الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
الفصل الثاني في تفضيلها على البلاد
"
نقل عياض وقبله أبو الوليد الناجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة كما قاله أبن عساكر في تحفته وغيره بل نقل التاج السبكي عن أبن عقيل الحنبلي إنها أفضل من العرش
وصرح التاج الفاكهي بتفضيلها على السماوات قال بل الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء لحلوله صلى الله عليه وسلم بها وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها لكن قال النووي أن الجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة وأجمعوا بعد ذلك على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد واختلفوا فيها فذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين كما مال عياض إلى تفضيل المدينة وهو مذهب مالك وأحد الروايتين عن أحمد والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا وقال أبن عبد السلام معنى التفضيل بين مكة والمدينة أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى وكذا التفضيل في الأزمان وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه فيشكل قول عياض إنه
أفضل إجماعا وأجاب بعضهم بأن التفضيل في ذلك للمجاورة ولذا حرم على المحدث مس جلد المصحف لا لكثرة الثواب وإلا فلا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف أفضل من غيره لتعذر العمل فيه وقال التقى السبكي قد يكون التفضيل بكثرة الثواب وقد يكون لأمر آخرون لم يكن عمل فأن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عنه فكيف
لا يكون أفضل الأمكنة وأيضا فباعتبار حياته صلى الله عليه وسلم به وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد " قلت " والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمّة وهي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وسلم فهو منبع الخيرات والكعبة عند من منع الصلاة فيها لا يصح القول بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل جزما وأيضا فسيأتي أن المجيء المذكور في قوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) الآية حاصل بالمجيء إلى قبره الشريف وكذا زيارته صلى الله عليه وسلم
وسؤال الشفاعة منه والتوسل به إلى الله تعالى والمجاورة عنده من أفضل القربات وعنده تجاب الدعوات فكيف لا يكون أفضل وهو السبب في هذه الخيرات وأيضا فهو من أعلى رياض الجنة وفي الحديث لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها وفي حديث مستدرك الحاكم وقال صحيح وله شواهد صحيحة عن أبي سعيد قال مرّ النبي صلى الله عليه وسلم عند قبر فقال
قبر من هذا فقالوا فلان الحبشي يا رسول الله فقال لا اله إلا الله سبق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها ولابن الجوزي في الوفاء عن كعب الأحبار لما أراد الله عز وجل أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل فاتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبره صلى الله عليه وسلم فعجنت بماء التسنيم ثم غمست في أنهار الجنة وطيف بها في السماوات والأرض فعرفت الملائكة محمد وفضله قبل أن تعرف آدم عليه السلام وقال الحكيم الترمذيّ في حديث إذا قضى لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة إنما صار أجله هناك لأنه خلق من
تلك البقعة وقد قال تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم وإنما المرء من حيث بدئ منه وعن الجريري قال سمعت أبن سيرين يقول لو حلفت حلفت صادقا بارا غير شاك ولا مستثن إنّ الله تعالى ما خلق نبيه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بمر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردّهم إلى تلك الطينة وجاء أن عزرائيل عليه السلام لما قبض القبضة من الأرض وطئ إبليس الأرض بقدميه وصار بعضها بينهما فمن التربة التي لم يصل إليها قدمه الأنبياء
والأولياء وكانت درة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك البقعة موضع تطر الله كما في العوارف وعن أبن عباس رضى الله عنهما أصل طينته صلى الله عليه وسلم من سرّة الأرض بمكة يعني الكعبة وقيل لما خاطب الله السماوات والأرض بقوله (ائتيا طوعا أو كرها) الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها فالمجيب من الأرض درته صلى الله عليه وسلم ومن الكعبة دحيت الأرض ولم يكن مدفنه صلى الله عليه وسلم بها لأنه لما تموج الماء مرمى الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرته صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي تربته بالمدينة واستقرّت بها كما قاله بعض المحققين فاستحق هذا المحل الشرف باستقرار ذلك فيه كما أن السبب
في تفضيل الكعبة وجوده بها أوّلا ولابن الجوزي في الوفاء عن عائشة رضى الله عنها قالت لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم اختار وافى دفنه فقال عليّ رضى الله عنه إنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيه صلى الله عليه وسلم
قلت فهذا أصل الإجماع على تفضيله لرجوع الباقين إليه ولقول أبي بكر رضى الله عنه حينئذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه رواه أبو يعلى قلت وأحبها إليه أحبها إلى ربه لأنّ حبه تابع لحب ربه وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل وقد سلكت في تفضيل المدينة هذا المسلك فقد صح قوله صلى الله عليه وسلم اللهمّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو
أشدّ أي بل أشدّ كما روى به وأجيبت الدعوة حتى كان يحرّك دابته إذا رآها من حبها وقال ما على الأرض بقعة أحب إليّ من أن يكون قبري بها منها كما سيأتي مع أن الحاكم روى في مستدركه على الصحيحين حديث اللهمّ إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك أي في موضع تصيره كذلك فيجتمع فيه الحبان
والحب من الله تعالى إنالة الخير والتعظيم للمحبوب فيتجدد بعد أن لم يكن قيل قد ضعفه أبن عبد البر ولو سلمت صحته فالمراد أحب إليك بعد مكة لحديث إن مكة خير بلاد الله وفي رواية أحب بلاد الله
إلى الله ولزيادة المضاعفة بمسجد مكة قلت ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها الله كذلك وفيما قدّمنا غنية عن صحته وحديث إنّ مكة محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة وإظهار الدين وافتتاح البلاد منها حتى مكة فقد أنالها الله وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد فظهر إجابة الدعوة وصيرورتها أحب مطلقا بعد ولهذا افترض الله على حبيبه صلى الله عليه وسلم الإقامة بها وحث هو على الاقتداء به في سكناها والموت بها فكيف لا تكون أفضل وقوله في بعض طرق حديث إن مكة خير بلاد الله إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قاله وهو على راحلته بالحزورة وهو المعروف اليوم بعزورة وقد كان
صلى الله عليه وسلم في سفر الهجرة مستخفيا لا يقتضي تأخر هذا القول عن سفر الهجرة لأنّ خروجه صلى الله عليه وسلم للغار كان ليلا بعد أن ذر التراب على رؤوس من كان يرصده وقرأ أوائل يس يستتر بها فلم يروه وفي رواية لأبن حبان فركبا يعني هو وأبو بكر حتى أتيا الغار وهو غار ثور فتواريا
فيه وأما مزيد المضاعفة فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة إذ في الاتباع ما يربو عليها ومذهبنا شمول المضاعفة النقل مع تفضيله بالمنزل ولذا قال عمر رضى الله عنه بمزيد المضاعفة بمسجد مكة مع قوله بتفضيل المدينة ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة تفضيل مكة إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل مع أن دعاءه صلى الله عليه وسلم بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة كما سيأتي شامل للأمور الدينية أيضا وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير ولهذا استدل به على تفضيل المدينة وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط فالجواب أن الكلام فيما عداها فلا يرد شيء مما جاء في فضلها ولا ما بمكة من مواضع الشكر لتعلقه بها ولهذا قال عمر لعبد الله المخزومي أنت القائل لمكة خير من المدينة
فقال عبد الله هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال عمر لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً ثم كرّر عمر قوله الأوّل فأعاد جوابه فأعاد له عمر لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً فأشير على عبد الله فأنصرف وقد عوضت المدينة عن العمرة ما صح في إتيان مسجد قباء وعن الحج ما جاء مما سيأتي في فضل الزيارة والمسجد والإقامة بعد النبوّة بالمدينة وإن كانت أقل من مكة على القول به فقد كانت سببا لإعزاز الدين وإظهاره ونزول أكثر الفرائض وإكمال الدين حتى كثر تردّد جبريل عليه السلام بها ثم استقرّ بها صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ولهذا قيل لمالك أيما أحب إليك المقام هنا
يعني المدينة أو بمكة فقال ههنا وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام ينزل من عند رب العالمين في أقل من ساعة وقد ثبت بالأحاديث الآتية تفضيل الموت بالمدينة فيثبت تفضيل سكناها لأنه طريقه
وروى الطبراني وغيره حديث المدينة خير من مكة وفي رواية للجنيدي أفضل من مكة وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد ذكره أبن حيان في الثقات وقال كان يخطئ وقال أبو زرعة لين وقال أبن عدي روايته ليست محفوظة وقال أبن حاتم ليس بقوي ومن تأمّل ما سلف مع ما سيأتي في فضائلها وخصائصها استغنى عنه وأنشرح صدرا بتفضيلها وفي الصحيحين أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد أي أمرني الله بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة أو بسكناها إن كان قاله بالمدينة وقال القاضي عبد الوهاب لا معنى لقوله تأكل القرى الأرجح فضلها عليها وزيادتها على غيرها وقال أبن المنير يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما وهذا أبلغ من تسمية مكة أم القرى لأنّ الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أمّ لكن يكون لها حق الأمومة قلت وجعله احتمالا لأنه كنى بالأكل عن الغلبة لأنّ الآكل غالب على المأكول فيحتمل أن يكون المراد غلبتها في الفضل أو غلبة أهلها على القرى قلت والأقرب حمله عليها إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له ذلك وفي صحيح مسلم حديث يأتي على الناس زمان يدعو الرجل أبن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وفيه إشعار بذم الخروج منها مطلقا وهو عامّ أبدا كما نقله المحب الطبري عن قوم وقال إنه ظاهر اللفظ وفي حديث الصحيحين إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تنقبض وتنضم وتلجأ مع أنها أصل انتشاره فكل مؤمن من نفسه شائق إليها في جميع الأزمان لحبه في ساكنها صلى الله عليه وسلم وللجنيدي حديث يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة أي يرجع إليها أخيرا كما أبتدأ منها ولذا روى لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن وفي رواية ستأتي في الفصل التاسع ليعودنَ هذا الأمر إلى المدينة كما بدئ منها حتى لا يكون إيمان إلا بها ولأبى يعلى عن العباس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فالتفت إليها وقال إنّ الله برأ هذه الجزيرة من الشرك في رواية إنّ الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوموى الطبراني وغيره حديث المدينة خير من مكة وفي رواية للجنيدي أفضل من مكة وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد ذكره أبن حيان في الثقات وقال كان يخطئ وقال أبو زرعة لين وقال أبن عدي روايته ليست محفوظة وقال أبن حاتم ليس بقوي
ومن تأمّل ما سلف مع ما سيأتي في فضائلها وخصائصها استغنى عنه وأنشرح صدرا بتفضيلها وفي الصحيحين أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد أي أمرني الله بالهجرة إليها إن كان قاله بمكة أو بسكناها إن كان قاله بالمدينة وقال القاضي عبد الوهاب لا معنى لقوله تأكل القرى الأرجح فضلها عليها وزيادتها على غيرها وقال أبن المنير يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما
وهذا أبلغ من تسمية مكة أم القرى لأنّ الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أمّ لكن يكون لها حق الأمومة قلت وجعله احتمالا لأنه كنى بالأكل عن الغلبة لأنّ الآكل غالب على المأكول فيحتمل أن يكون المراد غلبتها في الفضل أو غلبة أهلها على القرى قلت والأقرب حمله عليها إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له ذلك وفي صحيح مسلم حديث يأتي على الناس زمان يدعو الرجل أبن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وفيه إشعار بذم الخروج منها مطلقا وهو عامّ أبدا كما نقله المحب الطبري عن قوم وقال إنه ظاهر اللفظ
وفي حديث الصحيحين إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تنقبض وتنضم وتلجأ مع أنها أصل انتشاره فكل مؤمن من نفسه شائق إليها في جميع الأزمان لحبه في ساكنها صلى الله عليه وسلم
وللجنيدي حديث يوشك الإيمان أن يأرز إلى المدينة أي يرجع إليها أخيرا كما أبتدأ منها ولذا روى لا تقوم الساعة حتى يحاز الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن وفي رواية ستأتي في الفصل التاسع ليعودنَ هذا الأمر إلى المدينة كما بدئ منها حتى لا يكون إيمان إلا بها
ولأبى يعلى عن العباس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فالتفت إليها وقال إنّ الله برأ هذه الجزيرة من الشرك في رواية إنّ الله قد طهر هذه القرية من الشرك إن لم تضلهم النجوم