الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبابه بالشعر والإنشاء حتى ذاع صيته واشتهر ذكره، وساعده على ذلك كثرة سياحاته، ووصفه للبلاد وطبيعة أراضيها، وشعره ونثره يعتبرهما الألمانيون نموذجاً ومنوالاً لأشعارهم وإنشاءاتهم، ويقرأونها في المدارس رسمياً، ولهم بها شغف حتى أن من لم يقرأ منهم أشعاره ورواياته يقذفونه بنعوت الجهالة والبساطة، ولولا ضيق المقام لأطلت في هذا الموضوع، والعود أحمد عند التكلم على آداب اللغة الألمانية في رحلتي البرلينية الخصوصية.
فرنكفورت: معبر الفرنج
ثم بعد ذلك حركت الأقدام إلى قصر يدعونه رومر وكان معدّاً قديماً لانتخاب قياصرة ألمانيا، فشاهدت فيه القاعة التي أعدت لذلك، فشمتها عالية العرش،
مصوَّراً على حيطانها الأربع صور جميع قياصرة ألمانيا بهيئات ملابسهم التي كانوا عليها تصويراً جميلاً.
وبعدما شاهدت ذلك تاقت النفس إلى التوجه للشاطئ الثاني من نهر المين لنظر بلدة صغيرة به يدعونها زاكسن هوسن ومذ كنت بها ألفيتها قرية صغيرة كضاحية فرنكفورت، وبها قليل من المنازل، وليس لأهلها سوى بيع الأسماك والفواكه والخضروات، فهي كسوق عام من الأسواق العادية غير المنتظمة، وأغلب البائعين هم النساء وبسوء أخلاقهنَّ وتوحشهن في البيع يضرب المثل في أنحاء ألمانيا لكونهن كثيرات السب واللعن
حتى إن كثيراً من العلماء الألمانيين الذين يهمهم البحث عن آداب اللغات يأتونهن قاصدين سماع ألفاظ السب التي يستعملنها، فيتصنع أحدهم في الشراء منهن ويجادلهنّ في الأثمان فتصب عليه اللعنات مختلفة التراكيب، فيأخذ في كتابتها سريعاً، وحينما يشاهدن ذلك منه يزداد غيظهن فيزدنه سبّاً ولعناً، وهو لا يزداد إلا سروراً وتقييداً لكلامهن، ثم يخرج من بينهن وقد استحصل على موضوع مهم ينظر فيه نظراً علمياً أدبياً، ربما أداه إلى وضع كتاب مخصوص فيه.
وكلمة فرنكفورت مركبة من كلمتين أحدهما فرنك يعنون بها فرنج والأخرى فورت ومعناها باللغة الألمانية مَعْبَر فيكون المعنى معبر الفرن، وذلك لما قيل إن كارل الأول، المعروف لدينا في الكتب التاريخية بشارلمان، الذي كان ملكاً للفرنج وكثير من بلاد ألمانيا وقد حكم من سنة 768 إلى سنة 814 ميلادية كان من بعض أعماله أن سار بجيوشه إلى سكان مملكة صكصونيا وحاربهم لخروجهم عن طاعته، فقابلوه بجأش وقوة عزيمة، وشتتوا من جيشه، فانهزم بعسكره، ورجع القهقرى طلباً للفرار، فاعترض له في الطريق نهر المين، وقد أراد أن يعبره بجيشه إلى الشاطئ الثاني، وبينما هو في حيرته إذ رأى ظبية قد عبرت ذلك النهر
فعلم أن الطريق التي
أخذته تلك الظبية لم يكن عميقاً فجاز هو وجيشه إلى الشاطئ الآخر فحمد الله على النجاة، ورسم ببناء تلك المدينة وأن تسمى فرنكفورت يعني معبر الفرنج.
ولم تزل تلك المدينة آخذة في العمران حتى صارت منذ سنة 1356 مقراً لاجتماع أمراء الألمانيين حين انتخابهم قيصراً جديداً، ومن سنة 1562 ميلادية صارت محل تتويج القياصرة بتاج الملك الجرماني، وكان ذلك في القاعة التي سبق لنا وصفها.
وبعد ذلك صارت مستقلة تحت حكم جمهوري، وكان بها وقتئذ مجلس عام لجميع ممالك ألمانيا ينظر في أحوالها الداخلية والخارجية إلى سنة 1866، وفيها استولت عليها مملكة البروسيا في حربها مع مملكة النمسا.
وهي الآن مقر مجتمع أغلب التجار الألمانيين؛ فلهم بها اجتماعات سنوية لتوسيع معاملتهم التجارية فيما بينهم، وسكانها الآن 154500 نفس، وعشرهم إسرائيليون (يهود) وقد سكنها أسلافهم من قبلهم، وعاملهم المسيحيون قديماً معاملة الأرقاء فكانوا يسلبون أموالهم تارة، ويستخدمونهم أخرى، وفي سنة 1349 ميلادية انقضَّت عليهم عامةُ المسيحيين فأعملوا فيهم آلات القتل والذبح حتى أتوا على آخرهم إلا من هرب منهم، وبعد ذلك بقرن أتى إليها اليهود ثانية، وسكنوها، وبنوا