الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السادسة عشرة:
وبالخلوة بالأجنبية وإردافها وبالنظر إليها، لأنه معصوم، وكان يملك إربه عن زوجته فضلا عن غيرها مما هوله وهو المبرأ عن كل فعل قبيح.
روى أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن عن صفية الجهنية قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد.
وروى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل علي حتى دنا مني فجلس على فراشي كمجلسك مني.
وروى الشيخان عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
الحديث.
وروى البخاري عنه أيضاً قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه وإلا على أم سليم، فإنه كان يدخل عليها فقيل له في ذلك فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي،
قال أبو عبد الله الحميدي. وأم سليم هي أم أنس بن مالك، ولعله أراد على الدوام، فإنه كان يدخل على أم حرام، وهي خالة أنس قال الحافظ أبو زرعة العراقي في شرح التقريب: أم حرام ليست محرما له صلى الله عليه وسلم ولا زوجة نعم، قيل: أنها خولة بنت قيس، وإنها كانت زوجة حمزة، وقيل: زوجة حمزة غيرها، فزوجة العم ليست محرما، ولا يبعد عد ذلك في الخصائص ولم يذكره أصحابنا، وقال الكرماني في الحديث الثاني: هذا محمول على أن ذلك قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة وللأمن من الفتنة وقال الحافظ في فتح الباري في باب من «من زار قوما فقال عندهم» الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهم محرمية ولا زوجية.
وقال أبو عمرو: أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كانت تفلي رأسه وينام عندها، وتنال منه ما يجوز لذي محرم أن يناله من محارمه ولا يشك مسلم أن أم حرام كانت محرما له، ثم روي عن يحيى بن إبراهيم بن مزين قال: إنما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفلي أم حرام رأسه، لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأنّ أم عبد المطلب بن هاشم كانت من بني النجار.
ومن طريق يونس بن عبد الأعلى: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه.
قال الحضيري: ويؤيده ما في صحيح البخاري من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة حدثني أنس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خاله حراما أخا أم سليم في سبعين راكبا
…
الحديث وهذا هو حرام بن ملحان فبهذا السن خال النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لأم سليم، ولكن ما هي إلا خؤولة الرضاعة، قلت: وهذا الذي قاله فيه نظر، بل الضمير في قوله في حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- بعث لأم سليم عائدة على السن فإن حراما أخا أم سليم خال أنس بلا خلاف.
وقال النووي: اتفق العلماء على أنها- يعني أم حرام- كانت محرمة له صلى الله عليه وسلم واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة.
وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار، وتعقبه ابن الملقن فقال: ما ذكر من الاتفاق على أنها كانت محرما له فيه نظر، فمن أحاط بنسب النبي صلى الله عليه وسلم ونسب أم حرام علم أنه لا محرمية بينهما، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم، وقد نهي عن الخلوة بالأجنبية نهي تحريم، فيحمل فعله هذا على الاختصاص وقد ادعاه بعض شيوخنا.
وأجيب عن النووي بأنه لم يرد أن أم حرام كانت محرما من جهة النسب، فإنه أعلم الناس بنسبهما، وإنما أراد محرمية الرضاع التي حكاها ابن عبد البر وذهب إليها بلا شك، وحكى القاضي أبو بكر بن العربي: كلام ابن وهب وقال غيره: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها، وهو المبرأ عن كل فعل قبيح، وقوله رفث فكان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، قال الحافظ: ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب والقصة كانت بعد حجة الوداع.
وقال الحافظ الدمياطي: زهل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه صلى الله عليه وسلم معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا من عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه الخؤولة المذكورة لا تثبت بها محرمية، لأنها خؤولة مجازية، وهي
كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «هذا خالي»
لكونه من بني زهرة وهي من أقارب أمه آمنة بنت وهب، وليس سعد أخا لآمنة لا من النسب ولا من الرضاع ثم قال الدمياطي على إنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع.
قال الحافظ: وهو احتمال قوي لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذلك النوم في الحجر قال: وأحسن الأجوبة عندي الخصوصية، فلا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح.
وقال الحافظ الدمياطي: وهم في أم حرام من جعلها من خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو النسب وأثبت لها خؤولة توجب محرمية لأن أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي ولدته وأصهاره اللاتي أرضعنه كلهن من مضر وربيعة مرعى ولد إسماعيل وجرهم وقضاعة وخزاعة، ومن بني عامر النجار ومن الأزد ليس فيهن من بني قبيلة الأوس والخزرج سوى أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن عدي بن النجار وحرام وسليم وأم حرام وأم سليم وأم عبد الله، وكلهم أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم أولاد ملحان، واسم ملحان: مالك بن خلال بن زيد بن حرام وجندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فلا يجتمع ملحان وسلمى إلا في عامر بن غنم، وهذه خؤولة بعيدة لا تثبت محرمية، ولا تمنع صالحا، لكن العرب تستعملها كثيرا توسعا
كقوله صلى الله عليه وسلم في سعد بن أبي وقاص ابن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة «هذا خالي، فليرني امرؤ خاله» ،
وآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة من كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
وكقول عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فقلت: خالي يعني العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأم عمرو بنت هاشم بن المغيرة بنت عم العاص
كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم دخل على بعض أزواجه بالمدينة فرأى امرأة حسنة فقال: من هذه؟
فقالت: إحدى خالاتك يا رسول الله، فقال: إن خالاتي في هذه الأرض لغرائب من هذه؟
فقالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة فقال:
«سبحان الذي يخرج الحي من الميت» ،
كان أبوها الأسود من المستهزئين، مات كافرا، وهي بنت خاله، ونحوه هذا كثير، إذا كانت أم الرجل من غير قبيلة أبيه كانت قبيلة أمه أخواله على وجه الاستعارة والمجاز، وذكر كلاما ثم قال: فقد ثبت بمجموع ما ذكرنا من الخصائص لأم حرام وأم سليم رضي الله عنه وهذا الحكم خاص بهما والله أعلم.