الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمير سيف الدين بكلربكي على ذلك لزم بيته ثم سير البرواناة رسولاً بنسخة اليمين بدعاء نور الدين بريز يطلب من الملك الظاهر عسكراً يستعين به وأن يكون السلطان غياث الدين على ما هو عليه من الجلوس من التخت على أن يحمل له ما كان يحمله إلى التتر فأجابه الملك الظاهر بالشكر والاعتذار بأن العسكر لا يمكنه الدخول إلى هذه البلاد إلا بعد انقضاء الربيع ويقع العزم على التوجه إليك إن شاء الله تعالى.
ذكر استئصال شأفة النوبة
كان داود ملك النوبة أغار على سرح عيذاب سنة إحدى وسبعين وقتل من فيها من التجار ووفد على الملك الظاهر شكدة ابن عم داود متظلماً منه وزعم أن الملك كان له وأنه تغلب عليه فلما استقر الملك الظاهر بقلعة الجبل بعد عوده من الشام تقدم إلى الأميرين عز الدين أفرم وشمس الدين الفارقاني بالمسير إلى النوبة وأصحبهما ثلاثمائة فارس وشكندة وأمرهما بتسليم البلاد إليه على أن يكون ربعها للملك الظاهر فخرجوا يوم الاثنين مستهل شعبان فوصلوا دنقلة في ثالث عشر شوال فخرج إليهم ملكها داود وأخوه جنكو ومن عندهما على النجب الصهب بأيديهم الحراب وليس عليهم ما يقي من السهام غير أكسية سود تسمى الدكاديك فانهزموا وقتل منهم مالا يحصى وأسر أكثر مما قتل، وبيع الرؤوس من السبي بثلاثة دراهم وعزلوا منهم ألف نفر للسلطان، وانهزم داؤد وقطع النيل بأمه وأخته إلى البر الغربي،
ثم هرب في أثناء الليل إلى بعض الحصون فركب الأفرم والفارقاني بمن معهما وسارا في طلبه ثلاثة أيام مجدين فلما أحس بهم ترك أمه وأخته وابنة أخيه جنكو ونجا بنفسه وابنه وأخذوا حريمه ورجعوا إلى دنقلة وملكوا شكندة ورتبوه على كل بالغ في البلاد ديناراً في السنة جزية وأن يحمل إلى السلطان في كل سنة عدة كثيرة من الهجن والبقر والعبيد وقرروا مع صاحب بلاد الجبل وكان مبايناً لداؤد أن يكون دووبريم، وهما قلعتان حصينتان بغرب أسوان بينهما سبعة أيام خاصاً للملك الظاهر، وفوضوا إليه نيابة السلطنة فيهما ومتى قصده عدو نجدته العساكر، ثم عاد الأميران ومن معهما إلى القاهرة في خامس ذي الحجة ومعهما أخو الملك داود في برج بقلعة الجبل ثم وصل بعد أيام أم داؤد وأخته وابنة أخيه فحبسوا، ثم وصل السبي فبيع بمائة وعشرين ألف درهم، وأمر الملك الظاهر أن لا يباع منهم شيء على يهودي ولا على نصراني وأن لا يفرق بين المرأة وأولادها، ولما هرب الملك داؤد قصد صاحب الأنواب وهو ملك ملوك النوبة فقبض عليه وسيّره إلى الملك الظاهر فوصل يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة خمس وسبعين فحبس في بعض أبراج القلعة وتقدم السلطان إلى الصاحب بهاء الدين باستخدام عمال على ما يستخرج من الجزية والخراج بدنقلة وأعمالها وأن يجمّل إليها من فوض الصناع والفلاحين والبياعين.
وفي العشر الآخر من شهر رجب شنق الطواشي شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز، وسبب ذلك أنه كان من خواص الخدام المباشرين لدور الملك الظاهر فبلغه عنه أنه يشرب الخمر بالبلغة مع جماعة من الخدام
فأحضره ليلاً وقام إليه بنفسه ولكمه وأمر بعض الفراشين بشد كتافه بطنب وشنقه بالميدان الأسود وشنق تلك الليلة خمسة من الأجناد كانوا تخلفوا عن العرض بحمص، وشفع في جماعة أخرى تخلفوا فحبسوا في خزانة البنود، وأمر بمن كان يحضر معه في الشراب من الخدام فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسملت أعينهم وكانوا أربعة عشر نفراً فمنهم من مات ومنهم من سلم.
وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة عقد نكاح الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة بن الملك الظاهر على ابنة الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي بالإيوان في القلعة على صداق خمسة آلاف دينار المعجل منها ألفا دينار معاملة، وتوكل في قبول النكاح عن الملك السعيد الأمير بدر الدين الخزندار، وتوكل عن الأمير سيف الدين قلاوون في العقد شمس الدين الفارقاني، وجزى العقد بحضور الملك الظاهر والوزراء والقضاة وأعيان الشهود والأمراء وأعيان الأجناد، وكتب الصداق محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر وقرأه في المجلس فخلع عليه وأعطي مائة دينار.
مضمون الصداق وصورته: الحمد لله موفق الأملاك لأسعد حركة، ومصدق الفأل لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه، الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانه نصيراً، وميز أقدارهم باصطفاء تأهيله حتى حازوا بغنى أو ملكاً كبيراً، وأقر فخارهم بتقريبه حتى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها نورا، وسربه وصلتهم حتى أصبح فضل الله عليهم بهاء عظيماً وأفضاله كثيرا، فهي أسباب التوفيق
الآجلة والعاجلة وجاعل ربوع كل أملاك من الأملاك بالشموس والبدور والأهلة آهلة، جامع أطراف الفخار لذوي الإيثار حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عندهم البركة الكاملة.
نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل لتأملهم الاستطاع وكمّل لاختيارهم الأجناس من العز والانقطاع، وآتى آمالهم ما لم يكن في حساب من الابتداء بالتحويل والابتداع، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حسنة الأوضاع، ملئة بتشريف الألسنة وتشنيف الأسماع، ونصلي على سيدنا محمد الذي أعلى الله به الأقدار، وشرف به الموالي والأصهار، وجعل كرمه داراً لهم في كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرف الأنوار، صلى الله عليهم صلاة زاهية الأزهار يانعة الثمار.
وبعد فلو كان اتصال كل شيء بحسب المتصل به في تفضيله لما استصلح البدر شيئاً من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئاً من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لساناً لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئاً من التيجان لحلوله، لكن ليشرف بيت يحل به القمر، ونبت يزوره المطر، وكذلك تجملت برسول الله صلى الله عليه وسلم أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابهم بأنسابه، وتزوج صلى الله عليه وسلم وتمت لهم قربة الفخار، حتى رضوا عن الله رضي عنهم.
والمترتب على هذه القاعدة إفاضة نور يستمده الوجود، وتقرير أمر يقارن الأخبية منه سعد السعود، وإظهار خطبة تقول الثريا لانتظام
عقودها، وكيف وإبرام وصله يتجمل بترصيع جوهرها متن السيف، الذي يغبطه في إيداع هذه الجوهرة كل سيف، ونسيج صهارة يتم بها إن شاء الله كل أمر شديد ويتفق بها كل توفيق تخلق الأيام وهو جديد، ويختار لها أبرك طالع وكيف لا تكون البركة في ذلك الطالع وهو سعيد. وذاك بأن المراسيم الشريفة السلطانية أرادت أن تخص المجلس السامي الأميري ونعوته بالإحسان المبتكر تفرده بالموهبة التي يرهف بها منه الحد المنتضى ويعظم الجد المنتظر، وأن يرفع من قدره بالصهارة مثل ما رفعه النبي صلى الله عليه وسلم من قدر صاحبيه صهريه أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فخطب إليه أسعد البرية، وأمنع من تحميها السيوف وأعز من تسبل عليها ستور الصون الخفية، وتضرب دونها خدود الجلالة الرضية، ويتجمل بنعوتها العقود وكيف لا وهي الدرة الألفية، فقال والدها المذكور، هكذا ترفع الأقدار وتزان، وكذا يكون قران السعد وسعد القران، وما أسعد روضاً أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة وأشرف سيفاً غدت منطقة بروج سمائها له حميلة وما أعظمها موهبة أبت للأولياء من لدنها سلطاناً، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا، وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لسرعة إبرامها ليت، ولسرفها عبودية كرمت سلماتها بأن جعلته من أهل البيت.
شوإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر الملوك، وخصصته بهذه المرتبة التي يتقاصر عنها آمال أكابر الملوك، فالأمر لمليك البسيطة في رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتصدق بما يتفوه به هذا
الإنشاء، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الحظ وأقلام الخط على تحريره، وتنافست مطالع النوار ومشارق الأنوار على إبداء سطوره، فأضاء نوره بالجلالة وأشرق، وهطل نوره بالإحسان فأغدق، تناشبت فيه أجناس تجنيس لفظ الفضل، فقال الاعتراف هذا ما تصدق وقال العرف هذا ما أصدق، مولانا السلطان أصدقها بما يملأ خزائن الإحسان فخارا، وشجرة الأنساب ثماراً، ومشكاة الجلالة أنواراً، فبدل لها من الغير المصري ما هو أقاليم ومدائن أنوارا، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشرع لكان باسم والده قد تشرف، وبنعوته قد تعرف، وبين يدي هباته وتصدقاته قد تصرف.
وكان العقد قاضي القضاة صدر الدين الحنفي. وانفصل ذلك اليوم عن سرور تام فبشر بما بعده من التهاني والأفراح والأمور التي تزيد على الأفراح.
وفي العشر الأول من ذي الحجة بلغ الملك الظاهر أن جماعة من الذين استخدمهم بحصن الكرك من الخرخية والجندارية والخراسانية والإسباسلارية وغيرهم سولت لهم أنفسهم أن يثبوا في الحصن، ويقتلون من به من النواب ويسلمونه لأخ كان للملك القاهر بن الملك المعظم من أمه لكونه ينتسب إلى الملك الناصر داود وكان يقيم معهم بالكرك لا يؤبه به، فخرج الملك الظاهر من القاهرة يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة
ودخل حصن الكرك بغتة يوم السبت ثاني وعشرين منه ثم استدعاهم وكانوا زهاء ستمائة نفر وهو على سطح وأمرهم بشنقهم فشفع فيهم من كان في خدمته من الأمراء فعفا عنهم وأخرجهم من الحصن خى ستة نفر فإنه قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم قال للجميع مالكم في بلادي مقام فسألوه أن يعاد لهم ما كان ارتجع من أموالهم فأمر لهم بذلك ونفاهم إلى مصر واستدعى شمس الدين صواب السهيلي وإلى صناعة الإنشاء بمصر، ويلم إليه حصن الكرك وفوض إليه النظر في حواصله وذخائره، واستدعى من مصر رجالاً رتبهم في الحصن عوض الذين نفاهم منه ثم خرج متوجهاً إلى دمشق يوم الجمعة ثامن وعشرين ذي الحجة.
وفي هذه السنة كان بخلاط زلزلة عظيمة أخربت الدور والخانات والأسواق، ومات الناس تحت الردم ولم ينج من أهلها إلا النفر القليل، واتصلت بأرجيش فأخربتها، وخسفت فيها مواضع ووصلت إلى ديار بكر فشعثت ميافارقين وماردين.
وكسر الخليج يوم الخميس ثامن وعشرين صفر وانتهت الزيادة إلى ثلاثة أصابع من ثمانية عشر ذراعاً.
وفي خامس عشر شوال جهز الملك الظاهر كسوة الكعبة صحبة الأمير عز الدين يوسف بن أبي زكرى، وخرد معه جماعة من الحجاج ووصل مكة شرفها الله تعالى، وكانت الوقفة يوم الاثنين وأقاموا بمكة ثمانية عشر يوماً وبالمدينة عشرة أيام، فذهب أكثر زاد الناس وحصل لهم من أيلة إلى مصر مشقة عظيمة ومات منهم خلق كثير.
وفي ثالث شهر رمضان ظهر بالموصل بحارة تعرف بسويقة ابن خليفة ضريح شخص من ولد الحسين بن علي عليهما السلام، وسبب ظهوره
أن شخصاً يقال له محمدون بن الأقفاصي رأى في منامه شخصاً من ولد الحسين بن علي عليهما السلام وهو يقول له يا محمدون أنا مناد من تنور الخبز ومجرى الحمام الصغير، فلما أصبح قص المنام على بعض الأكابر واستشاره في نبشه فأشار عليه أن لا يفعل، فأمسك الرجل.
فلما كان في الليلة الآتية رأى الرؤيا بعينها وهو يقول له احفر ضريحي ولا تهمله وإنه ما أقول لك أن تراب الضريح يشفي من جميع الآلام والأسقام، فلما أصبح الصباح حفر المكان وظهر الضريح فأقبل الناس ينكرون عليه وإذ برجل أعمى قد أخذ من تراب الضريح شيئاً وتركه على عينه فأيصر فكبر الله وحمده، ورأى الناس تأثير الضريح فتهافتوا عليه وحظر محمدون بسببه، وتكاثر على الضريح أصحاب الآلام والعاهات وكل من جعل على ألمه شيئاً من ترابه برئ لوقته.
وسمع بذلك شخص من التتر يعتريه الصرع فأتى وطلب معالجته فشرط عليه من بالمكان أن يترك شرب الخمر ولحم الخنزير وقتل المسلمين فالتزم ذلك وأخذ من تراب الضريح فبرئ لوقته، فسر بذلك وخرج مسافراً فمر بتل زيار، وبه دير النصارى فنزل عندهم وحكى لهم صورة حاله فقال له النصارى أنت إنما برئت بما عولجت به وتداويت لا بهذا القبر، فأثر هذا القول بنفسه فعاوده الصرع فجاء إلى الضريح وطلب من ترابه فقيل له ألم تك قد أخذت منه وعوفيت فقال بلى ولكنني مررت بدير فيه نصارى فحكيت لهم فذكروا لي كيت وكيت فأثر ذلك عندي فعاودني ما كان بي فقيل له تلك المرة بطل حكمها، والآن فما ينفعك شيء من هذا الضريح إلا أن تسلم وتشهد
أن جد هذا السيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى ذلك وبقي أياماً على ما به من الصرع وزاد به حتى أجاب إلى الإسلام فأتى المشهد وأسلم وتناول شيئاً من ترابه فبرئ ولم يعتاده بعد وحسن إسلامه، وأسلم جماعة كثيرة من التتر ونصارى البلاد بسبب ذلك.
قال عز الدين محمد بن أستاذ داره رحمه الله هذا حكاه لي ناصر الدين محمود بن عشائر بن حسين بن عبيد يعرف بابن الليالي الموصلي، والعهدة عليه فيما حكاه.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن إسحاق بن علي بن شيث أبو إسحاق كمال الدين القرشي الأموي، كانت وفاته آخر نهار الخميس رابع عشر صفر بالقرب من حلبا من بلاد الساحل، ونقل إلى ظاهر بعلبك فدفن بتربة سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني رحمه الله وقد نيف على الستين، وكان من أعيان الناس وأماثلهم، خدم الملك الناصر صلاح الدين داؤد بن الملك المعظم وهو من أجل أصحابه، وأخصهم به وترسل عنه ثم اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد رحمه الله فأعطاه خبراً جيداً وقربه وأدناه واعتمد عليه في مهماته.
وفي الأيام الظاهرية ولي الرحبة وبلادها عقيب موت الملك الأشرف صاحب حمص مدة يسيرة، ثم نقل منها إلى بعلبك فولي مدينتها وقلعتها، وبقي بها مدة سنين وطلبه الملك الظاهر منها مع استمراره على ولايته فاستناب وتوجه إليه فسيره رسولاً إلى عكا وكان عنده خبرة تامة بادعاوى على الفرنج ومواصفاتهم وتفاصيل أحوالهم فكان يندب في المهمات المتعلقة بهم ويستضار بهم في ذلك وحرمته وافرة في الدولة
ومكانته مكينة وسيرته حسنة، وعنده مكارم وحسن عشرة.
وتوفي رحمه الله ولم يخلف ما يقوم بنصف ما عليه من الديون رحمه الله تعالى، وكان عنده فضيلة وأهلية ومعرفة بالأدب والنحو يحفظ القرآن العظيم، ويتلوه في كثير من أوقاته وعلى ذهنه من الأحاديث النبوية صلوات الله وسلامه على قائلها جملة وافرة، ولعله يستحضر معظم موطأ مالك بن أنس رحمه الله، وكان يميل إلى مذهبه، وله عقيدة عظيمة في الفقراء والصالحين ومسارعة إلى قضاء حوائجهم رحمه الله، وكان ينظم الشعر، فمن شعره:
صب أسير في بلد الأشواق
…
مذ آذنوا أهل الحمى بفراق
لا داره تدنو فيسكن ما به
…
يوماً ولا هو بعد بعد فراق
يلقى جيوش الشوق وهي كثيرة
…
أبداً بقلب واهن خفاق
أترى له من عودة يحيا بها
…
أم هل للسعة قلبه من راق
يا نازلين على الكثيب برامة
…
متعرضين لفتنة العشاق
أنتم ملاذ المستهام وذخره
…
وهواكم من أنفس الأعلاق
أعيا الذي يصف المحبة والهوى
…
ما قد لقيت بكم وما أنا لاق
ليلي طويل بعد بعدي عنكم
…
وكذاك ليل فاقد المشتاق
وقال أيضاً رحمه الله:
برق بدا لك أم لاحت لك الدار
…
فعاد قلبك تهيام وتذكار
أم ذكر أيام نجد والخليط بها
…
وأنت فيها ومن تهواه زوار
أم قاسيون ومن فيه فكم قضيت
…
بسفحه لك أوقات وأوطار
والشمل مجتمع والدار دانية
…
ومن تحب بها جار وسمار
فبت رهن صبابات حليف هوى
…
ودمع عينك منهل ومدرار
يا نازلين وفي الأحشاء منزلهم
…
وغائبين وهم في القلب حضّار
أم اصطباري فشيء عز مطلبه
…
ونار شوقي إليكم دونها النار
وقال أيضاً رحمه الله:
سقاك الحيا من أربع ومنازل
…
ومن لي بأن تهدي إليكم رسائلي
فلو قيل سل تعطى المنى وبقربه
…
لكان منى قلبي وأقصى وسائلي
أمر بوادي النيرين محييا
…
لناباته عند الضحى والأصائل
تريني القدود الهيف كثبان رمله
…
وتبدو به الأقمار غير أوافل
ويصحبني من طيب رياه نفحة
…
تهيّج أشجاني وتدني بلابلي
منازل أترابي ومربى أحبتي
…
وأهل ودادي في الهوى وتواصلي
رعى الله دهراً مر لي في ظلاله
…
حميداً فما وجدي عليه بزائل
صحبت به الأحباب واللهو والصبي
…
فما قرب من عمري سواه بطائل
إذا القلب لا يثنيه تعنيف واشح
…
ولا مسمعي مصغ لقول العواذل
ألا هل إلى تلك المعاهد عودة
…
ويقضي ذنوبي مزملي ومماطلي
أأحبابنا بنتم فلا العيش بعدكم
…
نضير ولا ربع السرور بآهل
أحن إليكم كلما هبّت الصبا
…
وأجزع من طول المدى المتطاول
ولا تحسبوا أني نسيت عهودكم
…
ولا كل ما في الكون عنكم بشاغل
إذا ما انقضى عام ببين وفرقة
…
رجوت التلاقي عائداً عند قابل
وقال أيضاً رحمه الله:
لا تلحه في وجده تغريه
…
دعه فيقظ ولوعة تكفيه
حكم الغرام عليه فهو كما ترى
…
مقري بتذكار الحمى يبكيه
يشتاق أيام العقيق وحبذا
…
وادي العقيق وحبذا من فيه
ويعود يوماً ما يعود إلى الحمى
…
بالوصل كان بعمره يشريه
وإذا النسيم روى سحيراً منهم
…
خبراً فيا طيب الذي يرويه
يا أهل نجد دعوة من مغرم
…
حلت شكايته عن التمويه
متستر في حبكم متهتك
…
يخفي الغرام ودمعه يبديه
لا يبتغي أبداً سواكم بغية
…
كلا ولا عنكم غنىً يغنيه
يهوى هواكم ما استطعت وكل ما
…
يرضيكم في حبكم يرضيه
وقال أيضاً رحمه الله دوبيت:
بالخيف منزل لليلي عافي
…
أهواه وإن خلا من الآلاف
يا سعد فقف بي ساعة تبديه
…
ما ترك حقوقه من الإنصاف
وقال أيضاً رحمه الله دوبيت:
واها لأوقات تقضت وإنها
…
لو ساعدني الزمان في لقياها
ما لذة أيام اجتماع بكم
…
لا أذكر غيرها ولا أنساها
وله شعر غير هذا، وكان يترسل جيداً ويأتي بالمقاصد الكثيرة ويقع له
القرائن المستملحة والاستشهادات الحسنة ويحاضر بالحكايات والنوادر والأشعار وأيام الناس والتواريخ، وعلى ذهنه من ذلك جملة طائلة. وسمع الحديث الكثير ورواه، وكان له عناية بهذا الشأن وإلمام بمعرفته.
ومن غريب الاتفاق أنني اجتزت بمدينة الكرك في عودي من الحجاز الشريف في أول صفر سنة أربع وسبعين، فاجتمع بي فقير من أهل الكرك يعرف بالجمال ابن الضياء، كان يصحبه ويكثر من التردد إليه والإقامة عنده ببعلبك، وعزاني فيه: فقلت له: أنت واهم، الرجل في خير وعافية وإنما المخبر لك سمع بوفاة الأمير سيف الدين الجاكي وهو متولي بلاد بعلبك وبرها فظن أنه كمال الدين، فقال: كذا أخبرني شخص أنه مات في هذه الأيام، فقلت: يحتمل واغتممت لذلك، فلما رحلنا من الكرك وقاربنا دمشق، لقينا جماعة من أهل بعلبك ودمشق في الطريق على مراحل من دمشق، فسألناهم عنه؛ فذكروا أنه في نهاية الطيبة والصحة وأنه يتوجه في مهم إلى بلد طرابلس صحبة الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار، فسررت بذلك، فلما دخلت دمشق جاءت الأخبار بوفاته على ما شرحناه رحمه الله تعالى؛ ولما توفي عمل عزاؤه في مقام إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه بقلعة بعلبك، وحضر صاحبنا الموفق عبد الله بن عمر الأنصاري رحمه الله تعالى وتكلم في العزاء بما يناسب، وأنشد هذه الأبيات:
يا منزلاً لم يبق فيه مقيم
…
هذا المقام فأين إبراهيم
عجباً لعين عاينت آثاره
…
من بارق الهاوي كيف يشيم
ولمهجة وما فنيت أسىً
…
ولكل قلب فيه كيف يهيم
يا مدعي نسب الوفاء لعهده
…
نسب الوفاء كما علمت صميم
أين التمزق والتحرق والبكا
…
هل شافع في رزية وجميم
عز العزاء الفرد في ذاته
…
ولكل قلب منك فيه كلوم
أما والده جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم فكان من سادات الناس ورؤسائهم وأعيانهم وصدورهم وفضلائهم، خدم الملك المعظم شرف الدين عيسى بن العادل رحمه الله تعالى، وكان عنده في محل الوزارة وكان من المتضلعين بالعلوم، وله أشعار كثيرة، ومصنفاته عديدة مفيدة، وكان بينه وبين والدي رحمهما الله تعالى صحبة أكيدة، وصحب سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني الكبير رحمه الله تعالى، وكان كثير البر والصدقة معروفاً بأسد، المعروف إلى سائر من يعرفه ويقصده ويجتاز به، وكان بينه وبين الملك المعظم مداعبات كثيرة. كتب إليه مرة رقعة يداعبه فيها يعني أنه فارق الملك المعظم ودخل منزله، فطالبه أهله بما حصل له من بره وأنه قال: ما أعطاني شيئاً، فقاموا إليه بالخفاف وفعلوا به وصنعوا. ومن نظمها قولها:
وتحالفت بيض الأكف كأنها
…
التصفيق عند مجامع الأعراس
وتطايرت سود الخفاف كأنها
…
وقع المطارق من يد النحاس
فرمى المعظم الرقعة إلى فخر القضاة ابن بصاقة وقال له: أجبه عنه. فكتب نثراً ونظماً، فجاء في النظم:
فاصبر على أخلاقهن ولاتكن
…
متخلقاً إلا بخلق الناس
واعلم إذا اختلفت عليك فإنه
…
ما في وقوفك ساعة من بأس
فلما وقف عليها الملك المعظم أعجبته غاية الإعجاب. ومن شعر جمال الدين رحمه الله تعالى قوله:
وإذا رآني الناس قالوا صالحاً
…
غفر الإله لهم وغضوا الأعينا
ويقرني أقوالهم مع أنني
…
أدري بما عندي فأسكت مذعنا
يا ليتهم عرفوا بقبح سريرتي
…
فسلمت أو سلموا فكان الأحسنا
يا نفس ويحك من يرى حالي فما
…
عذر امرئ مثلي تأخر أو دنى
أعني بتحسين الثياب فأغتدي
…
مثل الحمار مجلاً ومرسنا
ماذا العناية ويك بالجسم الذي
…
هو سجن من لا يرتضي أن يسجنا
هل ذاك إلا جيفة لو لم يكن
…
أبداً يعاود بالنظافة أنتنا
وقال أيضاً من شعره:
كن مع الدعر كيف قلّبك الده
…
ر بقلب راض وصدر رحيب
وتيّقن أن الليالي ستأتي
…
كل يوم وليلة بعجيب
وكانت وفاته بدمشق سابع المحرم سنة خمس وعشرين وست مائة، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
أيبك بن عبد الله أبو محمد الأمير عز الدين الاسكندري الصالحي، كان من مماليك الملك الصالح نجم الدين وعتقائه، وكان الملك الصالح يثق به ويعتمد عليه؛ ولاّه الشوبك قلعتها وبلدها، وجعل عنده جماعة كثيرة من
خواص مماليكه منهم: الأمير عز الدين ايدمر الحلي، والأمير علم الدين سنجر الحصني، والأمير عز الدين أيبك الزراد وغيرهم: وكان عنده كفاية وخبرة تامة، وصرامة شديدة، ومهابة عظيمة، يقيم الحدود على ما يجب، لا يحابي في ذلك. ولما ملك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني الديار المصرية مان الأمير عز الدين المذكور من خواصه ولم يزل على ذلك إلى أول الأيام الظاهرية. فلما استولى الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير رحمه الله على قطعة من الشام كمل تقدم شرحه. ثم تخلل أمره وخرج من دمشق وقصد قلعة بعلبك وحضر بحضرة بدر الدين محمد بن رحال وغيره، وجرت المراسلات بينه وبين الأمير علاء الدين البندقار رحمه الله في تسليم قلعة بعلبك والتوجه إلى باب الملك الظاهر بالديار المصرية، أنه لا يسلم القلعة إلى بدر الدين بن رحال، وأنه لا يسلمها إلا إلى أحد نفرين من خشداشيته سماها أحدهما الأمير عز الدين صاحب هذه الترجمة، فجهز إليه وتسلم القلعة منه. وكان متولياً قلعة شميميش فطلب منها لهذا المهم واستناب بقلعة شميميش، ولما طولع الملك الظاهر بذلك رسم باستمراره في قلعة بعلبك ومدينتها واستمر نائبه بشميميش وبقي على ذلك مدة إلى أن سأل الإعفاء عن شميميش، فاجيب وحضر نائبه إليه، وبقي الأمير عز الدين متولياً ببعلبك وقلعتها مدة أربع سنين كوامل، ثم طلب إلى الديار المصرية وولي قلعة الرحبة وأعمالها وما قاربها فتوجه إليها على كره وزاد الملك الظاهر أقطاعه. ولما وصل إلى الرحبة تجرد
لكشف الأخبار وأخذ ما جاوره من بلاد العدو، فقام في ذلك المقام المحمود وفعل ما لا تسمو إليه همة غيره من أخذ بلاد العدو. فقام في ذلك ما يطول شرحه من شن الغارات عليهم، ونهب جشاراتهم وقطع الطريق على سفارتهم. ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته. وكان عنده معرفة بالنجوم وإلمام بالفضيلة ومحبة لها ولأهلها، وديانة كثيرة، وغيرة مفرطة، وكرم طباع، وسعة صدر، وشدة حياء، لا يخيب من قصده في حاجة ولا يطلب أحد رفده إلا ويبره بأكثر ما في نفسه، وإن أهدى أحد له هدية كافأه بأكثر منها؛ وكان له عقيدة في الفقراء والصلحاء وإيمان بكراماتهم لا ينكر من ذلك ما يخرق العادات. وكانت وفاته في رابع عشرين رمضان المعظم بقلعة الرحبة ودفن بظاهرها رحمه الله تعالى وهو في عشر الستين.
ولما كان ببعلبك تزوج كريمتي واتفق توجهها إليه ومعها والدتي وأنا إذ ذاك في الحجاز الشريف وهي تتشوق إلي: فتوجهت في شهر رجب وأقمت، فتوفي المذكور وأنا هناك، فاستصحبت الأهل وولد الأمير عز الدين المذكور رحمه الله تعالى وغلمانه، وعدت بهم إلى دمشق فورد علي كتاب صاحبنا الموفق عمر بن عبد الله الآتي ذكره من بعلبك إلى دمشق يتضمن الشوق والتهنئة بالسلامة. وفي صدر الكتاب بيتان من الشعر من نظمه يقول:
مولاي قطب الدين موسى دعوة
…
من نازح يخشى قطيعة أهله
أنسيت يا مولاي نار تشوقي
…
يا من قضى أجلاً وسار بأهله
الحسن بن علي بن الحسن بن ناهد بن طاهر بن أبي الحسن أبو محمد الحسيني الملقب فخر الدين نقيب الأشراف وابن نقيبهم. مولده سنة ثمان وست مائة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى سحر يوم الأحد تاسع ربيع الأول ببعلبك، وكان عنده فضيلة ومعرفة بأنساب العلويين ونظم نظماً متوسطاً، وخلف له والده نعمة ضخمة فمحقها ولم يبق له إلا صبابة يسيرة ووالدته شريفة حسينية. حكي لي قال: كنت - وأنا شاب - أشتغل بالنحو والأدب. قال قرأت القرآن العزيز؟ قلت: لا؛ فقال: قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإنه لذكر لك ولقومك " وانت من قومه، فما ينبغي أن تقدم على حفظ القرآن الكريم غيره؛ فشرعت في الختمة الشريفة وأكببت عليها حتى حفظتها، فأنا أعتقد ذلك من بركة الشيخ رحمه الله. وكان جمع تاريخاً لم يتممه. ولما قدم هولاكو الشام في سنة ثمان وخمسين توجه إليه وحضر بين يديه فلم يجد منه من الإقبال ما كان يرجوه فعاد على غير شيء من الولايات، وقدم بعلبك وتوعك بها، واتفق كسرة كتبغا وفتله على ما تقدم شرحه، فحمد الله إذ لم ينل عند التتر ولاية يتضرر عند ملوك المسلمين بسببها، ومن شعره في بعلبك:
بعلبك علت على البلدان
…
وغدا دون نورها النيران
رق فيها الهواء إذ راق فيها
…
الماء وافتر ثغرها الأقحوان
وتغني الأطيار فيها بصوت
…
لذ للسامعين في الأغصان
حصنها باذخ على كل طود
…
ثابت الأس شامخ البنيان
مبني أنه بنته جن
…
لا لروم تدعي ولا يونان
سار في الأرض ذكره وهو راس
…
وسرى صيته بكل مكان
مثل ما سار في الدنيا جود موسى الشم
…
لك رب الأفضال والإحسان
ملك قد علا الملوك جميعاً
…
بعلو المكان والإمكان
خاص ترك الكبير ركن الدين المشهور بالشجاعة والإقدام والتقدم عند الملوك، وهو من غلمان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكانت وفاته بكرة الأحد ثاني عشر ربيع الأول برحبة خالد بدمشق، ودفن عند حمام النحاس بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
ع بن شكر بن علي اليونيني أبو محمد الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع العارف. صحب المشايخ وأخذ عنهم وتأدب بهم، وكان أوحد عصره في الورع، وتحرى الحلال في أمر مطعمه وملبسه لم يسبقه أحد إلى ذلك، كان يتقوت في سنته بما يتحصل له من مغل قطعة ملك ورثها من أبيه بقرية يونين، لعل معلومها في السنة قريب خمسين درهماً، ويصبر على خشونة العيش وكثرة الجوع إلى أن حصل يبس، أورثه تخيلات فاسدة، فتارة يتخيل أن جماعة عزموا على اغتياله وقتله، وتارة يتخيل أنه اطلع على أماكن فيها كنوز واموال جليلة واتصل ذلك ببعض الولاة ببعلبك فأحضره وسأله عن ذلك، فذكر أنه يعرف أماكن فيها مدافن تحتوي على أموال
جمة فسأل عنه، فقال من يعرفه هذا من الأولياء الأفراد ولا يتجوز في القول وإنما لكثرة الجوع والمجاهدة حصل له يبس أفسد مزاجه؛ دخل رباط بن الأسكاف بجبل قاسيون، فأعجبه وأخلى له به بيت فسكنه، ولم يتناول من المقرر لمن به شيئاً. فلما رأى خادم الرباط ما هو عليه من الاجتهاد والعبادة مع الزهد المفرط أخبر الوجيه بن سويد رحمه الله به وهو ناظر الرباط إذ ذاك، فحضر إليه ليلاً ومعه صحن فيه قطائف وقد تأنق فيه، فلما دخل عليه انقبض منه ولم يكلمه، فوضع الصحن بين يديه وشرع يستعرض حوائجه، فقال: أولها ارفع هذا الصحن وأنت لا تحضر إلي بعدها، ومتى حضرت تركت هذا المكان ورحت. فتعجب منه وسأله الدعاء فقال: أنا أدعو كل يوم للمسلمين، فإن كنت منهم وكان لدعائي أثر حصل لك منه نصيب. ومناقبه في هذا الباب كثيرة، وأدرك سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني الكبير رحمه الله وصحبه مدة يسيرة فإنه كان صغير السن في حال حياته لكنه لازم كبار أصحابه وصحبهم وانتفع بهم، وكان فقيهاً في أمر دينه يعرف ما يحتاج إليه ويسأل عما أشكل عليه من ذلك. سمع الحافظ ضياء الدين ووالدي وغيرهما، وتوفي بدمشق يوم الاثنين مستهل رمضان المعظم، ودفن بسفح قاسيون، وقد نيف على الثمانين من العمر رحمه الله تعالى.
عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن علي بن الحسن أبو المظفر زين الدين الحلبي الشافعي المعروف بابن العجمي.
مولده بحلب في منتصف ذي القعدة سنة إحدى ةتسعين وخمس مئة،
سمع من الشريف افتخار الدين بن هاشم عبد المطلب بن الفضل وغيره وحدث، وكان شيخاً حسناً فاضلاً، وبيته مشهور بالعلم والتقدم والسنة؛ وكانت وفاته في خامس عشرين ذي القعدة بالقاهرة، ودفن من الغد يوم الأربعاء بسفح المقطم - رحمه الله تعالى، وهو خال قاضي القضاة كمال الدين أحمد بن الأستاذ. وله شعر جيد ومنه في مليح في عنقه شامة:
المعز بدر ولكن ليس شامته
…
مسروقة من دجى صدغيه والغسق
وإنما حبة القلب التي احترقت
…
في حبه علقت للطم في العنق
عثمان بن عبد الله الآمدي حطيم الحنابلة بالحرم الشريف اتجاه الكعبة المعظمة كان سيداً كبيراً شيخاً جليلاً صالحاً عالماً إماماً فاضلاً زاهداً عابداً ورعاً ربانياً منقطعاً متعكفاً على العبادة والاشتغال بالله تعالى في سائر أوقاته، وله المكرمات الظاهرة لم يكن له نظير في وقته؛ أقام بالحرم الشريف ما يقارب خمسين سنة. وكانت وفاته يوم الخميس ضحىً النهار الثاني والعشرين من المحرم رحمه الله ورضي عنه، وكنت أود رؤيته وأتشوق إلى ذلك وأخشى أن تحول المنية دون الأمنية. فاتفق أني حججت في سنة ثلاث وسبعين وست مئة، وزرته وتمليت برؤيته، وحصل لي نصيب وافر من إقباله ودعائه، وقدرت وفاته إلى رحمة الله تعالى ورضوانه عقيب ذلك. وكذلك كنت أود رؤية الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله، فاتفق سفري إلى الديار المصرية في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وست مئة فرأيته وسمعت منه، ثم توفي بعد ذلك
بمدة يسيرة على ما هو مذكور في ترجمته رحمه الله تعالى.
علي بن أحمد بن علي بن أبي الأسد أبو الحسن المعاوي الشيخ نور الدولة النحوي المعروف بابن العقيب، توفي ببعلبك ليلة الجمعة حادي عشرين ربيع الأول ودفن بعد صلاة الجمعة بمقابر باب نخلة، وهو في عشر الثمانين رحمه الله. اشتغل بالنحو على عز الدين أحمد بن معقل وغيره، واشتغل عليه جماعة كثيرة وانتفعوا به، وكان عنده فضيلة وديانة وافرة وصبر على الفقر مع شرف النفس. وكان لوالده مال جزيل، فقيل أنه دفنه وقيل أنه أودعه، فذهب وأخرب نور الدولة المذكور داره وحفر أساسها في طلبه فلم يظفر بشيء. وله يد في النظم، ومدح والدي رحمه الله بقصائد كثيرة، وكان من أصحابه يكثر غشيانه والتردد إليه والاستفادة منه. ومن شعره في فوارة:
وبركة رق ماؤها فغدا
…
أرق من دمع عين مكتئب
تريك فوارة تفيض بها
…
ماء لجين يسيل من ذهب
صبت إليها العيون حين غدت
…
في صعد تارة وفي صبب
كراقص تارة يقوم على
…
ساق وطوراً يجثو على الركب
وقال يمدح والدي رحمهما الله تعالى ويهنئه بشعبان:
فتنت بموهوب الصبي ومعاده
…
على غير عند المشيب وعاره
وهبّت برسم كلما رمت ألفة
…
إلى البين والغيران غير نفاره
عزيز يغار الغصن من حركاته
…
ويخجل بدر التم عند ابتداره
أحن إلى تقبيل أيد وخده
…
وأخشى لهيب النار من جلناره
وما زارني إلا شكوت صبابتي
…
إليه فيرضيني بزور اعتذاره
ويأمرني بالصبر عنه عواذلي
…
وموت أخي الأشواق عند اصطباره
تهتك ستري في هواه وإنما
…
يلذ الهوى في هتكه واشتهاره
وهل نافعي طي الهوى دون كاشح
…
ينم ودمعي مولع بانتشاره
وما الغدر في تركي هواه وسلوتي
…
وقد سال في خديه مسك عذاره
تباعد عني بالصدود مزاره
…
وإن كنت مسلوب الكرى في جواره
وقد جل وجدي في هواه وإنما
…
على قاتلي في الحب حل مداره
وما زلت الحي العاشقين على الهوى
…
وازجرهم حتى صليت بناره
فسقياً الحمى...... ومن حل
…
.......فيه رائح بقطاره
فتى لم تزل تغني به عن نظيره
…
بعارفة من جاهه ونضاره
وحب ذا النادي تناءت صدوره
…
وقد خفقت عيا قلوب كباره
وغن لهم مغنى فثارت لنقصه
…
كواشر فهم فاختفى في وجاره
أتاهم به من قبل يرتد طرفه
…
بلفظ يطول البحث تحت اختصاره
ودل عليه فاستبان خفاؤه
…
ودل على تأبيده واقتداره
ومندرج بالعلم رام نزاله
…
فلم ينجه إلا جواد نزاره
أعزاً إذا ما هز في العلم والندى
…
وفي البأس لا يخشى بني غزاره
يحف له علم الوقور مهابة
…
إذا ما بدا في سمته ووقاره
وإن رفعت في حلبة المجد راية
…
حواها بسبق آمناً من عثاره
تضوّع في الآفاق نشر ثنائه
…
وهل من خفاء الصبح بعد انفجاره
فقل للمباري لست مدرك شأوه
…
ولا لاحقاً يوماً غبار غباره
له الله كم أسدى إليّ أيادياً
…
يميناً أزالت عسرتي من يساره
فما في عناني كسوة من ثيابه
…
وما في دياري مؤنة من دياره
ما زال شعري كاسداً عند غيره
…
فنفّقه لما غدا من تجاره
إليك تقي الدين أهديت غادة
…
يغار عليها يعرب من نزاره
من البيض يحدوها الرواة كما حدت
…
رعود الغوادي مثقلات عشاره
وخير من المال الثناء فإنه
…
يخلّد ذكر المرء بعد بواره
فهنئت من شعبان ليلة نصفه
…
ونلت المنى في ليله ونهاره
ولا زلت في عز وسعد ونعمة
…
ومجد منا والشمس دون نهاره
وقال أيضاً يمدح والدي رحمهما الله تعالى:
أفدى بالنفس وإن حلت وبالنشب
…
وإن أرب حفاها ربة النشب
ذهلية أذهلت من بات يعذلني
…
فيها فأصبح معذولاً أخا حرب
ريا الخلاخل والزنار في ظمأ
…
والقلب أخرس والقرطان في صخب
خود إذا ما بدت والشمس واجبة
…
في الغرب من شرق ذاك الحي لم يجب
وإن رنت أو تثنت في غلائلها
…
تظل تهتز بالقضبان والقصب
يستثبت الطرف منها وهو مثبتها
…
خالاً محباً بلا خال ولا ندب
تلبست رقة الأخلاق من حضر
…
حتى أنالت ونالت فطنة العرب
فكم تقطعت أرضاً في محبتها
…
وكم قطعت بها في اللهو من إرب
وكم ترشفت راحاً من عوارضها
…
تفوق طيباً وريحاً خمرة العنب
والرفق لو لم تكن منها معنفة
…
لما استدار بها ثغر من الجنب
لولا عذاب تجنيها وبهجتها
…
والويل لم تعذب الدنيا ولم تطب
ومهمه طامس الأعلام كنت له
…
تحت الدجى علماً بالرسم والنجب
خرق إذا الحرف ناجى فيه صاحبه
…
وهو المجرب للأهوال لم يجب
وجاوزته بأمون جسرة أخذت
…
لها أماناً من الإعياء والنصب
كأنها صعلة شامت سنا بارق
…
فبادرته إلى بيض لدى كثب
أو ناشط راعه رام بأسهمه
…
ففاتها هرباً والغضف في الطلب
أو أحقب رام أن يشأى القطا غاشياً
…
للورد فهو من التعداء في لهب
تلك التي اتخذت عندي يداً حرمت
…
بها فجلت على التصدير والحقب
وأوردتني بأمالي على ظمأ
…
مني بحار تقي الدين ذي الرتب
ذخر البرية من بدو ومن حضر
…
فخر الأئمة من عجم ومن عرب
غدا لكسب العلى والعلم في تعب
…
وراحة النفس في العلياء والتعب
نصر الحديث إذا غضت مجالسه
…
تخاله ناظراً في أوجه الكتب
مشنفاً صدف الأسماع مقوله
…
بجوهر من بحار الكفر منتخب
موقر حفة الأجفان من حزن
…
ومستحف ونور القوم من طرب
فالناس ما بين سائل ومستمع
…
ومستعيد وأواب ومنتخب
مجالس هي ريحان الجليس وقد
…
يحوي عقود الآلئ غير مجتلب
بل الرياض بكاها القطر فابتسمت
…
ثغور نوارها من أعين السحب
بل البحار طغاً تيارها وطما
…
علمها فغرقت الألباب بالجذب
محمد أنت قطب الناس قاطبة
…
ولست من ذاك في شك ولا ريب
شأوت عمراً وعمراً وابن أحمد في
…
علم الحديث وفي التفسير والأدب
وقد تلوت أبا يعلى وحسبك ذا
…
ود غفلاً في ضروب الفقه والنسب
وقد قسّاً وقيساً والكميت وإذا
…
في حلبة الرأي والأشعار والخطب
وطلت بالعلم كعباً والنوال لنا
…
كعباً وبالحلم قيساً ساعة الغضب
وأنت في العصر تاريخاً كأنك قد
…
شاهدت ما تم في الإعصار والحقب
وقد حويت علوماً ما لو تحملها
…
متالع لجثا منها على الركب
لله أنت فكم أدنيت من أمل
…
نأى المحل وكم فرّجت من كرب
وأنّستني أياد منك واضحة
…
وقد هويت بأنياب من النوب
وصنت ماء مديحي أن يكدره
…
بالحوض فيه وضيع غير متئب
إذا رأى سائلاً سالت حشاشته
…
كأنه نطفة في ناظر كلب
أو جانحاً نحوه يرجو مساعفة
…
بالجاه ضم جناحيه من الرهب
أو وارداً جوض علم بات يجهله
…
يضن منه بماء منتن القلب
مولاي قد زاد بادي جودكم رحب
…
شوقاً فبورك من زور ومن رحب
مبشرأ لك بالعمر الطويل كما
…
تهوي وإدراك ما تبغيه من طلب
وإن سعيك سعي قد نجوت به
…
وقد تقبل ما قربت من قرب
مولاي لا تنكرن تركي زيارتكم
…
مع الدنو وكوني غير مقترب
فإن إقدام جدواكم علي وقد
…
أوهي قوي الشكر يدعوني إلى الهرب
أين الذهاب عن اليم الخضم ولا
…
يزال يتحفني بالجاه والذهب
ها أنت أترك فرضاً من مدائحه
…
وقد أمنت من التأنيب والكذب
فدونك اليوم أعرابية نصفاً
…
أزرت محاسنها بالخرد والعرب
نيطت صفاتك في لبانها درراً
…
أربت على الدر بل أربت على الشهب
بالحفظ تصبح في الآفاق شاردة
…
كذا إذالتها بالصون في الحجب
وقال يصف بعلبك ويعرض يذكر السلطان الملك الأشرف بن الملك العادل رحمه الله يقول:
إذا ما رمت إدراك الأمان
…
وأحببت النجاة من الزمان
فلذ من بعلبك ربع أنس
…
تجد فيه حياتك في جنان
ولا شيء عنان النفس يوماً
…
إلى غير المثالب والمثان
ونل مما تحب مناك منها
…
وأنت من الحوادث في أمان
وقبل بالغداة خدود ورد
…
علاها الدمع من عين القيان
أذلت الظل حاذر كف جان
…
تساقط عنه ظناً بالجمان
وصن بنت الكروم إذا أذليت
…
مشامشها وصبت في الصوان
وشاهد شهدها الممزوج منها
…
بذوب الثلج من تلك الرعان
وزر منها البقاع تجد بقاعاً
…
تروق لناظر وتشوق جاني
وزد تلك الضياع ترى ضياعاً
…
مقامك في سواها من جنان
وسق أخاك من روض السواقي
…
قبيل الصبح من قان القناني
وعاين فيه نرجسه عيوناً
…
تفض لحسنها مقل الحسان
ولذ بالذلهمية إن كلاها
…
تكامل وأدلهم بلا تواني
تجد روضاً وسنديد السواري
…
فأصبح دونه البرد اليماني
وراجع بعلبك فكل ناء
…
عن الأوطان منها اليوم داني
فقد أضحت بموسي في فخار
…
ببهجته أنار النيران
فدامت في سعود من علاها
…
مقيم ما أقام الفرقدان
وقال أيضاً في المعنى:
حي من أرض بعلبك ربوعاً
…
لسوام السرور أضحت ربيعا
وتعمد ما اللجوج فقلبي
…
لم يزل نحوه لجوجاً نزوعا
لا تجاوز يا صاح جوزة بكا
…
ر إذا كنت للنصيح سميعا
وانتجع قهوة إذا قبلوها
…
شربت من طلا الكؤوس نجيعا
ومزج التبر باللجين صبوحا
…
وغبوقاً فقد أذنباً جميعا
وأرت تلك الربا ودس جبهة الع
…
ين تجد نزهة ومرأى بديعا
ثم قبل عند الجواهر عيناً
…
لصفا مائها تظن دموعا
باسقاً صيت الجنادب حيا
…
ني إذا ما سقى هناك الزروعا
وكأن الربا لزي بساط
…
مدفن فوقه الشقيق نطوعا
فاقطفا الشهد من بطون جفان
…
من قطوف تخالهن ضروعا
واسقياني في السقي شمس الحميا
…
بيد البدر لا يغب طلوعا
في جنان من الجنان من ال
…
هم فما روعه هناك مروعا
فأسمعنا بمثلها من جنان
…
في مكان ولا رأينا ربوعا
وتوقع للصيد والصوت فيها
…
صادحات على الغصون وقوعا
وأبركاً في رياض بركة عرو
…
س تحلي ربعاً حصيناً مريعا
وانظر الطير فيه كيف تهادى
…
صادرات طوراً وطوراً شروعا
جاريات في موجها كالجواري
…
رافعات من الرقاب قلوعا
صوته كاليراع طيباً وقد أق
…
لع مثل السحاب حين أريعا
وهلال من القسي رآه
…
وبدر تم فانقض يهوى صريعا
وتأمل منها ذوائب لسنا
…
ن أصيلاً ترى لهن لموعا
جبل خاسر كأن عليه
…
من بياض الثلوج ذرعاً منيعا
يا لها بلدة بموسى استطالت
…
فاستكانت لها البلاد خضوعا
فابن أيوب كابن يعقوب فينا
…
صدر هذا جوراً وذلك جوعا
فترانا إذا سمعنا مثاني
…
ذكره سجداً له وركوعا
قد بسطنا إلى تناهي الأيادي
…
وطوينا على هواه الضلوعا
وقال رحمه الله في المعنى:
لبلدة بعلبك على وفخر
…
بناه لها على تلك المباني
أكب بقرها شوقاً إليها
…
وقد منع الوصال اللولبان
كأنهما بأرض نير فيها
…
على مر الليالي كوكبان
فلا يتفرقان لطول مكث
…
وهل يتفرقان الفرقدان
ولما أصبحا فرسي رهان
…
هوت كف العنان عن العنان
عدت بكراً حصاناً لم ينلها
…
محب البيض بالسمر اللدان
ولما عز جانبها دلالاً
…
وإدلالاً لثبته في الحسان
تملكها وواصلها اقتساراً
…
مليك كل ناء منه دان
فأضحت بعلبك كطور موسى
…
فلا برحاً على مر الزمان
وله أشعار كثيرة، وتوفي وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى.
؟ علي بن الأنجب أبو الحسن تاج الدين البغدادي، المعروف بابن الساعي المؤرخ، خازن كتب المستنصرية المدرسة المشهورة ببغداد. كان فاضلاً، وله تاريخ متأخر لم يزل يجمع فيه إلى أن مات. وكانت وفاته في العشر الآخر من شهر رمضان ببغداد. ودغن في الشونيزي بالجانب الغربي، وقد نيف على ثمانين سنة رحمه الله تعالى.
علي بن عبد الرحمن بن علي بن إسحاق بن علي بن شيث القرشي الأموي أبو الحسن علاء الدين. مان أسن من أخيه كمال الدين المذكور في هذه السنة؛ وكان قد استوطن في آخر عمره أعمال الديار المصرية، فأقام بأسنا. ومولده بالقدس سنة إحدى وست مائة، وتوفي في السادس والعشرين من شهر رجب بالقاهرة، ودفن من يومه بمقابر باب النصر رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن علي بن محمد أبو الحسين موفق الدين المذحجي الآمدي. كان من صدور الأعيان للوزارة المتأهلين لها، عنده الخيرة التامة بالكتابة والتصرف مع العفة المفرطة والأمانة العظيمة والصيانة؛ وولي نظر الأعمال الكبار ثم رتب في آخر عمره ناظر الكرك والشوبك واعمالها وما جمع إليها لعظيم عناية الملك الظاهر بالكرك، فباشر ذلك مكرها، واستمر إلى أن أدركته منيته بالكرك في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن قريباً من مشهد جعفر الطيار رضي الله عنه. ومولده في ثامن شعبان سنة تسع وثمانين وخمس مائة - رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن نصر الله أبو الحسن علاء الدين الحلبي. كان من
خواص الملك الظاهر صلاح الدين يوسف بن محمد رحمه الله وذوي المكانة عنده والوجاهة في دولته. فلما نقضت الأيام الناصرية - سقى الله عهدها - استوطن المذكور حماة، فأقبل عليه صاحبها الملك النصور ناصر الدين محمد رحمه الله واستوزره، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي الى رحمة الله تعالى بحماة في صفر هذه السنة. ومولده سنة ثماني عشرة وست مائة بحلب. وكان والده منتجب الدين من أعيان الحلبيين - رحمه الله تعالى. حكى علاء الدين المذكور أن الملك الناصر رحمه الله كان يكره الجبن ورائحته ولا يمكن من إحضار شيء منه في سماطه، وكنت أنا وأخي صفي الدين نشتهي أن نأكل منه، فقلت يوماً للجاشنكير: أحضر لي قطعة جبن خفية من السلطان فقد تاقت نفسي إلى ذلك. فأحضر منه شيئاً فجعلته تحت الخوان؛ فشمّ السلطان رائحته فغضب وقال: كم أنهاكم عن أكل الجبن وانتم تخالفوني. فقلت له: يا خوند! الله سبحانه وتعالى نهانا عن أشياء وأمرتنا أنت بها فأطعناك وعصينا الله تعالى فإذا عصيناك في هذا الشيء الواحد أي شيء يكون؟ فضحك وسكت. وكان علاء الدين المذكور مشهوراً بالمروءة والعصبية وقضاء حوائج الناس والسعي في مصالحهم رحمه الله. قال في مملوك له ملكني بالعينين وملكته بالعين.
مبارك بن حامد بن أبي الفرج المنعوت بالتقى الحداد. كان من كبار الشعة المتغالين في مذهبه عارفاً به، وله صيت في الحلة والكوفة وتلك الأماكن، وعنده دين وأمانة وصدق لهجة وحسن معاملة. وكانت وفاته ببعلبك يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة، وهو في العشر السبعين -
رحمه الله. ورثاه جمال الدين محمد بن يحيى الغساني الحمصي بقوله:
لو أن البكا يجدي على أثر هالك
…
بكينا على الدهر التقي المبارك
بكينا على من كان في الحلة بيته
…
مناخ ذوي الحاجات مأوى الصعالك
بكينا على من فيه للبذل للقرى
…
فريداً وحيداً ما له من مشارك
جواداً إذا ما الغيث ضن فلم يجد
…
روى جنوده بالوابل المتدارك
يؤمّ بها كل الكرام ويهتدي
…
بحيث اهتدات أم النجوم الشوابك
تقيّ تقيّ لا محل ديانة
…
بفرض ونفل من جميع المناسك
بريء وذاك المصطفى خير متجر
…
وان صدّ عنه بالظبى والنيازك
وقد كان أحيى من فتاة حيية
…
وأفتك في الهيجاء من كل فاتك
ستبكيه أبناء الفواطم سادة
…
ألا ناصر إذا افتروا لعواتك
وتبكيه عدنان تميم وقيسها
…
وطيء وحيا مذحج والكاسك
وإن غاب عنا وجها الطلق عندنا
…
لندعوه في جنح من الليل حالك
وإن لم يزره المؤمنون فإنه
…
تعوض واستغنى بزور الملائك
ولو انه مما يردّ بقوة
…
رددناه بالبيض الرقاق البواتك
ولكنه الموت الذي فيه يستوي
…
فقير ومسكين برب الممالك
ولسنا نبكّيه وقد فارق العنا
…
وراحت به التقوى الى ما هنالك
فراحت إلى رضوان في عدن روحه
…
وروح معاديه إلى عند مالك
ويدلّ من حمّى الحديد وضربه
…
بولدانها والحور فوق الأرائك
وممتحن لم يثنه عن ولاية
…
مخوف وعيد بالردى والمهالك
رأى الهون فيما ناله الآن هيّناً
…
فجاد ببذل النفس منه لسافك
فلا الخلق لما فارقوا الحق والهدى
…
وفارق منهم كل غاو وآفق
وعاف البقا في دار دنيا دنيّة
…
وحلّ قصوراً مهدت بدرانك
وماذا اغترار العارفين بمومس
…
مخادعة مشهورة الغدر فارك
تعزّ بعيش برقه برق خلّب
…
وعمر قصير ذي زوال مواشك
وقد قرّبت أفراحها وغمومها
…
بكاء بواكيها بضحك الضواحك
محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلّد الأنصاري أبو عبد الله عماد الدين ويسمى عبد العزيز أيضاً، أخوه قاضي القضاة عز الدين بن الصائغ لأبيه. كان إماماً عالماً فاضلاً متبحراً في مذهب الشافعي متصلقاً في فنون الأدب والعروض والحساب والجر والمقابلة وقسمة الأراضي، لم يكن في زمانه مثله في مجموعه، وكان صدراً كثير الخير عليه سكون ووقار إذا تكلم يحفظه صوته. وكان احد تلامذة الشيخ محيي الدين ابن العربي - قدس الله روحه ورضي عنه - لازمه دهراً طويلاً، وأخذ عنه وكتب من تصانيفه الفتوحات المكية ووقفها على المسلمين وكتب غير ذلك من تصانيفه، وكان يفهم كلامه ويعرف إرشادات الشيخ ورموزه بتوقيف منه على ذلك. درّس مدة بالمدرسة العذراوية وأفاد الطلبة إلى حين وفاته، وبشر ديوان الخزانة أيضاً. سمع من أبي عبد الله الحسين بن الزبيدي
وأبي المنجا بن اللتى وأبي عبد الله محمد بن غسان الأنصاري وغيرهم، وحدّث بصحيح البخاري وغيره، وسمع أيضاً من مكرم وابن صباح وسمع من خلق كثير. وكانت وفاته يوم السبت ثامن رجب هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون. ودرّس بالعذراوية أخوه قاضي القضاة عز الدين أبو المفاخر ولم يزل بها إلى أن مات - رحمهم الله تعالى.
محمد بن عبد الله بن أبي أسامة مفيد الدين بن الشيخ جمال الدين أبي صالح المعروف بابن الأحواضي، كان مفنناً ذا علوم كثيرة والغالب عليه المنطق والحكمة والفلسفة والميل إلى مذهبهم؛ توفي بقرية حراجل من جبل الحردبين ليلة الجمعة رابع جمادى الأولى ولم يبلغ أربعين سنة. ووالده شيخ الشيعة والمقتدى به عندهم والمشار إليه في مذهبهم وسيأتي ذكره - إن شاء الله.
محمد بن عبيد الله بن حزيل أبو عبد الله بهاء الدين، كان صدراً كبيراً عالماً فاضلاً رئيساً، توفي في هذه السنة بالقاهرة. ودفن بالقرافة الصغرى وهو في عشر الستين - رحمه الله تعالى. أخبرني بذلك صاحبنا تاج الدين عبد الله وهو ابن أخيه، ومن شعر بهاء الدين المذكور قوله:
إنما أشكو إلى الخلق هواناً ومذلّة
…
فاترك الخلق واترك كل ما تارك الله
وقال:
قالوا الحمام سيأتي هجماً عليك مصابه
فقلت أهلاً وسهلاً إن حاز اقترابه
…
ما كان لا بدّ منه يهون عندي صعابه
الموت للناس حتم وذاك في الخلق دأبه
…
لي خالق بي رؤوف للجود يقصد بابه
العفو منه يرجى جواداً ويخشى عقابه
…
ولست أكره أني ألقاه لكن إهابه
وله مما يكتب في حياصة:
لقد غار مني العاشقون وأظهروا
…
قلائي فلا نال الوصال غيور
ومن ذا الذي أضحى له كعلائقي
…
لديه ولكنّ النفوس غرور
وقد ضاع مني خصره فوق ردفه
…
فلا عجب أني عليه أدور
وله في المعنى في حياصة ذهب:
غار المحبون مني
…
إذ درت حول نطاقه
ونلت ما لم ينالوا
…
من ضمه واعتناقه
ما اصفرّ لوني إلا
…
مخافة من فراقه
وله في جواب كتاب:
أهلاً وسهلاً بكتاب غدا
…
كالروض جادته سماء السماح
وافى فمن فرط سروري به
…
بات نديماً لي حتى الصباح
تمزج فيه بالعتاب الرضا
…
وانما تمزج راحا براح
وله كتب بها إلى بعض أصحابه بالحجاز الشريف:
يا راحلاً قد كدت أقضي بعده
…
أسفاً وأحشائي عليه تقطّع
شطّ المزار فما القلوب سواكن
…
لكنّ دمع العين بعدك ينبع
وقال وقد اشتد به المرض:
لا يجد همّي ولا حزني
…
أم مفقود لها وله
ما بقاء الروح في جسدي
…
غير تعذيب لها وله
وقال أيضاً:
يا بديع الجمال رقّ لمن
…
ستر هواك عليك مهتوك
دموعه في هواك جارية
…
وقلبه في يدك مملوك
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
ولقد شكوت لملتقى
…
حالي ولطفت العباره
فكأنني أشكو إلى
…
حجر وإن من الحجارة
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
وبي رشأ مصون في الفؤاد له
…
ودّ فما أحد في الناس يشركه
مهابه في قلوب العاشقين له
…
فكم دم منهم باللحظ يسفكه
يا من يروم وصالاً منه مت كمداً
…
إن الوصال إليه عنه مسلكه
يا عاذلاً قد لحاني في محبته
…
إليك عني فإني لست أتركه
وليس يقبلني إلا تعففه
…
مع الأنام ولي وحدي تهتّكه
وهذا صدق قول بعضهم في مبذول:
وليس يقبلني إلا تهتكه
…
مع الأنام ولا وحدي تعففه
ولزين الدين المذكور في شبابة:
وناحلة صفراء تنطق عن هوى
…
فتعرب عما في الضمير وتخبر
يراها الهوى والوجد حتى أعادها
…
أنابيب في أجوافها الريح تصفر
ومما انقل من خطه على ديوان عز الدين أحمد بن معقل:
لسيدنا الحبر الإمام ابن مقبل
…
قصائد شعر كالقلائد في النحر
هو البحر في جود وعلم نائل
…
ولا عجب للبحر يقذف بالدرّ
هي الروضة الغناء يمهقها الحيا
…
وأنبت في أرجائها يانع الزهر
عرائس أبكار المعاني يلفظه
…
على الطرس يحلى منه في حبر الحبر
فما عقد السحر الحرام كنظمه
…
ولم يحكه حسناً عقود على السحر
وله وقد أنشد:
قالوا تسلّ بغيره عن حبه
…
يسليك عنك قلت لا وحياته
من أين لي وجه يكون كوجهه
…
حسناً ومن أوصافه كصفاته
الحسن أجمع في حبيبي إنه
…
أضحى يتيه على الوجود بذاته
يا غائباً عن ناظري وخياله
…
أبداً يراه القلب في مرآته
عطفاً على دنف أجلّ مراده
…
إن كنت تقبله على علاته
إن لم تجد بالوصل منك له فقد
…
عاجلته بالموت قبل مماته
محمود بن عابد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن جعفر بن عمارة بن عيسى بن علي بن عمارة أبو الثناء تاج الدين التميمي الصرخدي الحنفي. مولده سنة ثمان وسبعين وخمس مائة بصرخد، وتوفي ليلة الجمعة السادس
والعشرين من ربيع الآخر بدمشق بالمدرسة النورية، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر عند قبر شيخه جمال الدين الحصيري - رحمه الله تعالى.
وكان تاج الدين المذكور من الصلحاء العلماء الفضلاء، لين الجانب، دمث الأخلاق، كريم الشمائل، كثير التواضع، قنوعاً من الدنيا بقدر الكفاية، معرضاً عن التكثر مع تمكنه من ذلك وقدرته عليه؛ وكانت له وجاهة عظيمة عنند الملوك والأمراء والوزراء والأكابر والقبول العظيم من الخاص والعام. وله اليد الطولى في النظم، فمن شعره:
حدث فقد حدثتنا دوحة السلم
…
عنهم فما أنت في قول بمتّهم
أخيّموا بالكثيب الفرد أم نزلوا
…
منابت الرمل بالوعساء من إضم
هل حدثوك فأضحى الدرّ من صدف
…
الثغور ما بين منثور ومنتظم
أضحى النسيم عليلاً ما به رمق
…
لما رموه من الجفان بالسقم
أهوى حديث قديم العهد إن نطقت
…
به المعاهد عن أحبابنا القدم
ويزدهيني وميض البرق في سدف
…
من الظلام بحالي ثغر مبتسم
بأمور ذا اللهو من أجزاع كاظمة
…
نحن العطاش إلى سلسالك الشبم
أعابد فيك ما قضيت من وطر
…
مع الظباء ولو في طارق الحلم
أفدى أناساً لووا عهد اللوى ونأوا
…
عني وما حلت عن عهدي ولا ذمم
أحبة كلما اشتاق عن ادّكارهم
…
تبدل الدمع من تذكارهم بدم
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
إن كان قصدي غيركم يا سادتي
…
لا نلت منكم بغيتي وإرادتي
من ذا الذي حاز الجمال سواكم
…
فأحبه وتقوم فيه قيامتي
والله لا أنسى محبته سادة
…
إحسانهم تمحو قبيح إساءتي
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
لقديم وجدي في هواك حديث
…
تفنى به الأيام وهو حديث
ولطيب ذكرك في فؤادي خطرة
…
ميت الغرام بنشرها مبعوث
أضحى الغرام يزيد وهو كمدمعي
…
جار إلى جاري العيون حثيث
ولقد بكيت على زمان المنحنى
…
أسفاً فدمعي للديار غيوث
يا أيها الصب الذي أجفانه
…
وحش وأحداق العيون حثيث
بالله يا ميثاق سلع ضائع
…
عندي ولا عهد الحمى منكوث
يثنيك عني مثل ودّ ماذق
…
ويعوف طرفك إن أراد يغوث
ببلية صليت في شرع الهوى
…
ما لي عليها في الأنام مغيث
حدق وأجفان سبت بسوادها
…
قلبي وفرع كالظلام أثيث
لولا ابتسام الثغر ريع هذه
…
هذا لكن أضلني التثليث
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
قسماً بتعريف الحجيج وليلة ال
…
مسعىوأيام الحطيم وزمزم
والرمي والجمرات والتشريق وال
…
بيت العتيق وكل أشعث محرم
وسعى إخوان الصفاء على الصفا
…
وبما أريق على المحصب من دم
لأحلت عن حييكم وبحبكم
…
يلقى الإله حشاشتي بل أعظمي
هذا وقلبي ما غدا من حبكم
…
صفراً ولا حبي لكم بمحرم
وإذا ذكرتكم غنيت بذكركم
…
عن مشرب طول الزمان ومطعم
وإذا ابتسام البرق حرّك ساكنا
…
في القلب حرّكتم بكل تبسم
لكم تعطرت الخمائل الربا
…
بنسيمكم وحياتكم بمتيّم
فلأشكرن يد النسيم وواجب
…
بين الورى تكرار شكر المنعم
علقت بروحي أو وقد علقتكم
…
قلبي فمجموعي بكم وتقسمي
إن جنكم صب فليس بمدنف
…
أو حازكم قلب فليس بمغرم
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
لا تقولوا سلا المحب هوانا
…
لا ولو ذقت في هواكم هوانا
أنا صبّ أرى المذلة عزاً
…
في رضاكم وذنبكم غفرانا
لست أسلوكم وحاشى هواكم
…
أن يرى فيه عاشق سلوانا
أيها المعرضون ردوا على المش
…
تاق قلباً عذبتموه زمانا
أفردوا الرقاد ثم مرّوا الطي
…
ف مراراً لعله يغشانا
أين أيامنا ونحن وأنتم
…
قد غدونا على الحمى جيرانا
تسرح العين فيكم فيرى النا
…
ظر في كل نظرة بستانا
لا ولا ذقت وصلكم إن تطلّب
…
ت خروجاً عن حبكم وأمانا
قال أيضاً - رحمه الله تعالى:
قضى ولم يقض من أهل الحمى إرباً
…
صبّ متى شام برق الأبرقين صبا
لاحت له في الدجى نار على علم
…
وهناً فآنس منها قلبه لهبا
فحنّ وجدا إلى الوادي نزلوا
…
به وبات بتلك النار مكتئبا
يهيجه نشر رند في النسيم على
…
بعد ويصبو إذا برق الحمى وجبا
ويسأل البرق من نجد إعادة أيامه البيض والعيش الذي ذهبا
هيهات يا سرحة الوادي بشعبهم
…
للشمل فيك التئام بعد ما انشعبا
وقال - رحمه الله تعالى -:
رعى الله ليلاً زارني في دجائه
…
رشيق التثني مسرف في جماله
فمزق جلباب الدجى صبح وجهه
…
وضوّع جمر الخد غنبر خاله
وبتّ ولي من ريقه العذب قرقف
…
معتقة ممزوجة بدلاله
مضى وانقضى ذاك الوصول كأنما
…
منام رأته العين طيف وصاله
لقد صدّ حتى لو تمنيت طيفه
…
يضنّ على ضعفي بطيف خياله
واتبعه هجراً يرى الوصل عنده
…
حراماً فوصلي لا يمرّ بباله
وما زال يوليني الصدود تدللاً
…
فوا حرباً من صده ودلاله
وقال أيضاً رحمه الله:
أنتم لأجسامنا الأرواح والمهج
…
وللنواظر فيكم منظر بهج
أنتم لنا الحجة العظمى إذا انقطعت
…
بنا الأدلة يوم البعث والحجج
لا نرتجي غيركم في كل نائبة
…
إذا ذكرناكم بالذكر ينفرج
وما سلكنا إليكم في الدجى بهجاً
…
إلا وأشرق نوراً منكم البهج
لنا الهداية منكم لا نضلّ ولا
…
نخشى الضلال وأنتم للورى سرج
لولاكم ما اغتدت منا القلوب هوا
…
ء يتيه في نشر رياه وينبهج
منكم رأينا طريق الحق واضحة
…
لا زيغ فيها ولا أمت ولا عوج
ففي القلوب لنا من ذكركم طرب
…
وفي النسيم لنا من نشركم أرج
وفيكم نزه الأبصار ما نظرت
…
إلا وعنّ لها من حسنكم فرج
وحبكم مذهب لولاه ما رفعت
…
عنا المشقة والتكليف والحرج
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
سقى الله أيام الحمى ما يسرها
…
وخصك يا عصر الشبيبة بالرضا
فعنك عرفت النفس غضّاً مطاوعاً
…
ولكنه لما انقضى عصرك انقضا
فلولاك لم يسفح على السفح عبرة
…
لعيني ولا صدّ السرور وأعرضا
ولا نلت برقاً بالثنية لامعاً
…
ولا غاص دمع العين من قبقبة الأضا
ولا ترف الدمع المصون كآبة
…
عليك لما أدى حقوقا ولا قضى
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
سلام على الدار التي قد تباعدت
…
ودمعي بها طول الزمان سفوح
خليلي ما لي لا أرى بأن حاجر
…
يلوح ولا نشر الأراك يفوح
يعز علينا أن تشط بنا النوى
…
ولي عندكم قلب يذوب وروح
إذا نفحت من جانب الرمل نفحة
…
وفيها غزار للغوير وشيح
وضاعت رياض الحزن في رونق الضحى
…
وهب لنا من نحو رامة ريح
تذكرتكم والدمع يستر مقلتي
…
وقلبي باستياف البعاد جريح
وقلت وبي من لاعج الشوق زفرة
…
ولوعة وجد تغتدي فتروح
ألا هل يعيد الله أيامنا التي
…
نعمنا بها والحادثات تروح
وقال أيضاً رحمه الله:
قلبي بتذكار الأحبة مولع
…
حيران من ألم الفراق مولع
كيف التصبر بعد فرقة سادة
…
فارقتهم والقلب مني موجع
يا صاح لو أبصرتني لرثيت لي
…
والقلب عند فراقهم يتقطع
وأنا أنادي والمدامع هطل
…
يا رب قل تصبري ما أصنع
وقال أيضاً رحمه الله:
يا حادي العيس مر بي حيث ما ساروا
…
أذابني لهم شوق وتذكار
ساروا وقلبي على جمر الغضا تركوا
…
وكيف يصبر من في قلبه نار
تلك البدور سروا تحت الظلام دجى
…
فهتكت تحت ذاك الستر أستار
دعني أمزق أسرار الحياء بهم
…
فما عليّ إذا مزقتهم عار
وقال أيضاً رحمه الله:
ما نلت من حب من كلفت به
…
إلا غراماً عليه أو ولها
ومحنتي في هواه دائرة
…
آخرها ما يزال أولها
وقال أيضاً: أنشدها للشيخ شمس الدين الستي الواعظ البغدادي بجامع دمشق في الأيام المعظمية وكان يجلس يوم الثلاثاء:
أيها العالم الذي ورثته ال
…
علم جداً أجداده ميراثا
والذي إن أتى بوعد وعهد
…
كان لا مخلفاً ولا نكاثا
كل يوم نراك بحراً خضيماً
…
نغرف الدر منه يوم الثلاثا
قسم الدهر للتفحص في ال
…
علم والنسك والندى أثلاثا
نام طرف الخليل ليلاً فنودي
…
هب فاذبح مطهماً دلهاثا
والبشير النذير نام وما كا
…
ن يذوق المنام إلا حثاثا
فأتاه آت فناداه قم فار
…
كب متن البراق وامض مغاثا
واسر حتى ترى مقاماً كريماً
…
تعجز سيرك البروق الحثاثا
أي فرق بين المنامين بين
…
ما تراه بين البرية عاثا
؟ محمود بن عبيد الله بن أحمد أبو المجاهد ظهير الدين الزنجاني الصوفي الفقيه الشافعي، كان من أعيان الصوفية وأكابرهم وعنده فضيلة، ويفتي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله؛ وكان إمام المدرسة التقوية بدمشق وأكثر نهاره بها، وفي الليل يبيت بالخانكاة الشميساطية. سمع الكثير وحدث واشتغل عليه جماعة، صحب الشيخ شهاب الدين السهروردي وسمع عليه عوارف المعارف وغير ذلك، وحدث به وصنف تصانيف مفيدة، منها الرسالة المنقذة من الجمر في إلحاق الأنبذة بالخمر. وقال أيضاً رحمه الله: توفي بدمشق وقد نيف على السبعين سنة من العمر رحمه الله تعالى. وكان والده ركن الدين عبيد الله قاضي زنجان من الفضلاء. ومن شعر ظهير الدين رحمه الله:
إلهي! ذنوبي والخطايا كثيرة
…
فأنت الذي تعفو وتمحو الكبائرا
متاعي من الطاعات والبر بائر
…
فأنت الذي يسري وأشرك مآثرا
وإن كنت تصلي النار نفسي بنورها
…
وويل على النفس التي كنت بائرا
وقال أيضاً رحمه الله:
قد قال لي العين أعين الشيطان
…
في الخلوة لم سكنت بين الاخوان
أشكر فرحاً وكل ونم قلت له
…
بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان
مسعود بن عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حموية الجويني الملقب سعد الدين، هو أسن من أخيه الشيخ شرف الدين، وكان أولاً يعاني زي الخدمة، ثم لما أسن ترك ذلك الزي ولبس القيار وصار شريكاً لأخيه في مشيخة الشيوخ بدمشق، وكان عنده إطلاع على التواريخ وأيام الناس، وجمع في ذلك جموعاً مفيدة. وقال أيضاً رحمه الله: توفي بدمشق ليلة الجمعة سابع وعشرين ذي الحجة، ودفن يوم الجمعة بسفح قاسيون؛ ومولده ليلة الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، وأمه عالية النسب ابنة الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد القشيري.
سمع سعد الدين المذكور على الكندي المقامات وأجزاء أدبيات في سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وسمع على القاضي جمال الدين عبد الصمد بن الحرستاني مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وسمع البخاري بقراءة أبي الفضل الوليد على عبد السلام بن عبد الله بن بكران الداهري لحق سماعه من السجزي عن الداوودي عن
السرخسي عن الفربري عن البخاري، وأجازه جماعة، منهم الشيخ يحيى بن عقيل بن شريف السعدي، ومجد الدين عمر بن دحية والشيخ محمود بن عبد الله الحاري وغيرهم وحدث. وله نظم لا بأس به فمنه - وقد رأى مملوكاً حسن المنظر في يده كلب صيد:
رأيت في الصحراء ظبياً غدا
…
مرتعه لب قلوب الرجال
في يده كلب أسير له
…
وعادة الكلب يصيد الغزال
وله أيضاً في الزهر:
رأيت أزاهير الرياض وقد حكت
…
بياض مشيب المرء حين علاها
وقد ثملت أغصانها فهي تنثني
…
وجاد عليها المزن ثم سقاها
ومن عجب أن يهرم الشيب دائماً
…
وهذا مشيب الدوح بدر صباها
وله يتشوق إلى دمشق يمدح الملك المظفر صاحب ميافارقين:
غرامي إلى الأحباب ليس يحول
…
وفرط اشتياق نحوهن طويل
أحن إلى ماذي دمشق ودوحها
…
إذا رفحته بالأصائل قبول
أيا راكباً بلّغ هديت تحيتيإلى من هموا على الشئام نزول
وخبرهم أني حواني منزل
…
بأكناف ميافارقين ظليل
أرى ملكاً الذي ملوك زمانه
…
يميناً وناديه أعز جميل
من النفر الشم الذين سمعت بهم
…
فروع إلى علياهم وأصول
هو الملك غاز ليس في الناس مثله
…
كريم شجاع صادق وأصيل