الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقمت بأعباء الأمر، وأخذت في التجول في أنحاء البلدان والمدن، فاتجهت إلى بلاد ألمانيا الغربية، ثم إلى شمال وشرق سويسرا، ثم إلى ألمانيا الجنوبية، متتبعاً أهم البلاد، مستكشفاً أحوالها الطبيعية الجغرافية والتاريخية، حتى حصلت من ذلك على فوائد جزيلة، وثمرات مفيدة، قد وضعتها ضمن هذا الكتاب إيفاء بحقوق الوطنية، وشكراً للمعارف الجليلة العمومية التي أرضعتني لبان مننها، وكستني حلل كرمها، وخدمة لمصدر الكرم، وولي النعم، مُحيي روح التَّمدن والعمران، وغارس شجرة الصلاح والأمان، من أنام الأنام في ظل عدله، ولحظهم بكرمه وفضله، مليك العصر، وعزيز مصر خديونا الأعظم محمد توفيق باشا الأفخم، أدام الله لنا ذاته الشريفة، ومتَّعنا ببقاء سُدَّته المنيفة، وسرَّنا بحفظ السادة الأنجال بُدور الجلال وشموس الكمال.
وها أنا أوافيكم بالتفصيل، وعلى الله قصد السبيل فأقول.
الإنطلاق من برلين
16 آب - أغسطس 1889
بارحت برلين صباح يوم 18 ذي الحجة سنة 1306 هجرية الموافق 16 أغسطس سنة 1889 ميلادية قاصداً مدينة كلونيا في قطار يطير في الأقطار، وقد بلَّت أجنحتَه الأمطار، ولم يزل يعرض علينا البلاد والقرى، وأنا أتصفح بعض الكتب لأطلع على مالها من الأهمية مادياً وأدبياً. حتى إذا كان وقت الظهيرة حط
رحاله في مدينة هنوفر فنزلت ملتمساً مشاهدة منظرها، فإذا هي بلدة متّسقة الشوارع متسعتها، وقد كانت عاصمة المملكة المسمّاة باسمها، وفي سنة 1866 ميلادية استولت عليها مملكة البروسيا وجعلتها ضمن ولاياتها قبيل الحرب البروسيانية النمساوية كما شرحت ذلك في الجزء الثامن من رحلتنا البرلينية، ثم هي الآن عاصمة تلك الولاية ومنطق أهلها باللغة الألمانية أفصح ممن عداهم، وذلك في إعطاء الحروف حقَّ مخارجها كما هو مشهور، ورأيته بتتبعي لكلامهم.
ولما صاح القطار بنعيرته وأعلن بالرحيل نزلت العربة فإذا أنا فيها وحيد، ولم أشعر إلا وقد انفتح باب العربة فرأيت شاباً وشابة كأنهما القمر والشمس يودِّعان أهلهما وأصحابهما، وقد أخذ الجميع في التقبيل والعناق، وتلاوة كلمات الفراق، ثم أقبلا علي يتهلَّلان فرحاً وسروراً، فألقيا السلام، فرحبت بهما، وشرفت من شأنهما، حتى إذا استقر بهما المجلس، وسار الوابور أخذا يتغازلان. وقد جرى بينهما سر الهوى، وباحت عيونهما بالجوى، فرقَّ لرقتهما قلبي، وهام بشأنهما لُبِّي وبعد لُحيظات لحظاني بعيونهما، حتى إذا علما أني غريب عن جنسهما ظنا أني لم أعرف لغتهما، فقالت فرنساوي؟ وقال بل روسي؟ إسبانيولي؟ بل إيطالياني؟ يوناني؟ بل تركي؟ فعند ذلك أخذني الضحك، فشعرا
بذلك، وطلبا مني العفو، وتجاذبنا من وقتئذ أطراف الحديث. وعلمت من حديثهما أنهما قد تقارنا قريباً
بعدما أنحلهما الغرام، وهالهما الهُيام، وقد أخذا في سفر الزواج كما هي عادة الألمانيين. وإليك شرحها اختصاراً، فأقول:
لما كان التزوج في البلاد الألمانية عسير الحصول بالنسبة لكثرة عدد الإناث وقلّة غنى الذكور، التزمت الآباء بإعطاء كامل الحرية لبناتهم متى بلغن 18 سنة من عمرهن، فيتركونهن في المجتمعات والمحافل يتسامرن، ويتداعبن، ويلعبن، ويرقصن مع الشبان إلى غير ذلك، فربما علق أحدهم بإحداهن وهي به، فيخرجان، وقد ثارت نيران الحب في أحشائهما، ويكون ذلك لهما موضوعاً للمراسلات العشقية، ويتراسلان، ويتواعدان ليتفسح معها في المنتزهات أوقات الفضا، ويكون مصاحباً لها أشهراً، وربما أعواماً تحت مراقبة الآباء أو أولياء شأنهما، ويسمون تلك المدة بمدة التجربة، ويستمران على ذلك حتى إذا لم يجدا مانعاً في الأثناء، وألفيا أن لا مناص من الاقتران عرضا خطبتهما على الآباء فإذا رضوا، ولم يكن ثم مانع، احتفلوا لزواجهما ليلة أو ليلتين، ثم يسافران معاً ليشتد وثوقهما، ويشد بعضهما أزر البعض تمكيناً للألفة والمحبة، وإلا فمتى حصل عائق وتفاقم غرامهما ورأيا أن لا محيد عن الفراق، فالناس في هذه