الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تصور أصحاب الغريزة لنشأة اللغة:
كانت هذه الغريزة الكلامية متحدة عند بني البشر في بداية الأمر ومن ثم تشابهت التعبيرات لدى الجماعات الإنسانية الأولى وتيسر للإنسان التفاهم مع أخيه الإنسان، ثم بمرور الزمن تنوسيت هذه الغريزة.
واعترض على هذه النظرية بأن قياس الكلام على هذه الأصوات غير الإرادية قياس مع الفارق فالكلام إرادي أما تلك الأصوات فهي غير إرادية عندما يكون الإنسان عاجزًا عن الكلام.
أما أحدث الآراء1 في نشأة اللغة فهو ما ذهب إليه فريق من العلماء المحدثين على رأسهم "جسبرسن" حين أسسوا نظريتهم على أسس ثلاثة:
1-
دراسة مراحل نمو اللغة عند الطفل.
1 دلالة الألفاظ د. إبراهيم أنيس ص28 ط الثانية.
2-
دراسة اللغة في الأمم البدائية.
3-
دراسة تاريخية للتطور اللغوي.
ولقد عقد ابن جني بابًا في الخصائص هو: "باب في هذه اللغة أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق" تابع منها بفارط؟ يقول فيه:
قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام. وحكينا وجوزنا فيها الأمرين جميعًا. وكيف تصرفت الحال وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بد وأن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه، لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه، وتأليفه، وإعرابه المبين عن معانيه، لا يخالف الثاني الأول ولا الثالث الثاني كذلك متصلًا متتابعًا وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول: إنه يحكي كلام أبيه وسلفه، يتوارثونه آخر عن أول، وتابع عن متبع. وليس كذلك أهل الحضر، لأنهم يتظاهرون
بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة غير أن كلام أهل الحضر مضاه لكلام فصحاء العرب في حروفهم وتآليفهم إلا أنهم أخلوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح وهذا رأي أبي الحسن، وهو الصواب.
وذهب إلى أن اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أن أول ما وضع منها وضع على خلاف، وإن كان كله مسوقًا على صحة وقياس ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها، غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفًا، وإن كان كل واحد آخذًا من صحة القياس حظًّا. ويجوز أيضًا أن يكون الموضوع الأول ضربًا واحدًا ثم رأى من جاء من بعد أن خالف قياس الأول إلى قياس ثانٍ جارٍ في الصحة مجرى الأول.
ولا يبعد عندي ما قال من موضعين: أحدهما سعة القياس وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان.
والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأول بالقياس الذي عدل إليه الثاني فلا عليك أيهما تقدم، وأيهما تأخر، فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به.
فأما أي الأجناس الثلاثة تقدم -أعني الأسماء، والأفعال والحروف فليس مما نحن عليه في شيء، وإنما كلامنا هنا: هل وقع جميعها في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة، وشيئًا بعد شيء وصدرًا بعد صدر.
وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى ههنا فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء، والأفعال والحروف، فإنه من أماكنه وأوقاته.
اعلم أن أبا علي رحمه الله كان يذهب إلى أن هذه اللغة -أعني ما سبق منها ثم لحق به ما بعده- إنما وقع كل صدر منها في زمان واحد، وإن كان تقدم شيء منها على صاحبه فليس بواجب أن يكون المتقدم
على الفعل الاسم، ولا أن يكون المتقدم على الحرف الفعل وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل، والفعل قبل الحرف، وإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس، وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان. فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدموا الاسم قبل الفعل ويجوز أن يكونوا قدموا الفعل في الوضع قبل الاسم وكذلك الحرف، وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا معيار أمورهم، فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني، وأنها لا بد لها من الأسماء والأفعال والحروف، فلا عليهم بأيها بدوا، أبالاسم أم بالأفعل أم بالحرف؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهن جمع إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن. هذا مذهب أبي علي وبه كان يأخذ ويفتي
وهذا يضيق الطريق على أبي إسحاق1 وأبي بكر2 في اختلافهما في رتبة الحاضر والمستقبل وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غير لكثرة استعماله إنما تصورته العرب قبل وضعه، وعلمت أنه لا بد من كثرة استعمالها إياه فابتدءوا بتغييره، علمًا بأن لا بد من كثرته الداعية إلى تغييره وهذا في المعنى كقوله:
رأى الأمر يفضي إلى آخر
…
فصير آخره أولا
وقد كان أيضًا أجاز أن يكون قد كانت3 قديمًا معربة، فلما كثرت غيرت فيما بعد، والقول عندي هو الأول؛ لأنه أدل على حكمتها وأشهد لها بعلمها بمصاير أمرها، فتركوا بعض الكلام مبنيًّا غير معرب نحو أمس، وهؤلاء، وأين، وكيف، وكم، وإذ. واحتملوا ما لا يؤمن معه من اللبس؛ لأنهم إذا خافوا ذلك زادوا كلمة أو كلمتين، فكان ذلك أخف عليهم من تجشمهم اختلاف الإعراب، وإتقائهم الزيغ والزلل فيه ألا ترى أن من لا
1 هو أبو إسحاق الزجاج. الذي يرى أن المستقبل أول الأفعال.
2 هو أبو بكر بن السراج الذي يرى أن الحاضر أول الأفعال.
3 الضمير يرجع إلى المبنيات.
يعرب فيقول: ضرب أخوك لأبوك قد يصل باللام إلى معرفة الفاعل من لمفعول، ولا يتجشم خلاف الإعراب ليفاد منه المعنى، فإن تخلل1 الإعراب من ضرب إلى ضرب يجري مجرى مناقله الفرس، ولا يقوى على ذلك من الخيل إلا الناهض الرجيل2، دون الكودن3 الثقيل، قال جرير:
من كل مشترف وإن بعد المدى
…
ضرم الرقاق مناقل الأجرال4
ويشهد للمعنى الأول أنهم قالوا: أقتل، فضموا الأول توقعًا للضمة تأتي من بعد.
1 تخلل الإعراب: تتابعه.
2 الرحيل: القوي على المشي.
3 هو الهجين غير الأصيل.
4 المشترف: الفرس العالي، والضرم: المتوقد الملتهب والرقاق. الأرض اللينة لا رمل فيها. يريد أنه يتوقد نشاط وسرعة في الرقاق ويناقل في الأجرال: يسرع السير فيها فلا تقع قوائمه على الحجارة. والأجرال جمع جرل: وهو المكان الصلب الغليظ.
وكذلك قالوا: عظاءة، وصلاءة، وعباءة، فهمزوا مع الهاء توقعًا لما سيصيرون إليه من طرح الهاء، ووجوب الهمز عند العظاء والصلاء والعباء على ذلك قالوا: الشيء منتن فكسروا أوله لآخره، وهو منحدر سن الجبل، فضموال الدال لضمه الراء. وعليه قالوا: هو يجوءك وينبؤك فأثر المتوقع؛ لأنه كانه حاضر وعلى ذلك قالوا: امرأة شمباء1. وقالوا العمبر ونساء شمب، فأبدلوا النون ميمًا لما يتوقع من مجيء الباء بعدها. وعليه أيضًا أبدلوا الأول للآخر في الإدغام نحو مرأيت2؟ وإذ هفى3 ذلك واصحمطرا4. فهذا كله وما يجري مجراه، يشهد لأن كل ما يتوقع إذا ثبت في النفس كونه كان كأنه حاضر مشاهد، فعلى ذلك يكونون قدموا بناء نحوكم وكيف وحيث وقبل، وبعد، علما بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها، فيجب لذلك تغييرها.
1 وصف من الشنب وهو رقة الأسنان وعذوبتها.
2 يريد من رأيت.
3 يريد أذهب في ذلك.
4 يريد أصحب مطرًا.
فإن قلت: هلا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد، واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدوا بالأسماء؛ لأنها عبارات عن الأشياء، ثم يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركيبها، واستقلالها بأنفسها، نحو إن زيدًا أخوك، وليت عمرًا عندك، وبحسبك أن تكون كذا؟ قيل يمنع من هذا أشياء: منها وجود أسماء مشتقة من الأفعال نحو قائم من قام، ومنطلق من انطلق، ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله، نحو ضرب فهو ضارب، وقام فهو قائم وناوم فهو مناوم. فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقًّا من الفعل فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقًّا منه ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه. وأيضًا فإن المصدر مشتق من الجوهر، كالنبات من النبت، وكالاستحجار من الحجر،
وكلاهما اسم. وأيضًا فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي، وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي. وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال مشتق من الحروف، نحو قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي أي قلت لي: لولا، وسألتك حاجة فلا ليت لي، أي قلت لي: لا.
واشتقوا أيضًا المصدر -وهو اسم- من الحرف، فقالوا: اللالاء واللولاة، وإن كان الحرف متأخرًا في الرتبة عن الأصلين قبله، الاسم والفعل. وكذلك قالوا: سوفت الرجل، أي قلت له: سوف، وهذا فعل -كما ترى- مأخوذ من الحرف. ومن أبيات1 الكتاب:
لو ساوفتنا بسوف من تحيتها
…
سوف العيوف لراح الركب قد قنع2
1 يقصد كتاب سيبويه، انظر ج2 ص301.
2 ساوفتنا: معناها: واعدتنا بسوف أفعل. والعيوف: الكاره والكارهة، وقنع: أصله قنعوا فحذف الواو التي هي علامة المضمر ومعنى البيت: لو وعدتنا بتحية في المستقبل لقنعنا، إن كانت عازمة على المطل إذ كانت كارهة لذلك والبيت في لسان العرب "سوف" منسوبًا لابن مقبل.
انتصب "سوف العيوف" على المصدر المحذوف الزيادة، أو مساوفة العيوف. وأنا أرى أن جميع تصرف "ن ع م" إنما هو من قولنا في الجواب نعم. من ذلك النعمة، النعمة، والنعيم، والتنعيم، ونعمت به بالًا وتنعم القوم، والنعمى، والنعماء، وأنعمت به له: وكذلك البقية وذلك أن "نعم" أشرف الجوابين وأسرهما للنفس، وأجلبهما للحمد و"لا" بضدها، ألا ترى إلى قوله:
وإذا قلت نعم فاصبر لها
…
بنجاح الوعد، إن الوعد الخلف ذم1
وقال الآخر - أنشدناه أبو علي:
أبي جودة لا البخل واستعجلت به
…
نعم من فتى لا يمنع الجوع قاتله2
1 هذا البيت للمثقب العبدي.
2 هذا البيت لا يعرف قائله، واختلف في تفسيره، وفسره ابن بري حاصله: أن هذا الرجل يمنح الجوع عند المحتاجين الطعام الذي يقتله ولا يبخل على الجوع بهذا الذي يقتله.
يروى بنصب "البخل" وجره. فمن نصبه فعلى ضربين: أحدهما أن يكون بدلًا من "لا"؛ لأن "لا" موضوعه للبخل، فكأنه قال: أبي جوده البخل، والآخر أن تكون "لا" زائدة والوجه هو الأول؛ لأنه قد ذكر بعدها نعم، ونعم لا تزاد، فكذلك ينبغي أن تكون "لا" ههنا غير زائدة. والوجه الآخر على الزيادة صحيح أيضًا، لجرى ذكر "لا" في مقابلة نعم. وإذا جاز لـ"لا" أن تعمل وهي زائدة فيما أنشده أبو الحسن من قوله:
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها
…
إلى لامت ذوو أحسابها عمرا1
كان الاكتفاء بلفظها من غير عمل له أولى بالجواز.
1 هذا البيت للفرزدق يهجو به عمرو بن هبيرة الغزاري.
ومن جره قال: "لا البخل" فبإضافة "لا" إليه؛ لأن "لا" كما تكون للبخل قد تكون للجود أيضًا، ألا ترى لو قال لك إنسان: لا تطعم الناس. ولا تقر الضيف، ولا تتحمل المكارم، فقلت أنت:"لا" لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل، فلما كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا أضيفت إلى البخل، لما في ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدين.
فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنية؟ ألا تراها على حرفين الثاني حرف لين، وهذا أدل شيء على البناء، قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها جاعل سببًا له لكان "أعذر من أن يجعلها نافية له، ألا ترى أن المضاف بعض الاسم، وبعض الاسم صوت، والصوت واجب بناؤه، فهذا من طريق القياس، وأما من طريق السماع فلأنهم قد قالوا: كم رجل قد رأيت، فكم مبنية وهي مضافة. وقالوا أيضًا: لأضربن أيهم أفضل، وهي مبنية عند سيبويه. فهذا شيء عرض قلنا فيه.
ثم لنعد إلى ما كنا عليه من أن جميع باب "ن ع م" إنما هو مأخوذ من "نعم" لما فيها من المحبة للشيء والسرور به فنعمت الرجل أي قلت له نعم، فنعم بذلك بالا كما قالوا: بجلته أي قلت له بجل أي حسبك حيث انتهيت، فلا غاية من بعدك، ثم اشتقوا منه الشيخ البجال، والرجل البجيل. فنعم، وبجل كما ترى حرفان، وقد اشتق منهما أحرف كثيرة فإن قلت: فهلا كان نعم وبجل مشتقين من النعمة والنعيم، والبجال البجيل ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقًّا منهما؟ قيل: الحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدًا. وذلك أنها لما جمدت فلم تتصرف شابهت بذلك أصول الكلام الأول التي لا تكون مشتقة من شيء؛ لأنه ليس قبلها ما تكون فرعًا له ومشتقة منه يؤكد ذلك عندك قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي، أي قلت لي "لولا" فاشتقوا الفعل من الحرف المركب من "لو" و"لا" فلا يخلو هذا أن يكون "لو" هو الأصل، أو لـ"لولا" لا يجوز أن يكون "لولا" لو كان "لولا" هو الأصل، كان "لو"
محذوفًا منه، والأفعال لا تحذف، إنما تحذف الأسماء نحو: يد، ودم، وأخ، وأب، وما جرى مجراه، وليس، الفصل كذلك، فأما خذ، وكل ومر، فلا يعتد إن شئت لقلته؛ وإن شئت لأنه حذف تخفيفًا في موضع وهو ثابت في تصريف الفعل، نحو أخذ يأخذ وأخذ وآخذ.
فإن قلت: فكذلك أيضًا يد، ودم، وأخ، وأب، وغد، وفم ونحو ذلك؛ ألا ترى أن الجميع تجده متصرفًا وفيه ما حذف منه، وذلك نحو أيد وأيادٍ ويدي، ودماء ودمي، وأدماء والدما في قوله: فإذا هي بعظام ودما. وأخوة وأخوة، وإخاء وأخوان وآباء، وأبوة وأبوان. وغدوا بلاقع1. وأفواه وفويه، وأفوه وفوهاء وفوه، قيل: هذا كله إن كان قد عاد في كل تصرف منه ما
1 هذا بعض بيت من قصيدة للبيد والبيت هو:
وما الناس إلا كالديار وأهلها
…
بها ويوم حلوها وغدوا بلاقع
وفي القصيدة البيت المشهور:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
…
يخور رمادًا بعد إذ هو ساطع
والبلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا شيء بها، يقول صلى الله عليه وسلم: اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع.
حذف من الكلمة التي هي من أصله، فدل ذلك على محذوفه، فليست الحال فيه كحال خذ من أخذ ويأخذ. وذلك أن أمثلة الفعل وإن اختلفت في أزمنتها وصيغتها فإنها تجري مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا حذف من بعضها شيء عوض منه في مثال آخر من أمثلته ألا ترى أنهم لما حذفوا همزة يكرم ونحوه عوضوه منها أن أوجدوها في مصدره، فقالوا: إكرامًا وكذلك بقية الباب. وليس كذلك الجمع والواحد والتصغير، من الواحد؛ لأنه ليس كل واحد من هذه المثل جاريًا مجرى صاحبه فيكون إذا حذف من بعضها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه كان كأنه فيه وأمثلة الفعل إذا حذف من أحدها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه صار كأنه في المحذوف منه نفسه فكأن لم يحذف منه شيء.
فإن قلت: فقد نجد بعض ما حذف في الأسماء موجودًا في الأفعال من معناها ولفظها وذلك نحو قولهم
في الخبر أخوت عشرة وأبوت عشرة وأنشدنا أبو علي عن الرياشي.
وبشرة يأبونا كأن خباءنا
…
جناح سماني في السماء تطير
وقالوا: أيضًا يديت1 إليه يدا وأيديت ودميت تدمى دمي، وغدوت عليه وفهمت بالشيء وتفوهت به. فقد استعملت الأفعال من هذه الكلم كما استعملت فيما أوردته.
قيل وهذا أيضًا ساقط عنا وذلك أنا إنما قلنا أن هذه المثل من الأفعال تجري مجرى المثال الواحد لقيام بعضها قيام بعض واشتراكها في اللفظ وليس كذلك أب وأخ ونحوهما ألا ترى أن أب ليس بمثال من أمثلة الفعل ولا باسم فاعل ولا مصدر ولا مفعول فيكون رجوع المحذوف منه في أبوت كأنه موجود في أب وإنما أب
1 أي أسديت إليه نعمة.
من أبوت كمدق ومكحلة من دققت وكحلت وكذلك القول في أخ ويد ودم وبقية تلك الأسماء فهذا فرق.
فقد علمت بما قدمناه وهضبنا فيه -قوة تداخل الأصول الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمازجها وتقدم بعضها على بعض تارة وتأخرها عنه أخرى. فلهذا ذهب أبو علي رحمه الله إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة كالرقم تضعه على المرقوم والميسم يباشر به صفحة المرسوم، لا يحكم لشيء منه بتقدم في الزمان وإن اختلفت بما فيه من الصنعة القوة والضعف في الأحوال. وقد كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف نحوها هيت1، وحاحيت2 وعاعيت3، وجأجأت4 وحأحأت5، وشأشأت6، وهذا كثير في الرجز.. وقد كانت حضرتني وقتًا فيه
1 أي زجرت الإبل قائلًا: ها، ها.
2 وهو أيضًا زجر.
3 يقال - عاعي بالغنم أي زجرها.
4 أي زجرت الإبل قائلًا جؤجؤ.
5 حأحأ بالكبش: زجره.
6 سأسأ وشأشأ زجر الحمار.
نشطة فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف في كتاب ثابت في الزجر، فاطلبها في جملة ما أثبته عن نفسي في هذا وغيره.
ويمكننا بعد هذا العرض لكلام ابن جني أن نوجز أهم المسائل التي ذكرها وهي:
1-
الإجابة عن سؤاله عن سر النشأة الأولى للغة، فيذكر ابن جني أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد، بل وقعت متلاحقة متتابعة سواء قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح وهو رأي أبو الحسن الأخفش، ويرى ابن جني أنه صواب.
2-
الإجابة عن سؤاله عن سبب اختلاف اللهجات العربية، فيذكر رأي أبي الحسن الأخفش -في سبب اختلاف لغات العرب- وأن ذلك يرجع إلى أن اختلاف لغات العرب إنما جاء من قبل أن أول ما وضع منها وضع مختلفًا وإن كان متمشيًّا مع القياس ثم حدثت
بعد ذلك ألفاظ كثيرة لحاجة الناس إليها وهذه الألفاظ قيست على ما كان في الأصل مختلفًا.
أو أن تكون الألفاظ الموضوعة أولا ليست مختلفة، ثم حدثت ألفاظ أخرى للحاجة إليها خالفت القياس الأول إلى قياس ثانٍ جارٍ في الصحة مجرى الأول.
ويؤيد ابن جني ذلك فيقول: ولا يبعد عندي ما قال من موضعين أحدهما سعة القياس.. والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأول بالقياس الذي عدل إليه الثاني، فلا عليك أيهما تقدم، وأيهما تأخر. فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به. ونحن نرى أن سبب اختلاف اللهجات العربية إنما جاء من تفرق القبائل في شبه الجزيرة العربية وخضوعها لعوامل التطور الجغرافية والاجتماعية والفردية والصراع اللغوي بين اللغة العربية وغيرها من اللغات المجاورة.