المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

اللهم اجعلنا ممن ترضى عنهم، وإن كنا لَا نرجو أن - زهرة التفاسير - جـ ١

[محمد أبو زهرة]

الفصل: اللهم اجعلنا ممن ترضى عنهم، وإن كنا لَا نرجو أن

اللهم اجعلنا ممن ترضى عنهم، وإن كنا لَا نرجو أن نكون أحْسَنَّا، حتى ننال جزاء الإحسان، ولكن نرجو أن تتغمدنا برحمتك الواسعة التي تسع الذين يؤمنون ويتقون.

* * *

الميثاق الإنساني على بني إسرائيل

ص: 289

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ‌

(83)

* * *

يذكر الله تعالى نبيه والمؤمنين بالميثاق الذي أخذ الله تعالى عليهم، وهو ميثاق يصلح نفوسهم، ويهذب جماعتهم ويجعلهم يتآلفون فيما بينهم، ويألفهم الناس، ويأتلفون، ولكن رضوا النفور بدل الائتلاف، والمنازعة بدل الالتقاء في ظل الرحمة والمودة الجامعة، وإن ذلك الميثاق الذي يذكره الله تعالى لهم هو ميثاق كل الأنبياء.

قال. (وإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي اذكروا أيها المؤمنون الميثاق الذي أخذناه على بني إسرائيل، فـ " إذ " تدل على الوقت الماضي، فاذكروا وقت ذلك الميثاق الذي أخذناه عليهم، وذكر الوقت ذكر ما يقع فيه واضحا بينا يتصور وجوده، كأنه موجود قاتم وليس متخيلا غير واقع.

هذا ميثاق بني إسرائيل، وهو محكم يشتمل على تهذيب النفس والجماعة الإنسانية كلها، وهو ميثاق النبيين في كل العصور وقد اشتمل على أمور:

أولها: وهو لبُّها عبادة الله تعالى وحده لَا يشرك به شيئا، وقد عبر سبحانه عنه بقوله تعالى:(لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) أي لَا تعبدوا غير الله، فالله وحده هو المعبود

ص: 289

ولا يعبد سواه، والصيغة في ظاهرها خبرية وهي طلبية بمعنى النهي عن عبادة غير الله تعالى كقوله تعالى:(لا تضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِولَدِهِ. . .)، وكقوله تعالى:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ. . .) وكقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ. . .) والتعبير عن الجملة الطلبية بصيغة الجملة الخبرية فيه إشارة إلى أن الإجابة أمر فطري طبيعي، وأنه كان الطلب وكانت الإجابة، فعبر بما هو دال على الإجابة.

والتوحيد دعوة النبيين أجمعين، كما قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون)، وقال تعالى:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36).

وإن الأمر الثاني - الذي ولي الأمر بالعبادة لله وحده، وهي تطهير النفوس من رجس الوثنية، والأوهام الفاسدة. الثاني - هو ما يتعلق بالأسرة لأن الأسرة قوام المجتمع يقوم عليها بناؤه، فلا يمكن أن يتكون مجتمع فاضل إلا من أسر قوية متماسكة برباط المودة، والمحبة والإحسان الذي هو غاية المحبة، وإن أولى رباط في الأسرة هو رباط الولد بأبويه، بالإحسان إليهما؛ ولذا قال سبحانه بعد الأمر بعبادة الله تعالى:(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، والإحسان زيادة في المعاملة عن المعاملة بالمثل أو بالعدل، وإنه زيادة عن العدل، بل فيه المحبة والرحمة؛ ولذا يقول الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأمرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ. . .)، والإحسان أصله مصدر أحسن، وهو الإتقان والإجادة، وبلوغ أقصى الغاية في الإجادة، فالإحسان في العبادة أن تبلغ أقصى درجات التجرد لله تعالى بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان إلى الأبوين أن تبلغ أقصى درجات الوفاء لهما في البر والمكافأة، وأن تزيد في المعاملة الحسنة، عما كان يكون منهما، احتياطا للرعاية والشفقة، والإحسان إلى الناس أن تعاملهم بالمودة الظاهرة، وإفشاء السلام بينهم فخير الإسلام

ص: 290

أن تقرأ السلام على من تعرف ومن لم تعرف، وإحسان العمل إتقانه (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).

وإن الإحسان إلى الوالدين ابتدأ بهما لأنهما رأس الأسرة، وهما أصل تكوينها، فمنهما تتشعب، وتمتد من الأصول إلى الفروع ثم إلى الحواشي؛ ولذلك كان الإحسان واجبا لكل من يربطهم بهما رحم، وذكر الإحسان إلى ذوي القربى، فكان الميثاق الإنساني العالي الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل فقال تعالى:(وَذِي الْقرْبَى) والقربى مؤنث أقرب، والمعنى أن بعد الوالدين ذو القربى، صاحب القرابة الأقرب مترتبة الأقرب فالأقرب، وذلك يتفق مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: " أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك "(1) ثم الأقرب فالأقرب، فمعنى ذي القربى، القريب الأقرب ثم يتوالى الأقرب فالأقرب.

والأسرة في الإسلام ممتدة، ليست مقصورة على الأبوين أو الزوجين، بل إنها ممتدة تشمل الأقرباء أجمعين، يحسن إليهم الأقرب فالأقرب حتى يعمهم ويبرهم جميعا، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يبارك له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه "(2)، وإن ذلك كله تقوية لبناء الأسرة على التواصل والمودة والرحمة فإن المجتمع الكامل يتكون من أسر قوية وهي لبنة البناء، ولا يتكون بناء قوي إلا من لبنات قوية.

وإن العناية بالأسرة عناية بالجماعة، وإن الوطن لَا تتربى محبته إلا في بناء الأسرة، والنزوع الجماعي، والتربية الاجتماعية هي التي توح النفس الإنسانية محبة الجماعة وحسن التبادل العادل بينها وإنما يبدأ ذلك بالأسرة، وقد أراد بعض الفلاسفة - وسارت وراءهم بعض النظم - أن يمحو الأسرة ويربى الأطفال مع غير آبائهم

(1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري: كتاب الأدب (5514) ومسلم: البر والصلة (4621) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

عَنْ أنَس بْنِ مَالِك رضي الله عنه قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ صَرةُ أنْ يُبْسَطَ لَه فِى رِزْقه وَيُنْسَأ لَه فِى أثَرِه فًلْيَصِلْ رَحمَهُ). [متفق عليه، رَواه البخاري: كتاب البيوع (1925) وصلم: البر والصلَةَ والآداب (4639)].

ص: 291

ليكونوا جميعا منتمين للجماعة. . فنمت أجسامهم، ولكن من غير عواطف إنسانية فمحوا الأسرة، والجماعة معًا.

الأمر الثالث - أنه قد اتجه الميثاق الإنساني الذي أخذ على بني إسرائيل إلى الإحسان إلى الضعفاء فقال تعالى: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين) واليتيم هو من ققد أباه، فإن الأب هو العائل الكالئ الحامي، ومن فقده فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف، لَا تحميه، وبالفطرة الأولى لَا تعوله؛ ولذلك لَا تعوض حماية الأب، وكلاءته.

والمسكين هو الذي أسكنته الحاجة، أو المرض المزمن، وإن كلمة المسكين بعمومها تشمل الفقير، لأن الفقير أسكنته الحاجة وأذلته، وهؤلاء جميعا الضعفاء، وإنه قد يشمل ابن السبيل أيضا، وهو الذي ينقطع عن ماله، ويكون في بلد بعيد عن بلده فهو قد أذلته الحاجة أيضا.

وفى الحقيقة إن اليتامى والمساكين بهذا العموم هم الضعاف في الجماعة، ورعاية الضعفاء وقاية لبناء الأمة من الانهيار، وإلا كانوا أشتاتا غير متراحمين يأكل بعضهم بعضا. وقدم الإحسان على اليتامى وإن كانوا أغنياء على المساكين؛ لأن اليتيم ضعيف، وإن كان كثير المال وهو ذو حاجة وإن كان غنيا، والإحسان إليه أن يقوم القائم عليه بتربيته، وألا يقهره ولا يذله، وأن يضمه إلى عياله.

فإنه إن لم يُحط بالعطف والرعاية والمحبة تربى على النفرة من الجماعة فيكون الشذَّاذ والكارهون للمجتمعات؛ ولذلك كانت النصوص الكثيرة الداعية إلي إكرام اليتيم، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيوت المسملين بيت يقهر فيه يتيم "(1). فاليتامى إكرامهم فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخلق القويم.

الأمر الرابع - بعد إقامة الأسرة ومراعاة الضعفاء في هذا الميثاق الإنساني الذي أخذ على بني إسرائيل وليس خاصا بهم دعا سبحانه وتعالى إلى بناء مجتمع

(1) عَن أبي هًرَيْرَة عَنْ النبِي صلى الله عليه وسلم قَالَْ " خَيْرُ بَيْب فِى الْمُسْلِمِينَ بَيْت فِيه يَتِيم يُحْسَنُ إِلَيْه، وشَر بَيْت فِى الْمُسْلِمِينَ بَيت فِيهِ يَتِيمٌ يُساءُ إِلَيْهِ ". [أخرجه ابن ماجه: كتاب الأدب - باب حق اليتيم (3669)].

ص: 292

إنساني يعم يعم الإقليم والجنس والناس أجمعين فقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وقوله تعالى: (وَقُولُوا) معطوف على لَا تعبدون إلا الله، لأنها مرادف هذا الميثاق الإنساني الذي أخذ على بني إسرائيل، وهو يحمل في نفسه موجب تنفيذه، لأنه حقيقة الدين، وهو في أعلى درجات المعاملات، فهل استجابوا وأقروا به، وقد أخذ عليهم بقوة، ورفع الجبل فوقهم ليخضعوا للحق ويذعنوا له؛ إنهم أعرضوا عنه؛ ولذا قال تعالى في حالهم بعد أخذه عليهم:(ثُمَّ تَوَلَّيتمْ إِلَّا قليلًا مّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ).

التولي الإعراض الذي تدل عليه مظاهر حسية، ومنه قوله تعالى. (أَعْرَضَ وَنأى بجانبِهِ. . .)، فالأصل فيه أنه إعراض يدل عليه مظهر حسي، وقوله تعالى:(وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) معناه أنهم تولوا بأجسامهم ونأوا عنه بحسهم، والمعنى أنهم معرضون مقاطعون لمبادئه وهذا تأكيد للإعراض وأنهم تركوه جملة وتفصيلا من غير أن يقبلوا منه شيئا، وقد أكد سبحانه الإعراض بالتصريح بالإعراض مع أن التولي يتضمن معناه، وأكده بالجملة الاسمية، أي أنه مع أنه ميثاق مؤكد، ومعناه قويم ترتضيه، العقول وتطلبه - أعرضوا عنه.

والخطاب للذين كانوا في عهد محمد صلى الله عليه وسلم ومن سبقوهم، لأنهم شاركوهم في ملتهم، واتبعوهم في توليهم، فكانوا صالحين لأن يخاطبوا بما خوطب به أسلافهم، وبيان حالهم وأمرهم.

وإن الله تعالى حكم عدل يحصي عمل الفاسدين، ويسجل خير الأخيار؛ ولذلك استثنى في الإعراض فقال:(إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ) فهم استجابوا لمقتضى الميثاق ولم يعرضوا وإن الحكم بالتولي ابتداء عليهم جميعا، ثم استثنى سبحانه الذين استجابوا ولكن لقلتهم كان الخطاب لهم جميعا.

وقوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) التعبير بـ (ثُمَّ) في موضعه من البعد بين الميثاق وما اشتمل عليه من أمور معمولة مطلوبة في حكم الشرع والعقل، ثم يكون من بعد ذلك الإعرأض الجافى الشديد منكم، إنه لأمر غريب لو كان من غيرهم.

* * *

ص: 293

سفك دمائهم وإخراجهم وأسرهم

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

* * *

إن اليهود قد أصابهم ما أصاب الأمم من تفكك في وحدتهم، فكانوا يتسافكون دماءهم ويمالئ بعضهم جماعات أخرى بينهم وبينهم حرب، فينضم فريق منهم إلى بعض المتقاتلين، وآخرون إلى غيرهم فيقاتل بعضهم بعضا، في ظل العدوين المتقاتلين، وقد أخذ الله تعالى عليهم العهد بمنع سفك دمائهم، وأخذ عليهم العهد بألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، ومع أن ذلك العهد حفظ لجميعهم وحقن لدمائهم ويفرض التعاون بينهم - خالفوه.

ص: 294

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ) كان الميثاق ألا يسفك بعضهم دماء بعض فلا يتقاتلوا ولا ينضموا إلى قوم يقاتلون أحدا

ص: 294

منهم، وعبر الله تعالى عن ذلك بقوله:(لا تَسْفكُونَ دمَاءَكُمْ) بصيغة الخبر الدالة على النهي وعبر عن التقاتل بينهم بقوله: (لا تَسْفِكُوَنَ دِمَاءَكُمْ) فنسب السفك المنهي عنه إليهم والدماء إليهم للإشارة إلى الفعل ليعود على جميعهم بسفك الدماء، وإهدار الأنفس، لأنه إذا كان القاتل والمقتول من أسرة واحدة، فقد قتلت نفسها، وسفكت دمها، وأهدرت أهلها.

ومنع سبحانه وتعالى أن يخرج بعضهم من دياره، وعبر عن ذلك المنع بقوله تعالى:(وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِن دِيَارِكُمْ) فالخبر هنا في معنى النهي عن ذلك، والتعبير عن إخراج البعض بأنه إخراج لأنفسهم بيان الاجتماع على أن يكونوا أمة واحدة متآزرة بحيث تكون إصابة عضو منها إصابة لجميعها، فإخراج بعضهم لبعض إخراج لكلهم إذ يفرق جمعهم، ولأنه يطمع فيهم أعداؤهم، فيخرجهم جميعا، فإخراج بعضهم يسهل إخراج كلهم.

وإن هذا الميثاق قد أخذه الله تعالى عليهم وأقروا به وشهدوه، ولذا قال تعالى موثقا ذلك الميثاق بقوله تعالى:(ثُمَ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) أي أنتم الحاضرون أقررتم ما أخذ على أسلافكم من هذا الميثاق، وأنتم تشهدون مؤمنين بصدقه.

وكان الخطاب في الإقرار والشهادة للذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم الذين نقضوا العهد ظاهرًا، وهم الذين سفكوا دماءهم، وهم الذين أخرجوا فريقا منهم، وإن كان الاحتمال بأن ذلك حصل من بعضهم في الماضي ليس ببعيد فقد تشابه في مخالفة الميثاق الخلف مع السلف، وهم جميعا في إثم مبين، وعدوان ظاهر.

وإذا كان ذلك الميثاق حفظا لوحدتهم ولجمعهم فقد نقضوه، وقتل بعضهم بعضا، وأخرج فريق منهم الآخر من داره، ولقد قال تعالى في ذلك:

ص: 295

(ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ) العطف هنا بـ ثم للبعد المعنوي بين الميثاق الذي أخذ عليهم وأقروه بألسنتهم وشهدوا عليه بقلوبهم، وبين الحال التي وجدوا فيها من أنهم قتلوا أنفسهم بأن تقاتلوا فيما بينهم سواء أكان قتالهم لأنفسهم

ص: 295

بأنفسهم، أم كانوا قد انضم فريق إلى قوم عدو لقوم آخر وتقاتل الإسرائيليون مع أنفسهم في ظل آخرين، وكان كل فريق من اليهود يعاون من يظاهره من أهل الشرك على قومه بالإثم والعدوان، وفي ذلك سفك لدمائهم.

وإن ذلك التعاون مع آخرين متعادين اقتضى أن يخرج فريق منهم من ديارهم، وذلك لأجل القتال الذي انضم فيه كل فريق من اليهود إلى فريق المشركين المتقاتلين؛ ولذا قال تعالت كلماته:(وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

روي عن ابن عباس أنه قال في تنكسير قوله تعالى: (ثُمَّ أنتمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسكُمْ) الآية: أنبأهم الله تعالى بذلك من قبل وقد حرم عليهم سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج والنضير وقريظة وهم مع الأوس فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حليفه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما لهم وما عليهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا نارا ولا حلالا ولا حراما، ولا بعثا ولا قياما ولا كتابًا.

وخلاصة هذه الرواية عن ابن عباس الذي سماه التابعون ترجمان القرآن: أن سفك اليهود لدمائهم كان في العصر القريب للهجرة عندما كانت الحرب مشبوبة بين الأوس والخزرج، وكانوا على شفا حفرة من النار، كما أخبر القرآن العزيز، وأن اليهود لم يقفوا محايدين كما هو واجب الجوار بل تدخلوا ليوسعوا شقة الخلاف ويؤرثوا نيران الحرب لتستمر مستعرة فكان مع الخزرج بنو قينقاع، وكانوا حلفاء لهم، ومع الأوس النضير وقريظة، فتقاتل الفريقان كل في صفِّه، وأخرج كل فريق الآخر من داره، فكان هذا نقضا للعهد الذي أقروه وصدقوه وشهدوه.

وعلى ذلك يكون الخطاب في قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ (85) لليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم والإشارة إليهم، وكانت الإشارة مع الخطاب لبيَان الصفات القائمة فيهم، فالمعنى أنتم ترون أنكم تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم.

ص: 296

ومن الغريب أنهم كانوا يتقاتلون غير متأثمين، ولا متحرجين من أن يقتل بعضهم بعضا، ويخرج فريق الآخر من داره ومع ذلك إذا وقع أحدهم في أسر من أي الفريقين فادوه، ولذا قال تعالى:(وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسارَى تُفَادُوهُمْ) إنهم يظاهرون على إخوانهم بالإثم والعدوان، ومع ذلك إذا جاءوكم مأسورين دفعتم فديتهم لتفكوا عانيهم، للذين كانوا سببا في أسرهم، وشَدُّوا الوَثَاق عليهم، فلو أن الفريق الذي تحاربون معه أسر أسرى من اليهود الذين يعاونون خصمه، وجاء إليكم هؤلاء الأسرى فإنكم تدفعون فديتهم لحليفكم الذي أسرهم، وهذا غريب متناقض. . أولا: لأنكم جعلتموهم مُقَاتَلين وسفكتم دماءهم وقتلتموهم فكيف تحمون حريتهم وأنخم الذين أخرجتموهم للقتال بسبب مناصرتكم لحلفائهم، ومناصرتهم لحلفائهم " ولذلك يقول تعالى تنديدا بحالهم وتناقضهم:(وَهُوَ مُحرَّمٌ عَلَيْكمْ إخرَاجُهُمْ).

ومعنى (تُفَادُوهُمْ) أي تدفعون دياتهم، لأن فدى ويفادى تدل على أحد معنيين إما أخذ الفدية ممن يدفعها أو دفعها، وتفسر هنا بمعنى دفعها؛ لأنه المناسب للمقام من حيث وقوعهم في التناقض في أوامر دينهم وميثاقهم فهم قد أخرجوا إخوانهم للقتال ومع ذلك إذا وقعوا في الأسر قدموا فديمهم اعتمادا على نص عندهم يقول:(إذا رأيت أخاك الآخر مملوكا فأخرجه من رقه) وبالتالي إذا رآه مأسورا أخرجه من أسره وإنه كان عليه ألا يكون سببا في إخراجه، وإنه محرم عليه إخراجه فلا يكون سبب الرق لذا قال تعالى:(وَهُوَ مُحرَّمٌ عَلَيْكمْ إِخْرَاجُهمْ) والحال والحكم الثابت المبين أنه محرم عليكم أن تخرجوهم، فإذا كان محرما عليكم ألا تتركوهم أسرى، فإنه من المحرم عليكم قبل ذلك ألا تخرجوهم فيكون ذلك سبب الأسر.

ولذلك قال تعالى مستنكرًا حالهم: (أَفَتؤمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) الفاء للإفصاح عن شرط مقدر، تقديره إذا كانت هذه حالكم فأنتم تؤمنون ببعضر الكتاب وتكفرون ببعض، والهمزة للاستفهام قدمت على الفاء لأنَّ الاستفهام له الصدارة دائما.

ص: 297

والاستفهام إنكاري لإنكار الو اقع لأنهم بعملهم هذا يؤمنون ببعض الكتاب وهو تحريم البقاء على الأسْر، ويكفرون ببعضه الآخر، وهو تحريم سفك دمهم، وإخراجهم من ديارهم للقتال، فهو استفهام لإنكار الواقع، ولومهم عليه، وبيان أنه تناقض في إيمانهم ينفذون ما يكون هواهم في تنفيذه، ويجحدون بما لَا يكون لهم هوى في تنفيذه فاتخذوا إلههم هواهم.

وإن هذا يؤدي إلى هوانهم وذلهم ووصفهم بالعار الدائم؛ ولذا قال سبحانه (فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الخزي: الهوان والعار والذلة، والفاء للترتيب، فإن الأمر الذي يترتب على تسليم أنفسهم لسفك دمائهم وإخراجهم من ديارهم يترتب عليه خزيهم بتسليم أنفسهم، وعار لخيانتهم لأقوامهم، ووراء ذلك كله الذلة وهوان أمرهم بين الناس، وإن ذلك جزاء مأخوذ من العمل في ذاته، ولذلك بين القرآن الكريم أنه لَا جزاء سواه، وذلك بالنفي والإثبات بالاستثناء، أي: أن الذين يفعلون ذلك الفعل لَا جزاء لهم إلا العار والذلة والمهانة، وإذا كان ذلك هو المتعين جزاءً فهو من الفعل في ذاته؛ ولذلك كانت الإشارة إليه في قوله:(ذَلِكَ) إشارة أن الفعل ذاته هو العلة.

والحياة الدنيا هي الحياة الحاضرة، وسميت الدنيا، فهي مؤنث أدنى؛ لأنها القريبة المرئية المحسوسة، والحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة التي تكون سعادة دائمة، أو شقوة مستمرة.

وإذا كان ذلك جزاء في الدنيا، فجزاء الآخرة أشد وأبقى؛ ولذلك قال تعالى:(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَاب) ويوم القيامة هو يوم الحساب والعقاب أو الثواب، بعد البعث والنشور، وقولة تعالى:(يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَاب) يفيد بإشارة اللفظ إلى أنه مرجعه إلى عذاب سابق، فالخزي عذاب دنيوي نتيجةً لفعلهم، وهذه هي الدفعة الأولى، ويردون بعد ذلك إلى أخرى يوم القيامة فيها أشد العذاب وأنكله.

وقد بين سبحانه وتعالى أن حسابهم عند الحكيم العليم الذي لَا يخفى عليه شيء، ولا يغفل عن شيء؛ ولذا قال تعالى:(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

ص: 298

نفَى الله تعالى بهذا النص السامي نفيا مؤكدا أن الله غافل عما يفعلون، فإذا كانوا هم ينسون ما يفعلون من آثام لاستمرائهم لها، واستمرارهم عليها، فالله تعالى لا ينساها، وقد أكد سبحانه نفي ذلك بالباء في قوله تعالى:(بِغَافِلٍ) وبنفي وصف الغفلة عن ذاته العلية، بأن الغفلة ليست من شئونه، وقوله تعالى:(عَمَّا تَعْمَلُونَ) إشارة إلى إحصائه سبحانه وتعالى أعمالهم حال عملها وحال تلبسهم بآثامها.

* * *

تنبيه: هذه الآيات نزلت في بني إسرائيل، والخطاب لهم ابتداء، ولكنه شامل عام في عبرته بالنسبة للأمم جميعها، وخصوصا الأمم التي تقوم على مبادئ رسالة إلهية من السماء، فإنها يجب أن تكون بناء واحدا قائما لَا تتداعي لبناته فيهوى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أمته:" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى "(1). وأوجب الإسلام على المسلم أن يعين أخاه المسلم في شدته وكربته، فقال:" من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته "(2)، وقال صلى الله عليه وسلم:" المسلم أخو المسلم لَا يخذله ولا يُسلمه "(3) ومع ذلك فعلنا الكثير نحن المسلمين في عصرنا، وهو امتداد لعصور قبلنا من الحصر العباسي الثاني إلى اليوم، سفكنا دماءنا بأيدينا لهوى الملوك، وفساد الحكام، فكانت الحرب بين المسلمين شديدة لُحيَّة، وصار كل فريق يرى في الآخر عدوه الذي ينتهز الفرص للقضاء عليه، وصار بعضهم يغري أعداء الإسلام من الوثنيين وغيرهم بالمسلمين، حتى وقعوا بالمسلمين وحاربوهم حرب إفناء.

(1) متفق عليه؛ رواه البخاري: كتاب الأدب (5552) ومسلم: كتاب البر والصلة (4685) واللفظ له، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

(2)

عن عَبْدٍ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما انَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " المُسْلمُ اخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أخِيه كَانَ اللَّهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلم كُربة فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَة مِنْ كرُبَات يَوْمِ الْقيَامَة وَمَن سَتَرَ مُسْلَمَا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقَيَامَة ". [متفق عليه؛ أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب (2262)، ومسلم: كتاب البر والصلة (4677)].

(3)

انظر السابق. وروى أحمد عَن ابْنِ عُمَرَ اأنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ: " الْمُسْلِمُ اخُو الْمُسْلِم لَا يَطلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ،، وَيَقُولُ: " وَالَّذي نَفْس مُحَمَّد بيَده مَا تَوَاد اثْنَانِ فَفُرق بَيْنَهُمَا إِلا بِذَنْب يُحْدِثُهُ أحَدُهُمَا، وَكَانَ يَقُولُ:" لِلْمَرْ الْمُسْلمَ عَلَى أخيه مِنْ المًعرُوفِ سِت: يُشَمتهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُه إِذَا مَرِضَ، وَيَنْصَحهُ إِذَا غَابَ، وَيَشْهَدهُ وَيُسَلمُ عَلَيْه إِذَا لَقَيَهُ، وَيُجيبهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيَتْبَعُهُ إِذَا مَاتَ، وَنَهَى عَنْ هِجْرَةِ الْمُسْلم أخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ "[مسند المكثرين (5103)].

ص: 299

ولقد كانت الأرض الإسلامية تُلتَهم قطعة قطعة، وفي المسلمين أقوياء لَا يرون للدين حقا عليهم يوجب أن ينقذوا إخوانهم من المؤمنين، فقد كان النصارى يعذبون المسلمين حتى أفنوهم فيها، والأتراك من النظارة الذين ينظرون ولا يتحركون.

وجاء العصر الأخير، فرأينا أعداء الله وأعداء الإسلام يجندون من المسلمين من يحاربون المسلمين، ووجدنا من الذين يتمسحون باسم علماء الدين من يؤيدون محاربة المسلم للمسلم، ووجدنا في السنين الأخيرة من الحكام من يقتل المَقَاتِل العظيمة في المسلمين من رعيته، حتى يلجئهم إلى الوثنيين لينقذوهم، وتذهب جماعات إسلامية، وقتًا بعد آخر ووجدنا بيت المقدس يخربه اليهود ويستولون عليه، ووجدنا من اللوك من يؤيدونهم. . اللهم لاحول ولا قوة إلا بك وأنه ينطبق علينا قوِلك الحكيم:(فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

وإن أولئك الذين يسفكون دماءهم، ويخرجون أنفسهم من ديارهم باعوا آخرتهم بدنياهم، وكانت الحياة الآخرة هي الثمن للدنيا التي اشتروها؛ ولذلك قال تعالى:

ص: 300

(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، الإشارة إلى الذين سفكوا دماءهم وأخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضوا مواثيق الله التي جاءتهم بالأحكام التكليفية، والإشارة إلى الموصوفين بصفات تشير إلى أن هذه الصفات هي سبب الحكم الذي يقترن باسم الإشارة، أي أن هؤلاء بسبب أوصافهم قد اشتروا الحياة الدنيا بثمن هو أغلى الأثمان، وهو الآخرة، ولكننا نجد أنهم خسروا في الدنيا؛ لأنهم لحقهم الخزي والعار، وفسدت نفوسهم، حتى صارت كالقردة والخنازير، وإن ذلك حق، ولكنهم فهموا الدنيا متاعا يستمتعون به كالحيوان فاشتروا هذه الدنيا التي زعموها، وتركوا الآخرة فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ومع أنهم طلبوا الحياة، وتركوا الآخرة لم ينالوا ما طلبوه طيبا، بل أخذوه ذليلا مهينا، مصحوبا بالخزي، ولكنهم يريدون الحياة الدنيا على أية صورة كانت، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، وإن جزاءهم في الآخرة التي تركوها وباعوها،

ص: 300

قال الله تعالى فيهم: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) الفاء فاء الإفصاح التي تفيد ترتب ما بعدها على ما يفهم مما قبلها، أي أنه بسبب تلك المبادلة الخاسرة التي خسروا فيها الآخرة لَا يخفف الله تعالى عنهم العذاب الشديد الذي يستقبلهم؛ لأن أسباب التشديد من التقاطع والتنابذ والحسد والجحود قائمة، ولا مسوغ للتخفيف قط، (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، فلا ترى من نبي ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم لأنهم عدموا الشعفعاء، وقتلوا النبيين.

* * *

استكبارهم على الرسل

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)

* * *

ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل، وكيف نقضوا ميثاقا بعد ميثاق حتى ما يتعلق بسلامة جماعتهم، وحمايتهم لأنفسهم. بعد ذلك، ذكر استقبالهم للرسل، وكتبهم فقال تعالى:

ص: 301

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بالرسلِ)، الكتاب الذي أنزله الله على موسى هو التوراة، وليس هو الذي يطلقون عليه اسم التوراة، أولا: لأنه يشتمل على أخبار الأنبياء من بعده داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذي جاءوا من بعده، فلا يمكن بالبداهة أن يكون قد نزل على موسى ما جاء بعده من أخبار نبيين جاءوا من بعده بمئات السنين، وثانيا: لأنهم حرفوا وغيروا وبدلوا ونسوا حظا كثيرا مما نقل إليهم، ولا يزالون يحرفون، ويغيرون ويبدلون، ويعبثون. وإن الكتاب الذي نزل على موسى هي الأسفار الخمسة، وقد حرفوها وغيروا [وبدَّلوا](1)، ولا يزالون يفعلون. [آتي] الله تعالى موسى عليه السلام

(1) في الأصل [وبدَّعوا] ولعله خطأ مطبعي. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).

ص: 301

الكتاب الصادق الذي هو حجة عليهم وليس ما بأيديهم حجة لهم لأنهم كتبوه بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلا (فَوَيْلٌ لهُم مِّمَّا كتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ).

وإن الله تعالى أرسل الرسل من بعد موسى، ليؤيدوا ما دعا إليه في الكتاب الذي نزل عليه؛ ولذا قال تعالى:(وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) أي جاء بعده رسل تترى، رسولا بعد رسول، فمعنى قفينا أرسلنا رسولا وراء رسول وراء رسول لأن التقفية التتابع بحيث يكون كل رسول في قفا الرسول الآخر وراءه، ومعنى هذا التتابع أن يكون الجميع على نمط واحد، وغاية واحدة، فإن الخط المستقيم المتتابع في نقطة ينتهي إِلى نقطة واحدة، وهي الوحدانية، والتكليفات الإلهية الواحدة، كما قال تعالى:(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13).

ولقد ذكر بعد ذلك عيسى عليه السلام، وقد بعث في اليهود، أي كانت دعوته الأولى في اليهود، ومعه المعجزات الباهرة فقال تعالى:(وآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ذكره سبحانه وتعالى في ضمن الرسل الذين تتابعوا من بعد موسى، وقفاهم الله تعالى به، رسولا بعد رسول، فهو رسول من بينهم، ولكن اختصه تعالى ببينات أي معجزات حسية باهرة قاطعة في الدلالة على رسالته، ولكنهم كفروا، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذه البينات في آيات أخرى من القرآن، منها ما جاء في سورة آل عمران، فقد قال تعالى مبشرا مريم بولادة المسيِح عليه السلام، وهي مستغربة أن يكون من غير أب:(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ

ص: 302

الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51).

* * *

هذه بعض البينات، وذكرت بينات أخرى في سورة المائدة منها أنه بإذن الله يردُ الحياة إلى الموتى، والفاعل هو الله تعالى وأجرى الإحياء على يد عيسى عليه السلام، وأنه ينادي الموتى من قبورهم فيخرجون بإذن الله تعالى العلي القدير، وأنه نزل عليه مائدة من السماء، فكانت آية أخرى.

وفى هذا المقام لابد من ذكر أمرين:

أولهما - أن اليهود كفروا بهذه الآيات البينات، ولم يذعنوا للحق وحاولوا قتل المسيح عليه السلام، وأرادوا أن يكون في عداد النبيين الذين قتلوهم، ولكن الله تعالى حماه منهم، وادعى النصارى الذين جاءوا بعد المسيح عليه السلام أنهم قتلوه لأوهام توهموها، وأكاذيب اخترعها بولس الذي كان له عدوِّا مبينًا.

الأمر الثاني - وهو لماذا كانت هذه البينات الخارقة للعادة للمسيح من بين سائر النبيين؛ وإن كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ما هو أجل وأعظم، وجاء مثلها على يديه، ولكنه لم يتحدَّ بها، بل تحدى بالقرآن العظيم الخليقة كلها في كل أجيالها، ولا يزال يتحدى العصور إلى اليوم.

كانت معجزات عيسى أو بيناته كما عبر القرآن الكريم من هذا النوع؛ لأن اليهود ما كانوا يؤمنون إلا بالمادة ولا يعترفون بالروح في كتابتهم، ولا في أنفسهم، ولا في دراساتهم الدينية في العصر الذي بعث الله تعالى عيسى عليه السلام فيه ولا العصر الذي قارنه وسبقه، فكان لابد من أمر روحي يقرع حسهم وحالهم المادي فكان خَلْق عيسى عليه السلام، وكان أمرًا خارقا للعادة مبطلا سلطان المادة، وكانت المعجزات كلها من الناحية الروحية فهو يخبرهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، وهو يبرئ الأكمه والأبرص وهو ينفخ في الطين فيكون طيرا، وهو يحي الموتى، وهو يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله تعالى، والله تعالى ينزل المائدة فيأكلون

ص: 303

منها، كما كان ينزل المن والسلوى على بني إسرائيل عند خروجهم من مصر، وهم يعيشون في سيناء.

هذا بالنسبة لبني إسرائيل خاصة، أما بالنسبة للعقل البشرى عامة الذي عاصر المسيح عليه السلام، وكان في القرون التي قبلها، فهو أنه عصر الفلسفة الأيونية التي تولدت منها الفلسفة اليونانية، وقد كان هذا العصر تسوده فلسفة الأسباب والمسببات فلكل شيء سبب عادى، وكل سبب هو سبب لشيء وأتبع سببا، فالوجود كله يؤثر بعضه في بعضه، فالولد يكون من أب وأم، يكَوَّن من أصلاب الآباء وبطون الأمهات، والأبرص والأكمه لَا يشفيان، ولا يمكن أن يعود الميت حيا، ولا أن يخرج الأموات من قبورهم، وهكذا فكان لابد من قوارع تبين أن الأسباب والمسببات من الله، الله تعالى أبدعها بديع السماوات والأرض، وهو يغيرها، وهو الفعال لَا يريد.

لقد تطاولوا حتى قالوا: إن الوجود منشأ من موجده بنظام الأسباب والمسببات، فهو وجد منه وجود المعلول من علته، فهو ليس مختارًا حتى في وجوده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فهو القادر المختار المريد العليم السميع البصير، ليس كمثله شيء وهو فعال لما يريد.

كانت معجزات عيسى عليه السلام قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها، فتعالى الله، وتقدست ذاته وتنزهت صفاته.

وما يدعى من أن عصر عيسى عليه السلام كان عصر علم الطب لَا يؤيده التاريخ، بل كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى وخاطبهم برسالته ومعجزاته كانوا أجهل الناس بالطب كما حكى عنهم الفيلسوف المسيحي رينان في كتابه.

أيد الله تعالى المسيح عليه السلام بالبينات الباهرة، ولكن بني إسرائيل كفروا بها، وأيده عليه السلام بروح القدس، فقال تعالى:(وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) وروح القدس هو جبريل رسول الله تعالى إلى رسله، كما قال تعالى:(وَمَا كانَ لِبشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ من وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رسولًا. . .)، فالرسول

ص: 304

الذي يرسله الله تعالى إلى رسله هو الملك جبريل عليه السلام، وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

وجبريل رسول الله فينا

وروح القدس ليس به خفاء

وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ)، وروح القدس من إضافة الموصوف إلى الوصف، أي الروح القدس أي الطاهر وقد وصف بالأمين، كما ترى في الآية التي تلونا، وليس إلها، ولا ثالث ثلاثة كما قال الذين لَا يؤمنون إلا بالأوهام، وهم النصارى الذين يتبعون بولس عدو المسيح، ولا يتبعون المسيح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

كفر بنو إسرائيل بالمسيح عليه السلام، وقد أتى بهذه البينات القاهرة، ولكنهم كفروا استكبارا عن اتباعه عليه السلام، " ولأن ما جاء به يخالف أهواءهم فهم يريدون الرسول داعيا إلى ما تهوى أنفسهم، والكفر ملازم لكل من جعل إلهه هواه، فهو يدين لكل ما يتبع أهواءهم، ولا يدينون دين الحق الذي يقوم الدليل على صحته، وأنه من عند الله؛ ولذلك قال الله تعالى في بني إسرائيل:(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ).

والهوى هو الميل إلى الشيء بالانحراف، ويسمى الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى الباطل من كل شيء فهو يهوي إلى الخلق الفاسد، وإلى الضلال، ومن بعد ذلك يهوي به إلى النار.

وإنهم يرفضون طاعتهم للحق إطاعة لهواهم ولكنهم يسترون ذلك بالاستكبار، واستصغار الحق ومن يدعو إليه مستعلين عليه، كأنهم هم وحدهم، حملة الرسالة الإلهية ولا يحملها سواهم، لأنهم أبناء الله وأحباؤه، ولذلك كانوا مستمرين في غوايتهم.

قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ) الفاء لترتيب ما بعدها من حكم على ما كان قبلها من كفر متوالٍ مستمر، والهمزة للاستفهام وهو لإنكار الواقع الذي هم فيه،

ص: 305

وكلما شرطية تدل على تكرار الفعل وهو الجواب إذا تكرر الشرط، والمعنى يتكرر منكم الاستكبار كلما جاء نبي من الأنبياء بما لَا تهوى ولا تحب أنفسكم، وإن ذلك توبيخ لهم لحاضرهم وماضيهم على سواء، لأنهم في الباطل أمة واحدة، يتبع خلفهم سلفهم، ويدين آخرهم بما يدين به أولهم، فهم جميعا يستكبرون عن الحق، وحالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم هو حال أسلافهم مع أنبيائهم، فهم استكبروا عن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من بني إسرائيل ولأنه لم يجئ بما تهوى نفوسهم.

وإنهم إذ يستكبرون يرتبون من ماضيهم على الاستكبار إما التكذيب المجرد، كما كانوا يفعلون مع الأنبياء، وكما فعلوا مع عيسى عليه السلام، إذ حاولوا قتله، فأنجاه الله تعالى منهم، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله تعالى إليه، وإما التكذيب المقرون بالاعتداء الآثم؛ ولذا قال تعالى فيما ترتب على الاستنكار:(فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتلُونَ).

فالفاء للترتيب، أي ترتب على الاستكبار الآثم أن كذبتم، وأن زدتم على التكذيب القتل، كما فعلتم مع يحيى وزكريا عليهما السلام، وكما حاولتم أن تفعلوا مع عيسى فرد الله تعالى كيدكم في نحوركم.

وقد عللوا تكذيبهم للأنبياء الذي دفع إليه استكبارهم بقولهم:

ص: 306

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) وغلف جمع أغلف وهو ما عليه غلاف أي غطاء يمنع وصول ما يدعو إليه الرسول إلى قلوبهم، وهو كقوله تعالى حكاية عن أمثالهم:(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. . .)، وذلك لأن الهوى إذا سيطر سد مسامع الإدراك الصحيح فيكون لهم قلوب لَا يفقهون بها، فهم لَا يدركون، وهم إذ يحكمون على أنفسهم ذلك الحكم، فهو صادق فعلى قلوبهم غلاف من الهوى سد معرض عن الحق، وهم يقولون ذلك القول مصرِّين على التكذيب؛ ولذا قال تعالى:(بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي طردهم سبحانه وتعالى من رحمته، وهو حكم تقريري، مثبت لغلف قلوبهم، والإضراب في قوله تعالى:(بَل لَّعَنَهُمُ) إضراب عن قبول اعتذارهم، ورده عليهم بأن هذا طرد لهم من رحمة الهداية إلى كفر الغواية.

ص: 306

ويفسر ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما معنى قولهم في قلوبنا غلف " إن قلوبنا ممتلئة علما لَا تحتاج إلى علم جديد يأتي به الرسول محمد أو غيره، وقرأ ابن عباس غُلُف جمع غلاف، والمعنى أن قلوبهم امتلأت علما حتى الكظة ووضع عليها غلاف محكم يمنع أن يخرج العلم، ويمنع أن يدخل إليه غيره، وهو تعبير تصويري ويتفق معه وصف استكبارهم، ويكون معنى: (بَل لَّعَنَهُم اللَّهُ) لعناهم، وطردناهم، فالإضراب في " بل " رد لادعاء العلم بالنبوات، بل هو غرور راكز في نفوسهم منعهم من إدراك الحقائق الدينية، والرسالات الإلهية التي انتهتا برسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم (1).

وإن ذلك متفق مع قوله تعالى في سورة النساء: (فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا).

وقد رتب الله تعالى على تغليف قلوبهم ووضعهم الغطاء المانع من دخول الحق إليها، فقال تعالى:(فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أنه ترتب على تغليف قلوبهم عن الحق ألا يؤمنوا به، و " ما " في النص السامي الكريم للدلالة على القلة الشديدة، والمعنى فقليلا أي قلة يؤمنون، والعلة واضح أنها في العدد لَا في الإيمان، فالإيمان لَا يتجزأ إلى قليل أو كثير، فهو كامل دائما، أو هو الإذعان للحق بعد تصديقه، وذلك لَا يكون إلا كاملا، فالقلة والكثرة في عدد المؤمنين لَا في مقدار إيمانهم، فالمعنى بسبب تغليف قلوبهم لَا يؤمن إلا عدد قليل وقوله تعالى:(فَقَلِيلًا مَّأ يؤمِنونَ) إن قليلا وصف لمصدر محذوف تقديره: إيمانا قليلا أي (قلة يؤمنون) والقلة كما أشرنا ليست في أصل الإيمان، بل فيمن اتصفوا بالإيمان، لأنهم يكونون عددا قليلا، ومصداق ذلك قوله تعالى في أهل

(1) عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَ مَثَلِي وَمَثَلَ الأنْبِيَاءِ مِنْ قبِلي كَمَثَلِ رَجُل بنى بَيْتًا، فَأحْسَنَهُ وَأجْمَلَهُ إلا مَوْضِعَ لَبنَة مِنْ زَاويَة، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ به وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأنَا اللبِنَةُ وَأنَا خاتِمُ النَّبِيينً) [متفق عليه؛ أخرجه البخَاري: كتاب المناقب (3271) ومسلم: كتاب الفضائل (4239) وغيرهما].

ص: 307

الكتاب: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، وقوله تعالى في أهل الكتاب السابقين على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم:(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115).

* * *

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

* * *

ذكرهم الله تعالى بأعمال سلفهم مع الأنبياء بصورة عامة، ثم بدأ سبحانه وتعالى أعمالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة، وهي في ذاتها أشد كفرا مما كان من أسلافهم مع الأنبياء السابقين، ولذا كان الخطاب متصلا بخطاب أسلافهم، فأسلاف أخذ عليهم الميثاق لايعبدون إلا الله، وأسلاف أخذ عليهم الميثاق ألا يسفكوا دماءهم وألا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، خوطب أسلافهم بذلك، وكان الخطاب موجها

ص: 308

لهم، والميثاق في رقابهم ولذلك ندد بقتلهم أنفسهم، وإخراجهم فريقا منهم من ديارهم.

قال تعالى:

ص: 309

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ منْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لمَا مَعَهُمْ) أخبر سبحانه وتعالى أنهم جاءهم كتاب، وهو قد جاء مع رسول من بني إسماعيل عليه السلام بهذا الكتاب، فذكر الكتاب، وهو يقتضي أن يكون مع رسول، فأعلم بالكتاب لأن الأمر أنه كتاب يشتمل على المواثيق مثل المواثيق التي أخذت عليهم، ونقضوها، فهو ميثاق جديد للمواثيق التي جاءتهم من قبل، ولم يذكر اسم الرسول، لأن الاعتبار لهذا الكتاب الذي وصفه الله تعالى بوصفين أنه من عند الله تعالى، وما يكون من عند الله جدير بأن يتقبلوه بقبول حسن، وأن يأخذوه بمأخذ الطاعة لأوامره ونواهيه، والوصف الثاني أنه مصدق لما معهم فهو مصدق لما جاء في التوراة من وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، ومصدق للمواثيق التي أخذت عليهم من ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يحسنوا إلى الأبوين وذوي القربى واليتامى والمساكين، وابن السبيل، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأن يقولوا للناس حسنا من القول، ويترتب على ذلك المعاملة الطيبة، وإن هذا النبي الذي جاء معه الكتاب الذي أنزله الله تعالى، وهو مصدق لما معهم من أوامرٍ ونواهٍ ومواثيق أخذت عليهم بقوة - قد كانوا يعلمون بمجيئه ويتوقعونه.

ومعنى تصديق الكتاب لما معهم أنه تصديق لما معهم من كتاب كانوا يكتبونه بأيديهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، حتى يجيء بعض البهتانيين الكاذبين من دعاة نصرانية بولس، فيقولون إن القرآن صدق ما بأيديهم من محرف التوراة المحرفة والمنحرفة والإنجيل المحرف، إنما صدق القرآن الأوامر الأصلية مما اشتمل المواثيق التي أخذت عليهم بقوة، ولم يصدق الذي حرفوه ولا المنحرف عن الحق والخلق المستقيم، كالذي اشتملت من أن نبي الله داود زنى بحليلة جاره، وأرسله إلى الميدان ليخلو له وجه عشيقته، ذلك إفك بين لَا يليق بأخلاق نبي جعله الله تعالى خليفته في الأرض ولا يليق بذي خلق كريم، فهل هذا ما صدق به

ص: 309

الكتاب ما معهم، ذلك هو الضلال البعيد، ولن يكون في كتاب منزل من عند الله، ولا يدّعيه إلا الذين هوت نفوسهم إلى مثل هذا الحضيض الأوهد من الأخلاق.

وإن اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلنون أنه سيكون نبي، وأنهم يتوقعون أن لَا يكون منهم كما ذكر من قبل؛ ولذلك قال الله تعالى:(وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) السين والتاء للطلب أي يطلبون الفتح، والفتح هو النصر كما في قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ من عِندِهِ

)، وأطلق الفتح على النصر العادل، لأن النصر يفتح الطريق أمام الحق، وقد بشر الله تعالى بالنصر في قوله تعالى:(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3).

كان اليهود إذا كانوا في حرب مع المشركين ممن يجاورونهم في المدينة يطلبون النصر بالنبي الذي حان حينه وحل، أوانه ويحسبون أنه سينصرهم على المشركين؛ لأنه سيجيء بمحو عبادة الأوثان وتحطيمها.

روى محمد بن إسحاق بسنده عن قتادة الأنصاري عن أشياخ منهم: قال: فينا والله وفيهم، (يعني في الأنصار واليهود الذين كانوا جيرانهم) نزلت هذه الآية:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ منْ عِندِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لمَا مَعَهُمْ وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، وهم يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله، وكان من قريش آمنا به واتبعناه وكفروا به.

ولم يكن ذلك الاستفتاح بين اليهود من بني النضير وجيرانهم في المدينة، بل كان بين اليهود، وغيرهم في داخل الجزيرة، يروى ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هُزِمَتْ يهود خيبر فدعت بهذا

ص: 310

الدعاء. وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأُميّ الذي وعدتنا أن تخرجه إلا تنصرنا عليهم " فكان إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان.

كان معروفا عند اليهود ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يستفتحون به ويدعون الله بحقه أن ينصرهم، ولكنهم كسائر أسلافهم يتبعون أهواءهم، فلما جاء من غير قبيلهم أنكروا معرفتهم، وادعوا أنه لَا ينطبق عليه أوصاف من كان يستفتحون به، وهم كما قال الله تعالى:(يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهمْ. . .).

ولذا قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)، الفاء للترتيب أي أنهم مع هذا الاستفتاح ترتب نقيضه وهو أنهم لما جاءهم الذي عرفوه جحدوه وكفروا به، فهم رتبوا على الشيء نقيضه وبدل أن يذعنوا للحق الذي عرفوه أنكروه وكفروا به، وهكذا شأنهم هم وأسلافهم دائما يعرفون الحق ويكفرون به، عرفوا باطل فرعون ومع ذلك اتخذوا العجل.

عبر قوله تعالى عن إدراكهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم به بأنهم عرفوه، والمعرفة هي العلم الجازم المطابق لبواقع عن دليل، ومع ذلك كفروا به، فكانوا مطرودين عن رحمة الله، والحق الذي جاء به النبيون، ولذا قال تعالى:(فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) الفاء للإفصاح، إذ تفصح عن شرط مقدر مؤداه إذا كانوا قد كفروا بما عرفوا واستيقنوا فلعنة الله تعالى عليهم، وأظهر في موضع الإضمار للتصريح بأنهم صاروا في عداد الكافرين، وخرجوا عن دائرة المؤمنين الذين يؤمنون بأي شيء في كتابهم فهم قد كفروا بكتابهم وبما عندهم واللعنة هي الطرد، ووراء الطرد المذلة، وإن كفرهم هو السبب في طردهم وذلتهم.

ص: 311

(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن ينَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضلهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) بئس من أفعال الذم كنعم من أفعال المدح، ويكون معها تمييز ثم يعقبه المخصوص بالذم أو المدح كأن تقول: نعم محمد رجلا، فـ " رجلا " تمييز

ص: 311

ومحمد المخصوص بالمدح أو الذي يُمدح وقد تكون (ما) هي التمييز فتكون نكرة تامة بمعنى شيء مذموم.

ف " ما " - هنا على ما يخرجه النحاة نكرة موصوفة بالذم - لما اشتووا به أنفسهم - ويكون المعنى بئس شيئا مذموما، والمخصوص بالذم هو أن يكفروا بما أنزل الله بغيًا. . إلى آخره. فاشتروا هنا بمعنى باعوا، أي أنه بئس هذا الفعل الذي باعوا أنفسهم أن يكفروا بما أنزل بغيا ظلما وحسدا وحقدا.

هذا ما يقوله النحويون في " ما " ونحن لَا نرى مانعا من أن تكون اسمًا موصولاً بمعنى الذي، فيكون المعنى بئس الذي باعوا به أنفسهم فقد باعوها بأمر حقير مضرته شديدة وهو أن يكفروا بما أنزل الله تعالى من قرآن كريم هاد إلى الرشاد وإلى سواء السبيل، وقوله: بغيا مفعول لأجله أي لأجل ما في نفوسهم من حسد أدى إلى ظلم شديد، والبغي في أصله طلب الشيء بشدة، إرضاءً لهوى، وأن ذلك يؤدي إلى أن يطلب الشيء بغير حله، وإلى الظلم؛ ولذلك أطلق البغي على الظلم الذي يبتغي ويطلب في حرص ولذا يقول تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وإن ذلك البغي الناتج عن الهوى والحسد هو أنهم يكرهون أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ومعنى النص الكريم (أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) لأجل البغي المستكن في نفوسهم، وهو كراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

فهم ارتكبوا إثمين كبيرين بذلك:

أولهما - الكفر بما أنزل الله تعالى وذلك إثم في ذاته، وهو كفر مبين؛ لأن من ينكر ما أنزل الله تعالى، وقد قامت بيناته، وعرفوه من قبل في كتبهم فقد كفر كفرانًا مبينًا.

وثانيهما - أن الباعث إثم عظيم واغترار، بأنهم المختارون وحدهم لرسالة الله - فمعنى (مِن فَضْلِهِ) أي من رسالة ربه، فهي من فضل الله، والله ذو الفضل العظيم، يختص برحمته من يشاء والله أعلم حيث يجعل رسالته.

ص: 312

إن اليهود يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه جاء من ولد إسماعيل لَا من ولد إسحاق، يريدون أن يكون خاتم النبيين من ولد إسحاق، فهم يكفرون بما أنزل الله تعالى لأنهم يكرهون أن ينزل الله رسالته على من يشاء من عباده، فهم يريدون أن تكون إرادة الله تعالى على هواهم في إرسال الرسل، وقد بين الله تعالى أن ذلك أدى إلى غضبه عليهم، وبعدهم عن رحمته؛ ولذا قال تعالى:(فَبَاءُو بِغضبٍ عَلَى غَضَبٍ) أي فرجعوا وكانت النتيجة لهذا البغي والحسد، أن نزل بهم غضب، والمراد أنهم باءوا بغضب متزايد متكاثر شديد لتزايد أسبابه، وتعدد دواعيه، وبواعثه.

ويقول فخر الدين الرازي: " إن غضب الله تعالى يتزايد ويكثر فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال متعددة ".

وقد كفر اليهود الذين خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم مرتين كما أشرنا، إحداهما - بكفرهم بما أنزل الله تعالى، وقد عرفوه من قبل، وكانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، والثانية - أنهم يريدون أن يكون أمر الله تعالى في رسله على هواهم.

ولذلك قال تعالى: (فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضبٍ) والغضب يكون حالا تليق بذات الله تعالى يتجلى في عدم رضاه وإنزاله العذاب بمن يغضب عليه وطرده من رحمته ولعنه، وكل ما يذكر الله تعالى من صفات وأحوال يتشابه أسماؤه مع ما يتصف به من صفات وما تكون عليه من أحوال لَا يكون مشابهًا لنا، بل يكون أمرا يليق بالذات العلية:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهوَ السَّمِيع الْبَصِير)، تعالى الله عن مشابهة الحوادث.

ولقد ذكر سبحانه وتعالى ما ينزله بهم سبحانه من عذاب فقال تعالى:

(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) أى عذاب يوقعهم في الذل والمهانة، وذكر سبحانه وتعالى العذاب لهم بأنه مهين مذل موقع في المهانة؛ لأنه عقاب لاستعلائهم الكاذب، وغرورهم حتى حسبوا أن الله تعالى يتصرف كما يهوون، وكما يبتغون، والله تعالى القاهر فوق عباده وهو الحكيم العليم.

ص: 313

وإن الله يذل دائما كل من يتطاول، ويتسامى بغرور، روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك لا ملك إلا الله "(1)، ونحن نقول مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم، متبعين له: اشتد غضب الله على كل عتل جبار أذل البلاد، وأفسد العباد، وأنه القادر الذي ليس فوقه أحد.

وإن اليهود سيرا على غلوائهم وزعمهم الفاسد أنه لَا نبي إلا من بينهم. إنهم يبغون حسدا لغيرهم إذا قيل آمنوا بما أنزل الله قالوا لَا نؤمن إلا بما أنزل علينا، ولذلك قال تعالى فيهم:

(1) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده (9987) عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: " اشْتَدَّ غضَبُ الله عز وجل عَلَى رَجُل قَتَلَهُ نَبيُّهُ - وَقَالَ رَوْحٌ: قَتَلَهُ رَسًولً اللَّهِ وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهَ عَلَى رَجُل تَسَمَّى بِمَلِكِ الأملاكِ؛ لَا مُلْكَ إِلا لِلَّه عًَز جَلَّ ".

وهو متفق عليه رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: " اخْنَعُ اسْم عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَة اخنَعُ الأسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسمَّى بِمَلِكِ الأمْلاك ". قَالَ سًفْيَانُ: يَقُول غَيْرُهُ: تَفْسيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ. وهذا لفظ البخاري: الأدب (5738)، وبنحوه عند مسلم: الآداب (3993).

ص: 314

(وَإِذَا قيلَ لَهُمْ آمنوا بمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نؤْمِنُ بمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ).

كان الكلام للغيبة، ولم يكن بالخطاب لأنه للحاضرين من بني إسرائيل إذ هم الذين يعتذرون ذلك الاعتذار وبه يجحدون ذلك الجحود، وكان الكلام بالغيبة فيه تنديد بهم وبأسلافهم من قبل، وقوله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) بالبناء للمجهول لكثرة القائلين، فكتبهم تقول لهم ذلك، وهم أنفسهم كانوا يقولون ذلك، إذا كانوا يستفتحون على الذين كفروا بالنبي الأُميّ صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يدعونهم، وحلفاؤهم من المؤمنين كانوا يدعونهم، فكثر القائلون، وإن البناء للمجهول له معنى آخر، وهو تركيز القول على ما يكون من ردهم للداعي فهذا موضع اللام، فلا لوم على من قال، فلا حاجة إلى ذكره، إنما اللوم كله في ردهم.

القائل يدعوهم إلى الإيمان بما أنزل فيقول آمنوا بما أنزل الله تعالى، فالله هو الذي أنزله وهو جدير بالإيمان به، لأنه من عند الله والكفر به كفر بالله تعالى.

ص: 314

وردهم نؤمن بما أنزل علينا، أي لَا نرى الإيمان إلا بما أنزل علينا نحن مع أن المنزل واحد، وهو الله تعالى ولكنهم يغالون في اتباع هواهم وشهواتهم، فيزعمون أنه لَا أنبياء إلا فيهم وإنهم يكفرون بما وراءه، أي بكل ما جاء بعده، فوراء يبين ما جاء خَلْفَهم وبعدهم كما كفروا من قبل بعيسى عليه السلام.

ويبين الله تعالى أن ما أنزل من القرآن هو الحق وهو مصدق لما معهم، فقد وصفه سبحانه وتعالى بوصفين أحدهما ذاتي وهو الحق أي أنه ثابت في ذاته ما أتى إلا بأمور ثابتة يقرها العقل، وتقرها الفطرة، وتدل عليها البينات وهو ذاته معجز، مثبت وجوده بنفسه، لَا يحتاج إلى بينات وراءه، والثاني إضافي وهو أنه مصدق لما تضمنته المواثيق التي أخذت عليهم، وهذا الوصف يرد زعمهم الفاسد، بإثبات عدم المغايرة بين ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل، وبين ما عندهم؛ فالأصل واحد وأن تفريقهم بين ما أنزل الله من قرآن، وما أنزل عليهم تفرقة بين شيئين غير متغايرين إن كانوا يؤمنون حقا بالحق من كتبهم.

ولكنهم قوم لَا يؤمنون بشيء لَا بما عندهم، ولا بما أنزل الله من قرآن كريم، ولذا قال تعالى مثبتا كفرهم بكل شيء، بالوقائع التي كانت من أسلافهِم، وارتضوها هم، فقال تعالى:(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كنتُم مُّؤْمِنِين). والمعنى: قل لهم يا نبي الله، إن كنتم تزعمون أنكم آمنتم بما عندكم، فلم تقتلون أنبياء الله؛ أي الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى إليكم، وذكر الأنبياء مضافين إلى الله تعالى لإثبات جحودهم المطلق، وأنهم يعاندون أوامر الله تعالى سواء أكان من بعثه من ولد إسحاق أم كان من ولد إسماعيل، فقد قتلوا زكريا ويحيى، وهما من ولد إسحاق، وإنه إذا كان عندهم بقية من إيمان فما كان يسوغ قتل أنبياء الله، ولذلك قال تعالى في ختام الآية الكريمة:(إِن كنتم مُّؤْمِنِينَ) أي أن ما كان منهم في ماضيهم وأمرهُ حاضرهم يتنافى مع صفات المؤمنين وذلك تنديد بهم، وبيان أنهم لم يؤمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معهم، ولا يؤمنون بما عندهم.

* * *

ص: 315

(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

* * *

تبين في الآيات السابقة أن بني إسرائيل كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا يستفتحون به على المشركين وأنهم قرروا في ذاتهم ألا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم، فلا يؤمنون بالقرآن وإن جاء مصدقا لما معهم، وذلك الكفر أكبر العناد، وفي هذه الآيات الكريمات يبين الله تعالى أن العناد فيهم منذ أرسل موسى إليهم، لقد أتى لهم ببينات حسية قاطعة في الدلالة على أن موسى أرسله الله تعالى لإنقاذهم.

ولقد أوتي عيسى بينات كثيرة وكفروا به وحاولوا قتله، ولم يمكنهم الله تعالى منه، فما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وموسى عليه السلام أتى لهم بمعجزات حسية بلغت تسعا، فقد قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ. . .)، ومنها العصا التي أبطلت سحر الساحرين، والتي ضرب بها البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، والتي ضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، ومنها ما ظهر بين أيديهم مما جرى لفرعون وقومه، وقد قال الله تعالى في سورة الأعراف:(وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ

ص: 316

كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135). ولما خرجوا إلى سيناء ظللتهم السحاب من هَجِيرها، وأمدهم الله تعالى بالمن والسلوى.

جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالبينات القاهرة الظاهرة المحسوسات، ومع وضوحها وظهورها (اتَّخَذْتُمُ) أي اتخذوه معبودا وهو مصنوع بين أيديهم وتحت أبصارهم، ولذا قال تعالى:

ص: 317

(وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) وقد أشرنا إلى بعضها أو جلها، ثم قال تعالى مخاطبا الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم في تفكيرهم وجحودهم وعنادهم امتداد للسابقين يحذون حذوهم، وما يعملونه صورة مما عملوا والباعث واحد، (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ)، والعطف بثم للمفارقة الواجبة بين ما تقتضيه الآيات الحسية الظاهرة من إيمان واتخاذهم العجل معبودا، وهو لَا يضر ولا ينفع، ولا عذر ولا مبرر إلا أن يكون التقليد لفرعون وآله وقومه الذين عبدوا العجل وكانوا يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم لأهوائهم وشهواتهم.

وقد قال تعالى: (وَأَنتُمْ ظَالِمونَ) ولم يقل سبحانه وتعالى: وأنتم كافرون؛ لأنه كفر يتضمن أشد الظلم وأفحشه، فقد ظلموا أنفسهم بأن أُعطوا قوة الحق، فأبوا إلا أن يستضعفوا ويذلوا لمن أذلوهم، وظلموا الحق وظلموا من أجرى الله تعالى على يده إنقاذهم فهو كفر يتضمن ظلما، وكما قال تعالى في آية أخرى:(وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

هذه حالهم مع موسى الذي دفعه الله تعالى لإنقاذهم مع ما جاءهم من البينات، فكيف يمكن أن ينتزع الضلال من قلوبهم بالقرآن الكريم يا محمد، فلا تأس على القوم الفاسقين.

ص: 317

إن اليهود لَا يؤمنون بشيء مهما تكن قوة أدلته ومهما تكن قوة الدعوة إليه. لقد رأينا الآيات الكثيرة التي ذكر الله تعالى أنها بلغت تسعًا، وكلها حسي قاهر، وفيه نعمة النجاة والرعاية الكاملة حتى ظنوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ثم بين بعد ذلك قوة الدعوة إلى الحق فقال تعالى:

ص: 318

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا) دعوة إلى الحق الذي قامت أدلته بميثاق أخذه الله تعالى، وأخذه وقد رفع الجبل فوقهم كأنه ظلة أظلتهم وطالبهم الله تعالى على لسان كليمه أن يأخذوه بقوة أي بجد، ولا ينحرفوا عنه، وأن يسمعوا إليه، ولا يخالفوه.

اجتمع لهدايتهم قوتان قوة الدليل في الآيات التسع، وقوة الدعوة في الميثاق الذي أخذ عليهم في حال رفع الجبل فوقهم ودعوتهم إلى سماع الحق، فهل أجابوا؟.

(قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) هذا ما جاء به القرآن نصا في إجابتهم. وإن ما حكى الله تعالى عنهم من أنهم قالوا: (سَمِعْنَا) تفسر على ظاهرها فإنه كان النداء قويا والجبل مرتفع عليهم، (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّة) أي ما شرعناه لكم من شرائع بجد وعزم، (وَاسْمَعُوا) فإنه لابد أن يكون الجواب (سَمِعْنَا)، أما ما حكاه سبحانه من أنهم قالوا:(وَعَصَيْنَا) فيصح أن تخرج على أنهم قالوها بألسنتهم، وذلك بعيد يتنافى مع قوة الميثاق وتأكده ومع طلب الأخذ بقوة أي بجد وعزم على التنفيذ، ولذا نستبعد ذلك الاحتمال لقيام القرائن ضده، وما نحسب أنهم وصلوا إلى هذه الحال أن ينكثوا بالعهد وقت توثيقه وأن يجاهروا بعصيانه، والعهد بينهم وبين المنقذ لهم، والعهد قريب، ولذلك قرر المفسرون أن كلمة عصينا مجاز عن أفعالهم، أي أن عصيانهم كان بلسان الفعال لَا بلسان المقال، فهم قالوا سمعنا بالقول وقالوا عصينا بأفعالهم.

ص: 318

ويصح أن نقول: إن عصينا القلبية كانت مقارنة لـ سمعنا، أي أنهم قالوا سمعنا، وقلوبهم جافية معرضة كأنها تنطق بحالهم، وهو عصينا فكأنهم سمعوا، وهم على نية العصيان فقلوبهم جافية عن الاتعاظ بما يسمعون.

ولقد كان أوضح المظاهر التي دلت على عصيانهم، وأنهم سمعوا وعصوا هو عبادتهم العجل، أو بالتعبير القرآني المنزه الحكيم اتخاذهم، ولذلك ذكره بعد تسجيل العصيان فقال:(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ). بعض علماء اللغة يقولون إن المعنى على حذف مضاف تقديره حب العجل، وذلك مجاز مشهور يسمى مجاز الحذف، فذكر القلوب، والقلوب لَا تشرب العجول قالوا إنه مجاز بالحذف، والقلوب تنكت فيها المفاسد، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" تعرض الفتن على القلوب عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ".

وبعض المتفقهين في اللغة قالوا: لَا حاجة إلى تقدير محذوف؛ لأن أشرب متعلق بالعجل مباشرة، لأن تعلق الإشراب به ليس مقصورا على المحبة، بل إنه يتجاوزها إلى العبادة، وإلى أنه تكون صورته في قلوبهم لَا تفترق عنها، ويكون من قبيل أشرب الثوب الصبغة، أي خالطت أجزاءه، وتغلغلت فيه، فالعجل تغلغل في قلوبهم فألفوه وصار جزءا من تفكيرهم، كما صارت الصبغة جزءا من الثوب، لا تنفصل عنه، وهذا نوع من الاستعارة، فاستعيرت كلمة الإشراب لتغلغل ذكره في قلوبهم كأنه حل حلول الشراب فيها.

وكلمة في قلوبهم قرينة الاستعارة، وأشرب للبناء للمجهول لكثرة الأسباب الباطلة التي أشربته قلوبهم، فالشيطان زينه لهم، وسول لهم عبادته، وعشرتهم للمصريين الذين كانوا يقدسونه، والعشرة المستمرة لهم مع مظالمهم، وضلال نفوسهم كل هذا سهَّل سرَيان عبادة العجل إليهم؛ ولذلك قال بكفرهم، أي بسبب كفرهم المستكن في نفوسهم، ولقد حكم الله تعالى عليهم بقولهم: (قُلْ بِئْسَمَا

ص: 319

يَأمركُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين واجهوه النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا. . .)، وهذا القرآن الكريم بين ما يدل على أنهم لَا يؤمنون بشيء حتى تركوا مايدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بما عندهم، وهذه صورة من الإيمان بما عندهم (بِئْسَمَا) دالة على ذم ما يأمرهم به إيمانهم الباطل، وهذا تهكم شديد على حالهم وعلى ما يتصورونه إيمانا بما عندك، كقوله تعالى حكاية عن قول قوم شعيب له:(أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا. . .)، وقوله تعالى:(إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كنتم في الماضي والحاضر مؤمنين، وبيان أن إيمانهم موضع شك بل لَا إيمان.

* * *

ص: 320

(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

* * *

كان السبب في غرورهم، واستعلائهم الفاسد أنهم بتوالي نعم الله تعالى عليهم حسبوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولذلك قالوا:(لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَا مَّعْدودَةَ. . .)، وقد تلونا ذلك من قبل.

وقد دلاهم الشيطان بغرور فكانوا يحسبون ذلك، ويدعون في ظاهر قولهم أنهم يؤمنون، ويواجهون النبي صلى الله عليه وسلم بكفرهم به، فأمر الله تعالى نبيه الذي يواجهونه بذلك الكفر أن يتحداهم ليكشف أمرهم بأن يتمنوا الموت فقال تعالى:

ص: 321

(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إن كانت الدار الآخرة التي تكون عند الله علام الغيوب ولا سلطان لأحد سواه، خالصة لكم من دون الناس، أي أنكم في منزلة والناس دونكم، ولا تكون إلا لكم؛ لأن غيركم من الناس - سواء كانوا أتباع محمد أم لَا - هم دونكم لا يبلغون منزلتكم بل أنتم وحدكم الذين تنالونها.

إن كانت هذه الحياة الآخرة لكم خالصة فتمنوا الموت الذي هو الطريق إليها إن كنتم صادقين في زعمكم؛ لأن من آمن بأنه المختص بنعمة تمنى الوصول، أن يسرع في الذهاب إليها، وإنها جنات ونعيم مقيم، فتمنوا الموت الذي هو الطريق الوحيد إليها، إن كنتم مؤمنين إيمان صدق وإذعان بما تدعون.

ص: 321

وهنا إشارة بيانية يحسن التنبيه إليها:

الأولى: في كلمة (لَكُمُ) فيها اللام المفيدة للملكية أو الاختصاص، وقد ابتدأ بها بيانا لزعمهم، ولذلك جاء بعدها خالصة لكم من دون الناس.

الثانية: الإشارة إلى أن الدار الآخرة هي عند الله تعالى مالك يوم الدين، وهو الذي تدعون أنكم أبناؤه وأحباؤه ومع ذلك تكفرون به وتتخذون العجل تشركون وتعبدونه.

الثالثة: الإشارة إلى أنهم ليسوا صادقين، بل هم كاذبون؛ ولذلك كانت أداة التعليق هي إن في قوله:(إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ولهذا نفَى الله سبحانه أن يتمنوه.

* * *

تنبيه: يلاحظ أن الله تعالى أمر نبيه بأن يتولى الرد عليهم في قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيَا. . .)، وقوله تعالى:(قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِه إِيمَانُكُمْ. . .)، وفي قوله تعالى:(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللًّهِ).

لم يتول الله تعالى الرد والجدل معهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجدل معهم فما الحكمة في ذلك؟ ونقول ما تصل إليه مداركنا - والله هو الحكيم العليم - إن مجادلتهم التي فيها التحدي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن يتولى بأمر الله تعالى الرد هو عليه الصلاة والسلام؛ ولأن مقام الله تعالى أعلى من أن ينزل لمجادلة الكافرين الظالمين لأنفسهم.

ولقد قال سبحانه وتعالى حاكما على حالهم بأنهم في ذات أنفسهم وفي مداركهم يعلمون مآثمهم، ويعلمون كذبهم؛ ولذلك ليست الجنة لهم، ولذا لا يتمنون الموت، فقال تعالى:

ص: 322

(وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) نفَى الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك التمني نفيا مؤبدا، وأكد ذلك النفي بـ " لن " الدالة على النفي المؤبد، وبقوله سبحانه وتعالى:(أَبَدًا) وبذكر السبب ألا وهو ما قدمت أيديهم، ومعنى ذلك أنهم كاذبون في ادعاءهِم أنهم ابناء الله وأحباؤه، وأنهم كاذبون في قولهم:(لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةَ. . .).

ص: 322

وإنهم يعلمون ما قدموا من كفر، وما قدمه أسلافهم، ولم ينكروه عليهم من اتخاذ العجل، ومن كفر بالنعم التي أنعم الله عليهم وكفروا بها.

وقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الباء للسببية، والمراد ما قدموه هم بأنفسهم، من كفر قلوبهم، وجحودهم بآيات الله تعالى، واعتدائهم في يوم السبت، وتأييدهم لأسلافهم في ذلك، ومن كفرهم بألا يجاب الذي جاء مصدقا لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا به، ولكن لماذا عبر بأيديهم، دون أنفسهم؛ ونقول: أولا - يجوز ذلك تعبيرا عن الكل باسم الجزء، وإن ذلك الجزء أظهر الأجزاء في العمل، فهو الذي به البطش والاعتداء، وارتكاب المآثم الجماعية.

وثانيا - فيه إشارة إلى الناحية الحسية فيهم، فهم أيد باطشة آثمة، وليس لهم قلوب مدركة عالمة.

ولقد سجل الله تعالى عليهم الظلم، فقال تعالى:(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وقد صدر الله سبحانه وتعالى الحكم بلفظ الجلالة تربية للمهابة، ولبيان أنهم مأخوذون والله القادر القاهر هو الذي يأخذهم بظلمهم، وبين عظيم علمه، ودقة علمه، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأظهر في موضع الإضمار فلم يقل سبحانه وتعالى عليم بهم وبما قدمت أيديهم بل قال:(عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)، ليسجل عليهم وصف ظلمهم، وأنهم معاقبون بهذا الظلم الذي هو كالسجيَّة لهم.

ولقد قال الله تعالى في هذا المعنى، وهو طلب تمنى الموت، وامتناعهم في سورة الجمعة:(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)، والفرق بين النصين، وإن كان كلاهما في مرتبة من البيان يعجز عنه البشر، في أمرين:

الأمر الأول - أن الشرط في الآية الكريمة التي [نتصدى] لتعرف معناها شرط كبير، وهو أن تكون لهم الدار الآخرة من دون الناس، فالشرط يتضمن الخلوص لهم وقصرها، ولن يتمنوا ذلك فكان النفي بـ لن، والشرط خال من معنى زعمهم.

ص: 323

الثاني - أن الآية الثانية كان " الشرط الزعم بأنهم من أولياء الله من دون الناس، فكان النفي بـ " لا "، وهو دونه " فكان النفي بـ " لا " لَا بـ " لن " على مقدار الشرط، وكذلك يصرف الله الآيات في كتابه الحكيم.

وبعد ذلك التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، كان الوصف الحقيقي لبني إسرائيل بالنسبة للموت والحياة الآخرة، وأنهم لايؤمنون بالآخرة، ولا يؤمنون بأن لهم جزاء محمودا، وأنه يرتقبهم خير؛ ولذا تمسكوا بالحياة الدنيا، لأن العصاة يظنون أنها الحياة وحدها، ولا يرجون خيرًا لأنفسهم المادية في لقاء الله تعالى، فقال تعالت كلماته:

ص: 324

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا).

وقد أكد الله سبحانه وتعالى الحكم بأنهم أحرص الناس على حياة بالقسم المؤكد باللام ونون التوكيد الثقيلة، ونكر سبحانه وتعالى " حياة " في قوله تعالى:(عَلَى حَيَاةٍ) لتعميم معاني الحياة، فهم يحرصون على حياة أيا كانت صورتها، سواء كانت حياة ذل أم كانت حياة عز، وسواء كانت حياة استعباد أم كانت حياة حرية، وسواء أكانت تحكمها الفضيلة أم كانت تحكمها الرذيلة، إنهم يحرصون على الحياة ذاتها من غير نظر إلى وصفها سواء أكانت مقيتة في ذاتها، أم كانت بكرامة من غير مهانة. وإن هذا يدل على كمال الحرص.

قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي منهم من هم أحرص على حياة أيا كانت من الناس جميعا، ومن الذين أشركوا، وهم الوثنيون، وخُصوا بالذكر، لأنهم لَا يؤمنون بالبعث، وأولئك اليهود أهل كتاب ويؤمنون به في الجملة، ولكنهم مذنبون تحيط بهم خطاياهم من كل ناحية.

وهم أحرص من المشركين على الحياة؛ لأنهم يريدون الحياة على أية صفة عزيزة كريمة أو ذليلة، أما المشركون من العرب فإنهم لَا يريدونها إلا عزيزة لَا ذلة فيها، وشاعرهم الجاهلي يقول:

لا تسقنى ماء الحياة بذلة

بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

ماء الحياة بذلة كجهنم

وجهنم بالعز أطيب منزل

ص: 324

ولذلك كانوا أحرص على حياة، والمشركون يحرصون على حياة عزيزة كريمة، وإن كانوا لَا يؤمنون ببعث ولا نشور، ولا حساب ولا عقاب، ويصور الله سبحانه وتعالى حرصهم على الحياة بقوله تعالت كلماته:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَرُ أَلْفَ سَنَةٍ) يود هنا بمعنى: يتمنى أحدهم، أي أحد اليهود، لو يعمر ألف سنة، ولو هنا مصدرية وهي التي تجيء بعد التمني كقوله تعالى:(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)، فهنا " لو " مع الفعل بعدها مصدر غير أنها لَا تنصِب (مثل أن). وذكر ألف عام لأنه أكبر عدد في زعمهم. . طلب أعرابي عطاء من حاكم من حكام بني أمية، فأعطاه ألفا، فقال له قائل: لو طلبت أكثر من ألف لأعطاك، فقال: لو كنت أعلم أن فوق الألف عددًا لطلبته، فالألف كناية عن أكبر عدد.

ومع أنهم يودون الحياة إلى أقصى أمد، ألفا أو أكثر، فإن العذاب ملاقيهم، (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الذِي تَفِرُّونَ منْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ. . .)، بالعذاب الذي يستقبلكم؛ ولذا قال تعالى:(وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أْن يُعَمَّرَ) الزحزحة الإبعاد أو الإزالة، وهي تدل على المعاناة في الإبعاد والإخراج من المكان الذي حل فيه كقوله تعالى:(فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ).

و" ما " في قوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ) النافية، والباء دالة على استغراق النفي، وهي زائدة في الإعراب لها دلالة في المعنى، والضمير " هو " يعود على الأحد الذي يود أن لو يعمر ألف عام أو أكبر عدد ممكن، والمعنى على هذا التخريج: وما هو؟ أي هذا الشخص بمبعده ولو بمعاناة ومعالجة عن العذاب تعميره، فالمصدر المكون من (أَن يُعَمَّرَ) فاعل لمزحزحه، وقد أكد سبحانه وتعالى النفي بإعادة الضمير لتأكيد النفي، وبالباء، وبكلمة مزحزح.

وما ذلك النفي المؤكد لوجود العذاب مهما طال الزمن - إلا لأنه ارتكب من الخطايا ما يستحق ذلك، والله تعالى عليم بكل شيء ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى:(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) والله ذو الجلال والإكرام القادر القاهر الفاعل المختار بصير أي عالم علم من يبصر

ص: 325

على مثال ما به الناس، بما يعملونه من شرور وآثام، وجحود بآيات الله تعالى في ماضيهم وحاضرهم، ومنزل من العذاب بمقدار ما يستحقون. ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

* * *

عداوة الملائكة

(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

* * *

قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: أجمع مفسرو السلف على أن هذه الآية وما بعدها نزلت، لأن اليهود يعدون الروح القدس جبريل الأمين عدوا لهم، لأنه ينزل بالعذاب والهلاك، وأن ميكائيل وليهم لأنه ينزل بالغيث والرحمة، وتعددت الروايات عن الصحابة في ذلك، وكلها ينتهي إلى أنهم واجهوا النبي صلى الله عليه وسلم بأن جبريل، وهو ولي النبي صلى الله عليه وسلم، هو عدوهم، وأن ميكائيل وليهم، وأنهم لهذا يفارقون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه.

ولئن صحت هذه الروايات أو بعضها ليكونن مؤداها أنهم يتخذون تعلة لكفرهم سواء أكانت التعلة مقبولة في العقل أو مرذولة، ومهما يكن فقد رد الله تعالى قولهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد قولهم بقوله تعالى:

ص: 326

(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّه نزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَديْهِ) أي إذا كان جبريل عدوا لكم فأنتم تعادون الله تعالى، لأن الله تعالى اختاره رسولا أمينا لنزول القرآن فما نزَّل القرآن بغير إذن الله تعالى إنما نزله على قلبك بإذنه سبحانه وتعالى.

ص: 326

وعبر سبحانه وتعالى بقوله: (عَلَى قَلْبِكَ) بكاف الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم دون أن يقول قلبي، لبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكى قول ربه، ولتأكيد معنى قوله تعالى بإذنه.

والضمير الأول في (فَإِنَّهُ) يعود على جبريل عليه السلام، والضمير الثاني في (نَزَّلَهُ) يعود على القرآن باعتبار أنه حاضر للذهن؛ لأنه ذكر في السياق في قوله تعالى من قبل:(وَلَمَّا جَاءَهُم كتَابٌ منْ عِندِ اللَّهِ. . .) وقوله: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين) يعين أن الضمير يعود على القرآن الحاضر في الأذهان.

وإنه مع قبول الروايات التي انتهى المفسر السلفي فيها إلى إجماعهم من أن اليهود كانوا يعدون جبريل عدوا، فإنا نرى من المعاني القرآنية والإشارات البيانية أنهم كانوا يجعلونه عدوا؛ لأنه نزل بالقرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لسفه عقولهم وفساد تفكيرهم، فرد الله عليهم بأنه هو الذي نزل القرآن بإذن الله، فلا محل لعداوته، فعادوا من أنزله، ولكن سوء ظنهم جعلهم يحمِّلون جبريل عليه السلام التبعة، وإذا كان نزول القرآن سببا للعداوة، فاتخذوا الله عدوا، ولا غرابة في ذلك ممن اتخذوا العجل وليًّا لهم.

ويكون المعنى الذي يفهم من الآية: لقد اتخذتم جبريل عدوا لما انتحلتم من كذب بأنه ينزل بالهلاك أو نحو ذلك، إنما اتخذتموه عدوا؛ لأنه ينزل بالقرآن على قلب النبي عليه السلام وإذا كان نزول القرآن هو السبب فإنه يكون الله هو العدو ويكون قوله تعالى:(من كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ) شرطا، ويكون قوله تعالى:(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) تعليلًا لجواب الشرط المحذوف إذ تقديره، فإنه عدو لله تعالى؛ لأنه الذي نزله على قلبك بإذنه.

والتعبير بـ " قلبك " أي أن التنزيل على قلبك للإشارة إلى أن القرآن ينزل على القلب ليحفظ في الصدور، لَا أن يكتفى فيه بالسطور؛ لأن السطور يجري فيها التصحيف والتحريف، أما ما يحفظ في القلب فإنه في أمان لَا يجري فيه تغيير

ص: 327

ولا تبديل؛ ولذا قال تعالى في نزول القرآن الكريم وتلقى قلب النبي صلى الله عليه وسلم له، ثم حفظه قلوب الصحابة من بعده، في سورة القيامة:(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19).

هكذا بَيَّنَ الله تعالى طريقة نزول القرآن على القلب ليحفظه ويحتويه ثم يحفظه أصحابه، ثم يتواتر من بعد ذلك محفوظا، وإن كان مع ذلك مكتوبا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم (1)

وصرح القرآن بأن نزول جبريل به يكون متجها إلى قلب النبي عليه الصلاة والسلام في آيات أخرى، قد قال تعالى:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194).

ولقد قال في وصف القرآن الكريم الذي نزله بإذن الله جبريل على قلبه بأنه مصدق، وقوله تعالى:(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه) والمراد بما بين يديه من الكتب التي

(1) عَنْ البَرَاء رضي الله عنه، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ} [النساء: 95] مِنَ المُؤْمِنِينَ " دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابْنُ أُمِّ [ص:25] مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ:{لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ) -[رواه البخاري، واللفظ له: تفسير القرآنَ (4228) ومسًلم كتاب الإمارة (3516)].

وعن زَيْدٍ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ - قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ "، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: «كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟» فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نَتَّهِمُكَ، «كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ:«كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ، وَالعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] إِلَى آخِرِهِمَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. [أخرجه آلبخارى: تفسَير القرآن (4311)، ورواه الترمذي وأحمد بنحوه.

ص: 328

أنزلها تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم، والتعبير ببين يديه كناية عن أنه أمامه فما يكون أمام الإنسان يكون بين يديه سابقًا له، فهو مصدق لكل ما اشتملت عليه الكتب السابقة التي لم يجر بها تحريف، ولم ينس فيها حظ مما ذكروا به.

وكان حقا عليهم ألا يعادوا الملك الذي اتخذه الله تعالى روحا أمينا نزل به، ولكنهم أعداء الحق دائمًا عادوا موسى وربَّه إذ كفروا بأنعم الله تعالى.

وقال تعالى في وصف الكتاب: (وَهُدًى) أي فيه الهداية إلى الحق في ذاته، وفيه البشرى بالنعيم المقيم للمؤمنين الذين من شأنهم الإيمان والإذعان للحق إذ جاءه، وهو مع ذلك شفاء للقلوب (وَنُنَزل مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمؤْمِنِينَ. . .).

وإن الله سبحانه وتعالى بعد أن بين عداوتهم لجبريل، لأنه الروح الأمين الذي نزل بالقرآن، بين سبحانه أنه من كان عدوا لله تعالى وملائكته، وكتبه ورسله، فإن الله عدو للكافرين.

في هذا النص الكريم إثبات أن من كان عدوا للملائكة أو لواحد منهم، ومن كان عدوا للكتب التي أنزلها التي لم تحرف والرسل الذين أرسلهم رحمة للعباد، وهداية لهم فهو عدو لله تعالى، وهو كافر، والله تعالى عدو للكافرين، ابتدأ الله تعالى بذكر عداوة الله تعالى فقال:(قُلْ) يا محمد أيها البشير النذير

ص: 329

(مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ)، فابتدأ سبحانه بلفظ الجلالة الكبير في ذاته خالق الوجود، وخالق الملائكة والجن والإنس، والشمس والقمر والسماوات والأرض ابتدأ بذكره جل جلاله لبيان أن من عاداه، فقد تعرض لأعظم نقمة وأشد ضلال وخروج عن الحق، فالابتداء به سبحانه وتعالى لبيان أعظم خطورة يتعرضون لها بجهلهم وفساد نفوسهم وضلال فكرهم.

وثنى سبحانه بالملائكة، وأضافهم سبحانه وتعالى إليه للإشارة إلى أن عداوتهم هي عداوة له فهم يعادونه ابتداء بمعاداة ذاته العلية، ثم يعادونه ثانيا بمعاداة ملائكته الذين خلقهم لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم في

ص: 329

الملكوت. . ثم ثَلث بكتبه التي أنزلها هداية للناس ورحمة، وشفاء لأدواء الجماعات، ونسبها سبحانه وتعالى إليه إشعارا لهم بأن عداوة هذه الكتب عداوة لله تعالى لأنها هجر لكلامه، ورد لرسالته، وأي ذنب أقبح من عداوة رسالات الله تعالى التي شرفت بإرساله واحتوت على البينات والحكم الباهرة، ثم بين بعد ذلك عداوتهم لرسله الأكرمين، وأنها عداوة لمن أرسلهم، فمن عادى الرسول فقد عادى من أرسله مبشرا ونذيرا، وداعيا إليه وسراجا منيرا.

وذكر سبحانه وتعالى عداوة جبريل وميكائيل وخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في عموم الملائكة؛ لأن الله تعالى خصهما بالشرف والتفضيل على غيرهما من الملائكة وهو يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم، ولأن جبريل كان روح القدس الأمين الذي نزلت عن طريقه الرسالات الإلهية على من أرسلهم مبشرين ومنذرين، وأن اليهود حكى عنهم أنهم كانوا يفاضلون بين هذين الملكين الكبيرين، فيعادون جبريل، لأنه ينزل بالقرآن ويوالون ميكائيل؛ لأنه يأتي بالرحمة والغيث، فأشار سبحانه إلى أن عداوة أحدهما عداوة له، ومن عادى جبريل لأنه مكلف بالقيام بأمر من الله تعالى فقد عادى الآخر؛ لأنه قائم بمثل ماقام به.

هذا هو فعل الشرط الذي يتضمن عداوة الله وملائكته وكتبه ورسله، وجبريل وميكائيل، وجواب الشرط هو قوله تعالى:(فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) فجزاء هذه العداوة الظالمة، كراهية عادلة، ويتبعها العقاب الشديد، وهنا إشارتان بيانيتان: إحداهما - في تقدم الكتب على الرسل، والسياق يسوغ تقديم الرسل على الكتب؛ لأنهم الذين جاءوا بها، ونزلت عليهم، فلم قدمت الكتب؛ والجواب عن ذلك أنها موضوع الرسالة ولبها، وهي المشتملة على أمر الله تعالى ونهيه وهي خطاب الله تعالى إلى عباده، فقدمت كما يقدم الكتاب الذي تكتبه على الرسول الذي تحمله الكتاب.

الثانية - أن الله تعالى أظهر في موضع الإضمار فقال: فإن الله عدو للكافرين، ولم يقل لهم، وذلك لبيان أنهم بهذه العداوة قد كفروا وجزاء الكفر

ص: 330

العذاب الأليم فالإضمار كان فيه وصف هو سبب العقاب، ولقد جاء في البخاري في حديث قدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ".

* * *

(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

* * *

يذكر القرآن أخلاق بني إسرائيل في ماضيهم الممتدة في حاضرهم، إذ قد اتصف بها حاضرهم كما اتصف بها ماضيهم، وهو الإنكار لكل ما يجيء به نبي من الأنبياء، فيذكر الله سبحانه وتعالى ما تلقوا به ما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من آيات بينات.

الآيات البينات هي القرآن، وقد فسر بعضهم الآيات بالآيات الكونية، وإن ذلك بعيد، لأن وصف الآيات بالبينات دليل على أنها الآيات المتلوة، وهي بينة؛ لأن الكتاب بين واضح في ذاته، وواضح الدلالة على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ونلاحظ إشارة بيانية في الدلالة على أنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى:

ص: 331

(أَنزَلْنَا إِلَيْكَ) بالتعدية بـ " إلى " دون التعدية بـ " على " إذ كان التعبير في غير هذه بالتعدية بـ " على "، كقوله تعالى:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)، وكانت التعدية للدلالة على أن النزول والرسالة هي متجهة إلى

ص: 331

النبي صلى الله عليه وسلم فهذا النبي الأُميّ المقصود بالرسالة، وكان حقًّا عليهم أن يتبعوه بمقتضى البشارة التي بشرت به التوراة والإنجيل.

وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ) إشارة إلى أن هذه البينات وحدها فيها الدلالة على صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المعجزة الكبرى التي تحدى بها عباده أجمعين، الجن والإنس والأجيال كلها (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)، وقد جاءت على يدي النبي صلى الله عليه وسلم خوارق للعادة حسية كثيرة، ولكنه لم يتحد المشركين وغيرهم أن يأتوا بمثله إلا بالقرآن، وقد قال صلى الله عليه وسلم:" ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة "(1).

وكانت المعجزة من هذا النوع؛ لأن رسالة محمد خاتمة الرسائل الإلهية، وهو خاتم النبيين، فكانت من نوع الكلام الذي يبقى متحديا الأجيال كلها حجة قائمة إلى يوم القيامة. .

ولقد أكد الله تعالى نزول القرآن باللام وقد، فقال تعالى:(وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَات) ولكن كفروا (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ)، أي المتمردون في الكفر الخارجون عن كل حد، إذ إنها آيات واضحة شاهدة بصدق ما جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فالفاسق الكافر المتمرد الخارج عن كل حد، وقد قال الحسن البصري: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي، وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفر أو غيره، فالفاسق الكافر أشد أنواع الكفر؛ لأنه تمرد على كل معقول.

وقوله تعالى: (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) نفيوإثبات للدلالة على أن الكفر بهذه الآيات البينات لَا يمكن أن يقع من إنسان فيه الفطرة الإنسانية، بل لَا يقع فيه

(1) عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: " مَا منْ الأنْبيَاءِ نَبِي إِلا أعْطِي مَا مِثلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذي أوتيتُ وَحْيًا أوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيًّ فَأرْجُو أنْ اكُوَنَ أكْثرهُمْ تَابِعا يَوْمَ الْقيَامَة ". [متفق عليه: رواه البخاري: فضائل القرآن (4598) ومسلم: الإيمان (217)].

ص: 332

إلا المتمرد على الفطرة وعلى كل ما يتقاضاه العقل المدرك، واللام في (الْفَاسِقُونَ) للجنس، وليس المراد بها قوما معهودين، وإن كان أشد من ينطبق عليه الأمثال اليهود الذين كفروا بها. وإن اليهود إذا كانوا فسقوا، وكفروا بالقرآن الكريم معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، فهم قد نقضوا العهد الذي عاهدوا الله تعالى عليه في الميثاق الذي أخذ عليهم، وناقضوا أنفسهم، إذ كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به.

فإذا كانوا قد كفروا بالكتاب الذي جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد نقضوا عهدا أخذ عليهم مرارا، نقضوا الميثاق الذي أوجب تعالى عليهم أن يؤمنوا برسله، ونقضوا العهد الذي أخذوه على أنفسهم إذ كانوا يستفتحون على الذين كفروا، ولما عقد النبي صلى الله عليه وسلم الميثاق بينهم وبينه عندما هاجر نقضوه جميعا؛ فنقضه بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير وأوى الناقضون إلى خيبر، وشنوها حربا مشبوبة على المؤمنين (1).

وقد بين الله تعالى أن ذلك شأنهم، فقال:(أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري لإنكار الواقع، وهو ما يقع منهم من نقض العهد، ونبذ للمواثيق، والواو عاطفة وهي مؤخرة عن تقديم، لأن الاستفهام له الصدارة دائما، والمعنى أنكروا الكتاب والنبي الذي عرفوه كما يعرفون أبناءهم ونقضوا الميثاق، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم إلى آخر الآية، وتأخير العاطف عن الاستفهام كثير في القرآن من مثل قوله تعالى:(أَفحُكْمَ الْجَاهِلِيةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى:(أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كنتم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، وهكذا مثل ذلك كثير في القرآن المبين.

(1) عَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: حَارَبَتْ النضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَاجْلَى بَني النضير وَأقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتي حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأوْلادَهُمْ وَامْوَالَهمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنبِى صلى الله عليه وسلم فآمَنَهُمْ وَأسْلَمُوا، َ وَأجْلَى يَهُودَ الْمَدينَة كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْد اللَّهِ بْنِ سَلايم وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُل يَهُودِ المَدِينَةِ. [أخرجه البخَآرى: كتاب المغازي (3724)، ومسَلم: الجهاد والسير (3312)].

ص: 333