المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب ما جاء في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم - جمع الوسائل في شرح الشمائل - جـ ١

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي كُحْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخَتُّمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقَنُّعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَتِهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي اتِّكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِدَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الطَّعَامِ)

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ فَاكِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابٌ فِي صِفَةِ شَرَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌(باب ما جاء في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.

(حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَدَنِيُّ) وَفِي نُسْخَةِ الْمَدِينِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى الْوَضْعِ، لَكِنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَنْصَارِيِّ) مَجْهُولٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ (عَنْ رُبَيْحِ) مُصَغَّرُ رِبْحٍ بِرَاءٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ، (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) مَقْبُولٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ ضَمِّ الْمُعْجَمَةِ

(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْمَجْلِسِ (احْتَبَى بِيَدَيْهِ) زَادَ الْبَزَّارُ (وَنَصَبَ رُكْبَتَيْهِ) وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «جَلَسَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَضَمَّ رِجْلَيْهِ وَأَقَامَهَا، وَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ» ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: احْتَبَى الرَّجُلُ: إِذَا جَمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِعِمَامَتِهِ، وَقَدْ يَحْتَبِي بِيَدَيْهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: الِاحْتِبَاءُ الْجُلُوسُ بِالْحَبْوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِإِزَارٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ سَيْرٍ يَجْعَلُونَهُ بَدَلًا عَنِ الِاسْتِنَادِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْحِبْوَةُ، وَالِاحْتِبَاءُ بِالْيَدِ هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى سَاقَيْهِ فِي جِلْسَةِ الْقُرْفُصَاءِ، فَيَكُونُ يَدَاهُ بَدَلًا عَمَّا يَحْتَبِي بِهِ مِنَ الْإِزَارِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الِاحْتِبَاءُ جِلْسَةُ الْأَعْرَابِ، وَمِنْهُ الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ، أَيْ لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا احْتَبَوْا ; لِأَنَّ الثَّوْبَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُصَيِّرُهَا لَهُمْ كَالْجِدَارِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ رُبَّمَا تَسْتَجْلِبُ النَّوْمَ، فَيَفُوتُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا يُفْضِي إِلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ الْمُفْضِي إِلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ، هَذَا وَجَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءُ أَيْ نَقِيَّةٌ بَيْضَاءُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، انْتَهَى. فَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَتَارَةً تَرَبَّعَ، وَتَارَةً احْتَبَى، وَتَارَةً اسْتَلْقَى، وَتَارَةً ثَنَى رِجْلَيْهِ، تَوْسِعَةً لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ.

‌(بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

التُّكَأَةُ بِالْهَمْزَةِ بِوَزْنِ الْهُمَزَةِ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ وِسَادَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَصْلُهَا وُكَأَةٌ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً، كَمَا فِي تُرَاثٍ وَتُجَاهٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا مَا هُيِّئَ وَأُعِدَّ لِذَلِكَ فَخَرَجَ الْإِنْسَانُ إِذَا اتَّكَئَ عَلَيْهِ، فَلَا يُسَمَّى تُكَأَةً، وَمِنْ ثَمَّةَ تَرْجَمَ لَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِبَابَيْنِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وَقَدَّمَ هَذَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الِاتِّكَاءِ، وَأَمَّا الِاتِّكَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ فَعَارِضٌ وَقَلِيلٌ ; وَلِهَذَا أَيْضًا تَرْجَمَ هُنَا بِالتُّكَأَةِ دُونَ الِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا، وَفِيمَا يَأْتِي بِالِاتِّكَاءِ دُونَ الْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ اسْتِعْمَالَهَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتُّكَأَةِ هُنَا، وَبِالْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ ثَمَّةَ أَوْ فِي التَّعْبِيرِ بِالِاتِّكَاءِ لِلتُّكَأَةِ وَالْمُتَوَكَّأِ عَلَيْهِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ التُّكَأَةَ مَقْصُودَةٌ لَا الِاتِّكَاءُ بِطَرِيقِ الذَّاتِ، فَكَانَ النَّصُّ فِي التَّرْجَمَةِ أَوْلَى، وَالْمُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّ حَذْفَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالنَّصُّ عَلَى الِاتِّكَاءِ أَوْلَى، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، بِأَنَّ الْكُلَّ بَابٌ وَاحِدٌ، فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ بَابَيْنِ.

(حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ حَاتِمِ بْنِ وَاقِدٍ (الدُّورِيُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى مَحِلَّةٍ مِنْ بَغْدَادَ، أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا (الْبَغْدَادِيُّ) ثِقَةٌ حَافِظٌ كَانَ ابْنُ مَعِينٍ، إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ صَدِيقُنَا وَصَاحِبُنَا أَخْرَجَ حَدِيثَهُ

الْأَرْبَعَةُ (

ص: 180

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكِ) بِكَسْرِ السِّينِ (بْنِ حَرْبٍ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُمْ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ أَبْصَرْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ) بِكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ مِخَدَّةٍ كَائِنَةٍ (عَلَى يَسَارِهِ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا مَوْضُوعَةً عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، فَيَجُوزُ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْوِسَادَةِ يَمِينًا وَيَسَارًا، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ أَنَّهُ بَيَّنَ انْفِرَادَ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فِي جَامِعِهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: قَوْلُهُ: مُتَّكِئًا بَدَلٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ كَوْنِهِ حَالًا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ قِيلَ: الِاتِّكَاءُ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ قَاعِدًا عَلَى وَطَاءٍ، كَأَنَّ الْمُتَّكِئَ جَعَلَ الْوَضَّاءَ وِكَاءً سَدَّ بِهِ مَقْعَدَهُ، لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ، وَذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ إِلَى أَنَّ الْعَامَّةَ لَا تَفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْمَيْلَ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى يَسَارِهِ يَصْرِفُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ بِهِ الْعَامَّةُ.

(حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (الْجُرَيْرِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الْأُولَى، فَتَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ مَرَّ ذِكْرُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَكْرَةَ) الْبَصْرِيِّ التَّابِعِيِّ، وَهُوَ أَوَّلٌ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فِي بَصْرَةَ، رَوَى عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (عَنْ أَبِيهِ) أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، نَزَلَ الطَّائِفَ حِينَ نَادَى الْمُسْلِمُونَ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْحِصَارِ فَهُوَ حُرٌّ مِنَ الْبَكْرَةِ، فَسُمِّيَ بِهَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ، وَلَا نَافِيَةٌ (أُحَدِّثُكُمْ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ (بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) أَيْ بِجِنْسِ مَعْصِيَةٍ هِيَ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي الْكِبَارِ، فَلَا يَرُدُّ مَا قَالَ الْعِصَامُ أَنَّ تَعَدُّدَ الْكَبَائِرِ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَبِيرَةٌ أَكْبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهِ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا كَانَ الْمَعْنَى مُتَعَدِّدًا مِنَ الْكَبَائِرِ كُلٌّ مِنْهُ أَكْبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَا ذَلِكَ الْمُتَعَدِّدِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ مُتَعَدِّدٌ، وَهَذَا بِأَنْ يَقْصِدَ بِالْأَكْبَرِ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، لَا الزِّيَادَةَ الْمُطْلَقَةَ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ، قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ» فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، «أَلَا أُخْبِرُكُمْ» ، وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ:«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» ، وَمَعْنَى الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ:«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا أَعَادَهَا ثَلَاثًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ شَأْنٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا عَدَدُ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ حَالٌ، فَقَدْ أَبْعَدَ عَنِ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ

بِالْوَاسِطَةِ لِأُحَدِّثُكُمْ، وَالْكَبَائِرُ جَمْعُ كَبِيرَةٍ وَهِيَ مَا تَوَعَّدَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، بِحَدٍّ فِي الدُّنْيَا وَبِعَذَابٍ فِي الْعُقْبَى، كَذَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ضَعِيفٍ، الْكَبِيرَةُ

ص: 181

كُلُّ ذَنْبٍ أَدْخَلَ صَاحِبَهُ النَّارَ، أَيْ جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِهِ إِيَّاهَا ; وَلِهَذَا هِيَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْإِسْفِرَايِينِيِّ كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ صَغِيرَةٌ، نَظَرًا لِمَنْ عَصَى، وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ: حَدُّهَا مُبْهَمٌ عَلَيْنَا، كَمَا أَبْهَمَ عَلَيْنَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَسَاعَةَ الْجُمُعَةِ، وَوَقْتَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ لَيْلًا، وَالصَّلَاةَ الْوُسْطَى، وَحِكْمَتُهُ هُنَا: الِامْتِنَاعُ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْكَبِيرَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ، وَأَنَّ لِلْكَبِيرَةِ حَدًّا، فَقِيلَ: هِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ، وَقِيلَ: مَا وَرَدَ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَقَدْ عَدَّدَ الْفُقَهَاءُ مِنْهَا جُمَلًا مُسْتَكْثَرَةً، كَقَتْلِ نَفْسٍ، وَزِنًا، وَلِوَاطَةٍ، وَشُرْبِ خَمْرٍ، وَسَرِقَةٍ وَقَذْفٍ، وَشَهَادَةِ زُورٍ، وَكَتْمِ شَهَادَةٍ، وَيَمِينٍ غَمُوسٍ، وَغَصْبِ مَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، وَفِرَارٍ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا عُذْرِ، وَرِبًا وَأَخْذِ مَالِ يَتِيمٍ، وَرَشْوَةٍ وَعُقُوقِ أَصْلٍ، وَقَطْعِ رَحِمٍ وَكَذِبٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمْدًا، وَإِفْطَارٍ فِي رَمَضَانَ غُدُوًّا، وَبَخْسِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذِرَاعٍ، وَتَقْدِيمِ مَكْتُوبَةٍ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرِهَا عَنْهُ، وَتَرْكِ زَكَاةٍ، وَضَرْبِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عُدْوَانًا، وَسَبِّ صَحَابِيٍّ وَغَيْبَةِ عَالِمٍ أَوْ حَامِلِ قُرْآنٍ، وَسِعَايَةٍ عِنْدَ ظَالِمٍ، وَدِيَاثَةٍ وَقِيَادَةٍ وَتَرْكِ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ قَادِرٍ، وَتَعَلُّمِ سِحْرٍ أَوْ تَعْلِيمِهِ أَوْ عَمَلِهِ، وَنِسْيَانِ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَإِحْرَاقِ حَيَوَانٍ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَيَأْسٍ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمْنٍ مِنْ مَكْرِهِ، وَنُشُوزِ زَوْجَةٍ، وَإِبَاءِ حَلِيلَةٍ مِنْ حَلِيلِهَا عَدْوًا، وَنَمِيمَةٍ، وَحُكِيَ أَنَّ الْغَيْبَةَ كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ نَعَمْ تُبَاحُ لِأَسْبَابٍ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَحَصْرُ الصَّغَائِرِ مُتَعَذِّرٌ (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ) فَائِدَةُ النِّدَاءِ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ إِلَى عِظَمِ الْإِذْعَانِ لِرِسَالَتِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ بَيَانِ الشَّرِيعَةِ، وَاسْتِجْلَابِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ الْعَلِيَّةِ (قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) الْإِشْرَاكُ جَعْلُ أَحَدٍ شَرِيكًا لِآخَرَ، وَالْمُرَادُ هُنَا اتِّخَاذُ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ، كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، قَالَ مِيرَكُ:

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْكُفْرِ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، لَا سِيَّمَا فِي بَلَدِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ، وَالْإِشْرَاكُ ثَبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ عِصْيَانُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، وَجَمَعَهُمَا لِأَنَّ عُقُوقَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ عُقُوقَ الْآخَرِ غَالِبًا، وَيَجُرُّ إِلَيْهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ عُقُوقُ كُلٍّ مِنَ الْوَالِدَيْنِ، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ، ثُمَّ الْعُقُوقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُخَالَفَةُ مَنْ حَقُّهُ وَاجِبٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَقِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْمُرَادُ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، قَالَ تَعَالَى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا إِلَّا فِي شِرْكٍ وَمَعْصِيَةٍ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا فَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَا

ص: 182

كَافِرَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحَاتِ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَاسْتِحْبَابِهِمَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ تَقْدِيمُهُمَا عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْأَمْرَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ: ضَابِطُهُ أَنْ يَعْصِيَهُ فِي جَائِزٍ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِمَرْضِيٍّ، وَالَّذِي آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ أَئِمَّتِنَا أَنَّ ضَابِطَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ فِي الْعُرْفِ.

قُلْتُ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْعُقُوقَ مُخَالَفَةٌ تُوجِبُ الْغَضَبَ، وَأَمَّا مَا دُونَهُ فَمِنَ الصَّغَائِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، لَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ الرِّضَا وَالسُّخْطِ حَالًا مُتَوَسِّطًا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ.

قِيلَ: الْقَتْلُ وَالزِّنَا أَكْبَرُ مِنَ الْعُقُوقِ بَلْ قِيلَ لَا خِلَافَ أَنَّ أَكْبَرَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ قَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلِمَ حُذِفَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ أَحَادِيثٍ أُخَرَ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُرَاعِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَحْوَالَ الْحَاضِرِينَ، كَقَوْلِهِ مَرَّةً: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَأُخْرَى أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْجِهَادُ، وَأُخْرَى أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ إِثْمِ شَهَادَةِ الزُّورِ (وَكَانَ مُتَّكِئًا) أَيْ قَبْلَ الْجِلْسَةِ وَالْجُمْلَةِ، حَالٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ، وَعِظَمِ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلُ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنَ بِهِمَا أَكْثَرُ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعَ السَّلِيمَ، وَالْعَقْلَ الْقَوِيمَ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ وَالْبَوَاعِثُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَتِهِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى الشَّاهِدِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا، وَقِيلَ: خَصَّ شَهَادَةَ الزُّورِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَشْمَلُ الْكَافِرَ إِذْ هُوَ شَاهِدُ زُورٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِي الْمُسْتَحِلِّ وَهُوَ كَافِرٌ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزِّنَا وَالْقَتْلُ وَغَيْرُهُمَا، فَكَانَتْ أَبْلَغَ ضَرَرًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِجُلُوسِهِ وَتَكْرِيرِهِ ذَلِكَ فِيهَا،

دُونَ غَيْرِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُ إِدْخَالِ الْعُقُوقِ بَيْنَ الْإِشْرَاكِ، وَبَيْنَ قَوْلِ الزُّورِ الَّذِي مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ، هُوَ أَنَّ الْعُقُوقَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا قَدِ احْتُضِرَ، فَيُقَالُ لَهُ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ: أَلَيْسَ كَانَ يَقُولُهَا فِي حَيَاتِهِ، قَالُوا: بَلَى قَالَ، فَمَا مَنَعَهُ مِنْهَا عِنْدَ مَوْتِهِ، فَنَهَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَنَهَضْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَى الْغُلَامَ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَهَا، قَالَ: وَلِمَ، قَالَ: لِعُقُوقِ وَالِدَتِي، قَالَ: أَهِيَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ابْنُكِ هُوَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ أَنَّ نَارًا أُجِّجَتْ، فَقِيلَ لَكِ: إِنْ لَمْ تَشْفَعِي فِيهِ قَذَفْنَاهُ فِي هَذِهِ النَّارِ، فَقَالَتْ: إِذًا كُنْتُ أَشْفَعُ لَهُ، قَالَ: فَأَشْهِدِي اللَّهَ، وَأَشْهِدِينَا بِأَنَّكِ قَدْ رَضِيتِ عَنْهُ، فَقَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ عَنِ ابْنِي، قَالَ: يَا غُلَامُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ.

قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاتِّكَاءَ وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَدُلُّ عَلَى التُّكَأَةِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ أَنْسَبُ لِبَابِ الِاتِّكَاءِ مِنْ بَابِ التُّكَأَةِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَدَفَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الِاتِّكَاءَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتُّكَأَةِ، فَكَأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ، انْتَهَى.

وَفِيهِ مِنَ الْبَحْثِ مَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الِاتِّكَاءَ فِي الذِّكْرِ، وَإِفَادَةِ الْعِلْمِ بِمَحْضَرِ الْمُسْتَفِيدِينَ مِنْهُ لَا يُنَافِي الْأَدَبَ وَالْكَمَالَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْصَارِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، فَكَانَ سَائِلًا، قَالَ: مَا فَعَلَ بَعْدَ مَا جَلَسَ، فَقَالَ: قَالَ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ أَيْ، وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ

ص: 183

شَهَادَةُ الزُّورِ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَلَا يَرُدُّ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْعُقُوقِ، وَفِي النِّهَايَةِ الزُّورُ بِضَمِّ الزَّايِ: الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ وَالتُّهْمَةُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ لِمَنْ سَمِعَهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَقِيلَ لِلْكَذِبِ: زُورٌ ; لِأَنَّهُ مَائِلٌ عَنْ جِهَتِهِ (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) وَهُوَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلتَّنْوِيعِ.

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ لَا شَكَّ فِيهَا، وَهِيَ «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: أَلَا سَكَتَ» ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَيُجْعَلَ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ مِيرَكُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ أَعْظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةِ زُورٍ قَوْلُ زُورٍ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ الزُّورِ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: شَهَادَةُ الزُّورِ هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى الْبَاطِلِ مِنْ

إِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ، أَوْ تَحْلِيلِ حَرَامٍ، أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرُ فَسَادًا بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، (قَالَ) أَيْ أَبُو بَكْرَةَ (فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهَا) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الْجُمْلَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: شَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَالضَّمِيرُ فِي يَقُولُهَا هُنَا لِقَوْلِهِ: أَلَا وَمَا بَعْدَهَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ (حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ تَمَنِّينَا أَنَّهُ سَكَتَ إِشْفَاقًا عَلَيْهِ، وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ كَيْلَا يَتَأَلَّمَ صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُوجِبُ نُزُولَ الْعَذَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ، وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْوَاعِظَ وَالْمُفِيدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى التَّكْرَارَ وَالْمُبَالَغَةَ، وَإِتْعَابَ النَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ، حَتَّى يَرْحَمَهُ السَّامِعُونَ وَالْمُسْتَفِيدُونَ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بِالتَّصْغِيرِ (بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا) بِالتَّشْدِيدِ وَهِيَ لِتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَ، وَقَدْ تَرِدُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا هُنَا (إِنَّا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَصَّصَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ كَرَاهَتَهُ لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ عَلَى مَا زَعَمَهُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَالْأَصَحُّ كَرَاهَتُهُ لَهُمْ أَيْضًا، فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَضِيَّةَ كَمَالِهِ صلى الله عليه وسلم عَدَمُ الِاتِّكَاءِ فِي الْأَكْلِ، إِذْ مَقَامُهُ الشَّرِيفُ يَأْبَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَامْتَازَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ انْتَهَى.

وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِ تَعْرِيضُ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَعْجَامِ، بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْخُيَلَاءِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَنِي قَالَ تَعَالَى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى امْتِنَاعِهِ، إِنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ لَا الْجَلِيِّ (فَلَا آكُلُ) بِالْمَدِّ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ (مُتَّكِئًا)

ص: 184

بِالْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ، وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِكَاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الْكِيسُ وَنَحْوُهُ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ أَيْ لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى وَطَاءٍ تَحْتِي ; لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ الطَّعَامَ، وَإِنَّمَا أَكْلِي بُلْغَةٌ مِنْهُ، فَيَكُونُ قُعُودِي لَهُ مُسْتَوْفِرًا

وَلَيْسَ الْمُتَّكِئُ هُنَا الْمَائِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، كَمَا تَظُنُّهُ الْعَامَّةُ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُنَا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمَائِلِ، بَلْ يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ، فَيُكْرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ لَهُمْ نَهْمَةٌ وَشَرَهٌ، وَاسْتِكْثَارٌ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا مُضْطَجِعًا، إِلَّا فِيمَا يَنْتَقِلُ بِهِ، وَلَا يُكْرَهُ قَائِمًا لَكِنَّهُ قَاعِدًا أَفْضَلُ.

قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: الِاتِّكَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ الِاتِّكَاءُ عَلَى أَحَدِ الْجَنْبَيْنِ، الثَّانِي: وَضْعُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا، وَالثَّالِثُ: التَّرَبُّعُ عَلَى وَطَاءٍ وَالِاسْتِوَاءُ عَلَيْهِ، وَالرَّابِعُ: اسْتِنَادُ الظَّهْرِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ حَالَةَ الْأَكْلِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقْعُدَ عِنْدَ الْأَكْلِ مَائِلًا إِلَى الطَّعَامِ، وَكَانَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَاةٌ، فَجَثَى عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا فَعَلَ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:«أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَلَكٌ لَمْ يَأْتِهِ قَبْلَهَا، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا نَبِيًّا، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا، قَالَ: فَمَا آكُلُ مُتَّكِئًا» ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ:«مَا رُؤِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ» .

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:«مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئًا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ فَزِعَ، فَقَالَ: إِنِّي أُعِيذُ بِكَ رَسُولَكَ» ، وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَّةَ الَّتِي فِي أَثَرِ مُجَاهِدٍ، مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مُتَّكِئًا فَنَهَاهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَاهُ جِبْرِيلُ عَنِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا، بَعْدَ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ الْأَكْلِ مُتَّكِئًا، فَزَعَمَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ، وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَقَالَ: قَدْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَنَعِّمِينَ، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِالْمَرْءِ مَانِعٌ لَا يُمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الْأَكْلِ إِلَّا مُتَّكِئًا، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَرَاهَةٌ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَكَلُوا كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى الضَّرُورَةِ.

وَفِي الْحَمْلِ نَظَرٌ، إِذْ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، جَوَازَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ، قَالَ مَالِكٌ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ

كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَظُهُورِ قَدَمَيْهِ، أَوْ يَنْصِبُ الرِّجْلَ الْيُمْنَى، وَيَجْلِسُ عَلَى الْيُسْرَى، وَاسْتَثْنَى الْغَزَّالِيُّ مِنْ كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مُضْطَجِعًا، أَكْلَ

ص: 185