الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن الصالحين بتفويضهم أمورهم لله تعالى، وثقتهم بالله تعالى يعلمون أن وراء ما نزل من مصيبة ضرا لهم ولخيرهم (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا كثيرًا) أالنساء، وإن المصائب تفطم النفس عن الأشر، وتبعد عن الترف، ووراء الترف الظلم فيكون الاستماع للبشير النذير قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ).
وإن الرضا بقدر الله تعالى فيما ينزل من نوازل يجعل النفس في اطمئنان من الجزع والهلع، وبعد عن السخط والغضب.
وأخيرا إن المصائب تصقل النفوس، وتربي فيها قوة الاحتمال إن صبرت وفوضت، ورجوت الثواب والفرج من الله تعالى، وفيها يكثر الدعاء لله تعالى، والدعاء مخ العبادة، ولقد قال تعالى:(ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. . .)، وكان بعض الصالحين إذا ألم به مرض أو وصب دعا ربه أن يجعله يحس بنعمة المرض والسقم، إذ إنه يقربه من ربه فلا يطغى ولا يستغني بنفسه عن ربه.
ولقد قال تعالى في جزاء الصابرين عند النازلة التي تكرثهم، والرضا بما يأتي به الله تعالى:
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
(157)
الإشارة هنا إلى الصابرين الذين يتحملون الخوف مهما يكن مقداره، ونقص الأموال والأنفس والثمرات في سبيل الله تعالى، وإذا نزلت بهم نازلة أصابت نفوسهم من فقد حبيب أو حرمان من مطلب من مطالب الدنيا. هؤلاء الذين تلك أحوالهم، هم من الصديقين والشهداء (عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ من رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) الصلوات جمع صلاة، وجمعها الله تعالى لكثرتها، وتنوع آحادها، والصلاة معناها الدعاء ولكنها من الله تعالى استجابة الدعاء، وذلك بالعفو والمغفرة، وعفو الله ومغفرته دليل رضوانه، ورضوان الله تعالى أكبر الجزاء، كما قال تعالى في
ختام جزاء الآخرة: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ. . .)، وإن الله تعالى لم يمن على عباده الصابرين بالمغفرة والرضوان فقط، وحسبهما جزاء للصبر ولكن منَّ بالرحمة، رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، فرحمهم في الدنيا بالهداية والتوفيق لفعل الخير، ورحمهم في الآخرة بالنعيم المقيم.
وقد وصفهم سبحانه بأنهم المهتدون، فقال تعالت كلماته:(وَأولَئِكَ همُ الْمهْتَدُونَ) أي المتصفون بالصبر على الشدائد من الخوف ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، هم الذين كتب الله تعالى لهم الهداية، وفي النص السامي (وَأُوْلَئِكَ هُم الْمُهْتَدُونَ) إشارة إلى قصر الهداية عليهم وأنهم المهتدون حقا، وذلك بتعريف المسند والمسند إليه وبالضمير " هم " وذلك أشرف بيان أنهم المختصون وحدهم بالهداية الكاملة وهبنا الله تعالى عفوه ومغفرته ورحمته وهدايته.
* * *
مقدسات البيت الحرام
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)
* * *
ما زالت النصوص القرآنية الشريفة السامية تتكلم حول الكعبة من ناحية كونها قبلة، وأن الصلاة لَا تصح من غير الاتجاه إلى البيت الحرام، وإنه مما حول البيت والصفا والمروة، وهما جبلان مجاوران للكعبة، قيل إن هاجر أم إسماعيل كانت تتردد بينهما عندما أصابهما الجوع والعطش وهي تناجي ربها أن يمنَّ عليها بالغوث فأنبع الله تعالى لها زمزم، وقيل كانت لها طعم وغذاء وشفاء للعلة من عطشها، وقد قال تعالى فيها:
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
والشعائر جمع شعيرة، وهي المتعبد الذي يكون فيه عبادة الله تعالى والقيام بحق الطاعة، وفي هذا النص تقرير بأن الصفا والمروة موضعا تعبد لله تعالى، وقد قال بعض العلماء: إن ذكر أنهما من شعائر الله دليل على طلب السعي بينهما، ولكن ابن جزي الكلبي الفقيه المالكي ضعف هذا، ولكنا لَا نجد فيه ما يسوغ التضعيف لأن كونهما متعبدا يدل على طلب التعبد عندهما، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم التعبد فيهما بطلب السعي بينهما فقد قال صلى الله عليه وسلم:" كتب عليكم السعي فاسعوا "(1) وإنه صلى الله عليه وسلم في حجة واعتماره سعى والناس بين يديه وهو وراءهم، لأنه كان راكبا، فهو منسك من مناسك الحج والعمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:" لتأخذوا عني مناسككم "(2).
ويقول تعالى: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) فمن قصد البيت حاجا أو معتمرًا فلا جناح عليه أن يطوف بهما والحج هو المعرف بأركانه وركنه الأكبر الوقوف بعرفات، ومن مناسكه النحر ورمي الجمار، والوقوف بالمزدلفة، أما العمرة فهي زيارة البيت والطواف حوله، والسعي بين الصفا والمروة، وقد سعى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) عَن صَفِيةَ بنْتِ شَيْبَةَ أنَّ امْرَأةَ أخْبَرَتْهَا أنهَا سَمِعَتْ النبِي صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الصفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ: " كُتِبَ عَلَيْكُمْ السَّعْي فَاسْعَوْا]. [رواه أحمد في مسند القبائل (26191)].
(2)
رواه مسلم: كتاب الحج (2286)، وأبو داود: المناسك (1680) وأحمد في مسنده (14091) عن جابر بن عبد الله بلفظ: رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَرْمِى عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النحْرِ وَيَقُولُ: " لِتأخُذُوا مَنَاسِككُمْ فإني لَا أدْرِي لَعَلي لَا أحُجُّ بَعْدَ حَجتِي هَذِهِ ".
ولكن كان النص في هذه الآية، (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أونتكلم هنا في ثلاثة أمور:
أولها: إن نفي الجناح - والجناح هو الميل إلى الإثم - يقتضي نفي الإثم لا الوجوب؛ لأن نفي الإثم يؤدي إلى معنى الجواز لَا الوجوب، أو الطلب فرضا أو سنة، فمن أين جاء الطلب؟ نقول إن الطلب جاء من كلمة " شعائر " أولا، وقد بينا ذلك، ومن بيان النبي صلى الله عليه وسلم بأن بين أن السعي كتب علينا، ومن مداومته صلى الله عليه وسلم على السعي في عمرته وحجه، ولذلك قال مالك وأحمد والشافعي: إن السعي فرض، وقال أبو حنيفة: واجب وهو مرتبة بين السنة المؤكدة والفرض، ويعرفونه بأنه ما ثبت طلبه الحتمي اللازم بدليل ظني فيه شبهة.
الثاني: لماذا عبر سبحانه بنفي الجناح، ولم يعبر بالطلب ولا شك أنه كان ثمة موجب لنفي الإثم، وجعله أساس القول، ولقد قيل في هذا كلام فرددته بعض كتب التفسير قالوا: إنه كان على الصفا صنم اسمه إساف، وعلى المروة صنم اسمه نائلة، وقد تحرج بعض المسلمين من السعي بينهما لمكان هذين الصنمين اللذين كان أهل الجاهلية يعبدونهما، ولأن الوحدانية طردت الوثنية من القلوب، فنفَى الله تعالى الإثم لهذا، ولا يمنع نفي الإثم من الوجوب أو الطلب بشكل عام، وقيل إن بعض الأنصار لم يجدوا النص على السعي في القرآن فتحرجوا من أن يفعلوا ما كان يفعله الجاهليون من غير نص، فبين أنه لَا إثم، ودل على الطلب بالنص الذي صدر به القول فيهما وبعمل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.
الأمر الثالث: قوله تعالى: (أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أصل يطوف يتطوف قلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، والتطوف المبالغة في الطواف بأن يعددوه، ولا يكتفوا بواحدة، ولكن الصفا والمروة لَا يطوف حولهما ولكن يسعى بينهما، والمشابهة بينهما ليست بعيدة؛ لأن السعي سير على الأرض بينهما وتكرار ذلك سبع مرات، فكان كالطواف في الأرض
التي بينهما والله سبحانه وتعالى هو مبين مناسك الحج بالقرآن والسنة النبوية المبينة للقرآن.
(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) التطوع المبالغة في الطاعة فيما أمر الله تعالى به من فرض وواجب ومندوب، فهي المبالغة في أصل الطاعة، وإطلاقها على النفل غير المفروض والمندوبات ونحو ذلك هو من قبيل الاصطلاح الفقهي باعتبار أن النوافل والمندوبات مكملات للفرائض التي هي أصل الطاعات، و (خيرا) وصف لمصدر محذوف وهو مفعول مطلق، والوصف يقوم فيه أحيانا مقام المصدر كما في ْقوله تعالى:(وَاذْكرُوا اللَّهَ كَثِيرًا. . .).
والخير كل ما يكون فيه نفع للناس، وأداء لما أمر الله، وقيام بالواجبات الاجتماعية والإنسانية والدينية، ووصف طاعات الله أو المبالغة في الأداء بأنها خير؛ لأنها في ذاتها خير، ولا يكون ما يأمر الله تعالى به إلا خيرا خالصا، ونافعا خالصا، فكل أمر من الله تعالى فهو خير نافع لَا ينفع سواه.
(وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا) فعل شرط جزاؤه قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وهذه الجملة السامية هي دالة على الجزاء، متضمنة له؛ لأن تقدير الجواب فله أجر يكافئ ما فعل؛ لأن الله شاكر عليم، أي مُجازٍ جزاء حسنا على ما فعل؛ لأن الله شاكر، والتعبير بالشكر في هذا، وهو أعظم من أن يشكر عبدًا له فالكل منه وإليه، وقد وصف نفسه بأنه غفور شكور، فكيف يشكر المنعم من أنعم عليه؟! وكل ما يقدم العبد من طاعات هو شكر للمنعم جل جلاله، وشكر المنعم واجب بالعقل والنقل، فكيف يكون الله شاكرًا لأنعمه؛ ولكن عبر بذلك، تكميلا لنعمه وتفضله أولا، كما يشكر من يقوم بالواجب تفضلا، ولتحريض العبد على كمال الطاعة ثانيا، ولتعليم العبد شكر النعم ثالثا، ولإثبات رضوان الله تعالى رضوانا كاملا، فإن الشكر زيادة في الرضوان، والرضوان الجزاء.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه مع الشكر الدال على الرضا بقوله: " عليم " أي وصف نفسه بالعلم؛ للدلالة على أنه عالم بمن يقوم بالطاعات فيجازيه،
ومن يعمل بالمعصيه، فيجزيه بالسوء سوءا، فهو إشعار للطائع بأنه يعمل تحت رعاية الله تعالى، تحت سمعه وبصره، وهو القائم بكل ما في الوجود، وهو القادر على مكافأة كل بما يعمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وإن الله تعالى من أول قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. . .)، كان كلامه في بني إسرائيل، وكفرهم بنعم الله تعالى ومخالفتهم لشرائع النبيين الجامعة لرسائل الله تعالى إلى خلقه، وما تخلل ذلك من استقبال القبلة كان ردا على سفاهتهم وغيهم، ثم ما كان يومئ إليه تحويل القبلة من إيذان بفتح مكة، وأن ذلك يحتاج إلى جهاد، فبين سبحانه أن عدة الجهاد الصبر والصلاة، وجاء ذكر الصفا والمروة تبعا لذكر الكعبة وما حولها.
ويختم الله تعالى الكلام في أهل الكتاب ببيان أقبح ما كانوا يعملون، وهو كتمان آياته، ويكتبون بدلها بأيديهم ما يسمونه كتاب الله على أنه من عنده سبحانه، وما هو من عنده فقال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى)، البينات الأخبار البينة، والأحكام المبينة في الكتاب بعد بيانها، وقد أنزلها الله تعالى في كتبه التي كانت للنبيين السابقين، والهدى هو ما بينه سبحانه من أوامر ومنهيات، فمن كتم البينات الدالة على الرسالات، والأخبار الصادقة عن النبيين، والأحكام الهادية إلى الصراط، فقد كتم علم الله، والكتمان للعلم، إنما يكون حيث تكون الحاجة إلى البيان من قبل أن يكون المقام مقام بيان وتوجيه وإرشاد، فيكون ممن عنده علم كما أنكر اليهود والنصارى ما عندهم من علم بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكة وما حولها، وإبراهيم وأولاده، وكما ينكر العلم من يسأل عنه فلا يجيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" مَن سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار "(1).
والآية موضوعها كل كتمان لعلم أو هداية، وقالوا إنها نزلت في اليهود، ولكن حكمهاء عام يشمل كل كتمان لعلم فيه هداية للناس، فيشمل الذين يعلمون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يبلغونها للناس، ومن لَا يبينون الشرع الإسلامي لأهله،
(1) أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة (8284)، وأبو داود: كتاب العلم (3273)، وابن ماجه (262).
وله طريق أخرى من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه.
قربوا أو بعدوا، ولمن يجهله، فإنه كما قال علي كرم الله وجهه: لَا يسأل الجهلاء لِمَ لَمْ يتعلموا، حتى يسأل العلماء لِمَ لَمْ يُعلِّموا.
وقد حكم الله تعالى على الذين يكتمون العلم بقوله تعالت كلماته: (أُوْلَئكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) اللعن الإبعاد والطرد، والنبذ من جماعة الخير، وجماعة الحق، وأولئك إشارة إلى الذين يكتمون العلم، والإشارة إلى موصوف بوصف، إشارة إلى أن الوصف علة الحكم، فكتمان العلم علة للإبعاد عن رحمة الله تعالى، ونبذه من الناس، ولعن الوجود كله، واللاعنون تشمل الملائكة والجن والإنس، وكل من يسبح بحمد الله تعالى.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء "(1) وهذا إذا بين العلم وذكره للناس وهدى من ليس عنده علم، فإذا كتمه لعنه كل شيء لعنته الملائكة، ولعنه الناس، ولعنه كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فاللعن عند الكتمان جزاء، هو نظير الاستغفار عند البيان.
وقد استثنى من هؤلاء اللعونين الذين يبينون من بعد الكتمان، فقال تعالى:
(1) روى الترمذي: كتاب العلم - باب فضل العلم (2606)، عن أبي الدرداء قال: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . كما رواه ابن مَاجه في المقدمة (219)، وأبو داود: العلم (57 31)، وأحمد في مسنده في مسنده (20723) وغيرهم.
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوأهه التوبة هي الإقلاع عن الذنب، والشعور بالندم، والعزم المؤكد على ألا يعود إليه من بعد، وإذا كان الذنب بالترك عمل، وإذا كان الذنب بالعمل ترك، فذنب الكاتمين كان بترك البيان والتبليغ فتكون التوبة بالبيان والتبليغ؛ ولذلك قال تعالى " وبينوا " أي أكدوا بفعل نقيض ما ارتكبوا.
وقوله " وأصلحوا "، أي تركوا الإفساد واتجهوا إلى الإصلاح، وعمارة الوجود، ونشر الخير بين الناس وإرشادهم إلى أقوم السبل في هذه الحياة، وفي ذلك إشارة إلى أمرين جليلين:
أولهما - أن كتمان العلم فيه فساد في الأرض؛ لأنه يجعل الناس في متاهة من الباطل فتنقلب الأوضاع، ويختلط الحق بالباطل، ولا يعرف الناس سبيلا للهداية، وتسد مسالك الخير؛ إذ لَا هادي إلا أن يرحم الله عباده بها، ويرشدهم إليها.
ثانيهما - أن بيان الخير والحق هو الإصلاح في هذا الوجود فلا سلامة يسكت فيها الحق، وينطق فيها الباطل، وقد لعن بنو إسرائيل لسكوتهم عن البيان في وقت الحاجة إليه، وقد قال تعالى:(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79). وكما قالت الحكمة: السكوت عن الحق نطق بالباطل، والساكت عن الحق ناطق بالباطل.
وقد جزى الله تعالى التائبين العاملين المؤكدين لتوبتهم بالبيان للحق والإصلاح بأنه يقبل توبتهم، فقال تعالت كلماته:(فَأُوْلَئكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التُّوَّابُ الرَحِيمُ).
هنا التفات من الإخبار إلى التكلم، فالله تعالى أخبر عنهم في قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمًونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) إلى آخر الآية، ثم التفت من الإخبار إلى التكلم عند الجزاء، وكذلك الأمر في أكثر البيان يكون ذكر المعاصي والتوبة منها بالإخبار أو الخطاب؛ ويكون الجزاء من الله تعالى بضمير المتكلم تربية للمهابة، والإشراق في النفس، والإشعار بالرضا، وإن قبول التوبة أحب إلى العاصي التائب من كل ما في الوجود، وهو رفع له من ذلة الذنب وخسته إلى رفعة الحق وعزته؛ ولذا قال عز من قائل:(فَأوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) الإشارة إلى الموصوفين بالتوبة الذين بينوا ما كتموا وأقاموا الإصلاح مكان الإفساد، وكما قلنا وكررنا الإشارة إلى الموصوف بيان أن العلة هي الوصف، فقبول التوبة سببه التوبة النصوح، والعمل على نقيض المعصية وما ترتب عليها، و " أتوب عليهم " معناها أرجع عليهم
بالقبول والجزاء، فكما أنهم رجعوا إليَّ من تيه المعصية أرجع بقبول التوبة وغفران الذنوب، ثم قال عز من قائل:(وَأَنَا التُّوَّابُ الرَّحِيمُ) أي كثير قبول التوبة لأني رحيم بعبادي، وإن كان الناس لَا يذنبون أتيت بمن يذنب لأقبل توبته كما ورد في معنى الأثر (1).
وإن هاتين الآيتين تدلان على وجوب بيان الهادي إلى الرشاد، كما ورد في الأثر، وإن تبليغ العلم يجب أن يكون على علم بسياسة البيان بأن يبين للناس ما يطيقون، ويتدرج من اليسير، حتى يكون العسير سهلا يسيرًا، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" حدث الناس بما يفهمون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! "(2).
ويجب بيان الحق الذي لَا زيغ فيه، ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها، فتظلموها "(3) وقال عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى: " لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير "(4). وفق الله العلماء للنطق بالحق وألا يفتحوا باب التأويل لذوي السلطان حتى لَا يضعوا الدر في أعناق الخنازير.
* * *
(1) عَنْ أبي ايُوبَ أنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتمْتُ عَنْكُمْ شَيْئا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَوْلا انَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقَا يُذْنبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ ".
رواه مسلمَ: كتاب التوبة (4934) ورواه أيضا (4936) عن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْبم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ". كما رواه أحمد والترمذي.
(2)
أخرجه البخاري عن علي موقوفا: " حَدثوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أتُحِبُونَ أنْ يكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟! "[كتاب العلم: (134)].
(3)
جاء في كشف الخفا (3124): لَا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
رواه ابن عساكر عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لَا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموها، والأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين لكم غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فذروا علمه إلى الله تعالى.
(4)
جاء في سنن ابن ماجه: المقدمة (220) عَنْ أنَسِ بْنِ مَالكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: " طَلَبُ الْعِلْم فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِم، وَوَاضِعُ الْعِلْم عِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنًازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللؤْلُؤَ وَالَذَّهَبَ ".
الوحدانية والوثنيون
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
* * *
بعد أن أنهى الله تعالى موضوعات أهل الكتاب في هذا الموضع من القرآن، وقد كان فيهم كفران النعم، والنفاق وكثرة العدوان والفساد في الأرض، والعبث بالأحكام، والاستهزاء بآيات الله تعالى. بعد ذلك أخذ يبين أقوال الوثنيين وإثبات وحدانية الله تعالى، وابتدأ القول في بيان حال الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين ماتوا على الكفر، فقال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَروا وَمَاتوا وَهُمْ. . .).
ذكر بعض العلماء أن موضوع الآية الكريمة كفار مكة الوثنيون قبل أن يدخلوا في الإسلام، بدليل الكلام بعد ذلك في الوثنية والوثنيين، وبيان الوحدانية ودليل التوحيد من خلق الكون.
ونحن نرى أن وصف الكفر يعم المشركين والكتابيين، فالكتابيون كافرون كما قال تعالى:(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. . .)، ولقوله:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ. . .)، ولقوله تعالى:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).
وهذه أوصاف الكفار؛ لأنهم لَا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، فهم داخلون في وصف الكفار، والكفر كله ملة واحدة، فلا تفاوت فيهم، ولا فضل لكافر على كافر وليس كفرٌ دون كفر، بل جميعهم في الجحيم على سواء.
وقد حكم الله تعالى عليهم الحكم الأبدي، إذا ماتوا على الكفر مصرين عليه بعد أن بلغوا بالرسالة فكفروا بها، وماتوا على الكفر بها جاحدين معاندين منافرين معذبين الضعفاء، ومثيرين للبغضاء والأحقاد، حكم الله تعالى عليهم بقوله عز من قائل:(أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ولعنة الله تعالى إبعادهم من رحمته، وألا ينظر إليهم نظرة رضا، ومن تكون حاله كذلك يكون في النار خالدا فيها، ولعنة الملائكة تعذيبهم لهم بأمر الله تعالى، وإبعادهم عن رحمته، ولعنة الناس بنبذهم، والدعاء باللعنة عليهم.
وهنا أمران بيانيان نشير إليهما ونجمل ولا نفصل:
أولهما - أن الإشارة في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) تعود على الكفار الذين ماتوا مصرين على الكفر قد بلغتهم دعوة الله، وكما قلنا ونكرر الإشارة إلى موصوف فيه إشارة إلى أن علة الحكم الوصف، وهو موتهم على الكفر بعد البيان والإنذار الشديد، (. . . وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولًا).
الثاني - أن الله تعالى ذكر في بيان عذابهم أن عليهم اللعنة، أي أن اللعنة تنصب على رءوسهم انصبابا وتحيط بهم من فوق رءوسهم وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، فهم بعداء عن رحمته، وعليهم غضب الله والملائكة والناس أجمعين، وإن تلك اللعنة تنالهم بسبب موتهم على الجحود والإصرار على الكفر.
وقد أثار الناس جدلا موضوعه هل تجوز لعنة الكافر وهو حيٌّ، فناس لم يجيزوها، لأنه يجوز أن يتوب الله تعالى عليه، وجواز اللعنة إنما كانت على الكفار الذين ماتوا على الكفر، ومن كان حيا ترجى توبته، أو تجوز توبته.
ومن العلماء من أجاز اللعنة على الحال التي هو عليها، وخصوصا إذا كان ممن يؤذون صاحب الدعوة، ويروى في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عمرو بن العاص، وهو على الكفر، فيروى في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه واهجه عدد ما هجاني ".
وقد اتفق أهل العلم على أن اللعن الذي ذكرته هذه الآية عقاب من الله تعالى، وغضب على الكافر، وجزاء له كجزاء جهنم.
وأكثر العلماء على أن لعن المسلم لَا يجوز ولو كان عاصيا، لأنه يخزيه ويذله، وخزيانه وذله يقربه من الشيطان ويجعل للشيطان مدخلا في نفسه، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:" لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم "(1).
وقد بين سبحانه أنهم خالدون في عذابهم، فقال تعالت كلماته:
(1)[أخرجه البخاري: كتاب الحدود - باب ما يكره من لعن شارب الخمر (6283)، كما أخرجه أبو داود (3882) وأحمد (5 764)].
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) الخلود هو البقاء الدائم الذي لَا نهاية له، وكثيرا ما يذكر الخلود موصوفا بالدوام، وبصيغة مؤكدة، وقد انحرف بعض الناس فقال إنهم يبقون في العذاب بمقدار جرمهم الدنيوي وزمانه، وذلك انحراف في الفكر وإن قاله بعض الذين لم يعرفوا بالانحراف.