الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقلت له ما الشنفراني؟ قال ما يدريني. هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسأله عنه انتهى.
شرقي وغربي
وبعد الظهيرة من ذلك اليوم طفت بتلك المدينة مع أحد أدباء الألمانيين السيَّاحين، وقد عقدت الصدفة بيننا عروة الصحبة، فألفيت أغلب الطرق آخذاً انتظاماً على ضيقها، صغيرة المنازل ليست بعاليتها، وقد حفظت بعض منازلها القديمة لتكون أثراً للغابرين، وتذكاراً للسالفين، وكان حديثي مع ذلك الرفيق إذ ذلك في الفرق بين المشرق والمغرب، فصار كلما نمرُّ في طريق أو يحيط بنا ميدان ينبه من التفاتي معجباً بحسن الطرقات، ظانّاً أن هذا النظام لم يكن في المدن المشرقية. فمازلت أحدثه عن بلادنا وحسن مواقعها حتى قذفت بنا الأقدام في شوارع خارجة عن النظام، تسيل بها مياه المنازل كريهة الرائحة، فالتفت إليه قائلاً: أيباع في تلك الشوارع ماء كلونيا؟ فبدلاً عن أن يلتزم بالحجة عاث بيديه ورجليه مضطرباً ضاحكاً مكرراً جمل العفو، حتى هدأ باله، وأخذ يُرقم ما كان من الحديث للتذكار، ولم نزل معاً حتى تصوبت الشمس للمغيب، فمددنا يد الوداع متواعدين بتواصل الرقاع، وعمدت للمبيت بها إلى الصباح قاصداً مبارحتها إذا ابيضَّ من الدجى
الجناح.
أما مدينة كلونيا فهي موضوعة على الجهة الشرقية لنهر الرين صانعة عليه قوساً، يسكنها 267000 نفس، وخمسة أسداسهم كاثوليكيون، وهي من أعظم مدن ولاية الرين إحدى ولايات البروسيا، ومن أهم موضع للتجارة بألمانيا، وتعد هي ومدينة ديتس التي توازيها من الشاطئ الآخر قلعة حصينة من الدرجة الأولى، وقد أوصلوا بينهما جسراً عظيماً حديدي المادة كبري وقد اتسع عمرانها اتساعاً عجيباً منذ ما جعلت قلعة، وذلك من سنة 1881 ميلادية.
وكلمة كلونيا لاتينية ومعناها المستعمرة، أسسها أحد قواد الرومانيين المسمى أجربا في سنة 38 قبل الميلاد، ودعا إلى سكناها بعضاً من القبائل الألمانية وكانت تسمى وقتئذ كلونيا أجرينسيس أي مستعمرة أجربا، ثم اختصرت، فيما بعد، فقيل لها كلونيا فقط، ويدعوها الألمانيون بكلمة كان. وفي أواخر القرن الخامس عشر بعد الميلاد تملَّكها الإفرنج أسلاف الفرنساويين، ولم تلبث إلا وقد صارت جمهورية يحكمها مجلس يُدعى بمجلس الشيوخ. وقد كان بألمانيا مدن تماثلها في الاستقلال، وتتبع إمبراطور ألمانيا تبعية شرف، ولكل منها مجلس خاص، ولمجموعها مجلس عام كان ينعقد في مدينة لوبك في شمال ألمانيا على بحر البلطيك وفاقت كلونيا إذ ذاك باقي
تلك المدن لأهمية موقعها التجاري. وفي القرن الثاني والثالث عشر تولع أهلها بإقامة شعائر الدين المسيحي فتفننوا في بناء الكنائس والبيع حتى صارت لهم اليد الطولى في إتقان المباني، كما يدلك عليه الكنيسة الكبرى التي وصفتها آنفا، وفي القرن الرابع والخامس عشر أزهرت فيها صناعة التصوير، واشتهرت مدرستها في تلك الصناعة اشتهاراً عجيباً، وفي القرن السادس عشر أخذت كلونيا في الانحطاط شيئاً فشيئاً، ونزل بها الفرنساويون سنة 1794م واستولت عليها البروسيا في أواخر سنة 1815 في الحرب الشهيرة
المسمّاة بحرب الحرية وقد ذكرتها في الرحلة البرلينية. وحينما سَلَّ الصبحُ من غمد الظلام سيفه، وفتح الأفق عن حدقة الشمس طرفه، هزتني أريحية الآمال إلى السير والترحال، فامتطيت الرين في باخرة ماخرة.
يشق حَباب الماء حيزومُها بها
…
كما قسم التربَ المفائلُ باليد
فنَهَرت بنا تتثنى، ونحن بدلالها نتغنى، وقد بسط الربيع على الشواطئ بساطه الأخضر، وخلع عليها ثوبه الأزهر.
وبساط الربيع أخضر قد
…
حامَ به الرين حاملاً أطرافه
وقد كان على ظهر تلك الجارية، وتيك البضة العارية، جمٌّ من الغرباء، قد بارحوا الوطن لإمتاع الطرف بذلك المنظر الحسن، فسررت حيث ضمني وإياهم نادٍ سمعت فيه مختلف لغاتهم، وتعرفت تباين صفاتهم، فمن رجال أولي حماسة وسماحة، لطيفي السجايا فسيحي الساحة، ومن جوارٍ حسان قد تمنطقن بالجمال، وتوشحن بوشاح الكمال.
حسان أعارتها الظِبا حسن وجهها
…
كما قد أعارتها العيون الجآذر
ينثنين عن كثبان، ويتمايلن وهن غصن البان، وقد ترامت غدائرهن على الأقدام لتشفع لأولي الهوى والهيام، ولولا المجد والفضائل لأصبح مثلي أسير تلك الحبائل.
وإني لأستحي من المجد أن أُرى
…
حليفَ غوانٍ أو أليف أغاني
على أنني من قوم، ولا فخر شيمتهم الغرام، وديدنهم الهيام، فما ترى منهم إلا في المحبة ناثراً، ولا في الصبابة إلا شاعراً.
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل
…
على أننا نُذيب الحديدا
ولم تزل الباخرة بنا تتثنى وتميل، ونحن نمتع الطرف بذاك المنظر الجميل، إلى أن مرَّت بنا على قرية باسقة الأشجار،
زاهية الثمار، لا أعلم منها سوى أنها وطن
لرجل يدعى بتهوفن كان فريد عصره في الألحان الموسيقية بأنحاء ألمانيا، ولد بها سنة 1770 ومات في فينا سنة 1827 ميلادية، وتسمى تلك المدينة بن ومنها تأخذ الشواطئ ارتفاعاً، فتصنع أكمات وجبالاً. ويسمون الجبال الشرقية بجبال أيفل والغربية بجبال فسترفالد وهي مزروعة بالكروم والأعناب، يتخذ منها النبيذ أبيضه وأحمره، وليس لأهل تلك الجبال اشتغال إلا بزرع الأعناب وتعهدها. وبعد قليل أشرفنا على مدينة يدعونها كونجس فنتر ومنها تتفرع سبعة جبال وشاهدت بها من بعد قصراً يسمونه أدرخن فلز ومعناه صخرة الآفة وذلك أنه كان يسكنه في قديم الزمان رجل يدعى زيج فريد وكان بطلاً شجاعاً، ويزعمون أن حية كانت بمغارة هناك فتجاسر ذلك البطل على قتلها والاستحمام بدمها، ولذلك يسمون نبيذ تلك الجهة أدرخن بلود أي دم الحية.
ولما كان وقت الظهيرة تليت علينا سورة المائدة فاحتاط بها الجميع، وقد امتزجت الظباء بالأسود، ودارت عليهم كؤوس ابنة العنقود، وأما أنا فتناولت، ولا فخر الراح ملؤها العذب القراح، مكتفياً بما خامر خُماري من صرف الهوى وصفو الهواء، وحسن ذلك المنظر الوضاء، ولم يزالوا بالكؤوس، يصيدون سرور النفوس،
ولطرح الأتراح يرفعون الأقداح، وهي كأنها الياقوتة الحمراء، حتى تشابه عليهم الراح والصهباء:
رق الزجاج وراقت الخمر
…
فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
…
وكأنما قدح ولا خمر
وحينما قتلتْ تلك المقتلةُ أتراحهم، وأقامتْ أفراحهم، أخذ الرجال يسامرون النساء، حيث على يمين كل منا غيداء هيفاء، وريثما جاذبت مع قسيمتي أطراف الحديث، من ماضٍ وحديث التفتت إلي ومالت:
والسكر في وجنتها وجفنها
…
يفتح ورداً ويغُض نرجساً
وتثنت وقالت: سيدي العفو قبل الملام.
فقلت: بروحي سيدتي، علام؟
فقالت: أفي ريعان الشباب وتجتنب الشراب؟ والكؤوس راحة النفوس. ونحن في مجلس أشرقت بأفقه شموس السرور، وأحدقت عليه هالة الحبور؟ وقد علمت من حديثك الفصل أنك عربي المنشأ مشرقي الأصل، وقد سارت إلينا الأخبار وامتلأت الصحائف والأسفار تنبئنا عن الخلاعة المشرقية، والصبابة العربية، فأين أنت من حانات الخلفاء السالفين، ومحافل الأدباء الماجنين، وأحاديث العشاق الذين أضناهم الحب والاشتياق؟
فحين أطربت مسمعي بلفظها الأغن، وبعبارة منطقها الحسن، علمت أنها رضيعة لبان الأدب، وسليلة
مجد وحسب، فقلت لها وكنت بها ولها: سيدتي أما الهوى فنحن كما قلت أهلوه، والهيام نحن بنوه، ونرى خمر الغرام حلالاً، وأما الصهباء فلا لا، وما كان من أحاديث السالفين فما هي إلا أساطير الأولين، تتلى علينا لنفي الأتراح، وانتعاش الأرواح، حيث نراها، ولا مرية، أعجوبة، وفي هذا العصر لمثلنا أطروبة.
فانثنت عن استغراب، وقالت بدون ما إعجاب: بخٍ بخٍ لقد أبنت لي وجه النهار، وكشفت عن شمس الحقيقة سحائب الأستار، ولقد جاهرتك بحديث الطرب، ولوعاً بأخبار العرب.
وبينما كنا بذلك الحديث الأغر إذا رست الباخرة على بلد أزهر. بعدها قمنا عن الطعام، وحمدنا الله على ذلك الإنعام، وقد علمت أنها ستنزل بهذا البلد، فاشتبكت منا للوداع اليد وشيعتها، وكلُّ معجب بهذا التعارف الذي عقدته يد التصادف.
أما هذه البلدة فتسمى كوبلنس وهي مدينة قديمة موضوعة على زاوية حادة، أحد ضلعيها على نهر الرين، والآخر على نهر موزل حيث مصبه، وقد جعل ذلك لها
موقعاً حسناً. وهي عاصمة ولاية الرين إحدى ولايات البروسيا، ويصل منها كبري إلى وادٍ في الشاطئ الغربي، وبذلك الوادي قلعة حصينة قد هدمها الفرنساويون سنة 1801 ميلادية، وأعيد بناؤها في سنة 1815م.