَإِلَى سَنَةٍ، وَإِلَى آخِرِ الْعُمْرِ كُلِّهِ فَلَا يَصِحُّ تَعْيِينُ حَدٍّ لَا فِي طَلَبِ الْمَالِ الْيَسِيرِ، وَلَا فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ.

وَالتَّنْبِيهُ الثَّانِي: رَوَى أَحْمَدُ

وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِهِ لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ، وَكَرِهَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّامِ الْمُتَقَدِّمِينَ لُبْسَهُ لِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَرَوَوْا فِيهِ آثَارًا وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَلْقَى خَاتَمَهُ أَلْقَى النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْخَاتَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ص: 147