المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ١

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كُحْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخَتُّمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَتِهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي اتِّكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِدَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ فَاكِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ شَرَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌(باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم

الِاحْتِبَاءُ الَّذِي هُوَ جِلْسَةُ الْأَنْبِيَاءِ، (مِنَ الْجُوعِ) أَيْ لِأَجْلِهِ يَعْنِي أَنَّ إِقْعَاءَهُ كَانَ لِأَجْلِ جُوعِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَأْكُلُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِقْعَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُلْصِقَ الرَّجُلُ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَتَسَانِدَ ظَهْرَهُ، قَالَ: وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْإِقْعَاءُ الْمَنْهِيُّ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي النِّهَايَةِ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْكُلُ مُقْعِيًا، أَيْ كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ الْأَكْلِ عَلَى وَرِكَيْهِ مُسْتَوْفِزًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَتَبِعَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ جَالِسًا عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَالِاسْتِيفَازُ الِاسْتِعْجَالُ مِنَ اسْتَفَزَّهُ، إِذَا حَرَّكَهُ وَأَزْعَجَهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ.

وَأَمَّا قَوْلُ مِيرَكَ: افْتِعَالٌ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ الِاسْتِعْجَالِ.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَكَرِهَ الْإِقْعَاءَ: الْأَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ أَنَّهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ هَكَذَا يُقْعِي، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ، وَهُوَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَثَالِثٍ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَطٌ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْإِقْعَاءَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا، وَفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا قَالَ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، فَالْإِقْعَاءُ ضَرْبَانِ مَكْرُوهٌ، وَغَيْرُ مَكْرُوهٍ انْتَهَى. وَمَحَلُّهُ بَابُ الصَّلَاةِ.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ جَالِسٌ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبٌ سَاقَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِقْعَاءُ الْمَكْرُوهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ هُنَا ; لِأَنَّ ثَمَّةَ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْكِلَابِ، وَهُنَا تَشَبُّهٌ بِالْأَرِقَّاءِ فَفِيهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ هَيْئَتَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم، غَيْرُ مُتَكَلِّفٍ وَلَا مُعْتَنٍ بِشَأْنِ الْأَكْلِ، وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْإِقْعَاءُ لَهُ مَعَانٍ فَيُحْمَلُ إِقْعَاؤُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ جُلُوسِهِ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الِاحْتِبَاءُ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَقْعَى فِي جُلُوسِهِ، أَيْ تَسَانَدَ إِلَى مَا وَرَائَهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيُّ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ بِالْجَمْعِ، بَيْنَ هَيْئَةِ الِاحْتِبَاءِ، وَالتَّسَانُدِ إِلَى الْوَرَاءِ، فَمَعْنَى مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ مُحْتَبِيًا، مُسْتَنِدًا لِمَا وَرَائَهُ مِنَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ بِسَبَبِ الْجُوعِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ، تَحَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِنَادَ لَيْسَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْأَكْلِ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا لِذَلِكَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ، الْحَامِلِ عَلَيْهِ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَعَمَ أَنَّ فِي التَّرْجَمَةِ حَذْفًا، أَيْ خُبْزِ آلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ - بَاطِلٌ عَلَى أَنَّا وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْهُ صلى الله عليه وسلم دَاخِلًا فِيهِمْ، فَالتَّرْجَمَةُ لَا حَذْفَ فِيهَا ; لِأَنَّ مَا يَأْكُلُهُ عِيَالُهُ يُسَمَّى خُبْزَهُ، وَيَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) أَيِ ابْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (يُحَدِّثُ عَنِ الِأَسْوَدِ) هُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ (بْنِ يَزِيدَ) أَيِ ابْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ أَبُو عُمَرَ أَوْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ، مُكْثِرٌ فَقِيهٌ مِنَ الثَّانِيَةِ، عَلَى مَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) أَيْ أَهْلُ بَيْتِهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي عِيَالَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي مُؤْنَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَفْظَ الْآلِ مُقْحَمٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ; لِإِسْنَادِهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَبَيْنَ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ) وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا التَّقْيِيدُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، لَكِنْ فِيهَا:«مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ» ، فَلَا تَنَافِيَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيهَا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّيَالِي

ص: 192

هُنَاكَ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا، وَنَظِيرُهُ فِي التَّنْزِيلِ: ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، (مُتَتَابِعِينَ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَشْبَعُ يَوْمَيْنِ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَوَالِيَيْنِ (حَتَّى قُبِضَ) أَيْ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَمَاتَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَيَّامِ الْأَسْفَارِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ تَشَرَّفَتْ بِمُلَازَمَتِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ عَنْهَا بِلَفْظِ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.

قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهَا: الْمَدِينَةَ، يُخْرِجُ مَا كَانُوا فِيهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.

وَقَوْلُهَا: مِنْ طَعَامِ بُرٍّ، يُخْرِجُ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ.

وَقَوْلُهَا: تِبَاعًا، يُخْرِجُ التَّفَارِيقَ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ:«مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا وَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ» .

قَالَ الشَّيْخُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّمْرَ كَانَ أَيْسَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ رُبَّمَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْيَوْمِ إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ وَجَدُوا أَكْلَتَيْنِ، فَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ، إِلَّا وَإِحْدَاهُمَا تَمْرٌ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ:«خَرَجَ - تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَمْلَأْ بَطْنَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ، كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنَ التَّمْرِ، لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الشَّعِيرِ، وَإِذَا شَبِعَ مِنَ الشَّعِيرِ، لَمْ يَشْبَعْ مِنَ التَّمْرِ» .

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ يُنَافِيهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً.

وَيُجَابُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوَاخِرَ حَيَاتِهِ، لَكِنْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ حَوَائِجُ الْمُحْتَاجِينَ، فَيُخْرِجُهُ فِيهَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِ، أَنَّهُ ادَّخَرَ قُوتَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَشْبَعُوا كَمَا ذُكِرَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا ادَّخَرَ لَهُمْ، انْتَهَى.

وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ

مِنْهُ أَنَّ تَضْيِيقَ الْحَالِ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعُمُّ الْأَحْوَالَ، فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الشِّبَعِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ فَمَا كَانُوا يَشْبَعُونَ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَشْبَعُونَ مِنَ الْقِلَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَادَتُهُمْ عَدَمَ الشِّبَعِ، نَعَمْ. مَا كَانُوا يَجِدُونَ مِنْ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشِّبَعِ غَالِبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي زِقٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ كَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أَبِي بَكْرَةَ (حَدَّثَنَا حَرِيزُ) بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَكَسْرِ رَاءٍ، وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَزَايٍ (بْنُ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ (يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَزِيدُ (عَنْ) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى (أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خُبْزُ الشَّعِيرِ) كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ شِبَعِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمَعْنَى لَمْ يَكْثُرْ مَا يَجِدُونَهُ، وَلَا يَخْبِزُونَهُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَفْضُلَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ كَانُوا مَا يَجِدُونَهُ لَا يُشْبِعُهُمْ فِي الْأَكْثَرِ.

قَالَ مِيرَكُ: أَيْ كَانَ لَا يَبْقَى فِي سُفْرَتِهِمْ فَاضِلًا عَنْ مَأْكُولِهِمْ.

وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَفَعَ عَنْ مَائِدَتِهِ كِسْرَةَ خُبْزٍ فَضْلًا حَتَّى قُبِضَ.

قَالَ: وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ، أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَشْبَعُونَ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

قُلْتُ: لَمَّا كَانَ مُحْتَمَلًا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحَالُ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ،

ص: 193

فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ الْأَجْمَلُ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ مِيمٍ، (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا أَيْ يَسْتَمِرُّ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي عَلَى نَعْتِ التَّوَالِي (طَاوِيًا) أَيْ خَالِيَ الْبَطْنِ جَائِعًا، قَالَ مِيرَكُ: الطَّوَى الْجُوعُ، طَوِيَ بِالْكَسْرِ يَطْوِي، طَوَى إِذَا جَاعَ فَهُوَ طَاوٍ وَطَيَّانٌ أَيْ: جَائِعٌ، وَطَوَى بِالْفَتْحِ يَطْوِي طَيًّا إِذَا جَوَّعَ نَفْسَهُ قَصْدًا، يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْوِي لَيَالِيَ وَأَيَّامًا (هُوَ وَأَهْلُهُ) أَيْ عِيَالُهُ، وَيُكْنَى عَنِ الزَّوْجَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَارَ بِأَهْلِهِ وَتَأَهَّلَ: تَزَوَّجَ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ: سُكَّانُهُ، كَمَا فِي الْمُغْرِبِ (لَا يَجِدُونَ) أَيْ لَا يَجِدُ الرَّسُولُ وَأَهْلُهُ (عَشَاءً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ عِنْدَ

الْعِشَاءِ بِالْكَسْرِ، وَالْمَعْنَى لَا يَجِدُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي اللَّيْلِ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ (وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ) .

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (قِيلَ لَهُ) أَيْ لِسَهْلٍ (أَكَلَ) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ انْتَهَى.

وَفِي نُسْخَةٍ أَكَلَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَكَسْرِ قَافٍ، وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ: الدَّرْمَكَةُ، وَهُوَ الْخُبْزُ النَّقِيُّ عَنِ النُّخَالَةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: مَيْدَهْ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ سُهِّلَ بِالنَّقْيِ (الْحُوَّارَى) تَفْسِيرٌ لِلنَّقِيِّ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي فِي الْخُبْزِ، وَالْحُوَّارَى بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَزَعْمُ تَشْدِيدِ الْيَاءِ خَطَأٌ، الَّذِي نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، مِنَ التَّحْوِيرِ وَهُوَ التَّبْيِيضُ (فَقَالَ سَهْلٌ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ) أَيْ مَا رَآهُ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عز وجل كِنَايَةً عَنْ مَوْتِهِ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ رُوحِهِ تَأَهَّلَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَرُؤْيَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْغَايَةِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ

ص: 194

مِنْ نَفْيِ رُؤْيَتِهِ عَدَمُ وُجُودِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِسَهْلٍ (هَلْ كَانَتْ لَكُمْ) لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ قُطَّانُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (مَنَاخِلُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، جَمْعُ مُنْخُلٍ بِضَمَّتَيْنِ آلَةُ النَّخْلِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَفَتْحُ الْخَاءِ لُغَةٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ

فِي زَمَانِهِ (قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ) فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْجَمْعِ نَفْيُ الْمُفْرَدِ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ فِي عَهْدِهِ ; لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَلِيُوَافِقَ مَا فِي الْوَاقِعِ، إِذْ بَعْدَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَنَاخِلُ، مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى حَالِهِ ; وَلِذَا قِيلَ: الْمُنْخُلُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ، إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ (فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ) أَيْ بِدَقِيقِهِ مَعَ كَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ النُّخَالَةِ (قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ نُطَيِّرُهُ إِلَى الْهَوَاءِ بِالْيَدِ، أَوْ بِغَيْرِهَا (فَيَطِيرُ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الشَّعِيرِ مَا طَارَ، مِمَّا فِيهِ خِفَّةٌ كَالتِّبْنِ، وَيَبْقَى مَا فِيهِ رَزَانَةٌ كَالدَّقِيقِ (ثُمَّ نَعْجِنُهُ) بِفَتْحِ النُّونِ فَكَسْرِ الْجِيمِ.

وَفِي هَذَا بَيَانُ تَرْكِهِ صلى الله عليه وسلم التَّكَلُّفَ وَالِاهْتِمَامَ بِشَأْنِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَنِي بِهِ إِلَّا أَهْلُ الْحَمَاقَةِ وَالْغَفْلَةِ وَالْبِطَالَةِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلٍ نَحْوَ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنْ سَهْلٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ.

قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَظُنُّ أَنَّ سَهْلًا احْتَرَزَ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَوَجَّهَ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ مَرَّتَيْنِ إِلَى جَانِبِ الشَّامِ، تَاجِرًا وَوَصَلَ إِلَى بُصْرَى وَحَضَرَ فِي ضِيَافَةِ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّومِ، وَالْخُبْزُ النَّقِيُّ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ النُّبُوَّةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ أَنَّ سَبِيلَ الْعَيْشِ صَارَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، اضْطِرَارًا وَاخْتِيَارًا.

وَلَوْ قِيلَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَوَجَّهَ فِي أَوَاخِرِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ إِلَى غَزْوِ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَوَصَلَ إِلَى تَبُوكَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ الشَّامِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأَى النَّقِيَّ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ أَيْضًا.

أُجِيبَ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْتَحْ تِلْكَ الْكُورَةَ، وَلَا طَالَتْ إِقَامَتُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَرْبَابُ السِّيَرِ أَنَّ قَافِلَةَ الشَّامِ جَاءَتْ إِلَى تَبُوكَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ صلى الله عليه وسلم نَازِلًا فِيهَا.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ نَفْيَ سَهْلٍ رُؤْيَتَهُ صلى الله عليه وسلم بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمَلِهِ، لَا إِلَى مَا فِي الْوَاقِعِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَارِدٌ أَصْلًا، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ:«قُوتُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ، وَحَكَى الْبَزَّارُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَصَاحِبِ النِّهَايَةِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ تَصْغِيرُ الْأَرْغِفَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ:«صَغِّرُوا الْخُبْزَ وَأَكْثِرُوا عَدَدَهُ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» .

فَإِنَّهُ وَاهٍ وَمِنْ ثَمَّةَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَمِنْ خَبَرِ:«الْبَرَكَةُ فِي صِغَرِ الْقُرْصِ» فَإِنَّهُ كَذِبٌ.

كَمَا نُقِلَ عَنِ النَّسَائِيِّ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي) قَالَ مِيرَكُ: هُوَ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عُبَيْدٌ الْبَصْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْإِسْكَافِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي (عَنْ قَتَادَةَ) اعْلَمُ أَنَّ رِوَايَةَ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ مِنْ قَبِيلِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِشَامٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ عَنْ قَتَادَةَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا

الْحَدِيثَ مِنْهُ، وَسَمِعَهُ

ص: 195

مِنْ يُونُسَ عَنْهُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَا أَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانٍ) الْمَشْهُورُ فِيهِ كَسْرُ الْمُعْجَمَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَهُوَ الْمَائِدَةُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا طَعَامٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ إِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَعَلَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْإِخْوَانِ وَالْأَصْحَابِ عِنْدَهَا، وَحَوْلَهَا وَقِيلَ: سُمِّيَ خِوَانًا ; لِأَنَّهُ يُتَخَوَّنُ مَا عَلَيْهِ أَيْ يُنْتَقَصُ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْخِوَانُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْخِوَانُ فِي الْمُتَعَارَفِ عَلَى مَا لَهُ أَرْجُلٌ، وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ وَاسْتِعْمَالُهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ، وَصَنِيعِ الْجَبَّارِينَ لِئَلَّا يَفْتَقِرُوا إِلَى خَفْضِ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَكْلِ، فَالْأَكْلُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ (وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الرَّاءُ، إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْكَلُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنَ الْإِدَامِ، وَهِيَ فَارِسِيَّةُ وَأَكْثَرُ مَا يُوضَعُ فِيهَا الْكَوَامِيخُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَشْتَهِي وَيَهْضِمُ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ فَتْحُ رَائِهِ ; لِأَنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ مَفْتُوحِهَا، قَالَ مِيرَكُ: جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الرَّاءَ فِي سُكُرُّجَةٍ مَضْمُومَةٌ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ مَكِّيٍّ أَنَّهُ صَوَّبَ فَتْحَ الرَّاءِ، وَالْعَرَبُ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الْكَوَامِيخِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْجُوَارِشَاتِ، وَالْمُخَلَّلَاتِ عَلَى الْمَوَائِدِ، حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ، قِيلَ: لَمْ يَأْكُلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ السُّكُرُّجَةِ ; لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا مُعْتَادُ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ، انْتَهَى.

وَالْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ وَعَادَةِ الْحَرِيصِينَ عَلَى الْأَكْلِ الْمُفْرِطِينَ (وَلَا خُبِزَ) مَاضٍ مَجْهُولٍ (لَهُ) أَيْ لِأَجْلِهِ صلى الله عليه وسلم (مُرَقَّقٌ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مُرَقَّقًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، فَالْجَارُّ هُوَ النَّائِبُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُلَيَّنٌ مُحَسَّنٌ، كَخُبْزِ الْحُوَّارَى وَشَبَهِهِ، وَقِيلَ: الْخُبْزُ الْمُرَقَّقُ هُوَ الرَّغِيفُ الْوَاسِعُ الرَّقِيقُ، وَيُقَالُ لَهُ الرُّقَاقُ، بِالضَّمِّ كَطَوِيلٍ وَطُوَالٍ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، هُوَ الْخَفِيفُ، وَقِيلَ: هُوَ السَّمِيدُ، وَمَا يُصْنَعُ مِنْهُ الْكَعْكُ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْقِيقَ الْخُبْزِ دَأْبُ أَرْبَابِ التَّكَلُّفِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ بَرِيئًا مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّنَعُّمِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُهُ إِذَا خُبِزَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ

أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ مُطْلَقًا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ، مَا أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَشَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَالسَّمِيطُ مَا أُزِيلَ شَعْرُهُ، بِمَاءٍ سُخْنٍ وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِصَغِيرِ السِّنِّ، كَالسَّخْلَةِ وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ، وَفِي مَعْنَاهَا الدَّجَاجَةُ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ أَكَلَ الدَّجَاجَةَ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ السَّمِيطَ فِي مَأْكُولِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْهُودٍ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَمَدُّحٌ، انْتَهَى.

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلتَّقْيِيدِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، وَفِيهِ الْمُرَقَّقُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَكَلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ (قَالَ) أَيْ يُونُسُ (فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ

ص: 196

فَعَلَى مَا) كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الشَّمَائِلِ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الْمِيمِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَعَلَى مَ بِمِيمٍ مُفْرَدَةٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَ الْأَلِفُ ; لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ قَدْ تُرَدُّ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْأَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِ حَسَّانَ:

عَلَى مَا قَالَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ الْجَارُّ بِمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَلْفِ نَحْوَ: حَتَّامَ، وَإِلَامَ وَعَلَامَ، كُتِبَ مَعَهَا بِالْأَلِفَاتِ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحُرُوفِ، هَذَا وَالْمَعْنَى فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ (كَانُوا يَأْكُلُونَ) إِنْ جُعِلَتِ الْوَاوُ لِلتَّعْظِيمِ، كَمَا فِي رَبِّ ارْجِعُونِ، أَوْ لَهُ صلى الله عليه وسلم، وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ فَظَاهِرٌ أَوْ لِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُمْ يَتَأَسَّوْنَ بِأَحْوَالِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَكَانَ السُّؤَالُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فِي مَالِهِ، كَالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ صلى الله عليه وسلم وَآلِهِ، (قَالَ) أَيْ قَتَادَةُ مَوْقُوفًا (عَلَى هَذِهِ السُّفَرِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ سُفْرَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ فِي الْأَصْلِ طَعَامٌ يَتَّخِذُهُ الْمُسَافِرُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ فِي جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ، فَنُقِلَ اسْمُهُ إِلَى ذَلِكَ الْجِلْدِ، وَسُمِّي كَمَا سُمِّيَتِ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ، وَاشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ، جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، مَا عَدَا الْمَائِدَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا شِعَارُ الْمُتَكَبِّرِينَ غَالِبًا (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: يُونُسُ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ قَتَادَةَ، هُوَ يُونُسُ الْإِسْكَافُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ صَانِعُ الْقَفْشِ وَفِي نُسْخَةٍ بِجَرِّ الْإِسْكَافِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ)

بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ مُجَالِدٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْكُوفِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ: أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ، وَلَا حَدَّثْتُ بِحَدِيثٍ إِلَّا حَفِظْتُهُ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ ثَنْتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، كَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، لِمُؤَلِّفِ الْمِشْكَاةِ (عَنْ مَسْرُوقٍ) يُقَالُ: أَنَّهُ سُرِقَ صَغِيرًا، ثُمَّ وُجِدَ، فَسُمِّيَ مَسْرُوقًا، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهم، شَهِدَ فِي حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَةٍ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ) أَيْ أَمَرَتْ خَادِمَهَا أَنْ يُقَدِّمَهُ إِلَيَّ، قَالَ مِيرَكُ: أَيْ أَضَافَتْنِي (وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ) أَيْ مِمَّا حَضَرَ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ (مَرَّتَيْنِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُدَّعَى (فَأَشَاءُ) أَيْ أُرِيدُ (أَنْ أَبْكِيَ) بِأَنْ لَا أَدْفَعَ الْبُكَاءَ عَنْ نَفْسِي (إِلَّا بَكَيْتُ) أَيْ تَحَزُّنًا لِتِلْكَ الشِّدَّةِ الَّتِي قَاسَتْهَا الْحَضْرَةُ النَّبَوِيَّةُ، أَوْ

ص: 197

تَأَسُّفًا عَلَى فَوْتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ الْعَلِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ.

قِيلَ: عَبَّرَتْ بِأَبْكِي لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ ; لِأَنَّ أَبْكِي مَعْمُولٌ لِأَشَاءُ الْمُسْتَقْبَلُ فَلَزِمَ كَوْنُهُ مُسْتَقْبَلًا، بِخِلَافِ بَكَيْتُ بَعْدَ إِلَّا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا وُجِدَ، وَقِيلَ: الْفَاءُ فِي «فَأَشَاءُ» لِلتَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ ; لِأَنِّي أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ فَالْعِلَّةُ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْمَعْلُولِ، لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا ; وَلِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ بِهِمَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ ; لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهَا أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهُ مَا يَحْصُلُ لِي مِنْ شِبَعٍ، وَلَا تَسَبَّبَ عَنْهُ مَشِيئَتِي لِلْبُكَاءِ إِلَّا يُوجَدُ مِنِّي فَوْرًا، مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَقِيلَ: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ لَازِمٌ لِلشِّبَعِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الْمَشِيئَةُ، وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ لَازِمَةً لِلشِّبَعِ، وَلِذَا قَالَتْ: فَأَشَاءُ وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى: «مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا بَكَيْتُ» (قَالَ) أَيْ: مَسْرُوقٌ (قُلْتُ: لِمَ) أَيْ لِمَ تَشَائِينَ أَنْ تَبْكِي، وَفِي التَّحْقِيقِ لِمَ تَتَسَبَّبُ عَنِ الشِّبَعِ تِلْكَ الْمَشِيئَةُ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا وُجُودُ الْبُكَاءِ فَوْرًا؟ (قَالَتْ: أَذْكُرُ) أَيْ أَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ لِأَنِّي أَذْكُرُ (الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدُّنْيَا) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْنَا، وَهِيَ أَصْلُ السَّيِّدِ، قَالَ مِيرَكْ شَاهْ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَيْ فَارَقَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَنْسَبُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْجِيهٍ وَتَكَلُّفٍ وَتَقْدِيرٍ، انْتَهَى.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَوِ التَّقْدِيرُ مُتَعَدِّيًا، وَمَا رَأَى عَلَيْنَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كُلَّمَا شَبِعْتُ بَكَيْتُ، لِتَذَكُّرِ الْحَالِ الَّتِي فَارَقَتْ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبَيَّنَتْ تِلْكَ الْحَالَةَ بِقَوْلِهَا:(وَاللَّهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ) تَنْوِينُهُمَا لِلتَّنْكِيرِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ، وَلَا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَإِذَا لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُمَا فَبِالْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْبَعَ مِنْ غَيْرِهِمَا، مِنَ الْأَعْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) أَيْ مِنْ أَيَّامِ

عُمْرِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ يَوْمٌ قَطُّ شَبِعَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ مِنْهُمَا، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ شَبِعَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَرَّةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قِيلَ: كَلِمَةُ لَا فِي: «وَلَا لَحْمٍ» ، تُفِيدُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مَا شَبِعَ مِنْ لَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا: الْمَقْصُودُ نَفْيُ شِبَعِهِ مِنْ خُبْزٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ مَا شَبِعَ مَنْ لَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لَا نَفْيُ شِبَعِهِ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا مَعًا مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ آكَدُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَنْسَبُ فِي مَزِيَّةِ الْمَرْتَبَةِ.

(حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ الِأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ) أَيْ فَضْلًا عَنْ خُبْزِ بُرٍّ (يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ) أَيْ تُوُفِّيَ وَفَاءً بِقَوْلِهِ: حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَالْغِنَى، وَاخْتَارَ الْفَقْرَ وَالْفَنَاءَ.

«أُرِيدُ أَنْ أَجُوعَ يَوْمًا فَأَصْبِرُ، وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَأَشْكُرُ» .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَمَالَ هُوَ الْحَالُ الْمُتَضَمِّنُ بَيْنَ صِفَتَيِ الْجَلَالِ، وَالْجَمَالِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِمَا الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَحْوَالِ.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الْكَاشِفِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخَ الشَّمَائِلِ، وَأَبُو مَعْمَرٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ بَعْدَ وَاوِ عَمْرٍو، وَقَالَا: بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ حَيْثُ قَرَأَ الْوَاوَ مُكَرَّرًا، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (قَالَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى

ص: 198