المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر قصد أبغا الروم لأخذ النشاز - ذيل مرآة الزمان - جـ ٣

[اليونيني، أبو الفتح]

فهرس الكتاب

- ‌السنة الحادية والسبعون وستمائة

- ‌ذكر استيلاء الملك الظاهر على ما بقي من قلاع الإسماعيلية

- ‌ذكر هرب عمرو بن مخلول من آل فضل

- ‌ذكر عزل الصاحب خواجا فخر الدين وزير الروم

- ‌فصل

- ‌السنة الثانية والسبعون وست مائة

- ‌متجددات الأحوال

- ‌ذكر أخذ بيلوس أمير عرب برقة

- ‌ذكر قبض الملك الكرج

- ‌ ذكر مراسلة دارت بين الملك الظاهر ومعين الدين البرواناة

- ‌فصل

- ‌السنة الثالثة والسبعون وست مائة

- ‌متجددات الأحوال

- ‌ذكر هرب رئيس الإسكندرية ومن معه من عكا

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌ السنة الرابعة والسبعون وستمائة

- ‌مجددات الأحوال

- ‌ذكر ما ورد من أخبار بلاد الروم

- ‌ذكر ما دبر البرواناة في إخراج آجاي

- ‌على ما كاتب به البرواناة

- ‌ذكر استئصال شأفة النوبة

- ‌السنة الخامسة والسبعون وست مائة

- ‌متجددات الأحوال

- ‌ذكر وفود بيجار وولده بهادر

- ‌ذكر هروب شرف الدين بن الخطير

- ‌ذكر ما حدث ببلاد الروم عند وصول التتر

- ‌ذكر عرس المللك السعيد

- ‌ذكر توجّه الملك الظاهر إلى الروم

- ‌ذكر ما اعتمد عليه الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان

- ‌ذكر قصد أبغا الروم لأخذ النشاز

- ‌السنة السادسة والسبعون وست مائة

- ‌متجددات الأحوال

- ‌ذكر ما كان ينوب دولته من الكلف المصرية خاصة

- ‌السنة السابعة والسبعون وستمائة

- ‌فصل في المشاهد الجمالية:

- ‌فصل في المظاهر العلوية:

- ‌فصل في المظاهر المعنوية:

- ‌فصل في المظاهر الجلالية:

- ‌‌‌‌‌‌‌‌‌فصل:

- ‌‌‌‌‌‌‌فصل:

- ‌‌‌‌‌فصل:

- ‌‌‌فصل:

- ‌فصل:

- ‌فصل:

الفصل: ‌ذكر قصد أبغا الروم لأخذ النشاز

من فيها سبعون ألف درهم فدخلوها وجلّسوا علاء الدين على التخت.

ثم بلغ شمس الدين بن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمد ونصرة الدين محمود ابني الصاحب فخر الدين خواجا على أن حشدوا وقصداهم فساروا إليهما وعلاء الدين معه فالتقى بهما على اق شهر فكسرهما وقتلهما، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن المستوفى صاحب أنطاكية، وهو خال البرواناة، وقتلوا جلال الدين خسروا بك بن شمس الدين بوتاش بكلاربكي، وأخذ رؤوسهم وعادوا إلى قونية في آخر ذي الحجة، واستمروا بها إلى أن دخلت سنة سبع وسبعين، فبلعهم أن أبغا وصل إلى مكان الوقعة، فرحلوا عن قونية وطلبوا الجبال، وكان مقامهم بقونية سبعة وثلاثون يوماً.

‌ذكر قصد أبغا الروم لأخذ النشاز

كان البرواناة لما رأى الدائرة على التتر كتب إلى أبغا يعرّفه ويستحثه على المبادرة ليدرك البلاد قبل أن يستولي عليها الملك الظاهر، ثم كان من دخوله قيصرية وخروجه إلى دوقات ما ذكرناه. فلما قضى غرضه من حفظ ما كان معه من الذخائر والأموال وترتيب أمر السلطنة، بلغه توجه أبغا طالباً بلاد الشام، فخرج غله فوافاه في الطريق، وسار معه بمن بقي من العساكر إلى ان وصل البلستين. فلما شارف المعركة ورأى القتلى بكى ثم قصد منزلة الملك الظاهر فقاسها بعصا الدبوس فعلم عدة من كان فيها من العساكر، فأنكر على البرواناة كونه لم يعرفه بجلية أمرهم، فأنكر ان يكون عنده علم منهم، وأنه ما أحس بهم غلا عند دخولهم، فلم يقبل منه هذا العذر، وحنق

ص: 185

عليه، وقال بحق ما قالوا: إن لك باطناً مع صاحب مصر. ثم بعث إلى عسكره إلى الشام، وكان عز الدين إيبك السنجي قد عاد في خدمته فقال: أرني مكان الميمنة والقلب والميسرةفأوقف له في كل منزلة رمحاً. فلما رأى بعد ما بين الرماح قال: ما هذا عسكر يكفيهم هذه الثلاثين ألف الذين جاؤوا معي، ثم سيّر إلى العسكر الذي توجه إلى كينوك وطلبه. ثم بلغه أن الملك الظاهر بالشام متّهم بلقائه، وكان قد نفق أكثر خيل أبغا وخيل عسكره، فرأى من نفسه الضعف فرد إلى قيصرية، وسأل أهلها: هل كان مع صاحب مصر جمال؟ فقالوا: لم يكن معه إلا خيل وبغال. فقال: هل نهب منكم شيئاً؟ قالوا: لا. فقال: كم لهم عندكم يوم؟ فقالوا: خمسة وعشرون يوماً. فقالوا: هم الآن عند جمالهم وأموالهم.

ثم عزم على قتل من في قيصرية من المسلمين فاجتمع إليه القضاة والفقهاء. وقالوا: هؤلاء رعيى لا طاقة لهم بدفع عسكرهم مع الزمان في طاعة من ملكهم، فلم يقبل وأمر بقتل جماعة من أهل البلد وقاضي القضاة جلال الدين وأمر عسكره فانبسط في البلد، وقتل عالماً عظيماً من الرعية ما ينيف على مائتي ألف وقيل خمس مائة ألف من فلاح إلى عامي إلى جندي من قيصرية إلى ارزن الروم وما بينهما.

وفي اوائل هذه السنة تقدم فخر الدين طغاي البحري على جماعة من الغيارة وكبس دنيسر، ونهب من بها، وقتل نحواً من ثلاثين نفراً وأسر جماعة من النصارى، وفي رجوعه حصل بين مقدمي العسكر مشاجرة على

ص: 186

المكاسب، ولم يظهر سوى القليل، وغضب صاحب ماردين لكونه حصلت الغارة على بلده.

وفي يوم الخميس حادي عشر شوال انتهت الكسوة برسم الكعبة الشريفة وطيف بالمحمل بالقاهرة فتوجه بها الطواشي محسن مشدّ الخزانة أمير الركب.

وفي سابع عشر شوال وجد إلى جانب دير البغل ظاهر مصر مكان فيه آثار محارب المسلمين فوقف عليه العدول والمهندسون، وأثبتوا أنه كان مسجداً وشرع في عمارته.

وفيها: توفي إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر أبو إسحاق الحموي الكناني بالقدس الشريف وهو من أصحاب الشيخ أبي البيان رحمه الله أعني من المنتمين إليه. سمع من فخر الدين بن عساكر وغيره، وحدث وكان من الصلحاء الذاكرين الله كثيراً، رافقته في طريق الحجاز سنة ثلاث وسبعين وست مائة قلّ أن صادفته إلا وهو يذكر الله تعالى. ومولده يوم الاثنين منتصف رجب سنة سبع وتسعين وخمس مائة وهو والد قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة. وكانت وفاته يوم عيد النحر رحمه الله واسم شيخه نبأ بن محمد بن محفوظ بن أحمد أبو البيان القرشي

ص: 187

الشافعي شيخ فاضل مشهور كثير الاتباع بدمشق وغيرها. وكتب بخطه كثيراً من كتب الأدب وغيره، ولأصحابه من بعده بني في أيام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله الرباط الذي ينسب إليه بدرب الحجر بدمشق سنة خمس وخسمين وخمس مائة. وكان أبو البيان يجلس بأصحابه في المسجد الكبير المعروف بمسجد درب الحجر وصنف لهم كتاب الذكر ذكر فيه نظوماً عجيبة واسجاعاً غريبة أثنى فيها على الباري سبحانه وتعالىأنواعاً من الثناء، وكان يوردها في المساجد والمشاهد ليلاً بين أصحابه وهم يكررونها بأصواتهم، وبقي بعد ذلك يفعلها أصحابه بدمشق وغيرها إلى زماننا هذا وله نظم حسن فمنه:

ولما لم اجد في الوسع شيئاً

يليق به سوى ما كان منه

جعلت هديتي تمشي إليه

وكيف أصون ما هو منه عنه

وقال أيضاً رحمه الله:

أيها المغرور بالدنيا إلى كم ذا الغرور

كيف يغتر بالعيش من إلى الموت يصير

ثم بعد الموت عرض

وحساب ونشور

قال الشيخ أبو البيان رحمه الله: قد صنفت في القوافق كتاباً سميته كتاب قصيدة التاج الأدبي في علم قوافي الشعر العربي، وذكرت فيه من أحكام قوافي الشعر وضروبها وعيوبها وألقابها وشواهد ذلك ما لم أظن أحداً من العلماء صنع مثله، ولا ذكر ما ذكرته فيه؛ ولله الحمد، وتكلم على مواضع

ص: 188

من نظمه وشرحها وبسط القول فيها، واستشهد على لفظ أصيلبمعنى مكين ثابت من قولهم فلان أصيل الرأي فقال: قال ابن صمصام الرقاش في آياي تسعة آخرها:

لا يعجبنك من خطيب قوله

حتى يكون مع البيان أصيلا

شرّ البيان بيان أهوج مكثر

في القول لا يلفى له معقولا

قال: ومن زعم ان هذا الشعر للأخطل التغلبي فقد أخطأ. وفيه البيت الذي استشهدت به الأشعرية على حقيقة الكلام على ما أنشده وهو:

إن من البيان من الفؤاد وإنما

جعل السان لما يقول رسولا

ورواه الأشعرية:

إن الكلام من الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

قال: والصحيح ما قدمناه لأن الآيات عندنا جميعها باسم قائلها وشاعرها محدث. قال: وليس هذا موضع الكلام على هذه المسألة، ونحن على المنهاج الأفضل وإجماع السلف الأول. توفي الشيخ أبو البيان رحمه الله بداره بدمشق في درب الحجر شمالي الرباط المنسوب إلى أصحابه في شهور سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، ودفن بمقابر باب الصغير في مقبرة الصحابة رضي الله عنهم. وقال أبو يعلى التميمي: توفي يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الأول من هذه السنة المذكورة. نقلت ذلك من خط قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله تعالى.

أحمد بن عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن

ص: 189

أبي عصرون أبو المعالي قطب الدين التميمي الشافعي، مولده بحلب في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة. سمع من ابن طبرزد وعبد الصمد الحرستاني وغيرهم، وأجاز له جماعة من شيوخ بغداد، منهم عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، ودرس بالمدرسة الأمينية بدمشق مدة، وبالمدرسة العصرونية وقف جده. وبيته مشهور بالعلم والتقدم. وكانت وفاته بحلب يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة من هذه السنة - رحمه الله تعالى.

ايدكين بن عبد الله علاء الدين الخزندار الصالحي متولي قوص، كان عنده شجاعة وإقدام وكفاية وضبط لعلمه على اتساعه؛ وله نكايات في المجاورين له من النوبة وغيرهم. وتوفي ثالث وعشرين ذي القعدة وقد ناهز خمسين سنة من العمر، وخلف تركة طويلة جليلة المقدار.

بحتر بن الخضر بن بحتر شجاع الدين، قد تقدم ذكر أخيه شهاب الدين، وكان هذا شجاع الدين حسن العشرة والمكارم، وخدم عند الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة المحروسة؛ بقي في خدمته إلى أن أدركته منيته بحماة في العشر الآخر من جمادى الأولى هذه السنة، وهو في عشر الخمسين رحمه الله ثم نقل إلى بعلبك، ودفن عند والده بالقرب من قبة الزرزاري رحمه الله.

جعفر بن محمد بن علي أبو محمد بدر الدين المذحجي الآمدي، مولده سنة سبع وتسعين وخمس مائة، وتوفي ليلة الأربعاء رابع عشرين شوال

ص: 190

بدمشق. كان ناظر النظار بالشام، وهو في محلّ الوزارة يتعرف في الأموال والولاية والعزل، وكان حسن السيرة ليّن الكلمة كثير الرفق والستر لايكشف لأحد عورة، واما أمانته وعفّته فإليها المنتهى. وكان عنده تشيّع لكنه لم يسمع منه ما يؤخذ عليه رحمه الله.

جندل بن محمد الشيخ الصالح العارف، كان زاهداً عابداً منقطعاً صاحب كرامات وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جدّ واجتهاد ومعرفة بطريق القوم. وكان الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري رحمه الله يتردد إليه في كثيرمن الأوقات وله به اختصاص كثير. قال ولده الشيخ برهان الدين - نفع الله به: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير يستغرق وقته في الكلام معه بما لا يفهمه احد من الحاضرين بألفاظ غريبة. وقال الشيخ تاج الدين المذكور رحمه الله: الشيخ جندل من أهل الطريق وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة اثنتين وستين فسمعته يقول: طريق القوم الواحد، وأنما ثبت عليه ذوو العقول الثابتة، وقال أيضاً رحمه الله: قال: الموله منفي، ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفي لرجع عما هو عليه. وقال أيضاً رحمه الله: قال: ما تقرب أحد إلى الله بمثل الذل والتضرع. وقال أيضاً رحمه الله: وقال الشيخ تاج الدين رحمه الله: اجتمعت به في سنة إحدى وستين وست مائة فأخبرني أنه قد بلغ من العمر خمساً وتسعين سنة، واجتمعت به في شعبان

ص: 191

سنة أربع وستين، فقال: أنا أحق الملك العادل، وقد جاء من حلب عسكر يحاصره، وكان عمري إذ ذاك خمس عشرة سنة، وقال لي: دنا الموت ولم يبق إلا القليل، ثم قص على رؤية استدل بها على هذا، فسألته عن الرؤيا فقال: رأيت من زمان مقادم كأني أفرغت في بيتي جمل بصلي فأخذت منه بصلة بيدي فرأيت عليها عبد الرحمن مشملة، فجعلتها في حجري، وعرفت أن ذاك البصل كله مشايخ، أريد أن أجتمع بهم، وأراهم ويروني. فلما كان هذا القرب، رأيت كأني عبيت الجوالق البصل ولم يبق إلا القليل، فعلمت بذلك قرب الأجل. حدثني بذلك عنه يوم السبت ثامن شعبان من السنة. وكانت وفاته بقرية منين في شهر رمضان المعظم سنة خمس وسبعين وست مائة ودفن في زاويته المشهورة، وعلى ضريحه من الجلالة والهيبة ما يقصر الوصف عنه رحمه الله تعالى.

علي بن محمود بن علي أبو الحسن شمس الدين الشهرزوري الشافعي، كان تقياً حسناً، ولّي نقابة الحكم بدمشق عن قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان رحمه الله ولم يزل إلى حين صرف قاضي القضاة شمس الدين المذكور فانعزل بعزله مستنيبه. ولما وقف الأمير ناصر الدين القيمري مدرسته التي أنشأها بالمطرزين بدمشق فوض إليه تدريسها، وجعله في ذريته ما وجد ووجدت فيهم الأهلية، فباشر تدريسها منذ عمرت إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء سادس عشر شوال، ثم باشر تدريسها ولده صلاح الدين إلى أن توفي، وترك ولده صغيراً، فباشر تدريسها قاضي القضاة بدر الدين بن

ص: 192

جماعة مدة، فلما كبر ولده الصلاح أثبت رشده وأهليته للتدريس واستحقاقه له بمقتضى شرط الواقف رحمه الله فرسم له بذلك، وحصل من تعصب معه فباشر تدريسها واستمر به مع قلة بضاعته من الفقه لكنه لما درّس أكب على الاشتغال، فثبته وصار فيه أهلية، ثم أنه عامل الفقهاء، ومن بالمدرسة معاملة حسنة فأحبوه ومشي أمره في المدرسة على السداد، وحسنت طريقته من ذلك.

عمر بن أسعد بن عبد الرحمن بن ليفي بن عبد الرحمن أبو حفص الهمذاني الشيخ الصالح، كان ملازماً حلقة الحنابلة بجامع دمشق، يقرئ الناس القرآن العزيز، ويخيط ويشتري بما يتحصل له من الأجرة خبزاّ يتصدق به مع ملازمة العبادة، وقيام معظم الليل، والصيام غالب الأوقات، وفيه المسارعة إلى قضاء حوائج الناس حسن ما يمكنه، ولم يزل على هذا القدم إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه بمدرسة ابن الجوزي بدمشق يوم السبت بكرة النهار رابع ذي القعدة، ودفن من يومه بسفح قاسيون جوار قبر الشيخ موفق الدين رحمهم الله تعالى.

عمر بن أسعد بن أبي غالب عز الدين الأربلي الفقيه الشافعي، كان يعرف بين الفقهاء بالإطرفيل، وهو من أصحاب الشيخ تقي الدين ابن الصلاح رحمه الله، وناب في الحكم مدة، وقال أيضاً رحمه الله: توفي في العشرين من شهر رمضان المعظم وقد نيف على سبعين من العمر رحمه الله تعالى.

محمد بت إبراهيم بن أبي المحاسن بن رسلان أبو عبد الله شمس الدين

ص: 193

الحكيم المتطبب المعروف بالكلي، كان فاضلاً في علم الطب وله مشاركة في الأدب والتاريخ، أقام مدة ببعلبك، وكان يغشي والدي رحمه الله تعالى كثيراً، ويلازمه وسكن في جواره وسمع عليه. ومولده بدمشق سنة سبع وتسعين وخمس مائة، سمع الكثير بدمشق من عبد الصمد الحرستاني وغيره وحدث وقال أيضاً رحمه الله: توفي بالقاهرة في رابع عشر المحرم رحمه الله تعالى، وقيل له الكلي لأنه اشتغل بالكتاب. وقال أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة الخزرجي في طبقات الأطباء: كان والده أندلسياً في أهل المغرب، قدم دمشق وأقام بها إلى أن توفي، ونشأ ولده المذكور واشتغل علي الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي، ولازمه وأتقن عليه حفظ ما ينبغي، وهو جيد الفهم غزير العلم - لا يخلى - وقتاً من الاشتغال، حسن المحاضرة خدم الملك الأشرف بن الملك العادل رحمه الله إلى حين وفاته، ثم خدم بالمرستان النوري بدمشق. قلت: كان يعاني مشتري المماليك الصباح بأوفر الأثمان وعنده الخيول والغلمان، وهو كثير التجمل رحمه الله؛ وخلف عدة أولاد رأيت أحدهم بقلعة الرحبة في السنة الخالية.

؟ محمد بن أيبك بن عبد الله ناصر الدين بن الاسكندري، كان ممن جمع حسن الصورة وحسن الأوصاف ووفور العقل والرياسة والحشمة ومكارم الأخلاق وحسن العشرة. ولما توفي والده رحمهما الله تعالى في

ص: 194

السنة الخالية على ما تقدم في شهر رمضان أراد غلمانه أن يجزوا شعورهم ويهلبوا أذيال الخيول على ما جرت به العادة؛ فمنع من ذلك وقال: والدي عليه ديون، ولا نأمن أن يخرّج عليه ديوان الجيش تفاوتاً فإذا فعلنا ذلك نقصت قيمة المماليك والخيول، ثم إن هذا فساد لا معنى له ولا يجوز فعله. ثم تقدم إلى الطباخ أن يذبح ويطبخ على العادة، فلام بعض الجماعة وقبّحوا فعله؛ فقال: هذا شهر رمضان وعندنا جماعة كثيرة من غلمان وغيرهم، فإذا لم يطبخ بقوا بلا عشاء. قيل: له الناس يحملون، قال: الذي كان يحمل من أجله مات. فلما أذن المغرب عمل السكر والليمون على العادة وأسقى الناس على ما كان يعمل والده، ومد السماط فأكل جميع الغلمان والحاشية وغيرهم، وشكره من كان لامه لأن أحداً لم يحمل شيئاً، ثم إنه باع موجود والده ووفى جميع أرباب الديون مالهم، ومن ادعى بشيء ولم يكن له بينة واستحلفه وأعطاه وسافر وجميع من بالرحبة داعون له. فلما وصل دمشق أقام بها وجمع أطرافه، وتاب عن أمور كان يعانيها، ولازم الصلاة والصوم في كثير من الأيام. فلما كان يوم الخميس ركب للصيد وهو صائم وخرج إلى أراضي الحرجلة، فمرّ بحصانه على جسر حجر على نهر قد قيد فنزل ونزل به الحصان في النهر وخرج الحصان سباحة فساق مملوكه إلى البلد ورمى السوط، فركب نائب السلطنة بنفسه وأخذ معه من يسبح ووقفوا على المكان الذي غرق فيه ودوّروا ما جاوره فلم يجدوا له أثراً، وبقوا على ذلك يومين ثم وجدوه على بعد من ذلك المكان، وقد علّق فردة مهمازة بسباحه فاستخرجوه غريقاً وغسلوه ودفنوه بسفح جبل قاسيون

ص: 195

وتأسف الناس عليه لشبابه وموته على هذه الصورة - رحمه الله تعالى - وكان الخلال بن الصفار المارديني عنّاه بقوله:

يا أيها الرشأ المكحولناظره

بالسحر حسبك قد أحرقت أحشائي

إن انغماسك في التيار حقق

أن الشمس تغرب في عين من الماء

وإيراده بقوله أيضاً. وقيل: إنهما للشيخ أبي إسحاق الشيرازي افمام المشهور رحمه الله:

غريق كأن الموت رقّ لحسنه

فلان له في صفحة الماءجانبه

أبى الله أن يسلوه قلبي فإنه

توفاه في الماء الذي أنا شاربه

وعناه عمران الطوابيقي بقوله:

ألا أيها البدر المغيّب شخصه

بمثلك هذا الدهر يبخل عن مثلي

ولو كان حكمي في حياتي ومنيتي

بمثلك هذا الدهر يبخل عن مثلي

ولو كان حكمي في حياتي ومنيتي

إليّ لما جرعت كأس الردى قبلي

كأن صفاء الماء شاكل جسمه

فجاد به فانقاد شكل إلى شكل

وأنى في تراب الأرض نور بمائه

ولو كان من ترب لعاد إلى أصل

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل! قالوا: فمن هم يارسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد.

ص: 196

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله. رواهما مسلم. وتوفي إلى رحمة الله تعالى وهو ابن عشرين سنة وربما لم يستكملها - رحمه الله تعالى.

محمد بن أحمد بن عبد السخي بن يحيى بن أحمد بن طيب بن دحمان بن دكسون أبو عبد الله شرف الدين الشروطي الشافعي العمري، من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان واسطي الأصل، موصليّ المولد، دمشقي الدار، شيخاً جليلاً، إماماً عالماً، فاضلاً متقناً لما يعانيه؛ وروي عن ابن الحرستاني وغيره. وكانت وفاته يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة - رحمه الله تعالى.

محمد بن سعيد بن محمد بن هشام بن عبد الحق بن خلف بن مفرج بن سعيد أبو الوليد فخر الدين الكناني الشاطبي المعروف بابن الجنّان. مولده بشاطبة في منتصف شوال سنة خمس عشرة وست مائة، وتوفي يوم الأحد رابع عشرين شهر ربيع الآخر من هذه السنة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله. كان عالماً فاضلاً، دمث الأخلاق، كريم الشمائل، كثير الاحتمال، واسع الصدر، حسن المباسطة؛ صحب الصاحب كمال الدين بن العديم وأولاده فاجتذبوه إليهم، وصار حنفي المذهب، ودرّس بالمدرسة الاقبالية الحنفية بدمشق. وكان له يد في النظم ومشاركة في علوم كثيرة. أنشدني صاحبنا تقي الدين عبد الله بن تمام - حرسه الله - لفخر الدين

ص: 197

المذكور:

ودوح بدت معجزات له

تبين إليه وتدعو إليه

جرى النهر حتى سقى أرضه

فقام يقبّل شكراًيديه

وكفّ الصبا صبغت حليه

فقام الحمام ينادي عليه

كساه الأصيل ثياب الضنى

فحل طبيب الدياجى لديه

وجاء النسيم لنا عائداً

فقام له لائماً معطفيه

وأنشدني المذكور لفخر الدين رحمه الله:

لله قوم يعشقون ذوي اللحى

لا يسألون عن السواد المقبل

وبمهجتي نفراً وأنى منهم

جبلوا على حبّ الطراز الأول

وأنشدني لفخر الدين المذكور أيضاً رحمه الله:

حديث ذاك الحمى روحي وريحاني

فكيف يصبر عن هذين جثماني

ويا فؤاد الأسى برّح بحبهم

فقد أضر بجسمي طول كتماني

فمن هواي بذاك الحسن راح به

في الحي كل خليّ القلب يهواني

وحقهم لو ملكت الكون أجمعه

بذلته طمعاً في وصل هجراني

ثم انثنيت وبي سكرة طرب

أجرّ عطفي به تيهاً وأرداني

وقال - رحمه الله تعالى:

يميل بذكر الحاجرية ركبان

كأنهم على الركائب أغصان

ص: 198

وقفت غداة النفر أنشد حذرها

فباح به بين الهوادج كتمان

وما ذاك ذاك الحذر إلا لأنه

بخمر دلال الحاجرية نشوان

وسلت أناجي العيس بعض صبابتي

فأصبح فيها بالصبابة إعلان

عجبت لها أني هززت جمالها

بوجدي ولم يهتز من قدها ألبان

يقولون عنوان المحب دموعه

وصبك يا ليلى على الدمع عنوان

وقالت وروح الصب تحدو جمالها

وقد ذاب منه بالصبابة جثمان

أرى روحه ولهى بركبي مسوقة

فهل جسمه في غير ركبي ولهان

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

ما شأن هذا النسيم الرطب نشوان

كانه من حديث القوم ريّان

روى لنا خبراً من أرض كاظمة

لم تدر كاظمة عنه ولا البان

ماج الكثيب وماج الغصن منه فهل

جرت لعطف الهوى في الكون أردان

أحباب قلبي ما حبي لكم عجب

وكل شيء بذاك الحسن ولهان

بالله يا نسمة الأحباب هل خبر

فعرفك اليوم لي روح وريحان

فديتكم هل رحمتم فيكم دنفاً

لم يدن مسكنه صبر وسلوان

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

قم فاسقينا وجيش الليل منهزم

والصبح أعلامه محمرّة العذب

والسحب قد نشرت في الأرض لؤلؤها

فضمها الشمس في ثوب من الذهب

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

متيم ذاك الحيّ لا تعدّ حبهم

لتظفر مثلي من جنونك بالوصل

ص: 199

حنيت بهم حباً ولي في رحالهم

تمائم وسواس بعيد من العقل

وقال أيضاً رحمه الله:

يا رعى الله يومنا بعد روض

حيث ما السرور فيه يحول

تحسب النهر عنده يتثنى

وتخال الغصون فيه تسبل

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

ولى كاتب أضمرت في القلب حبه

مخافة حسادي عليه وعذالي

له صبغة في خط لام عذاره

ولكن سها إذ نقط بالخالي

وقال أيضاً رحمه الله:

بالله يا سرحة الوادي إذا خطرت

تلك المعاطف حيث البان والغار

فعانقتها عن الصب اللبيب فما

على معانقة الأغصان إنكار

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

ودوحة أطربت منها محاسنها

أفق السماء فلم تبرح تنقطها

تحكي الكمامة منها راحة قبضت

يلقى السحاب لها دراً فتبسطها

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

قم سقّينها وقعر الصبح مبتسم

والليل تبكيه عين البدر بالشهب

والكأس قد خلتها حمراء مذهبة

لكن ازرقها من لؤلؤ الحبب

وأعين الدهر من طول البكا رمدت

فكحلتها يمين الشمس بالذهب

إن تهت بالشمس يا وجه السماء فلي

شمسان وجه حبيبي وابنة العنب

ص: 200

وقال أيضاً من أبيات:

عرف النسيم بعرفهم يتعرف

وأخو الغرام بحبهم يتشرف

شرف المتيم في هواهم أن يرى

طوراً ينوح وتارة يتلهف

لطفت معانيه فهب مع الصبا

فرقيبه بهبوبه لا يعرف

وإذا الرقيب درى به فلأنه

اخفى لديه من النسيم وألطف

ولأنه يغدو النسيم ديارهم

وله على تلك الربوع توقف

وقال أيضاً من أبيات:

أرنة صوت العيس أم نغمة السارى

دعت دمع عيني أم نسيمة اسحار

فأصبحت لا أثنى عنان تولهي

واجرى جواد الدمع في كل مضمار

وقلت لقومي والغرام يحثني

تناهت لباناتي لديكم وأوطاري

وبي عصبة لا يطعمون سرى الهوى

فهم ندمائي في الغرام وسماري

فديتهم هل يذكرون عهودنا

ونحن بذات الضال والشيح والغار

ونحن بها والوجد ينشر بيننا

حديثاً واخبار الصبابة اخباري

وإن كنت إنساناً ترى كتم حبهم

فإنسان أجفاني يبوح بأسراري

بذلت لهم في الحب مورد مقلتي

واشكيتهم في البعد روضة أفكاري

فلا تعجبوا من يثمر الدار بعدهم

فما أنا إلا من يكن حل في الدار

فلا تعذلوه في الغرام جهالة

فليس عليه في الصبابة من عار

ص: 201

بعيشك هذا لا تحب سواهم

فهم عين أعلاني وهم عين أسراري

ومن كنت لولاهم ولولا هواهم

لهم عزتي العشاق وجاهي ومقداري

وما أنا ممن أبصر الشمس مرة

فيعتاض من ذاك الشعاع بأقمار

وإن كنتم زوار ليلى فمرحبا

بقوم أتوا من عند ليلى وزواري

وهل كان تذكار لليلى بعهدنا

ومن لي من ذاك الجناب بتذكار

سأفرش خدي سافحاً ماء أدمعي

واقبس من حر الضلوع لكم ناري

فوالله ما لي غير حبك صابر

ووالله ما لي غير وجدي من جار

وما لي سلاف غير دمعي ومطربي

بأغصان أشواقي حمائم أشعار

وقال رحمه الله يصف مدينة حماة:

نهرها العاصي تندى مطيعا

حيث مال النسيم أضحى يميل

ومحيا الحبيب شمسي فيه

ووجوه العشاق فيه أصيل

وعليل السقام فيه صحيح

وصحيح النسيم فيه عليل

عشق النهر لحسنها فلهذا

دمع أجفانه عليها يسيل

وقال أيضاً رحمه الله:

غدا مغرما أفق السماء بدوحنا

فدمع الندى حزناً عليه أسأله

وهام رياض الدوح فيهفابرزت

له نهرها حتي يصيد خياله

وقال أيضاً رحمه الله:

يا بانة الوادي التي نادمتها

باهتك بان المنحنى وكثيبه

ص: 202

ما مال عطفك بالنسيم وإنما

طرباً لطيب حديثه ونسيبه

يا حبذا فيك النحول فإنه

بغناي فيه آمنت خوف رقيبه

ما كان في علم الغرام بأنه

يطفى بماء الدمع نار لهيبه

وقال من نثره رحمه الله: نحن سيدي - أطال الله بقاءك - في روض مجلس أغصانه الندماء وغمامه الصهباء؛ فبالله عليك إلا ما كنت لمجلسنا نديماً، ولزهر حديثنا شميماً، وللجسم روحاً وللطيب ريحاً، وبنيناً غدراً رجاجها حذرها وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها أكمامه، أو شمس حجبتها غمامه، إذا طاب بها معصم الساقي فورده على غصنها، أونزيهاً مقهقهة، فحمامه على فننها، طافت علينا طواف القمر على منازل الحلول، وأنت وحياتك إكليلنا، وقد آن حلولها الإكليل - والسلام.

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن حفاظ أبو عبد الله بدر الدين السلمي الحنفي المعروف بابن الفويرة. توفي بدمشق يوم السبت حادي عشرين جمادى الأولى ودفن بظاهرها - رحمه الله تعالى. صحب والدي رحمه الله وسمع منه، وكان يحبه ويثنى عليه؛ وصحب جماعة من العلماء والمشايخ واشتغل في مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه على الشيخ صدر الدين سليمان، وقاضي القضاة شمس الدين عبد الله السبت عطاء وغيرهم، وتميز

ص: 203

وطلب لنيابة الحكم بدمشق فامتنع ودرس بالمدرسة الشبلية بجبل الصالحية وبمدرسة القصاعين بدمشق، وأفتى واشتغل بالعربية والنحو على الشيخ جمال الدين محمد بن مالك رحمه الله، وحصل من ذلك طرفاً جيداً. وكان رئيساً وعنده ديانة كثيرة، ومروءة، ومكارم أخلاق، وحسن عشرة، وله بر، وصدقة على الفقراء وحسن ظن بهم، وسمع الكثير، وكان يكتب خطاً حسناً، وله معرفة بالأصول والأدب، وينظم نظماً جيداً.

نقلت من خط عز الدين محمد بن أبي الهيجاء لبدر الدين المذكور:

عاينت حبة خاله

في روضة من جلنار

فغدا فؤادي طائراً

فاصطاده شرك العذار

ونقلت من خطه المذكور:

كانت دموعي خمراً قبل بينهم

فمدنا أقصرتها لوعة الحرق

قطفت باللحظ ورداً من خدودهم

فاستفرطوا ماء ذاك الورد من حدقي

وأنشدني ولده جمال الدين لوالده بدر الدين المذكور - رحمه الله تعالى -:

ورياض كلما انقطفت

نثرت أوراقها ذهبا

تحسب الأغصان حين شدا

فوقها القمرى وانتحبا

ذكرت عسر الشباب وقد

لبست إبراده قشبا

فانثنت في الدوح راقصة

ورمت أثوابها طربا

ص: 204

وأنشدني ولده جمال الدين المذكور لوالده في شاعر:

وشاعر يسحرني طرفه

ورقة الألفاظ من شعره

أنشدني نظماً بديعاً فما

أحسن ذاك النظم من ثغره

وحكى بدر الدين المذكور رحمه الله إنه رأى في المنام الشرف داود بن العرضي رحمه الله عقيب وفاته وكان هذا الشرف يلوذ ببدر الدين ويتوكل له ويخدمه. قال فقلت له: يا ابني داود إيش كان أو إيش؟ كأني أسأله عما لقي بعد الموت فكان جوابه لي:

ما كان لي من شافع عنده

إلا اعتقادي أنه واحد

وحكى لي أخي رحمه الله ورضي عنه - ما معناه أنه خرج إلى ظاهر دمشق ومعه بدر الدين المذكور رحمه الله عند عود طائفة من عساكر التتر من الجهات القبلية في شهور سنة ثمان وخمسين ومعهم السبي من تلك البلاد ليشتروا منهم من يستفدونه من أيديهم، فجرى بينهم ذكر الملاحم والأشعار الموضوعة فيها، فنظم بدر الدين المذكور رحمه الله بيتاً من الشعر علي وزن بعض القصائد المنسوبة إلى ابن أبي العقب وهو:

ويملك الشام ملك اسمه قطز

ويقتل الترك في حمص وفي حلب

فاتفق أن تملك الملك المظفر سيف الدين قطز رحمه الله بالشام ما قد علمتم. وقتلت التتار في حمص في أول سنة تسع وخمسين ثم في سنة ثمانين وست مائة فكأنه كان منطقاً بذلك.

وقال شرف الدين عمر بن خواجا أمام الناسخ: أنشدني الشيخ بدر الدين

ص: 205

لنفسه:

أذاع لسان الدمع يوم النوى سرّى

وحلّت أكفّ البين في عرى صبري

وظلّت على الأطلال أسياف نأيهم

دمى واغتدى قلبي أسيراً مع السفر

وعطّل نأي الإنس من حلي حسنهم

فحليته من أوسع العين بالدرّي

رعى الله ليلات تقضّت بوصلهم

فقد كنّ كالخيلان في صفحة الدهر

وحيّا رياضاً بالحمى كنت منهم

أنال المنى في ظل أغصانها النضر

؟ محمد بن عبد الوهاب بن منصور أبو عبد الله شمس الدين الحرّاني الحنبلي، كان فقيهاً إماماً عالماً بعلم الأصول والخلاف، تفقه فيه على القاضي نجم الدين المقدسي الشافعي - رحمهما الله تعالى - وجالس الإمام مجد الدين بن تيمية الحراني رحمه الله واستفاد منه أشياء كثيرة، وكان يستدل بين يديه بحران. ثم انتقل إلى الشام فأقام مدة بدمشق يشتغل على الشيخ علم الدين أبي القاسم - رحمه الله تعالى - في الأصول والعربية. ثم سافر إلى الديار المصرية فأقام مدة يحضر درس الإمام عز الدين بن عبد السلام فأقام مدة يحضر درس الإمام عز الدين ابن عبد السلام وتولى القضاء ببعض أعمال الديار المصرية نيابة عن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - وهو باق على مذهبه، وهو أول حنبلي حكم بالديار المصرية في هذا الوقت، ثم لما فوض إلى الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد الحنبلي رحمه الله القضاء والحكم بالديار المصرية على مذهبه

ص: 206

ناب عنه مدة ثم ترك القضاء ورجع إلى دمشق فأقام بها مدة سنين، له حلقة يدرّس بها في الجامع ويكتب خطه في الفتاوى. وكان حسن العبارة طويل النفس في البحث كثير التحقق، باشر الإعادة بالمدرسة الجوزية بدمشق قبل سفره إلى الديار المصرية وبعد رجوعه. وكان حسن المجالسة والمذاكرة، ويتكلم في الحقيقة وهو غزير الدمعة رقيق القلب جداً، وافر الديانة كثير العبادة، صحب الفقراء مدة وله فيهم حسن ظن، وأمّ بحلقة الحنابلة بجامع دمشق مدة ثم ابتلي بالفالج فبطل جانبه الأيسر وثقل لسانه بحيث لا يفهم من كلامه إلا اليسير، وبقي على ذلك مدة أربع أشهر، ثم توفي إلى رحمة الله تعالى بدمشق ليلة الجمعة بين العشائين لستّ خلون من جمادى الأولى هذه السنة، ودفن بعد أن صلى عليه بجامع دمشق في مقابر باب الصغير رحمه الله وقد ميف على الستين سنة من العمر. وكان عنده معرفة بالأدب، وله يد جيدة في النظم؛ أنشدني صاحبنا تقي الدين عبد الله بن تمام له:

طار قلبي يوم ساروا فرقا

وسواء فاض دمعي أو رفا

حار في سقمي من بعدهم

كل من في الحي داري ورقى

بعدهم لا ظل وادي المنحنى

وكذا بان الحمى لا أورقا

؟؟ محمد بن علي بن أبي القاسم أبو بكر بدر الدين العدوي المعروف بابن الكاكري كان من أعيان العدول بدمشق، كثير التحري في الشهادة والتحقيق،

ص: 207

ظاهر العلم، حسن العشرة، لطيف الحركات، خبيراً بكتابة الشروط والفرائض، عنده ديانة وافرة ومروءة كبيرة. روى عن الشيخ موفق الدين المقدسي - رحمة الله عليه - وغيره، ومولده بدمشق في سنة أربع وتسعين وخمس مائة، وتوفي بدمشق يوم الأربعاء العشرين من ربيع الآخر، ودفن من يومه بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى.

محمد بن عوض بن علي بن عوض أبو عبد الله عماد الدين العوضي الأصيل الدمشقي المولد والوفاة. مولده سنة تسع وست مائة ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين خامس عشر المحرم. سمع من والدي رحمه الله ومن أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني وأبي المنجا عبد الله بن عمر اللتي وغيرهم، وحدّث. صحب والده وجماعة من أعيان المشايخ وحدثهم وأخذ عنهم وانتفع بهم، وكان له من قلوبهم وأدعيتهم أوفر نصيب، ولم تزل حرمته وافرة عند الملوك والأمراء والوزراء والأعيان، وأقبل عليه الملك الظاهر رحمه الله قبل وفاته إقبالاً كثيراً. وكان عنده مكارم وحسن عشرة وسعة صدر وإكرام لمن يقصده من سائر الناس، ومسارعة إلى قضاء حوائجهم؛ وعلى ذهنه من أخبار الصالحين وحكاياتهم ما لا مزيد عليه ويعاني المراكب السنية والثياب الفاخرة ويخضب بالسواد، ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى.

محمد بن مشكور بن.... أبو عبد الله شرف الدين المصري،

ص: 208

كان رئيساًوفيه مكارم، وعنده معرفة تامة بالكتابة والتصرف، وولي المناصب الجليلة، منها نظرالجيوش بالديار، وكان بينه وبين الصاحب بهاء الدين مصاهرة ووحشة باطنة. وتوفي بدارهالتي على الخليج بالقرب من مصر ليلة الأحد خامس عشر جمادى الأولى، ودفن يوم الأحد بالقرافة الصغرى، ومولده على ما نقل عنه في سنة عشر وست مائة - رحمه الله تعالى.

محمد بن يحيى بن عبد الواحد بن عمر بن يحيى الأمير أبو عبد الله بن الأمير أبي زكريا ابن الشيخ أبي محمد بن أبي حفص الهنتاني صاحب تونس، قد اختلف النقل في تاريخ وفاته لبعد المسافة، فقيل في الثاني من شوال سنة خمس وسبعين وست مائة، وقيل في يوم عيد النحر منها، وقيل في الثالث والعشرين من ذي الحجة - والله أعلم. كانت وفاته بمدينة تونس، وسبب موته أنه خرج إلى الصيد وحصل له من كثرة الحركة انزعاج وتغير مزاجه، وزاد به الألم، فعاد إلى المدينة وهو ضعيف، فبقي على ذلك مدة أيام إلى أن توفي، وله من العمر اثنان وخمسون سنة تقريباً. وكان ملكاً جليلاً عظيم المقدار عالي الهمة، مدبراً سائساً كثير التحيل على بلوغ مقاصده شجاعاً مقداماً يقتحم الأخطار بنفسه، كريماً كثير العطاء، يستقل الكثير مما يعطيه ويعجبه فعل المعروف وينافس فيه، مغرماً بالعمائر، منهمكاً في

ص: 209

اللذات تزف إليه كل ليلة جارية وكان ولّى عهد أبيه في حياته. فلما توفي والده في سنة سبع وأربعين ببلد العناب بمدينة يقال لها بونا وكان صحبته، ترك والده على حاله، وركب بغلاً يسمى الجيش ودخل به تونس في خمسة أيام والمسافة عشرون يوماً ومات البغل في تلك السفرة. وكان الحامل له على ذلك خوفه من عمّيه أن يسبقاه، فإنه كان له عمّان، أحدهما مجدور الوجه يدعى أبا عبد الله كثّ اللحية يعرف باللحياني. ولما دخل تونس، وجد الخبر قد سبقه والنوح في القصر فأبطله وأمر بضرب البشائر وسيّر مملوكاً له يقال له هلال إلى مدينة بونا يستدعي من بها من العسكر وأمر أن يسوق عمه أبو عبد الله اللحياني في مقدمة الجيش، وعمه أبو إبراهيم في ساقته، فوصل إلى المكان وذكر لعميه ما أمر به فساروا عشرين يوماً حتى وصلوا إلى السبخة على يوم من تونس. فتقدم لهم مرسومه أن يترجل العسكر بأسرهم خلا عمّيه فكشف منهم في ذلك اليوم خمسين مقدماً طائعين وسبعين مقدماً مخامرين. فلما دخلوا تونس مدّ لهم سماطاً فدخل الخلق طائفة بعد طائفة، والكوسات تضرب والخلع تفرق والأنعام تشمل القريب والغريب. واستقل على هذا المنهج سنة ونصفاً، وهو مع ذلك خائف من عميه وثلاثة رجال أخر مستبدين إليهما يقال لأحدهم ابن البرنمال، والآخر إبراهيم بن إسحاق.

وكان مدة السنة ونصف يجتمع كل ليلة بهؤلاء الخمسة، وينعم عليهم لكل واحد منهم بألف دينار عيناً ومركوباً

ص: 210

وسيوفاً وعبيداً ويضبط ذلك أرقالا. ثم حصل بعمه أبي إبراهيم تغير في خاطره وعبط لونه، رأى غيره في منزله، ورأى مماليك السلطان على رؤوسهم قياماً بأسلحتهم من غير عادة تقدمت في البلاد بذلك. فقال أبو إبراهيم لأخيه والثلاثة الذين معهما: هذه حيلة علينا لنقتل في وسط المكان، ثم طلبوا دستوراً بالركوب للنزهة فأذن لهم ثم ركب متخفياً يسارقهم النظر وراءهم إلى ان دخلوا بستاناً يقال له الحريرية، فدخل الإخوان وتحيّل الأمير محمد إلى أن دخل بحيث لم يشعر به، وطلع إلى شجرة خرّوب مطلعة على المكان. فلما أن دخلا تعانقا، وقال أبو إبراهيم: أما أن تأخذها أو آخذها، فقال اللحياني: أنا قد زوجته ابنتي وحلفت له.

وإذا بالثلاثة قد دخلوا وقالوا: الملك عقيم فحلفوا للحياني وهو يشاهدهم من الشجرة، وخرجوا من البستان، ونزل الملك من الشجرة فرآه الخولي، فحل حياصته ودفعها إليه وأخذ يحادثه إلى ان وصل إلى جانب ساقية في البستان، فرفسه برجله رماه فيها، فمات ودخل من ساعته، فأركب مماليكه ستة آلاف فارس وأخرج ألفي حجيرة عراب أركبها السودان وطلب مملوكاً يدعى ظافراً، فقدمه على ألفي فارس ومملوكاً من مماليك أبيه يدعى مظفراً، فقدمه على ألفين من الترك، وخادماً يدعى مفتاح الطويل، فولاه على السودان، وقال لهم: البسوا سلاحكم وتمضوا إلى باب الدار التي هم بها. فتهجموا عليهم وتقطعوا رؤوسهم، فخرجوا وكان وافقهم من الموحدين أربعة آلاف

ص: 211

فارس وهم في منزل جلوس في لعب ولهو، فما احسوا إلا وقد أحيط بالدار، فهرب الأولاد واختفوا. وقطعت رؤوس العمين وجعلت في طشت وتسلمهم نبيل السلوقي، ودخل على الملك بالرأسين وهو على مدورة سوداء، وبيده قضيب ذهب زنته عشرة أرطال مصرية، فقال: أين بقيتهم؟ قال: واصلون في الزناجير، وكان عنده القاضي وأربعة عدول، فقال لهم: تركبون وتحفظون خزائنهم ووجودهم، وتحضرون لي ما في هذه الورقة مما أصرف إليهم، فقبضها القاضي وساروا إلى ما رسم لهم بهم، ودخل الباقون في الزناجير، فضرب أعناق السبعين مقدماً المخامرين، ثم استدعى بالثلاثة الأخر، فقطع من لحومهم وشوى واطعموا وهرب أولاد عمّيه فقراء واختفوا واحتيط على ما كان لهم جميعه، وكل ذلك في ثلاثة أيام. ثم صعد الملك محمد علي منبر من العاج مصفح بالذهب، فذكر الله وأثنى عليه وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال في آخر كلامه: عفا الله عنكم المجرم وغير المجرم. ثم أمر بهدم دور المخامرين إلى الأساس، وكذلك بساتينهم ولم يبق لهم أثر، ولم يظهر لها بعدهم غلام ولا مملوك إلا قبض عليه. وأقام محمد بعد قتل عميه سنة، ثم جمع العلماء والأكابر. وقال أيضاً رحمه الله: قال: أنتم مؤمنون أم لا؟ - وقال: ومن أنا؟ - فقالوا: أميرنا، قال: فإذا اجتمع بحثي وبحثكم كيف يكتب؟ قالوا: أمير المؤمنين؛ قال: فاكتبوه. وكتب إلى سائر بلاده ومسيرتها أربعة أشهر برّاً وشهران في البحر المالح، ثم أنه فصل الخلع

ص: 212

من أنواع ثياب الصوف والحرير والعمائم المهدوية وخلع على مقدّمي العسكر والأعيان من الرعية والمتميزين من الناس، وكان بإفريقية من العربان خلق كثير لهم مقدم يعرف بسبع بن يحيى، وفخذه بنو كلب، وهم أشد العربان بإفريقية، فعصوا عليه، فلم يظهر لهم تغير، ورسله تتردد إليهم بالملاطفة إلى أن حضروا إليه، فضرب رقابهم عن آخرهم. فبلغ ذلك قوماً من العربان يقال لهم الخلوط والذبابيين والمعفوقيين، وفخذ من غيرهم يكون مجموعهم ستين ألف راكب لم يعطوا طاعة لأحد، فزاد عصيانهم فشاور أعيان دولته؛ فقالوا: نخرج العسكر بأسره إليهم، فقال: تذهب الخزائن وما نظفر بالجميع، ويستمر عصيان السالمين، ويقطعون الطرقات لكن نأخذهم بالرفق، فراسلهم وأعطاهم خمسة بلاد وهي طرابلس وجرباء وزواراً وزواغاً وقرقنا، ثم استعمل سيوفاً جدداً ورماحاً، وفصل جباباً منوعة ودراريع بيضاء وملابس النساء، وحمل ذلك هدية إليهم صحبة رجل يعرف بأبي يحيى بن صالح من كبراء دولته مشهوراً بالصدق عند العربان؛ وقال: إن اختاروا الحضور إلينا يحضروا، وإلا ما نكلفهم ذلك فسار إليهم. وكان عارفاً بشيء من السيمياء، فوعده الملك أن استمالهم بحانة. فلما حضر عندهم قدموا له الخيل والنياق وأحضروا المغاني، وبقي عندهم ثلاثة شهور يركب في جمهورهم، ثم إن الملك كتب إليه يأمره أن يخطب له ثلاث بنات من الثلاثة أفخاذ من كل أمير بنتاً، فعرّفهم ورفعت

ص: 213

الرايات وقرّت في أحياء العرب البنات، وكان أبو يحيى قد احتوى على عقولهم. فكتبوا إلى الملك يسألونه أن يكون مقدمهم، فأجابهم إلى ذلك وأمر لمحضر الكتاب بألف دينار عيناً وعشرة أكسية حمر وعشرة من الإبل وخمس جمار خدمات، وجعل جامكية لمن يلود به وبلداً يباباً يقال لها الحماء يستغلها فعاد إليهم فاطمأنوا غاية الطمأنينة، وانكف شرهم عن البلاد، وحصل لها نهاية الأمن، ثم إن الملك كتب إلى الشيخ أبي يحيى يستدعيه وقال: من أراد من العربان أن يحضر معك فليحضر، فصحبه تسعة نفر من كل فخذ ثلاثة أولاد الأمراء، فدخل تونس، وخرج الملك بنفسه لتلقيه، ثم أنزل التسعة ومن

معهم وصاروا كل ليلة يحضرون مجلس الملك وينصرفون بالخلع والمال. هم وصاروا كل ليلة يحضرون مجلس الملك وينصرفون بالخلع والمال.

ثم إن الملك أحضر نقاشاً وقال له: افتح لي سكة تضرب عليها ديناراً مائة مثقال؛ فعمل السكة فضرب الملك عليها عشرة آلاف دينار، ثم دخل دار الطراز وأمر أن يعمل بها ثياب برسم بنات العربان اللاتي خطبهن، وأن يعمل سوار كل بنت رنك أبيها، وأخرج الذهب وجعل في الصناديق مقسوماً سوية، واخرج ستة من العدول صحبته والذهب وسيّر الجميع إلى العربان ليكونوا كتبة الصداقات عندهم. فلما رأت العربان أولادهم عادوا سالمين، ومعهم أموال جمة، ورأوا تلك الأموال الأخر والقماش قد فرش في البرية وهلت عقولهم، واشتدت أطماعهم وكتبت الصداقات. وعادت العدول إلى تونس. ثم بعد مدة يسيرة كتب كتباً

ص: 214

تتضمن أنه قد طرى أمر يحتاج إليه إلى المشورة فليحضر. فأول من سارع التسعة المقدم ذكرهم، ووصل معهم نحو السبعين رجلاً من كبارهم. فأركب الملك ولده للقائهم، وأنزل كل عشرة منهم في دار، وأوسع عليهم من النفقات والمأكول والمشروب، وصاروا معه حيث كان. فأقاموا كذلك عشرة أيام، ثم قال لهم: إن الأمر الذي أحضرناكم قد مضى من غير مشورة ببركاتكم، فارجعوا إلى بلادكم. فخرجوا رافعي الرايات داعين للملك شاكرين، فأخذ رجل منهم في الطريق عشرة أرؤس من البقر، فقطعوه بالسيوف، وسيّروا رأسه إلى تونس، فشق ذلك على الملك وقال: البقر لي ولعله كانت له حاجة بها. فلم فعلتم ذلك؟ ثم أمر أن يعمل له جنازة ويدفن، فتضاعف أمنهم، وأقاموا على ذلك سنة، فحصل بسبب أمن البلاد أضعاف ما أنفق من المال. وورد على الملك من أكابر ملوك البربر رجل يعرف بابن عمراض فاحتفل به واستدعى أهل البلاد والعربان، فبادروا وأقبل جميع الناس وهم يومئذ سبعون أميراً، فخرج إلى لقائهم بنفسه، وضربت لهم الخيم وأخلي لهم في البلد عشر دور برسم راحتهم في النهار، واحترمهم حرمة تامة بحيث كان الرجل من أهل البلد يقتل قتيلاً ويلّم بأبياتهم، فلا يؤذى؛ ثم إن ابن عمراض قصد خدمة الملك فركبوا معه ودخلوا تونس، فقال لهم الملك وجعل يثني عليهم وعلى ابن عمراض، وأمر العربان يقبلون الأرض عقيب كل شكر، ثم طلبهم أن يدخلوا قصره ليلة واحدة ليشربوا معه، فدخلوا إلا عشرين نفراً

ص: 215

تخيلوا. فسيّر لهم المأكول والمشروب وغرائب ما عنده وقال: إنما قصدت أن أريكم زخرف ما عندي، فمن خطر له الدخول فليدخل ومن اختار المقام مكانه فليقم. ثم أظهر للذين دخلوا من أنواع الزينة ما ذهل عقولهم وأخرج من جواريه نحو الخمسين جارية يتراقصن بين أيديهم، ومن خطر له جارية أعطيها، وأنعم عليهم بالذهب، ولم يسير للبرانيين شيئاً. ولما أصبح ركب معهم، وخرجوا إلى عند الجماعة المتأخرين وسلم عليهم، وقال: العذر باق فيكم، فلهذا تأخرتم، ولكن ما نؤاخذكم، بل نعمل لكم قبة في وسط القصر جديدة نسميها قبة العرب تجتمعون فيها على اختياركم، ومن حين نضع أساسها نشرب فيها. فرضوا بذلك، ثم أمر لهم بمثل ما أعطى من كان معه من الذهب، ثم ساق بخيله ومماليكه فدخل قصره، واستدعي بمعمار يقال له عمرون القرطبي، وقال له: أريد أن تبني لي في هذه الرحبة قبة أربعين ذراعاً في مثلها يكون جميعاً حجراً صامتاً، ويكون لها ثلاثة أبواب، باب يختص بالعرب وتكتب عليه أسماؤهم، وباب سرّ أدخل منه وأخرج، وباب للحاشية فرسمت القبة وقطعت الحجارة. ثم إن الملك عانق عمرون من غير عادة، وقال له: إني وقفت على سيرة بعض الخلفاء، فرأيت فيها إنه قتل جماعة في قبة أساسها ملح سيّب عليه الماء فسقطت، فهل لك في ذلك حيلة؟ قال: نعم؛ فتقدم يعمل في حيلة لإحضار الملح، ثم شقّ الأساس وردمه ملحاً، ولم يصبح إلا وقد دار بالحجارة دوراً واحداً، ثم طلب العرب، فحضروا وبسط المكان، وجعل العربان يشربون والصناع

ص: 216

تعمل إلى العصر، وركب الملك وتركهم، فمنهم من خرج ومنهم من تأخر، وبقي على هذه الحال يشرب في ناحية القبة والصناع تعمل في الجهة الأخرى مدة أربعين يوماً، فكملت فمر ببياضها وتصوير العربان فيها، فكان البدوي ينظر إلى صورته كأنها تنطق، فتعجب من حذق الصانع. وكان بالقصر حمام عتيق مجرى مائها حاكم على أساس القبة، فخزن الماء من حين الشروع فيها في بركة معدة لها، فلما تمت القبة قال لهم: إني الليلة بائت في القبة معكم لا ينصرف منكم أحد. فشربوا إلى آخر النهار، واستقبلوا الليل بالسرور وهم على غاية الطمانينة، وأمر الملك أن يحفر التراب عن

الأساس إلى أن يظهر الملح، ويطرّق إليه ويستر بالبسط، وسأل في كم يذوب الملح إذا أطلق عليه ماء سخن؟ فقيل له: في تسع ساعات. فعلق الاسطرلاب، وأطلق الماء من المغرب في الأساس، فساح الماء على الملح إلى ثاني ساعة، قام الملك بعد أن جهزمن يعز عليه في الاشتغال، وترك من لا يريده معهم، وخرج فأوسع طريق الماء بالإسباغ إلى أن ذاب أكثر الملح، وقوي عليه الماء، فيقطت بدا واحداً فلم يسلم منهم أحد، وكان قد أمرهم أن يكتبوا إلى أولادهم ليحضروا ويحضروا البنات معهم، فكتبوا من حال وصولهم فاتفق وصولهم في صبيحة ذلك اليوم الذي سقطت فيه القبة. إلى أن يظهر الملح، ويطرّق إليه ويستر بالبسط، وسأل في كم يذوب الملح إذا أطلق عليه ماء سخن؟ فقيل له: في تسع ساعات. فعلق الاسطرلاب، وأطلق الماء من المغرب في الأساس، فساح الماء على الملح إلى ثاني ساعة، قام الملك بعد أن جهزمن يعز عليه في الاشتغال، وترك من لا يريده معهم، وخرج فأوسع طريق الماء بالإسباغ إلى أن ذاب أكثر الملح، وقوي عليه الماء، فيقطت بدا واحداً فلم يسلم منهم أحد، وكان قد أمرهم أن يكتبوا إلى أولادهم ليحضروا ويحضروا البنات معهم، فكتبوا من حال وصولهم فاتفق وصولهم في صبيحة ذلك اليوم الذي سقطت فيه القبة.

فلما حضروا رأوا الملك باك عليه ثوب قطن والحزن ظاهر عليه، فقال: ما ترون ما قد جرى على هؤلاء يعز والله عليّ، ولكن هذا أمر سماوي ليس فيه حيلة. ثم طلب المعمار فضرب عنقه لئلا يشيع

ص: 217

باطن الحال، ونبش العربان فدفنوا وحلف أولادهم ثم بايعوه واستعاد ما كان أعطاهم من البلاد الخمس، وعوّض أولادهم عنها بالغلال. ومن سيرته أن سلاح جنده ولة الحرب عنده في خزائنه، وعلى كل سلاح اسم صاحبه لا يمكّن أحداً من التصرف في شيء منه، فإذا اتفق حرب حملت العدد على الجمال وأخرجت ففرقت على الرجال، فإذا قضى الشغل أعيدت إلى الخزائن، وكلما عتق منه شيء جدّد، وكلما فسد شيء منها أصلح من ماله، وإن مات الرجل ورتب لولده، وإن لم يكن له ولد ولا وارث تركت لرجل غيره، وهو أول من اعتمد ذلك في تونس بعد قتل عمومته خوفاً من الخروج عليه. وأما الأجناد فلم يكن لأحد منهم خبز بل نقد، وليس لأحد من الناس في البلاد شيء إلا من كان له ملك من أجداده فهو باق عليه، وارتفاع البلاد بأسرها يجمع ويحمل ثم يفرق في السنة أربع مرار كل ثلاثة شهور نفقة ومجموع المال الربع والثمن منه لللمؤمنين والنصف والثمن لبيت المال ما يصرف على الشواني للجهاد والعمائر وإصلاح ما يجب إصلاحه من البلاد من النصف والثمن بأمر قاضي القضاة وما يخص أمير المؤمنين من خيل وصلاح ولباس وعدة ومماليك ونفقات فهو من الربع والثمن، ومن خامر من الجند أو مات وليس له وارث عاد ما ترك إليه مع الربع والثمن.

محمد بن يوسف بن مسعود بنبركة بن سالم بن عبد الله بن خاس بن قيس بن مسعود بن محمد بن خالد بن مزيد بن زائدة بن

ص: 218

مطر بن شريك بن عمر بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرة من ذهل بن شيبان، ويعرف بابن عراج أبو المكارم الشيباني المنعوت بالشهاب ابن التلعفري الشاعر المشهور. مولده في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ستين وخمس مائة بتلّ يعفر، وقرأ الأدب على الشيخ أبي الحزم بالموصل، وكان حافظاً للأشعار وأيام العرب وأخبارها. وتوفي في ثالث عشر المحرم سنة خمس وسبعين وست مائة بنصيبين، وكان حسن المعرفة بأخبار الفرس ومحاسن آثارهم. وكان شاعراً مطيلاً في قصائده يمدح أهل البيت رضي الله عنهم، وكان من المغالين في مذهب الشيعة، سافر إلى نصيبين، وأقام بها إلى أن مات، وانقطع إلى الملك الأشرف بن العادل، وصار أحد شعراء دولته، وسيّر فيه قصائد شتى، وكان وعده وهو معه في حمام بقلعة الرها سنة أربع وست مائة بألف دينار مصرية أي يوم ملك خلاط، فلما ملكها في ربيع الأول سنة عشر وست مائة أنشده:

سقى خلاط ملث الودق مدرار

فإن فيها لباناتي وأوطاري

ماجت خراسان وارتجت قواعدها

كأنها الدوح لاقى صوب الاعصار

وأضحت الكرّج في تفليس خائفة

إذ جاورت منك جاراً أيما جار

غيثاً من الرعب ملأناً وليث شرى

يظلّ ما بين فياض وزوار

ص: 219

عليك تقوى ملوك الأرض قاطبة

صحائف المجد في نجد وأغوار

والناس والطير أضياف وعائلة

لله درّك من مقرى ومن قاري

بسطت لي يوم حمّام الرّها أملاً

وأنت حر كريم نجل أحرار

كوعد عمّك إذ وافاه عرقلة

يستنجز الوعد في نظم وأشعار

فقال بيت سرى كالشمس في مثله

مولد من لباب الشعر سيار

قل للصلاح معيني عند إعساري

يا ألف مولاي أين الألف دينار

وأنت لا شك من ذاك النجار ولي

وعد عليك وهذا وقت تذكاري

ما انت دون صلاح الدين في كرم

ولا أنا دون حسان بن عمار

فأعطاه الألف دينار. وكان الشهاب من الفضلاء قيّماً بالشعر مقدماً فيه عند أدباء عصره، ومدح خلقاً كثيراً من الملوك والأمراء والأعيان وغيرهم؛ وهو من شعراء الملك النصر صلاح الدين يوسف بن محمد، ومن شعره:

بانوا وخل بأبرق الجنان عن

كثب عرى حيث الحيا الهزرور

واعد جمان الطلّ وهو منظم

عقداً لجيد البانة الممطور

وإذا الثنية أشرق وشممت من

أرجائها ارجا كنشر عبير

سل هضبها المنصوب أين حديثه المرفوع من ذيل الصبا المجرور

ص: 220

وقال أيضاً رحمه الله:

حلفت برب مكة والمصلى

يميناً إنهم قد أوحشوني

فديتهم بروحي من أناس

حفظتهم ولكن ضيعوني

وقال أيضاً رحمه الله:

طال في حلبة الصدود جفاكم

تم إلا روحي خذوها فداكم

أسأل الله إن قضيت اشتياقاً

في هواكم يجني يطيل بقاكم

كنت قبل الهوى عزيزاً كريماً

ما عرفت الهوان لولا هواكم

سادتي ما أطلت أسخاط عذّالي

أبداً إلا طاعة في رضاكم

يطلبون السلو مني عنكم

لا تملي قلبي بكم إن سلاكم

أيها المعرضون عني جفاءً

ما أمرّ الجفا وما أحلاكم

طال بيني وبينكم أمد الب

ين تراني أحيا ليوم لقاكم

أنتم بالخلاف مني فما أفق

رني نحوكم وما أغناكم

وقال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى: أنشدني الشهاب لنفسه:

يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبي

عاجلت مني اللمة السوداء

لا تعجلن فما الذي جعل الدجى

من طرقي الليل البهيم ضياء

لو أنها يوم الحساب صحيفتي

ما سر قلبي كونها بيضاء

وقال أيضاً رحمه الله:

لك ثغر كلؤلؤ في عقيق

ورضاب كالشهد أو كالرحيق

ص: 221

وجفون كم يمتشق سيفها

للمغدي بقدك الممشوق

تهب عجباً بكل حظ من الحس

ن جليل وكل معنى دقيق

وتفردت بالجمال الذي خ

لاك مستوحشاً بغير رفيق

حملتني عيناك ما لست يوماً

في هواها لبعضه بمطيق

وسقيتني ما تدير كؤوساً

أنا منها ما عشت غير مفيق

يا بخيلاً عليً حتى ينوّم

مطمع منه في خيال طروق

باللحاظ التي بها لم تزل تر

شق قلبي وبالقوام الرشيق

لا يغرن بالغرير إذ تثنى

فيه أعطاف كل غصن وريق

وأثر بجمر خديك وايتر

هـ وإلا ينشق قلب الشقيق

وقال أيضاً رحمه الله:

هذا العذول عليكم ما لي وله

أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله

شرط المحبة أن كل متيم

صب يطيع هواه ويعصي عذله

آاخذتموني حين سار بذكركم

مثلي ومثلي سره لن يبذله

ما أعربت والله عن وجدي بكم

وصبابتي إلا دموعي المنهملة

جزتم مداكم في قطيعتكم فلا

عطف لعائدكم يرام ولا صله

أألومكم في هجركم وصدودكم

ما هذه في الحب منكم أوله

قسماً بكم قد جرت مما اشتكى

حسبي الدجى فعدمته ما أطوله

ليلي كيوم الحشر معنى أن تكف

لا ليلى ذاك له فذا الصبح له

ص: 222

يا سائلي من بعدهم عن حالتي

ترك الجواب هذي المسأله

حالي إذا حدثت لآلمع ولا

جمل لا يضاحي من يشكله

عندي جوى يدع الصحيح مبلداً

فاترك مفصله ودونك مجمله

يا نار وفي..... عيشهم

رشأ عليه حشا المحب مقلقله

قمر له في القلب بل في الطرف بل

في النثرة الحصداء أشرف منزله

الصدغ منه عقرب ولحاظه

أسد وخلف الظهر منه سنبله

ما أحور الألحاظ منه إذ رني

وإذا انثنى مقوامه ما أعدله

....في الألحاظ نضرة وجنة

تسوي النواظر لاست مقبله

لله منه مهفهف أجنبته

عسل الهوى فجنيت منه حنظله

لو كنت فيه قبلت نصح عواذلي

ما أدبرت أيام حظي المقبله

وقال أيضاً رحمه الله:

لولا بروق بالعقيق تلوح

تغدو على هضباته وتروح

ما ازداد قلبي لوعة كلا ولا

أدمي خدودي دمعي المسفوح

ويح الصبا حتام تذكر في الصبا

........منها كالعنبر تفوح

خطرت وقد أهدي فيها الشذا

غار الغوير وبانه والشيح

يا أهل ودي يوم كاظمة أما

عن مثلكم صبري الجميل قبيح

سرتم وأسريتم بقلبي مهجة

أردي بها الهجران والتبريح

قلبي يحفظكم لقلبي شاهد

لا أرتضيه لأنه مجروح

ص: 223

من لي بطيف منكم إن أغمضت

عيني تعين على الأسى وتريح

هدأ الجفون وإنما أين الكرى

منها وهذا الجسم أين الروح

أطمعتموني في الوصال وليس لي

إلا صدود منكم ونزوح

وقال في الشرف بن يلمان:

سمعت لابن يلمان وبغلته

أضحوكة خلتها إحدى قصائده

قالوا رمته وداست بالنعال على

قفاه قلت لهم ذا من عوائده

لأنها فعلت في حق والدها

ما كان يفعله في حق والده

وقال أيضاً رحمه الله:

قالوا بياض الشيب نور ساطع

يكسو الوجوه مهابة وضياء

حتى سرت وخطاته في مفرقي

فوددت أن لا أفقد الظلماء

وعدلت استبقى الشباب تعللاً

بخضابه فخضبتها سوداء

وقال أيضاً في القمار:

ينشرح الصدر لمن لاعبني

والأرض بي ضيقة فروجها

كم شوشت شيوشها عقلي وكم

عهداً ستقتني عامداً بنوجها

وقال أيضاً رحمه الله:

تتيه على عشاقها كلما رأت

حديث صفات الحسن عن وجهها يروى

ص: 224

قتاة لها في مذهب الحب حاكم

لقتل الورى أعطى لواحظها فتوى

يرنحها سكر الشباب فتنثني

بقد إذا قامت يكاد بأن يلوى

ولو لم يكن في ثغرها بنت كرمة

لها أصبحت أعطاف قامتها تشوى

وقال أيضاً رحمه الله:

لو لم يقضوا بالعراق جموعاً

ما كان جفني بالمفيض دموعا

ساروا وأسروا بالرقاد وسارروا

عندي جوّى إنساني التوديعا

سا سعد ساعدني وخف أن يغتدي

مثلث بألحاظ الضياء صريعا

لاتأمنن بأن تبت بلوعتي

تشكو أسىً وصبابة وولوعا

قل للصبا سراً فإن لها شذى

يضحى لما يقضى إليه مذيعا

يا ذيلها المجرور عن هضب اللوى

المنصوب هات حديثك المرفوعا

كم قد لهوت بمن بكى في منزلي

حتى بكيت منازلاً وربوعا

بمدامع لو أن جعفرها له

فضل لأنبت في الخدودربيعا

وقال أيضاً رحمه الله:

أكحل أو طف أهيف أحمر أحور أغن ألمى رخيم العلس رشيق أسمر

ترف مذلل مليح كيس حلو سكر رخص البنان بهيّ المنظر شهيّ المخبر

وقد عكس ذلك بعض الأدباء وهو شمس الدين عمر بن المغيزل فقال:

أقرع سمج أحدب أعوج أفلج أعوى أعور أغث أشكع شنيع الوق ثقيل بخر

قذر مصفر ذلع دعاء نزق أقور

من الكلام رزى المنظر ردى المخبر

وقال الشهاب بن التلعفري:

حظ قلبي في هواه الوله

فعذولي فيه مالي وماله

ص: 225

باسم عن برد منتظم

لم يفز إلا فتى قبّله

حائر الألحاظ يثنى قامة

قده المائل ما أعدله

شاهر صارم جفن لم يزل

في فؤادي عامداً منصله

قا قضيباً حاملاً بدر الدجى

ربه بالحسن قد كمّله

عند بسهم اللحظ عمن كلما

رشته صاب له مقتله

وذي غرام لم يطع فيك الجوى

والهوى حتى عصى في عذله

كلما طالت عليه ليلة

صاح من فرط جوى في أشغله

هذه الليلة لا يوم لها

مثل يوم الحشر لا ليل له

وكذا كل كثيب لم يزل

ليله آخره أوله

حصرك الناحل من أضنائه

بل خدعك المرسل من بليله

والذي خصّك بالحسن الذي

آخذاً غيرك ما سربله

ما عرفت النوم مذ فارقتني

نور وجه منك ما أجمله

كم أداري فيك لوامي ومن

يعذل المشتاق ما أجهله

وقال أيضاً رحمه الله:

لو لم تدر بيمينه الأقداح

دارت بمقلته علينا الراح

قمرا لنا من حسن نبت عذاره

وخدوده الريحان والتفاح

ص: 226

ياجوهري اللفظ لا ومضاعف

من كسر جفنك ما القلوب صحاح

عطفاً على ذي لوعة شبوبه

متقاصر عن شرحها الإيضاح

قلبي بتكملة الغرام مفصل

وأظن ليس لحاله إصلاح

لجمالك المنصور بل لجبينك

الهادي فدا حفنى السفاح

شقّت بك الأجسام إلا أنها

سعدت براحة عشقك الأرواح

وقال أيضاً رحمه الله:

أراه يوري حين يسأل عن دمى

وفي وجنتيه منه آثار عندم

كثير معاني الحسن قلّ نظيره

فها....فيه بتوأم

له وهو مملوك تحكّم مالك

كما هو ظبي فيه صولة ضيغم

يلوح كبدر ساطع النور مشرق

بدا في دجى ليل من السعد مظلم

بصدغ يصان الخد منه بعقرب

وفرع يزان القدّ منه بأرقم

فلا طرف إلا في نعيم وجنة

ولا قلب إلا في لظى وجهنم

حوى فمه دريّ الكلام ومبسم

هما برداء المستهام المتيم

فينطق عن لفظ كدرّ مبدد

ويبسم عن ثغر كدرّ منظم

بريش لما قد أوترت من قسيها

حواجبه من جفنه أي أسهم

ويضرب من لحظ بسيف مجرد

ويطعن عن قدّ برمح ملهذم

ويسطو بآلات الجمال محارباً

وما ثم شيء غير مقتل مغرم

وقال أيضاً رحمه الله:

أحب الصالحين ولست منهم

رجاء أن أنال بهم شفاعة

ص: 227

وابغض من بهم أثر المعاصي

وإن كنا سواء في البضاعه

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

إذا أمسى فراشي من تراب

وبتّ مجاور الرب الرحيم

فهنوني أخلائي وقولوا

لك البشرى قدمت على كريم

وله أيضاً - رحمه الله تعالى:

جاءت لوداعي وهي تشوى القدّ

تبكي بجفون سيلها كالمدّ

مثلي لكن دمعها منصبغ

بالخدّ ودمعي صابغ للخد

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

لو بات بما أحبه مكترثاً

ما خان ولا كان لعهدي نكثا

يبدو فيقول كل من يبصره

سبحانك ما خلقت هذا عبثا

وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:

من قال عني بأني

يوم القيامة أخسر

وإنني بذنوبي

إلى جهنم أحشر

مر يا جهول ودعني

أنا بربي أخبر

محمد بن أبي بكر أبو عبد الله شرف الدين الأردويلي الصوفي الشيخ الصالح العارف المزني. كان من العلماء العارفين، كثير الزهد والعبادة والذكر، لازمه جماعة من الناس استغنوا به، وكان مقيماً بخانكاه الشميساطي بدمشق مدة إلى حين وفاته، وصلى عليه بجامع دمشق في بكرة نهار الخميس رابع المحرم، وأخرجت جنازته إلى ميدان الخصيّ ظاهر دمشق،

ص: 228

فدفن إلى جانب شيخه برهان الدين الموصلي المعروف بابن الحلوانية رحمه الله مجاوراً لقبر صهيب الرومي رضي الله عنه على ما يقال وقد نيف على السبعين من العمر - رحمه الله تعالى ورضي عنه. وكان صاحب خلوات ومجاهدات ورياضات تأدب به جماعة وعادت عليهم بركته - رحمه الله تعالى.

مرخسيا النصراني - لعنه الله - كان أثيراً عند أبغا ملك التتار، وله عليه دالة كثيرة وهو متمكن منه، فكان يحمله على المسلمين بما يسيء بهم عنده ويرغبه بهم ويرغبه في الايقاع بهم حتى ضاقوا به ذرعاً خصوصاً أهل الروم ومعين الدين البرواناة. فلما قوي جأش معين الدين كتب إلى قطب الدين محمود أخي أتابك ختن البرواناة، وكان نائباً عن أخيه بأرزنجان، يأمره بقتل مرخسيا القسيس فقتله وولده وشيعة من أهله واثنين وثلاثين نفراً من حاشيته. وكان هذا مرخسيا كبير العصبية على المسلمين، عضداً لأهل ملّته، محرضاً لملوك النصرانية المتأخمين لبلاد الروم والمجاورين لها على موافقة التتر في قصد بلاد المسلمين واجتماع الكلمة عليهم، فتقدم البرواناة بقتله مخاطراً، فقتل في الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم، وكان قتله حسنة البرواناة وفعلة جميلة.

مظفر بن رضوان بن أبي الفضل أبو منصور بدر الدين المنبجي ناب عن عبد الله بن عطاء الحنفي رحمه الله بعد وفاة تاج الدين النخيلي واستمر في النيابة إلى حين وفاته، وكان مدرس المدرسة العينية بدمشق.

ص: 229

وتوفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الخميس ثاني ذي القعدة بمدرسته، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وهو في عشر السبعين. وكان عنده ديانة كثيرة وتعبد، ولين جانب، وفور عقل، وحسن تأتي وتواضع، ومحبة للفقراء والصالحين، وملازمة الفرائض في الجماعات - رحمه الله تعالى.

نوفل الزبيدي الملقب ناصر الدين أحد أمراء العرب المشهورين بالشام. وهو الذي أخذ الملك الناصر صلاح الدين يوسف - رحمه الله تعالى - يوم المصاف مع المصريين في سنة ثمان وأربعين وستمائة، ونجا به إلى دمشق فعرف له ذلك، وكان يتولى التحجب للعرب، ولم يزل وجيهاً في الدول، وله حرمة ومكانة لى حين وفاته، وصلى عليه يوم السبت ثالث عشرين شعبان، وقد نيف على ستين سنة - رحمه الله تعالى.

ولادمر بن عبد الله الأمير عز الدين إيغان الركني المعروف بسم الموت. كان من أعيان الأمراء وأكابرهم ومقدمهم وشجعانهم، وله المكانة العظيمة والحرمة الوافرة والكلمة النافذة في الدولة الظاهرية، يندبه في المهمات ويعتمد عليه من تقدمة العساكر وقود الجيش إلى أن يقيم عليه، فحبسه مضيقاً عليه وبقي في السجن مدة إلى أن أدركته منيته في محبسه بقلعة الجبل ظاهر القاهرة، فتوفي إلى رحمة الله تعالى، وسلم إلى أهله ميتاً يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة، فغسل وكفن وصلى عليه ودفن من يومه بمقابر باب النصر ظاهر القاهرة، وهو في عشر الخمسين وكان من أبطال المسلمين ومشاهير فرسانهم - رحمه الله تعالى.

ص: 230

يحيى بن حاتم بن حمدان الملقب بالزكي. هو من أهل بعلبك، وعمر حتى قارب المائة سنة أو نيف عليها، وكان يزعم أنه من ذرية سيف الدولة بن حمدان الأمير المشهور، وتوفي يوم الخميس سابع ربيع الآخر ببعلبك ودفن بباب دمشق ظاهر مدينة بعلبك - رحمه الله تعالى.

يمن بن عبد الله أبو الفضل الحبشي الخادم العزيزي المنعوت بالقرش. كان رجلاً خيّراً، أديباً عدلاً، مقبول القول، صادق اللهجة؛ حج واستوطن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى مشيخة الخدّام بالحرم الشريف النبوي صلوات الله عليه وسلامه على ساكنه، وتوفي بالمدينة الشريفة النبوية في تاسع عشر ربيع الآخر وهو في عشر السبعين رحمه الله. وسمع من أبي محمد عبد الوهاب بن رواج وغيره، وحدّث، والعزيزي نسبة إلى الملك العزيز بن الملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك.

يوسف بن صدقة بن المبارك بن سعيد أبو المظفر تاج الدين البغدادي التاجر المشهور، مولده بالقاهرة في الثامن والعشرين من صفر سنة تسعين وخمس مائة. سمع ببغداد من جماعة وأجاز له جماعة من مشايخ نيسابور وغيرها وحدّث، وكانت وفاته يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة بالقاهرة ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى بسفح المقطم وكان من أرباب البيوت المشهورة بالعراق وأعيان التجار المتمولين مشهوراً بالثروة والوجاه والعدالة، واقعد في آخر عمره نحو ثمان سنة إلى حين وفاته - رحمه الله تعالى.

ص: 231