الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أجوس خلال الطرقات إذ شاهدت برجاً مرتفعاً، وبأعلاه ساعة عظيمة، وكلما ضرب ناقوسها إشارة إلى تمام ساعة زمنية يخرج منها تمثال ديك يصيح،
وكثير من تماثيل الدب بهيئة مضحكة.
مناظر خلابة
ثم حركت الأقدام إلى الشاطئ الثاني من نهر آر المحيط حول تلك المدينة، ومنه عاينت منظراً عجيباً ألا وهو منظر الجبال الشامخة جبال الثلوج، وشاهدت في ذلك الموضع جُباً واسعاً، قد أعدته الحكومة للدب، وفيه عدد عظيم منه، لها خدمة مخصوصون يأتونها بالأكل والماء، وحكمة ذلك كثرة وجود الدب في ضواحي هذه المدينة، وللعامة شغف كبير به.
ولما نلت من مشاهدة تلك المدينة ما نلت، بارحتها في أسرع قطار في الآفاق طار، ولم يزل يزج بنا في أودية مونقة، بين أشجار مورقة، حتى حط بنا في قرية يقال لها تون، ومنها بدون ما واسطة نزلنا سفينة بخارية على بحيرة تدعى تونرزيه ومعناها بحيرة تون وهي من أعظم بحيرات سويسرا. طولها 18 كيلومتراً، وعرضها 3 كيلومترات، وأعظم عمق بها 216 متراً.
وحينما شقت تلك الجارية بنا حباب الماء، وذهبت بقلاعها نحو السماء، عرضت علينا الشواطئ منظرها الرائق، وحسنها الشائق، وقد انتثرت عليها أخصاص ساكنيها، ومنازل نازليها، ثم أخذت تلك الشواطئ ارتفاعاً تدريجياً حتى توسطنا
بين جبال سامقة، وأعلام شاهقة، مزدانة بزروع قد أخرجت شطأها، وأشجار قد حملت عبأها، حتى إذا قربنا من مصب نهر آر في تلك البحيرة لاح لنا منظر بهيج، ورونق يهيج، فشاهدناه نهراً بين جبلين باذخين، وطودين منيفين، وقد مالت إليه الغصون، كأنها تميل إلى رَشْفِ رُضابه العذب، أو تحنو شفقة على هذا العاشق الصب كما قال القيراطي، وهو من أحسن موزوناته:
وربَّ نهر له عيون
…
تحار في وصفه العيون
لما غدا الريقُ منه عذباً
…
مالت إلى رشفه الغصون
أو كما قيل وما أطربه من قيل:
تَثَنى الغصن إعراضاً وعجباً
…
على نهر يذوب أسى عليه
فرق له النسيم وجاء يسعى
…
ملاطفة وميله إليه
ولم نزل جذلين مبتهجين، حتى رست بنا السفينة على محطة ركبنا منها عربات بخارية، قاصدين بلدة يقال لها انترلكن، وبعد أويقات زج بنا في واديها، فلاحت لنا عجائب مناظرها، ونزلت بها، وقد ناداني لسان حالها:
هلم يا صاح إلى روضة
…
يجلو بها العاني صدى هَمِّه
نسيمها يعثُر في ذيله
…
وزهرُها يضحك في كُمه
ومكثت بها يومين، كأنهما طرفة عين، وقبل ما أنعت لك ما شاهدته منها، أوافيك بجغرافيتها فأقول:
هي بلدة تسمى انترلكن وهي كلمة لاتينية معناها وسط البحيرتين لكونها في وادٍ صغير بين امتداد بحيرتين يقال لإحداهما برينسرزيه ومعناه بحيرة برينس والآخر تونرزيه المتقدم ذكرها، وقد أحاط بها، وبامتداد البحيرتين المذكورتين جزء من سلسة جبال الألب الوسطى بمنظر عجيب، وواديها وجبالها مستورة بالزروع، والأشجار الباسقة الفروع، وهذا الوادي يأخذ ارتفاعاً متعرجاً شيئاً فشيئاً، وبه طريق يمكن للعربات الصعود عليها، وهو بهذه الهيئة كحضيض للجبال المحتاطة به، ويرى الإنسان من ذلك الوادي جبلاً شاهقاً ذاهباً بنفسه إلى العلو مستوراً بالجليد، ارتفاعه 4167 متراً، ولكن لا يظهر للإنسان منه إلا مقدار 3805 أمتار، وهو مشهور بصعوبة مرتقاه ووعر منحدره، ولذلك يسمى في الأعصر السالفة يونج فرو، ومعناه العذراء البِكْر التي لم يطمثها أحد، وذلك لعدم صعود إنسان على ذروته حيث لا يتأتى ثبوت الأقدام على ثلوجه المتراكمة، وهذه الثلوج دائمية شتاءً وصيفاً.
ثم إنه في سنة 1811 خاطر بأنفسهما اثنان فتسنَّما ذروته،
وكشفا نقابه، يسمى أحدهما رودولف، والآخر هينريك ميئر ونالا بذلك شرفاً عظيماً، وذكرا في التاريخ، ثم أراد كثير فيما بعد على وقتنا هذا أن يتسنموا ذروته فمنهم من يبلغ بلاغه وقليل ما هم، ومنهم من تفلت رجله فيصبح دفين الثلوج وكثير ما هم، وسبب شغفهم بالصعود عليه مختلف تبعاً لاختلاف الأغراض: فمنهم من يريد أن يستكشف الزهور والنباتات التي بأعلاه طلباً لتوسيع نطاق علم النباتات، ومنهم من يقصد نوال الاسم وإذاعة الصيت.
وكانت هذه البلدة قديما ديراً للراهبين والراهبات، وأما الآن فهي موضع للتنزه، وتغيير الهواء لشهرتها بلطف هوائها واعتداله، ويقصدها لذلك كثير من أولي الثروة لإمضاء فصل الصيف بها، وقد أعدوا لهم فيها أوتيلات متقنة، وحوانيت لمبيع اللوازم، ومحلات لتشخيص الروايات والمغاني، وما أشبه ذلك. وترى لها مساءً وقد أضاءت بها مصابيح النور الكهربائي بين تلك الجبال والزروع منظراً يروق النواظر، ويبهج الخواطر.
وسكانها 3000 نفس، كل منهم ذو سكون وَدَعَة، بشوش الوجه لطيف الأخلاق، ولا غرو فقد أكسبته طبيعة بلدته ارتياحاً أنطق منه لسان الحال فقال:
لم لا أميلُ إلى الرياض وحسنها
…
وأعيش منها تحت ظل ضافي