الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول، فإن نهى الله تعالي عن أن يقولوا (رَاعِنَا) سد لفساد اليهود الذين يغمزون في القول، ويتهكمون بهذا على المؤمنين، وعلى مقام النبوة السامي الجليل.
ولقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) والمراد من الكافرين اليهود الذين لووا ألسنتهم غمزا واستهزاء، وقد أظهر في موضع الإضمار لتسجيل الكفر عليهم ولبيان السبب في عذابهم فهم كافرون بما كان منهم، وجحودهم للنبوة المحمدية وإنكارهم للقرآن الكريم ونبذهم له وراءهم ظهريا، والكافر له عذاب أليم، وأليم بمعنى مؤلم، وتنكيره للدلالة على أنه عذاب أليم لا يدرون كنهه، ولا حقيقته.
وإن المشركين عبدة الأوثان لم ينزل عليهم كتاب بعد إبراهيم عليه السلام، واليهود أهل كتاب فنزل عليهم كتاب سماوي ثم حرفوه من بعده، ونسوا حظًّا منه وزادوا عليه أوهاما من عندهم، وكتموا جزءا كبيرا مما بأيديهم. إن هؤلاء المشركين واليهود جمعهم أمران: أحدهما الكفر، والثاني بغض محمد صلى الله عليه وسلم، أو بغض ما جاء به، فإذا فرقهم العلم بكتاب سماوي، فقد جمعهم كفر وبغض لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذا قال تعالى:
(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
…
(105)
يود هنا معناها يحب، وإن الود يجيء بمعنى محبة الشيء، وبمعنى تمنيه، وهي هنا بمعنى المحبة فقط، وما هو بمعنى التمني قوله تعالى:(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)، وقوله تعالى:(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ. . .).
وهنا تكون بمعنى المحبة، أي ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، ونفي المحبة يومئ إلى الكراهية، أي يكرهون أن ينزل الله تعالى عليكم أي خير من ربكم، ومن في قوله تعالى:(مِّنْ خَيْرٍ من رَّبِّكمْ) لاستغراق النفي ومعناها أي خير من ربكم، وأعظم الخير من الله تعالى هو أن يكون رسولا من رب العالين، وربكم الذي رباكم وصنعكم على عينه.
وقدم سبحانه وتعالى أهل الكتاب على المشركين، لأنَّ الكلام كان في أهل الكتاب؛ ولأنهم أشد جحودا وإعناتا؛ ولأن الجحود منهم وهم أهل كتاب أشد من جحود غيرهم الذين لم يؤتوا كتابا، فالجهل قد يكون عذرا أحيانا، وإن لم يكن هنا عذرا. وإن سبب كراهية أن ينزل عليكم خير من ربكم يختلف عند المشركين عنه عند اليهود، فهو عند المشركين كفر للوحدانية، وخوف الرياسة، والتنافس بين العشائر، وأما عند اليهود، فهو كراهية أن تكون الرسل في ولد إسماعيل، وهم في طبيعتهم الحسد، يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
وموضع الكراهية أن ينزل عليهم أي خير من ربهم، وتنزيل الخير من رب الوجود هو الرسالة، كان المشركون الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم ينفسون على عشيرته بني هاشم، ولقد قال عمرو بن هشام أبو الحكم الذي لقبه الإسلام بأبى جهل في سبب كفره:(تنازعنا وبني عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى تجاثينا على الركب، وصرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي فأنى يكون ذلك؟ والله لا نؤمن به).
واليهود قد علمنا أنهم كانوا يستفتحون به، فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.
ولقد رد الله تعالى كراهيتهم، وأنه سبحانه وتعالى يسير في اختيار نبيه على مقتضى حكمته وإرادته فقال تعالى:(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)، والله ذو الجلال والإكرام، والفاعل المختار يختص برحمته من يشاء وهي رحمة الرسالة التي ترحم الناس أجمعين، كما قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ورحمة القرآن الذي جاء هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين.
فمعنى يختص برحمته، أي يختص بحمل رسالته وقرآنه من يشاء، أي من يختاره بحكمته والله أعلم حيث يجعل رسالته، وإن ذلك من فضله؛ ولذلك قال تعالى:(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) أي صاحب الفضل العظيم الذي يلازمه سبحانه وتعالى، فلا يكون منه إلا فضل عظيم يعم الناس أجمعين.
* * *
النسخ
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
* * *
بعد أن بين الله سبحانه وتعالى بعض أفعال اليهود من إنكار وجحود وكفر بالنعمة وكفر بما يعرفون صدقه واتخاذ السحر وأوهامه واتباع ما يضر. . بين سبحانه النسخ لأنه يتضمن نسخ بعض ما جاء في التوراة وإن صدق أصلها، ونسخ المعجزات التي كان يأتي بها موسى عليه الصلاة والسلام، ليؤمن بنو إسرائيل وآل فرعون، ذكر الله تعالى نسخ الشرائع القديمة ونسخ المعجزات الحسية السابقة وأنه أتى بمعجزة هي القرآن، وإنها أمر أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان آخر صرح للنبوة، إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم آخر لبنة في صرح النبوة، وكان خاتم النبيين.
بعد ذلك تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للنسخ في الشرائع والآيات.
النسخ معناه الإزلة كما تقول نسخت الشمس الظل، أي أزالته وحلت محله، ويطلق أيضا النسخ بمعنى نقل المكتوب كما قال:(إِنَّا كنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
والآيات تطلق على طائفة من القرآن مفصولة عما بعدها كآية الكرسي، وآيات المنافقين وآية الربا، وآية حد السرقة وغير ذلك من آيات الله تعالى البينات.
وتطلق على الآيات الكونية التي تدل على قدرة الله تعالى وعلى حكمته، وبديع خلقه ومنها معجزات النبيين الحسية كالعصا، وفلق البحر وإبراء الأكمه وإحياء الموتى بإذن الله، والإخبار عما في بيوتهم، ومن ذلك قوله تعالى:(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً. . .)، ومن ذلك قوله تعالى:(وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)، ومن الآيات الحسية قوله تعالى:(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثونَ)؛ لأن البناء العالي فيه دلالة على براعتهم في البناء.
والنسخ في اصطلاح الفقهاء على أساس أن الآية هي الآية القرآنية هو إزالة حكم الآية، ويقسمون النسخ إلى ثلاث:
القسم الأول - نسخ الحكم وبقاء التلاوة، كما ادعوا لآيات نسخ حكمها وبقيت تلاوتها، كاية تقديم الصدقة بين يدي الرسول إذا ناجوا الرسول في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صدَقَةً. . .).
والقسم الثاني - آية نسخت تلاوتها ولم ينسخ حكمها، كما قيل إنه كان في القرآن آية " إذا زنى الشيخ والشيخة، فارجموهما ألبتة "(1) فنسخت تلاوتها وبقي حكمها،
(1)
عن عَبْد اللَّه بْنَ عَباس يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب وَهُوَ جَالس عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ. [متفق عليه: َ رواه البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنةَ
(6778)
، ومسلم: كتاب الحدود (3201) واللفظ له].
ورواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب بلفظ: " إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ». أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ. فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَتَبْتُهَا - الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ - فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ:، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ رحمه الله» قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي: «الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ". [موطأ مالك: كتاب الحدود (1297)].
والقسم الثالث - وهو الأصل آيات محكمة لم يعرها نسخ ولا تأويل، وهذا القسم يقولون إنه أكثر القرآن.
وفى هذا الكلام نظر يستبين مما نقول إن شاء الله تعالى.
ويقولون: إن هذه أقسام بالنسبة لذات النسخ، أما بالنسبة للناسخ فيقولون القرآن ينسخ السنة، ولكن يشترط الشافعي لنسخ القرآن للسنة - أن يكون من السنة ما يدل على النسخ، كالسنة التي دلت على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.
وادعوا نسخ القرآن بالسنة بل ادعوا نسخ عموم القرآن بأحاديث الآحاد.
وكل على تفسير الآية في قوله تعالى:
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا). فإنها الآية القرآنية المشتملة على أحكام تكليفية بإلغاء تكليف ووضع تكليف آخر في موضعه كنسخ تحريم بإباحة، أو إباحة بتحريم، ولكن يلاحظ أن نسخ القرآن بالسنة لَا يستقيم مع النص الكريم؛ لأن النسخ يوجب أن يأتي بخير من المنسوخة أو مثلها، ولا يمكن أن تكون السنة خيرا من القرآن أو مثله.
ولكن هل الآية تدل على وقوع النسخ، أو تدل فقط على جوازه على فرض تفسير الآية بالآية القرآنية (ولنا في ذلك نظر) نقول إن الآية تدل على الإمكان لا على الوقوع؛ لأن النص السامي بشرط وجواب هذا الشرط - إذ إن " ما " من أسماء الشرط جزم به ننسخ وجوابه:(نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فهي دالة على الإمكان لَا على الوقوع بالفعل، والوقوع بالفعل يجيء من تتبع الأحكام الشرعية الناسخ منها والمنسوخة كما ادُّعي في الآيات التي ذكرنا، والأحكام التي تكلم فيها الفقهاء مدعين فيها نسخ آيات بآيات.
فالآية لَا تدل على وقوع النسخ، ولا على لزومه.
وقبل أن ننتقل بتفسير الآية إلى معنى آخر نتكلم في معنى (نُنسِهَا) وعلى هذه القراءة يكون ننسها من قلوب الناس لأنها من أنساها - من قلوب الناس، أي
أنه أنساها للناس، وربما يتفق هذا على قول الذين يقولون إن ثمة آيات نسخت تلاوتها، وبقيت أحكامها، كما ادعى في الرجم.
وهناك قراءة (نَنسَأها) بفتحتين وهمزة، وبمعنى نؤجلها من النَسَاء بمعنى التأجيل، وخرج بعض اللغويين القراءة الأولى (أَوْ نُنسِهَا) على هذا المعنى، فقال إن الهمزة قلبت ياء إذ أصلها ننسئها فسهلت الهمزة فعوملت الياء معاملة حرف العلة فحذف في حال الجزم، وعلى هذا المعنى تتلاقى القراءتان على معنى التأجيل، ويكون المعنى لَا نزيل حكم آية أو نؤجل حكمها، إلا أتينا بخير منها أو مثلها. ثم قال تعالى مؤكدا جواب الشرط بقوله تعالت كلماته:
(ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) والمعنى تعلم علمًا يقينيا مؤكدا أن الله تعالى على كل شيء قدير. وقدم قوله على كل شيء لاختصاصه تعالى بكمال القدرة وعمومها، (ألَمْ) استفهام للنفي مع التنبيه ونفي النفي إثبات مع التنبيه وتأكيد العلم.
وهذا القول كله على تفسير الآية بمعنى الآية القرآنية.
وأولئك كما ذكرنا يقررون النسخ في القرآن، وقرره الشافعي، وغيره من الفقهاء الكبار، وعلى رأسهم شيخهم أبو حنيفة وإمام دار الهجرة مالك وإمام السنة أحمد بن حنبل.
وحجة قولهم هذه الآية، وما جاء عن الصحابة من نسخ بعض آيات لأخرى وإن كانوا يسمونه التخصيص كما أثر عنِ ابن مسعود أنه قال في قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْن بأنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشرا. . .)، وقوله تعالى في سورة الطلاق:(وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . .)، وفيها ظاهر التفارق في التوفى عنها زوجها الحامل، فقرر ابن مسعود أنها تعتد بوضع الحمل، وهذا تخصيص للآية الأولى بأنها لغير الحامل، فقال رضي الله عنه: أشهد أن سورة النساء الصغرى، أي الطلاق نسخت الكبرى. وهي قد خصصتها، ولكن كان السلف يعتبرون التخصيص نسخا، ولا مُشاحة في الاصطلاح.
وإن النسخ في ذاته لَا في القرآن بالذات لَا ينكره أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي المؤمنين، ويدع الدين الحق في قلوبهم، وقد مكث بينهم ثلاثة وعشرين عاما يربيهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وما كانوا ليقبلوا ذلك التهذيب الكامل الذي ينقلهم من الجاهلية إلى العلم والتفكير، والعمل التقي الطاهر دفعة واحدة؛ بل لابد أن يأخذهم في رفق وأناة يقر أمورًا على رجاء التغيير، حتى تشرب قلوبهم حب الإسلام، وحب آدابه، ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من نبوة إلا تناسخت " أي حولت النفوس بالتدريج، وترك أمور في مرتبة العفو حتى تتشرب النفوس الحقائق الإسلامية، وليس معنى ذلك أن الله تعالى كان يجهل الحقائق ثم علم وهو ما يسمى بالبداء، والله تعالى منزه عنه تبارك وتعالى، وإنما معناه أن الله عالم بكل شيء، ولكن نبيه كان كالمربي الذي يئدرج بتعليمه حتى يشب ويعلو فكره، فتتكامل الشريعة نزولا إذ تكامل عقله إدراكا وبيانا.
لذلك كان النسخ وكانت الأحكام الئى تجيء في السنة موضع التناسخ الثابت بالحديث.
ولكن هل يجيء النسخ في القرآن، قال جمهور العلماء ذلك مستدلين بقوله تعالى:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ولكن نقول: إن الآية الكريمة كما في بيان الشرط وجوابه، وتدل على الإمكان لَا على الوقوع فعلًا، وإن هذا على أساس تفسير الآية بمعنى الآية القرآنية المشتملة على حكم تكليفي، ولكن كلمة الآية تدل معانيها على الآية الكونية، والمعجزات الكونية والحسية التي يجيء بها الرسل كإحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله تعالى، وإحياء الموتى من قبورهم، وتصويره كهيئة الطير فينفخ فيه فتكون طيرا بإذن الله تعالى، وكعصا موسى عليه السلام التي فلقت البحر وفجرت الماء من الحجر، وكإرسال الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات.
وإن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آيات أي معجزات دالة على رسالته كمعجزات عيسى وموسى ويظهر أن اليهود طلبوا مثلها، فرد الله تعالى عليهم
بقوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي ما ننزل آية لنبي أو رسول أو نؤجلها إلا أتينا بخير منها أو مثلها، وفي ذلك إشارة إلى أن معجزة القرآن خير من المعجزات التي سبقت كمعجزة موسى وعيسى، لأنَّ معجزاتهم حوادث تنقضي، وتنتهي بانتهاء وقتها ولا تؤثر إلا في نفوس من عاينوا، وشاهدوا، أما معجزة القرآن، فإنها باقية خالدة تتحدى الأجيال كلها إلى يوم القيامة.
وإننا نميل إلى تفسير الآية بالمعجزة، وذلك للأمور الآتية:
أولا - تعقيب النسخ والتغيير بقوله تعالى: (ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فإن ذلك يتناسب بوضوح مع الآية بمعنى المعجزة القاهرة التي تدل (على قدرة الله وصدق رسوله)، والمعجزة الكونية، ولا تظهر مناسبة مع آية التكليف.
وثانيا - قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
…
(107)
فذكر هذا النص السامي يدل قياسًا أن النسخ أو الترك يكون لآلهة كونية بخير منها، تكون أبقى وأعظم أثرا.
ثالثا - أنه كان لوم على طلب آية أخرى، فقد قال تعالى:
(أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ) هذه الآيات كلها جاءت تالية لآية النسخ وهي في تواليها تناسب أن تكون الآية المنسوخة معجزة من معجزات الرسالة الإلهية، ومعجزات النبيين.
ورابعا - أن النسخ يقتضي ألا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ، وليس في القرآن آيات تتعارض، ولا يمكن التوفيق بينها، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.
وإن الله تعالى إذا أنزل معجزة لنبي، وبدل بها معجزة فذلك من كمال قدرته وليس لمؤمن أن ينكر معجزة، ولا يطلب معجزة معينة، وألا يقال: إن الرسول الذي جاء بالمعجزة القاطعة مغتر، فقد قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
يُنَزِّل قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، فإن الله العليم الحكيم هو الذي يختار من الآيات الدالة على رسالة أنبيائه ما يراه أقوى دلالة، وأكثر بقاء، فهو الذي يعلم الآيات كلها، وهو الذي يدبر كل شيء بحكمته، وإرادته، وإن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمكان آيته، ولقد قال تعالى في ذلك:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي أي إنكار الوقوع، فما بعدها يكون منفيا بها، ولم نافية لما بعدها، فيكون نفي النفي، ونفي النفي إثبات، كما يقر علماء البيان، والنفي على طريقة الاستفهام فيه تنبيه بليغ، لأن الاستفهام في ذاته فيه إثارة للانتباه، والمعنى: تعلم أيها الرسول، أن الله تعالى له السلطان الكامل في السماوات والأرض، فله التدبير المطلق الذي لَا قيد يقيده لَا يسأل عما يفعل وهم يسألون فإذا اختار آية دالة على رسالة نبي مرسل، فله أن يختار آية أخرى لنبي آخر، فإذا اختار تسع آيات لموسى، واختار مثلها لعيسى، فله أن يختار لمحمد صلى الله عليه وسلم غيرها أبقى وأدوم، وأقوى دليلا، وتحديا للأجيال كلها الإنس والجن.
وإن الله سبحانه وتعالى ببيان هذا العلم الشامل الواسع يشير سبحانه وتعالى إلى بيان القدرة على عقاب من يكذب وينكر، ويجحد بآيات الله تعالى ويقول حيث وضح الحق وقام، إنما أنت مفتر؛ ولذلك قال تعالى من بعد بيان شمول علم الله تعالى:(وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) وهذا أنفَى لهم عند العذاب النازل بهم من أن يكون لهم ولي، أي صديق، أو ذو ولاية عليهم يحميهم بولايته، ويكلؤهم بمحبته أو نصير ينصرهم والشدائد نازلة بهم يوم القيامة.
وقد أكد الله تعالى نفي الولي والنصير، بمن التي تدل على استغراق النفي، أي ليس للمعاندين لآيات الله تعالى ولي أي ولي كان، ولا نصير أي نصير كان قويا أو ضعيفا، وأكد سبحانه النفي بتكرار لَا. وإن ذلك النفي المؤكد يفيد أنهم يجيئون إلى الله تعالى فرادى كما خلقهم أول مرة، وهو سبحانه مالك يوم الدين.
أشرنا إلى أننا اخترنا أن يكون النسخ في هذه الآيات الكريمات هو نسخ الآيات الدالة على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تغيير آية يأتي الله تعالى بخير منها أو مثلها، وإن قدرة الله على ذلك ثابتة وله فيما يفعل حكم ظاهرة قد نعلمها بإدراكنا الناقص، وقد تعلو على إدراكنا.
ولذا قال تعالى موجها الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ملتفتا إليهم، وهم يشملون الوثنيين واليهود فهم جميعا أمة محمد فقد أرسل إلى الناس كما قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
(أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ
…
(108)
أم للإضراب عن الكلام السابق إضرابا لفظيا، مؤداه علمتم أن الله على كل شيء قدير، وعلمتم أن الله تعالى له ملك السماوات والأرض، وأنه يصرف الآيات لرسله الكرام فيختار لكل رسول آية، ولا يستبعد أن تكون تلك الآيات كلها على نسق هذه الآية لمن يجيء بعده، والله يصرِّف دلائله وآياته.
أتريدون يا من تخاطبون برسالة محمد أن تسألوا رسولكم آية دالة على رسالته، كما سأل اليهود موسى من قبل، أي أتريدون أن تختاروا معجزة دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، كما سئل موسى من قبل.
والاستفهام هنا لإنكار الوقوع، أي أنه كان ممن خاطبهم محمد صلى الله عليه وسلم، ممن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء يحمله ملك، ومنهم من سأل أن يكون المبعوث ملكا ولا يكون رجلا يمشي في الأسواق، كان ذلك من المشركين، ومن أهل الكتاب، وقد قال تعالى في سؤال أهل الكتاب:(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153).
والمخاطبون في قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) هم الذين خوطبوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الناس جميعا، مشركوهم وأهل الكتاب فميهم، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم للأحمر والأسود والذين طلبوا تغيير المعجزة المحمدية بغيرها من المعجزات الحسية كان منهم المشركون واليهود فهم أخص من بعث إليهم بالخطاب.
وقوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) إلى آخره فيه الاستفهام متجه إلى إرادة السؤال لَا إلى السؤال نفسه، وإذا كان الاستنكار للإرادة فهو للسؤال أشد لأنه إذا استنكرت ذات الإرادة، فالأولى يكون للفعل، وإنهم ما أرادوا المشابهة بين فعلهم وفعل بني إسرائيل من قبل، إنما نبههم الله تعالى إلى المماثلة بقوله:(كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ)، أي مثل ما سئل موسى من قبل.
وإن ذلك انحراف عن السبيل، وترك للحق، وانصراف عما يوجبه الدليل، إلى سؤال عن دليل آخر مع سلامة هذا الدليل الذي يعترضون عليه؛ ولذا قال تعالى:(وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي ومن يجعل الإيمان في مقابل الكفر فقد سار في طريق منحرف ولم يسلك السبيل المستقيم، وضل يعني بعد، ومعنى ذلك أن من يطلب الكفر يترك سواء السبيل والقصد، وفي ذلك إشارة إلى أمرين:
أولا - أنهم ضلوا القصد ولم يسلكوا سواء السبيل أي وسطه؛ لأن وسط السبيل لَا يكون اعوجاجًا ولا انحرافًا، وأنهم إذ ضلوا سواء السبيل وبعدوا عنه سلكوا طريق الكفر، واختاروه على الإيمان.
ثانيا - أن السبب في سلوكهم طريق الغي والضلال وطلبهم معجزات يريدونها هو أنهم في أصلهم جاحدون كافرون، ومن ترك الطريق الواضح مع وضوحه وقيام برهانه فقد كفر؛ لأنه يتبدل الكفر بالإيمان.
* * *
الحسد في الدين
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
* * *
كان المشركون والذين أوتوا الكتاب لَا يرضون معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حجة دالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تحداهم أن يأتوا بمثلها فعجزوا وعلموا مقامه من البيان، وأنه أعلى من البيان الإنساني حتى يقول قائلهم:(إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، والله ما يقول هذا بشر). فقد تبين لهم الحق، وأن ما يشتمل عليه هو الحق الذي لَا يأتيه الباطل، ومع ذلك جحدوا وكفروا وتمادوا واضطهدوا ضعاف المؤمنين، وكانوا يودون أن يعود النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى ما هم عليه، حسدا لهم، إذا علموا أنهم على الحق، وليكونوا تحت سلطانهم وليحتفظوا بهم وكانوا بين إحساسين: إحساس السلطان وحسد أهل الإيمان، ولذا كانوا يتعنتون في طلب آيات غير القرآن.
واليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فالحق قد تبين وكان أشد تبينًا، لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك طلبوا آيات أخرى وجحدوا، وما كان ذلك إلا تبريرًا لكفرهم بما علموا، ولم يكتفوا بكفرهم بل ودوا أن يكون المؤمنون مثلهم كفرًا وعنادًا.
ولذا قال تعالى:
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ود هنا معناها تمنى، فإنها تستعمل بمعنى أحب، وبمعنى تمنى، وحيث كانت لو وما بعدها موضع الطلب كانت بمعنى تمنى؛ فإن أمنية أهل الكتاب (وكذلك المشركون) أن يختفي هذا الدين، ولا يكون إلا الوثنية وخصوصا الوثنيين الذين بقوا على وثنيتهم من الأوس والخزرج لكيلا يكون محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه مسيطرين على المدينة.
ويلاحظ أمران:
أولهما - أن القرآن الكريم الذي أنزله العادل الحكيم لم يذكر أهل الكتاب جميعا، بل ذكر الكثير منهم فقال تعالى:(وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ لأن بعضهم يرجى إيمانه ويسير في طريق الإيمان، ومن سار في طريق الإيمان لَا يرجو زواله، ومن يريد الهداية لَا يود زوالها.
الأمر الثاني - أنه ذكر أهل الكتاب دون غيرهم لأنهم كانوا أشد رغبة في تضليل المؤمنين، وكان الحق عندهم أشد بيانا، وأقوى برهانا؛ ولأن حسدهم أوضح، فكلما كانت الحجة أقطع، كان حسدهم أوضح وأبين وعداوتهم أشد، ولجاجتهم في الباطل.
ويقول سبحانه في موضع التمني وباعثه: (لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمِ) تمنوا أن تعودوا إلى الكفر، بعد أن ذقتم بشاشة الإيمان، وعبر بقوله تعالى:(يرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا) للإشارة إلى أن ذلك رجعة بعد تقدم، وانتكاسة بعد استقامة.
وما كان الباعث على ذلك الحسد؛ وعبر عن حسدهم بأنه منبعث من نفوسهم، وذلك التعبير يشير إلى أمرين:
أولهما - أنه ليس له مبرر إلا من نفوسهم فلا وجه لأن يحسدوكم على ما آتاكم الله تعالى من فضله.
ثانيهما - تأكيد ما في نفوسهم من غل بقوله تعالى: (مِّنْ عِند أَنفُسِهِم. . .)، كما في قوله تعالى:(يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمًّ يَقُولونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ. . .).
والحسد تمني زوال نعمة غيره، سواء أعادت النعمة إليه أم لم تعد. فالحاسد لا يريد الخير لغيره، وهو بهذا يملأ قلبه بالضغن والحقد من غير أن يعود إليه شيء؛ ولذلك قيل إن الحسد مرض نفسي، لَا يؤذي إلا صاحبه لأنه بمقدار ما ينال غيره من خير تتوالى آلامه، وخير الدنيا كثير فيزيد مرضه بمقدار ما يؤتى الناس من فضل، وقد يسمي بعض الناس حسدًا ما ينال الناس من غبطة كقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله تعالى القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار "(1).
واستعمال الحسد هنا من قبيل المجاز؛ لأن موضوع الغبطة والحسد، هو الخير بيد أن الحاسد يتمنى الزوال والغابط يتمنى الدوام والإتباع، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وإن حسد اليهود كان باديا في كل معاملاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي أقوالهم وأفعالهم، وحسد بعض الذين بقوا على وثنيتهم كان باديا في نفاقهم وفي أفعالهم، وكانوا يجاهرون بالحسد قبل وقوعه إذ كانوا يجاهرون به، ولا يخفون كفرهم.
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راكبا دابة فمر بمجلس فيه مسلمون، ويهود ومشركون من عبدة الأوثان من بقايا الأوس والخزرج الذين لم يكونوا قد دخلوا في الإسلام
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري بنحوه: كتاب التوحيد (6957)، ومسلم: صلاة المسافرين (1350).
بعد، ولو نفاقا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل عن دابته وأخذ يدعوهم إلى الإسلام، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: إن كان حقا، فلا تؤذِنَا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغش مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستَّب المشركون والمسلمون واليهود، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ألم تسمع إلى ما قاله أبو حباب " يريد عبد الله بن أبي بن سلول فكنّاه تقريبًا لنفسه " قال كذا وكذا " فقال: أي رسول الله بأبي أنت وأمي! اعف عنه وأصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوِّجوه ويعصِّبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق، فذلك فعل ما رأيت (1).
والحسد هنا واضح.
ولقد قال تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأمْرِهِ)، والعفو معناه، ترك المؤاخذة على الذنب والرفق في المظهر، والمعاملة الحسنة، والصفح هو إزالة كل أثر في النفس، فالعفو يتعلق بالمظهر كقوله تعالى:(خذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْف وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ)، والصفح ألا يبقى في النفس أثر من الآلام التي أثارها الحسد والعمل على مقتضاه، وكلاهما أعلى درجة من الصبر المجرد؛ لأن الصبر معناه الضبط والتحمل مع ملاحظة ورجاء، والعفو يتضمن كالصفح معنى الصبر، مع تجمل المظهر وألا تكون آلام قط مما يصنعون.
وقد حد الله تعالى نهاية للعفو والصفح، وهو أن يأتي أمر الله قال تعالى:(حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ) وإن ذلك يكون بأحد أمور ثلاثة: إما بالقصاص منهم، بإجلائهم أو قتالهم، وإما بنزع الحسد والحقد من قلوبهم وهدايتهم، وإما بالغلب عليهم وأن يكونوا في ظل المسلمين، ويعلنوا إسلامهم وقلوبهم ليست مؤمنة وإن الأمر بالصفح والعفو كان لإرضاء قلوبهم، وإخراج الحسد من نفوسهم فإنه لَا يدني القلوب إلا عفو رفيق وصفح جميل.
(1) هذه القصة مذكورة في البخاري تفسير القرآن (4200)، ومسلم: الجهاد والسير (3356).
ولقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بإثبات قدرة الله تعالى فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فإذا أمر الله كان قادرا على نزع الأحقاد من القلوب، والقصاص من الظالمين، وكشف ضلال المنافقين؛ لأنه قادر على كل شيء وقد أكد قدرته سبحانه بالجملة الاسمية وإن المؤكدة، وعموم موضوع قدرته واختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على كل شيء بتقديم الجار والمجرور على قدير. تعالت قدرته وعظمته وحكمته.
وإن العفو والصفح صفحا جميلا لَا منَّة فيه، يحتاج إلى رياضة نفسية وطهارة روحية وإلف اجتماعي، ولذلك قرن الله تعالى الأمر بالمعروف والصفح والأمر بالصلاة والزكاة وتقديم الخير رجاء من عند الله قال الله تعالى:
(وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَكَاةَ).
إقامة الصلاة أداؤها على الوجه الأكمل بأن يأتي بأركانها الظاهرة، وأركانها الباطنة مقومة غير معوجة طيبة خارجة من القلوب ليست النفس منفصلة عما تقوم به الجوارح، فإذا قال:" الله أكبر " شعر بعظمة الله وأحس برقابته، وأنه دخل بالتكبير في ظل رحمته، وأنه رقيب عليه وأنه يواجهه، وأنه في حضرة منشئ هذا الوجود بما فيه من سماء وأرض وجبال ووهاد، وأن نفسه في قبضة يده، والوجود كله في قبضته، وإنه بذلك يحس كأنه يرى الله لأنه في حضرته، وبذلك يعلو عن الأحقاد وعن الحسد، وعن كل ضغن وإحن، ولذا قال تعالى:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .).
والزكاة تعاون إنساني، لأنها معاونة القوي للضعيف وإعطاء الغني للفقير، والربط بين الإنسان بالأخوة الجامعة والمحبة الراحمة والمودة الواصلة، وعندها يزول الحسد ولا يتمنى أحد زوال نعمة أحد، وعند ذلك يكون العفو الشامل والصفح الجميل، ويدرك معنى قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل، ويراه بقلبه عيانا. وإن الأمر بالصلاة التي هي رمز للطهارة النفسية والائتلاف النفسي، وإيتاء الزكاء التي تدل على الطهارة الجماعية والائتلاف - أمر سبحانه وتعالى بفعل الخير
في شتى صوره، وقال تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) و " ما " هنا من أسماء الشرط، وفعله تقدموا، وجوابه تجدوه عند الله، والنص الكريم حث على فعل الخير وبيان جزائه؛ لأن جزاءه يجده عند الله تعالى وما يجده عند الله أوفى مما قدَّم، وأكثر مما فعل، وقال تعالى:(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ) ونلاحظ ثلاثة أمور في كل واحدة إشارة بيانية، وحكمة ربانية.
الإشارة الأولى - أن الله تعالى عبر عنِ فعل الخير سواء أكان لنفسه أم كان للجماعة بقوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ) لأن فعل الخير للجماعة فعل لنفسه، والخير يعود على فاعله ابتداء، ويعود على الجماعة انتهاء، فمن تصدق فإنما يتصدق لنفسه؛ لأن الفائدة إليه إذ يعيش في مجتمع متكافل غير متدابر، ولتطيب بفعله القلوب وتسود المحبة الكامنة، وكذلك كل فعل خير يكون لنفسه، وهو يقدمه لنفسه أو يكون له ثوابه.
الإشارة الثانية - أنه يجد العمل قائما ثابتًا عند الله، فيكون مهيأ حاضرًا يراه ويعاينه، وذلك كناية عن جزائه الذي لاينقص عنه، بل قد يزيد عليه رحمة من الله تعالى، ويراه عند الله محفوظا لَا يضيع.
الإشارة الثالثة - تذييل الآية الكريمة بما يفيد علم الله تعالى بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهذه الجملة السامية تفيد علم الله الذي لا تخفى عليه خافية، فلا يضيع عمل عامل منكم، وقد أكد سبحانه وتعالى إحاطة علمه بما يظهر وما يخفى مؤكدات ثلاث:
أولها - إحاطته وسموا ذلك بالتعبير بـ " ما " الدالة على العموم، فإنها بمعنى الذي، وهي تدل على العموم الشامل.
ثانيها - بالجملة الاسمية وتأكيد الجملة بأن وتقديم الجار والمجرور على بصير، والتقديم دال على التخصيص.
وثالثها - التعبير عن العلم بالبصير؛ فمعناه علم كأنه مبصور بالبصر، يعلم