الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجبل ومغاراته، وبعدما علمنا ذلك دخلنا الاستغراب من قوة هذه الظاهرة الطبيعية.
وهذا الجبل يدعونه جبل لورلاي وذلك أنهم كانوا يزعمون أن امرأة ساحرة تسمى
لورلاي كانت تسكن مغارة به، وأنها كانت جميلة ذات شعر أصفر طويل، وكانت تجلس على الشاطئ فتسرح شعرها بمشط من ذهب، ثم تأخذ عوداً فتنقر عليه، وتغني، فإذا مرَّ عليها الملاحون يطربهم غناؤها، ويغشى عليهم فيغرقون، وأنها لمحت ذات يوم أحد الملاحين فكلفت به وعشقته، ثم راودته مراراً عن المجيء إليها والتزوج بها فأبى خوفاً منها، ولما طال عليها الأمد واشتدَّ غرامُها، رمت بنفسها إلى النهر فماتت. وهذه الحكاية مشهورة لدى الألمانيين كثيراً حتى إنهم صاغوها في أدوار شعرية، يوقعون عليها الألحان الموسيقية، في محافل الأغاني، ويغني بها أيضاً الرجال والنساء في المجتمعات الخصوصية.
المطران والفئران
وبينما نحن في المسير إذ عرجت بنا الباخرة على جزيرة بها برج عالٍ يسمى برج الجرذان (الفيران) أقامه المطران هاتو سنة 900 ميلادية، وذلك أنهم زعموا أن ذلك المطران كان ذا ثروة من الأغنياء المكثرين، وقد لحقهم في أيامه قحط شديد، فبخل بالغلال المدَّخرة لديه، أملاً منه أن يبيعها
فيما بعد بقيمة عظيمة، فابتلاه الله بالفيران فأكلت غلاله واحتاطت به، تلعب عليه أينما سار أو جلس، حتى إنها كانت تقع في مائدة طعامه إذا أكل وتخطف من يديه المأكولات، فلما أعيته الحيل أتى إلى هذه الجزيرة، وبنى بها ذلك البرج ليسكنه هرباً منها، وبينما هو به إذا بالفيران قد ملأت قاعاته ولم يزل مبتلياً بها حتى مات.
وحينما سمعت هذه القصة وما ذكر آنفا، علمت يقيناً أن شواطئ نهر الرين كانت الوطن الثاني لخرافة العُذْري، وأخذني العجب من هذه الخزعبلات، وأمثالها التي ملأت العالم شرقاً وغرباً، وقامت دليلاً على شدة العقل الإنساني إلى التصديق، وحبه المفرط لما كان غريباً أو عجيباً من الأمور، ولخوارق العادات، وليس هذا بأعظم من عجبي من سرعة انتباه أهل أوروبا في هذا العصر الحالي، وتيقظهم
وميلهم إلى حقائق الأشياء، وعدم اعتبارهم لمثل هذه الخرافات، وإن كان فيهم أولو جهالة وطباع بسيطة كباقي الأمم.
ولم نزل نمتع الطرف بمحاسن ما على اليمين واليسار من الشواطئ ذوات الأشجار والأثمار، وقد لبست الشمس جلبابها الأصفر فرَقاً من فراقها لحسن ذلك المنظر:
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها
…
إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
فياله من منظر يهش إليه الخاطر، ويقرّ لرقة جماله الناظر، فكأن ابن خفاجة كان يرمقنا بطرفه حين أنشد ضمن طرفه:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى
…
ذهب الأصيل على لجين الماء
أو مجير الدين بن تميم قد حاضرنا، وقد وصف فأنشدنا:
ونهر إذا ما الشمس حان غروبها
…
ولاحت عليه في غلائلها الصفر
رأينا الذي أبقت به من شعاعها
…
كأنا أرقنا فيه كأساً من الخمر
إلى أن عرجنا على قرية تسمى رودسهيم وقد أقبلت وفود النجوم فنزلت بها للمبيت في حيها، حتى إذا باح الصبح بسره حركت الأقدام للصعود على جُبَيلها المسمى نيدرفال لمشاهدة تمثال جرمانيا فصعدت ضمن الصاعدين السياحين، وحولنا الكروم والأعناب، وقد شقُّوا في ذلك الجبل طرقاً يسهل المسير فيها، ومدوا بها القضبان الحديدية لتصعد عليها عربات البخار، وحتى إذا علونا ذروته رأيناه آخذاً تسطيحاً قريباً من الاستواء، وقد شغلته الآجام والغابات، وعلى طرف ذلك الجبيل قد أقيم تمثال عظيم مشرف على نهر الرين يسمونه تمثال جرمانيا تذكاراً للحرب الأخيرة الألمانية الفرنساوية وهو على هيئة امرأة رافعة بيدها اليمنى التاج الإمبراطوري، وقابضة بيدها اليسرى القضيب الإمبراطوري كذلك قائمة على قاعدة منشورية
الشكل على قاعدة أخرى مستطيلة، نقش على أحد
أوجهها صورة الإمبراطور فيلهلم الأول ونجله الإمبراطور فريدك والبرنس بسمارك، وكثير من الأمراء الألمانيين، وارتفاع ذلك التمثال 30 متراً، وأما ارتفاعه عن سطح نهر الرين فهو 225 متراً ألقى أساسه بيده الإمبراطور فيلهلم الأول في سبتمبر سنة 1877 ميلادية، وفي سبتمبر سنة 1883 تم بناؤها فقدم إليه الإمبراطور وجميع عائلته وأقاربه، وكل ملوك ألمانية وأمراؤها، واحتفلوا له، وكان يوماً مشهوداً لديهم هنأ فيه الملوك والأمراء بعضهم بعضاً، وانطلقت فيه ألسنة الخطباء، وقد خطب في جملتهم الإمبراطور فقال بعد كلام طويل، وقد أشار إلى التمثال بيده: لتكن أيها التمثال تذكاراً للذين فدوا الوطن بأرواحهم فأصبحوا حشواً للقبور، وفخراً للعائشين وقدوة لأبنائنا التابعين. ومن ذلك الميدان يرى الإنسان لمنظر نهر الرين وما حوله هيئة عجيبة، لا سيما موقع مصب نهر يقال له ناهه في نهر الرين، ثم هبطت من الجهة الأخرى على ذلك الجبيل، وشاهدت بلدة صغيرة يقال لها أسمانسهوزن وهي قرية موضوعة على نهر الرين يشغلها من السكان 1000 نفس تقريباً مشهورة بنبيذها الأحمر، وبها عين ماء معدني جارٍ، كانت معروفة ومستعملة للرومانيين قديما في الاستحمام.
ثم اتجهتُ منها إلى الشاطئ فتأملتُ طويلاً في محاسن الصنعة الإلهية التي تحار لها العقول، وطوّحت النظر إلى الشاطئ الثاني حيث مصب نهر ناهه في نهر الرين فشِمْتُ من خاطري انتعاشا لمشاهدته، فعبرت يقلني زورق حتى وصلت إلى الشاطئ، ومنه جست جسراً على نهر ناهه المذكور فوق المصب فراقني منظره العجيب، وقد اندفق ماؤه في نهر الرين بخرير صَغَت إليه النفس، وارتاح له الخاطر، حيث كان ذلك أول مرة عاينت مصب نهر في آخر، ثم ساقتني الأقدام إلى بلدة على ذلك الشاطئ تسمى بنجن فدخلتها وجست خلال سبلها، فإذا هي كثيرة الأسواق، ضيقة الشوارع غير نظيفتها، بها من السكان 7000 نفس، وكانت
قديمة مطروقة للرومانيين حيث أعدوها قلعة لهم، وجعلوها باباً إلى طريق مدينة كلونيا التي تقدم لنا ذكرها.
ولما نالت العين حظها من مشاهدة تلك البلدة، عبرت النهر ثانية إلى بلدة رودسهيم وقد أرخى الظلام على الآفاق أسداله، وطرزت النجوم بعسجدها أثماله، وريثما تناولت طعام المساء قلت لخادم الأوتيل: ألم يكن في حيكم هذا حلاق؟ فقال نعم، بجانبنا حلاق نظيف مشهور، وهو مخصوص بأمراء البلدة وأعاظم الناس. فخرجت وقد هداني إلى محله، فألفيت باب بيت دخلت منه فإذا برجل قد نزل إلي يدعوني إلى الصعود، وحينما صعدت
قابلتني زوجته، وأولاده يرحبون بي، وقد فرحوا فرحاً شديداً، وأدخلوني قاعة ليس بها إلا مرآة وكرسي أجلسوني عليه، واحتاطوا بي صانعين دائرة، وقد حمل أحد أولادهما سراجاً لامبه والآخر طستاً، والزوجة طفلاً لها، والرجل يحلق لي، فداخلني السرور من مشاهدة ذلك، وامتلأ صدري استغراباً كاد يهزّ من جسمي ضحكاً، لولا ما ملكت النفس، وبينما نحن بهذه الهيئة العجيبة التي تمنيت أن يراها أحد المصورين قالت الزوجة إلى زوجها:
- أما تنظر سواد شعر هذا السيد؟
فقال:
- نعم، وأنا منه أعجب.
ثم دنا أحد أولادهما وأشار بإصبعه، قائلاً:
- انظروا، انظروا وعيناه سوداوان.
فغلب علي الضحك، وقلت:
- سادتي أهذا عجيب بينكم؟
فأجابني الرجل:
- نعم، وإني شغوف بأن أعلم من أي بلد يكون السيد؟
فقلت مداعبا: ً
- برلين
فضجوا استعظاماً لسماع كلمة برلين التي سمعوا بها ولم يروها، ثم التفت إلي الرجل قائلاً:
- أحقيق ما يقال إن السكة الحديدية ببرلين فوق المنازل؟
فقلت ضاحكاً:
- نعم، وتحتها أيضاً.
ثم قالت زوجته:
- أو كل البرلينيين أولو شعر أسود وأعين سود؟
فأجبتها:
- نعم، ولكن أغلبهم.
فتأمل الرجل طويلاً وقال:
- لا، وما أظنك إلا فرنساوياً أو روسياً؟
فقلت:
- ما أنا بأحدهما.
ولم يزالوا يكرِّرون السؤال وأنا ما بين ضحك وملل، حتى إذا علموا أني مصري بهتوا، حيث لم يدروا