الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
تنظيم الجاسوسية
اتبعت قيادة جيش التحرير الوطني كل الطرائق الممكنة لتطوير إمكانات الجيش ماديا ومعنويا، واستخدمت كل الوسائل المتوافرة لرفع مستوى كفاءة المجاهدين القتالية، سواء في مجال التسلح أو في مجال التدريب التعبوي والفني، أو في مجال الإعداد الفكري. وكال في جملة الوسائل المستخدمة تلك النشرات الدورية، مثل (مجلة المجاهد) و (مجلة الشباب) و (جريدة المقاومة) أو عن طريق نشرات تصدرها الولايات ذاتها (مثل صدى الجبال). وكثيرا ما كان يتم الاعتماد على إصدار نشرات خاصة لمعالجة مواقف معينه، وكانت هذه النشرات تصدر إما عن قيادة إحدى الولايات الستة (ولايات الكفاح) أو تصدرها القيادة العامة، ويمكن هنا التوقف عند إحدى تلك النشرات التي تحمل عنوان (التعليمات السوداء) والتي تعالج موضوع (الجاسوسية):
الجمهورية الجزائرية
جبهة التحرير الوطني الجزائري جيش التحرير الوطني الجزائري
الولاية السادسة
…
أركان الحرب
الفقرة الأولى
أهمية الجاسوسية
تعتبر (الجاسوسية) من الأركان الأساسية التي تجعل الدول والشعوب في أمن واستقرار، وتصير في المستوى اللائق بها بين الأمم. فالجاسوسية بالنسبة للدولة هي عبارة عن نبراس ينير الطريق، وهي عبارة أيضا عن حارس أمين يوقف العابثين والمتآمرين عند حدودهم، ودرع متين يقي الدولة والشعب من الانهيار، وسد منيع يتعرض للغزاة الطامعين. والدولة الخالية من الجاسوسية هي جسد بلا روح. ولما كان لهذا الفرع من كبير الأهمية، فقد تم استخلاص بعض نقاط الجاسوسية من تجارب الماضي وأحداث الحاضر، بهدف تقديم بعض الفائدة التكميلية التي يمكن للمسؤولين في هذا الفرع الإفادة منها. وقد تم ترتيب هذه النقاط على النحو التالي.
الفقرة الثانية
صفات الجاسوس:
1 -
أن يكون متشبعا بالروح الإسلامية والمبادىء الوطنية، وأن يكون كتوما (صاحب سر).
2 -
أن تتوافر لديه الرغبة في أداء مهمته الدقيقة مع ثقته بنفسه في نجاحها، وأن يكون ذا عزيمة صادقة وصبر قوي، قادرا على احتمال أقسى الشدائد، وألا يشعر باليأس أو الملل قبل بلوغ أهدافه المعينة، مهما طال أمد الوصول إليها، وألا يؤخذ بالانفعالات العاطفية أو المشاعر الحساسة.
3 -
أن يكون الجاسوس اجتماعيا، بمعنى أن تتوافر له القدرة على الاتصال بكل طبقات الشعب، بما في ذلك الأجانب، وبحيث يستطيع العيش مع الطبقات المذكورة، مهما كانت بيئتها، أكان ذلك في المدن أو البوادي.
4 -
يشترط في الجاسوس ألا يكون ذا ميل سياسي، ولا يمنعه ذلك من الانخراط في أية منظمة سياسية بهدف الحصول على المعلومات، مع التظاهر بالمظهر المناسب للوسط الذي يؤدي فيه مهمته حتى لا يلفت إليه الأنظار بأي شكل من الأشكال.
5 -
أن يكون الجاسوس متزنا - بعيدا عن النزق والطيش - لا يندفع لأي عارض من العوارض، وهذا ما يفرض عليه أن يكون مستمعا أكثر منه متحدثا، لا سيما في الأوساط التي لا تتوافر له معرفة كافية بها، وعليه ألا يظهر حزنه وقت الهزيمة أو إظهار فرحه وقت النصر.
6 -
يشترط في الجاسوس ألا يكون صاحب إعجاب بنفسه، بعيدا عن الغرور والتبجح - الافتخار والفخفخة - لأن صفات كهذه تتنافى وأعماله، وأن يبتعد عن الثرثارين. كثيري الكلام، وألا يستخدمهم في أعماله وأغراضه لأن ضررهم أكثر من نفعهم، وألا يكون للجاسوس أصدقاء ملازمين له، لأنه يصبح بذلك أكثر قدرة على الاحتفاظ بأسراره.
7 -
أن يهجر جميع الملاذ الدنيوية، ويبتعد عن الأطماع والأهواء الشخصية التي عادة ما تجعل الإنسان أداة في قبضة الآخرين.
8 -
أن تتوافر له القدرة على التكهن - التوقع - غير أن عليه ألا يبني تصرفاته واستنتاجاته على هذا التكهن، بل عليه أن يتوخى الحقيقة
من خلال تحرياته وأبحاثه.
9 -
أن تتوافر له الكفاءة والمهارة والفطنة والحيلة والدهاء، حتى يتمكن من الاطلاع على أسرار الآخرين من غير أن يطلع عليها أحدا.
10 -
أن يستخدم الجاسوس المناورات الخداعية - التضليلية -لأن ذلك هو سبيله لكشف أسرار العدو وتحطيم مخططاته التي يهدف من خلالها معرفة أهدافنا وكشف جواسيسنا ومخططاتنا في هذا المجال.
الفقرة الثالثة
تقسيم الجاسوسية: (وهي تنقسم الى قسمين):
أولها: ما يسمى (بالمهاجمة) ومعناه جلب أسرار العدو، والاطلاع على برامجه السياسة والعسكرية والإعلامية وغيرها، والتعرف على أهدافه حتى يسهل القضاء عليها. وللوصول إلى هذا الهدف يجب علينا بدل قصارى جهودنا، وأن نضحي من أجله بالرجال والأموال. وعلى هذا، فلنبدأ بشرح الأعمال الأولية التي يقوم بها العدو .. فبمجرد تعيين ضابط للعمل في مكاتب الشؤون الأهلية (الساس) في جهة ما، من مدينة أو قرية أو عرش، يقوم بما يلي:
1 -
يبحث عن تاريخ المدينة أو القرية أو العرش قبل سنة (1830) أي قبل دخول فرنسا الى الجزائر، وموقفها من فرنسا بتأييد دخولها أو مقاومته.
2 -
يبحث عن موقفها من الثورات التي وقعت بعد سنة (1830).
3 -
يبحث عن (الأعراش) الموالية للعرش المؤيد للثورات، والأعراش المضادة له، كما يبحث عن عدد أبنائه الموجودين مع قوات جيش التحرير، وأولئك الموجودين مع القوات الفرنسية، ويقارن النسبة بينهما. كما يطلع على حالة أعيان العرش (وجهائهم وقادتهم)، ودراسة حالاتهم، ومحاولة التقرب منهم بكل وسيلة.
4 -
يبحث عن المستوى المعاشي - الحياتي - والثقافي، وعن النظم الاجتماعية، والعادات والتقاليد ويضبط جميع ممتلكات الأهالي.
5 -
يبحث عن موقف ذلك العرش، أو تلك المدينة، من ثورة سنة 1954.
6 -
يطلب من المسؤول عن مكتب الشؤون الأهلية (الساس) الذي سبقه إلى ذلك العرش، أن يبدي له رأيه، وأن يشرح له شرحا مستفيضا أحوال العرش وعاداته وأخلاقه، ويشرع بعد ذلك في تنفيذ خطته التي تتلخص بما يلي:
إعادة تنظيم شبكة الجاسوسية في الأوساط الشعبية، وفي سائر المجتمعات، مثل منظمات الطلاب والمعلمين والأئمة والتجار والموظفين والعمال والرياضيين والأطباء والصيادلة والرعاة والحاطبين وصانعي القطران والنساء، بما في ذلك الممرضات وعمال إدارات البريد والإسعاف (في الهلال الأحمر والصليب الأحمر). وحتى في صفوف العسكريين - المجاهدين في جيش التحرير الوطني - وهو يلبس للظروف لبوسها، متخذا لذلك أساليب خاصة تناسب كل صنف من الأصناف الآتية:
العرش: يجعل العدو جاسوسا أو جاسوسين أو ثلاثة في كل لقب أو عائلة، بحسب كثرة عدد أفرادها أو قلتهم، ويختار الذين يثق
فيهم ويعتمد عليهم، وهذا النوع من جواسيس العدو مكلف بمراقبة الطائفة والعائلة التي تحمل ذلك اللقب، والموقف العام من الثورة لكل فرد منها. كما أنه مكلف بتمزيق روابط العائلة، والرفقة، وإضعاف الشعور الوطني، والترويج لشائعات فشل الثورة وعدم فائدتها وجدواها، والإعلان عن هزائم - غير صحيحة - لحقت بالثورة. وإظهار فوائد بقاء فرنسا في الجزائر، وبث هذه الروح -الانهزامية - في قالب إرشادات وتوجيهات، مستفيدا في ذلك من كل الفرص والمناسبات. ويمكن لجاسوس (جيش التحرير الوطني) الاطلاع على هذا النوع من الجواسيس بفضل دراسته للشعب، وفهم جميع أفراده، وميولهم، وأفكارهم ومن كان منهم حتى الأمس
منعزلا ومنكمشا في زاوية، ثم بات اليوم وهو يختلط بجميع طبقات المواطنين.
التجار: يحاول العدو أن يجعل في كل أربعة تجار جاسوسا، مهمته مراقبة الباعة من المواطنين والتعرف على من كان بالأمس يشتري قنطارا من السميد - على سبيل المثال - في كل شهر وقد أصبح فيما بعد يشتري بالعشرة قناطير مع ملاحظة عدم الزيادة في أفراد عائلته. ويمكن لجواسيس (جبهة التحرير الوطني) معرفة جواسيس العدو، وكشفهم، بالاعتماد على مهارتهم في فنهم ودهائهم وذكائهم وفطنتهم وملاحظتهم الدقيقة ممن كان بالأمس - من التجار - يخاف العدو ويهاب سطوته، ولا يبيع للمواطنين إلا المحدد لهم، وهو يتظاهر اليوم بأنه مستعد لسد كل الحاجات التي يطلبونها من البضائع. وعلى من كان منهم لا يجلب من السلع إلا كمية محدودة، وقد أفسح له المجال بعد ذلك ليستورد كل ما يريده.
الأطباء والمبادلة: يسمح لهم إما ببيع أدوية زائدة، أو ببيع
أدوية سامة لجيش التحرير.
الممرضون والممرضات والهلال الأحمر والصليب الأحمر:
تنحصر مهمتهم في الحصول على المعلومات من النساء والأطفال الصغار، لما تسمح به مهمتهم من التمكن من الاتصال يجمح طبقات الشعب، وإظهار مزايا فرنسا للمواطنين من عطف وشفقة ومعالجة وتوزيع الأدوية مجانا.
المعلمون: تنحصر مهمتهم بإضعاف إرادة التلاميذ والطلاب الجزائريين العرب، وتشريبهم كره اللغة العربية، ومحبة اللغة الفرنسية، وإظهار ضعف العرب وقصورهم، والتشهير بالثورة على اعتبارها عملا همجيا، مع إعطاء الشرعية للحرب التدميرية الي تقوم بها فرنسا ضد جزائر الثورة. كما يدخل في مهمتهم، كشف الطلاب العاملين مع الثورة وجبهة التحرير الوطني والسعي باستمرار لإفساد أخلاق الطلاب، بحملهم على تعاطي الخمر وسواه، وإبعادهم عن أداء فرائضهم الدينية.
الأئمة: وتنحصر مهمتهم في التنديد - أثناء خطبهم - بالمجاهدين، وأن ما يقومون به لا يعد جهادا، ولا عملا شرعيا، مدعين بأن القوة لا تواجه إلا بقوة مثلها. والعمل على تفسير بعض آيات القرآن الكريم والأحادي النبوية الشريفة تفسيرا معكوسا، والتشهير بأعمال الثورة، وبكل ما من شأنه هدم أسس الدين والعقيدة الإسلامية والوحدة.
النساء: يقمن ببث روح الفرقة وسوء التفاهم بين النساء ورجالهن، وحملهن على أن يشتكين ببعولتهن إلى مكتب الشؤون الأهلية (الساس). وأن يقمن بمراقبة زيادة الأطفال والنساء في العائلات، ومن أين طرأت هذه الزيادة؟ وكذلك الاتصال بنساء
المجاهدين وبث فيهن ما من شأنه التأثير عليهن، وإضعاف عقيدتهن الوطنية، والإيحاء لهن بأن أزواجهن قد تزوج البعض منهم بالتونسيات، والآخرون بالمغربيات، وهجرن زوجاتهم الجزائريات.
الرعاة والحاطبون وصانعوا القطران: وتنحصر مهمة الجواسيس من هذا النوع بما يلي:
1 -
البحث عن آثار جيش التحرير الوطني، ومتابعة تحركاته.
2 -
تحديد الطرق التي يتبعها جيش التحرير كثيرا في تنقلاته.
3 -
مراقبة الذين يتصلون بالجيش من مسبلين (أنصار) وغيرهم من المواطنين، واكتشاف الطرق إلى مخابيء التموين، ومراكزها، إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ويستطيع جواسيس (جيش التحرير الوطني) كشف هذا النوع من الجواسيس بمراقبة وجودهم مرات كثيرة في أماكن ممنوعة.
البطالون (العاطلون عن العمل): يعمل العدو على إقامة المشاريع لفتح المجال أمام العاطلين عن العمل مثل خدمة الطرقات وشقها، وإقامة بعض الأبنية، ثم ينتخب بعد ذلك منهم الجواسيس الذين تنحصر مهمتهم بما يلي -:
1 -
حملهم على الاعتراف بفضل فرنسا وجميلها لأنها سهلت لهم طرق العيش، ومحاولة إقناعهم بالنفور من الثورة التي لا تجديهم نفعا. ويمكن لجواسيس (جيش التحرير الوطني) كشف هذا النوع من الجواسيس عن طريق مراقبة الذين يكثرون منهم التردد على الإدارات المكلفة بالعمل (الشغل) ومكاتب النقابة، بعد التعرف على مهماتهم من هذا الغدو والرواح وغيره. ويجب على جواسيسنا (جواسيس جيش التحرير) الاعتماد على العقل والدهاء في كل الأمور لكشف جواسيس العدو
المنظمات العاملة مع الجيش:
بعدما يتعرف العدو على عضو من المنظمات الجزائرية الوطنية، أو أحد المسبلين (الأنصار) أو أحد أعضاء المجالس وغيرهم، يحاول الاتصال بهذا العضو العامل من غير إشعاره بأنه على معرفة بنشاطاته وأعماله، ويجرب إقناعه بفائدة بقاء فرنسا في الجزائر، وأهمية التعاون معها، مع مقارنة بعض الأحوال الحاضرة مع ما كانت عليه هذه الأحوال في الماضي، وإبراز نسبة التحسن - المزورة -. ويتعهد له بإعطائه الوظيفية اللائقة به والتي يرغب فيها. وبعد كل هذا الإغراء، يعرض عليه العمل معه، فإذا رضي بذلك انتهت مشكلته وأصبح جاسوسا للعدو. أما إذا رفض، فإنه يترك وشأنه لمدة أيام قليلة، ثم تصدر السلطة - الاستعمارية - أمرها بالقاء القبض عليه، بتهمة العمل مع جيش التحرير الوطني، ويسلط عليه أنواعا من العذاب الوحشي لإرغامه على الاعتراف بمهمته ودوره، ويتظاهر له - أثناء التحقيق - بالشفقة عليه أحيانا، مع الاستمرار في تعذيبه إن لم يعترف. وأما إذا أقر بعمله، فإن مكتب الشؤون الأهلية (الساس) يقتاده فورا إلى مكتبه، مذكرا إياه بكل ما صرح به أثناء استجوابه، وبالأعمال التي قام بها. ويهدده بأن كل ذلك يستوجب قتله. ويقول له: على فرض أني تسامحت معك، فلا بد لي من إلقاء القبض على رفاقك في العمل، الأمر الذي يؤدي إلى إعدامك من قبل جيش التحرير الذي سيتهمك بكشف أمرهم والإقرار عنهم. غير أني أرى من النصيحة لك، ومن الواجب الإنساني، أن أطلق سراحك، حتى ترجع الى عملك كما كنت، ولا ألقي القبض على رفاقك في العمل، وسأشيع بأنك لم تعترف بأي شيء. كل ذلك لتعمل معنا بعد خروجك من السجن. وعليك أن تخبرنا عن تحركات الجيش، وعن أعمالك وأعمال أصحابك
وتنحصر مهمة هذا النوع من الجواسيس بالتالي:
1 -
محاولة التعرف على المنظمات الثورية الوطنية العاملة في الأعراش والبلدان المجاورة.
2 -
بث روح التفرقة بين الطبقات والمنظمات العاملة مع الثورة.
3 -
جمع أسرار الشعب بصورة عامة.
4 -
دفع تلك المنظمات لاستخدام وسائل العنف والشدة وسوء المعاملة بطريقة لا يحتملها الشعب ولا يستسيغ قبولها من منظمات يعتبرها مثل أمه الحنون. وهذه الطرق، وأشباهها، تنفر الشعب من الجيش والعاملين في صفوفه، وتسقط من قيمة المنظمات الثورية في أنظار الشعب، وتدفع المواطنين للاقتراب من شيوخ البلديات (الأميار) الاستعماريين، وعملاء العدو، والاقتراب منهم قدر ابتعادهم عن جيش التحرير الوطني والتنظيمات التابعة له.
5 -
إعطاء معلومات عن الأموال التي يساهم بها المواطنون في الثورة، من حيث الزيادة أو النقصان، وموقف التموين والذخائر لدى قوات الثورة. والعمل على إضعاف ميزانية الجيش، إما عن طريق الحد من الدخل المالي، وإما عن طريق شراء القليل من المواد التموينية بمبالغ باهظة، مع إبلاغ السلطات الفرنسية عن طرائق تموين جيش التحرير الوطني وأساليب نقلها. وكذلك السعي للحد من النشاط السياسي للثورة عن طريق إبلاغ ونشر أوامر مزورة من جيش التحرير الى المواطنين. ويمكن لشبكة جاسوسية جيش التحرير الوطني كشف جواسيس العدو من هذا النوع وذلك بفضل معرفة حقيقة أعمال المنظمات الوطنية ونشاطاتها ومواقفها، وملاحظة النقاط التي سبق ذكرها. وكذلك من خلال مراقبة أعضاء المنظمات بعد خروجهم من السجن، ومقارنة أعمالهم ومواقفهم مع ما كانت عليه قبل دخولهم السجن.
جواسيس العدو داخل جيش التحرير الوطني:
يعمل العدو على تشكيل هذا النوع من الجواسيس وتكوينهم، إما عن طريق بعض المواطنين المزودين بالتعليمات الضرورية والتوجيهات اللازمة، وإما عن طريق الذين يطلبون التطوع في صفوف الجيش الفرنسي وإما عن طريق عساكره (جنوده) الذين يدفعون للانضمام إلى جيش التحرير الوطني بعد تزويدهم بالتعليمات والتوجيهات الضرورية، وكذلك عن طريق الأسرى من مجاهدي جيش التحرير الذين يقعون في قبضة العدو، أو حتى المدنيين الجزائريين الذين يعدهم العدو في السجون والمعتقلات ثم يسهل لهم عملية الفرار. وإما عن طريق النساء. ومهمة هؤلاء الجواسيس، كما مجددها لهم العدو، هي على النحو التالي:
1 -
جمع المعلومات السرية عن حالة الجيش (قوات جيش التحرير) مثل: عدد أفراد الجيش، والمساحة الجغرافية التي يحتلها - يشغلها -وأنواع أسلحته ومستوى تدريبه العسكري، ومسؤوليه وأسماءهم وعلاقتهم بعضهم ببعض، وعلاقتهم بجنودهم، والنظام الإداري، والحالة المعنوية للجيش في حياته الجبلية، وموقفه من النظام الثوري. وموقف قواته من غارات القوات الفرنسية وما يظهره هؤلاء من ضروب الشجاعة، أو الحذر، والنسبة المائوية لتكوين القوات وتشكيلها مثل: يوجد من العرش الفلاني عدد كذا، ومن العرش الفلاني عدد كذا، معيشتهم، أكلهم، أعمالهم اليومية، عدالة الجيش، تزوير الأعمال إن وجدت. تمركز أفراد الجيش، سيرتهم، حراستهم الخ ..
2 -
القيام بالدعاية لفرنسا في وسط جيش التحرير، وحمل أفراد منه على إفشاء أسراره، كل ذلك مقابل ما يقوم به مكتب الشؤون
الأهلية (الساس) من تموين لعائلات جواسيس فرنسا، وضمان حياتهم ووعدهم بالمستقبل الزاهر قصد التأثير على معنوياتهم، وإضعاف إرادتهم، وحملهم في النهاية على الاستسلام لمخططاته.
3 -
بث روح الفرقة في وسط المجاهدين، وإشاعة الروح الانهزامية - الملل من الجهاد واليأس من النصر - مع تقديم الوعود المغرية: مثل ضمان مصير الأسرى، والعفو عن المجاهدين إلخ ..
4 -
التظاهر بالحماسة للعمل حتى يحتل الجاسوس مركزا مسؤولا في التنظيمات الثورية، الأمر الذي يساعده على فتح باب التجنيد أمام عملاء العدو وجواسيسه.
5 -
النساء: يقمن بالأعمال ذاتها، علاوة على محاولة الزواج من المسؤولين. واتهام المجاهدين بارتكاب الفحشاء معهن. ويستطيع جواسيس جبهة التحرير الوطني كشف هؤلاء الجواسيس من خلال متابعة أعمالهم وأعمالهن، حيث يمكن تقويم الأعمال بذكاء، وإعطاء الأمور حقها من المراقبة، وإجراء دراسة دقيقة لأحوال الأفراد: سيرتهم وتحركهم وأعمالهم وحال العاملين مع العدو. وبذلك يمكن فرز الخائن عن المخلص، كمن كان بالأمس ذو ميل للعدو، أو كان منعزلا عن الثورة، ثم جاء يطلب فجأة التجنيد للتطوع في الجيش من غير أن يطلب منه ذلك، وكذلك من كان في صفوف قوات العدو ومعروفا بعدائه للثورة، وممارسته أعمالا بشعة ضد جمهور المواطنين، ثم جاء يطلب هو الآخر الانضمام لقوات جيش التحرير، من غير القيام بأعمال إيجابية تؤكد صدقه وإخلاصه. أو الأسرى الفارون من العدو، أو الذين يتم إطلاق سراحهم. الأمر الذي يقتضي دراسة حياتهم في
الجيش قبل وقوعهم في الأسر، وكيفية أسرهم، ومعاملة العدو لهم طوال المدة التي قضوها في السجن، وطريقة فرارهم، إذا كانوا قد هربوا من السجن، أو خروجهم منه، إذا كان العدو هو الذي أطلق سراحهم.
الاتصال بين العدو وجواسيسه
أ - الاتصال المباشر، ويتحقق كما يلي:
1 -
مع المواطنين الذين لهم اتصال دائم بالعدو.
2 -
مع الجنود الموجودين في صفوف العدو.
3 -
مع المساجين الذين أطلق العدو سراحهم، والذين يترددون على الإدارات الاستعمارية مرة في كل أسبوع أو كل ثلاثة أيام، حيث يتظاهر العدو بأنه لا زال يشك في أمر هؤلاء، مستخدما هذه الطريقة للتمويه، وللحصول على المعلومات، وهذا النوع قليل.
4 -
يقوم العدو بحملات تفتيشية، يجمع فيها المواطنين، ويتصل بجواسسيه أثناء البحث، ويتلقى منهم المعلومات، بينما هو يتابع في الوقت ذاته استجواب المواطنين بأسئلة لا تمت أحيانا إلى الثورة بأية صلة. ويظهر هذا النوع لجواسيس الثورة، الذين عادة ما يكونون بين المواطنين، من خلال إطالة البحث والتحقيق مع بعض أفراد الشعب، في حين يكون موضوع الاستجواب واحدا للجميع.
5 -
ويوجد هذا النوع أيضا بين الذين يتصلون دائما بالإدارات الفرنسية، معتمدين في ذرائعهم على قضاء مهام خاصة بهم. ويسعتطيع جواسيس الشبكات الوطنية فهمهم ومتابعة مراقبتهم،
والتمييز بين ما هو صحيح من هذه الاتصالات، وبين ما هو كاذب مخادع.
ب - الاتصال غير المباشر:
1 -
ينحصر هذا النوع في أفراد يقدمون معلوماتهم إلى مكتب الشؤون الأهلية (الساس) عن طريق البريد. ويعرف هؤلاء بكثرة أسفارهم إلى بعض المدن والقرى التي يوجد فيها مركز للبريد، ويتم تحرك هؤلاء حسب خطة محددة، وفي وقت معين (مرة في كل أسبوع، أو في كل خمسة عشر يوما، أو حتى كل ثلاثة أشهر). ويمكن لشبكة جاسوسية الثورة كشف هؤلاء عن طريق الجواسيب الثوريين الذين يعملون في مكاتب البريد، حيث يقومون بقراءة الرسائل الموجهة إلى الإدارات الفردية، وتحديد مصدر هذه الرسائل. وخط العنوان، ومكان تحرير الرسالة، والضبط اللازم لهذه الأشكال من الاتصالات المتبادلة.
2 -
يكتب بعض الجواسيس من هذا النوع تقاريرهم، ويضعونها في أمكنة معينة متفق عليها مع العدو. وتنقل هذه التقارير عن طريق الدوريات المتجولة العادية التي ينظمها العدو. وتقوم هذه الدوريات بدورها أيضا بوضع تقارير عن ملاحظاتها. ويظهر هذا النوع للأذكياء من جواسيس الثورة، عن طريق مراقبة دوريات العدو المتجولة، وترددها على مكان - أو أمكنة - معينة في أوقات محددة. وعندئذ تنظم جاسوسية الثورة رقابة دقيقة ومستمرة للأمكنة المذكورة حتى يتم إلقاء القبض على الخائن.
3 -
قد يقوم العدو بتجهيز بعض جواسيس هذا النوع بالأجهزة اللاسلكية، ويستطيع جواسيس الثورة كشف هؤلاء بفصل ما يتوافر لهم من الفطنة والحكمة.
4 -
ويوجد هذا النوع من الجواسيس بين المواطنين الذين لهم اتصال ببعض الإدارات الفرنسية البعيدة، في بلاد أخرى، بحيث لا يكونون معروفين هناك أو يكونون موضعا للشبهات. ولهذا يجب مراقبة كل المسافرين، وخاصة الذين تكون أسفارهم إلى بلد معين، والتعرف على الأسباب الداعية إلى أسفارهم. ومن هنا يستطيع جواسيس الثورة استخلاص النتائج الحقيقية، عن طريق مراقبة جميع الحركات وفهمها، على أن تتخذ بعد ذلك اللإجراءات التالية:
1 -
حمل هؤلاء الجواسيس على العمل مع الثورة من غير إشعارهم بمعرفة حقيقتهم على أنهم جواسيس للعدو.
2 -
إذا لم تتحقق النتيجة المذكورة، واستمروا في ممارسة عملهم العدواني، فيلزم قتلهم.
مناورات العدو
أ - بالنسبة لجواسيس الثورة العاملين في إدارات البريد وغيرها، يسلك معهم إحدى طريقتين:
يحاول العدو معرفتهم واكتشافهم في الإدارات المذكورة، فإذا ما تمكن من ذلك، فإنه سيحاول استخدامهم لتزويد الثورة بأخبار ومعلومات مضادة وفي صالحه، وذلك إما بالاتفاق معهم بعد تسخيرهم لغرضه وإما من غير علمهم وبحيث لا يشعرون بها، وهي ترمي إلى الغرض ذاته.
ب - يحاول العدو تلطيخ سمعة منظماتنا الثورية -الشعبية- العاملة بكل حماستها الوطنية الحقيقية،
والنيل من غيرتها وإخلاصها بكل الوسائل الممكنة، مثل:
1 -
بعد معرفتها وكشف أمرها، يعمل على امتداح أفرادها وإزجاء الشكر لهم أمام المواطنين، بهدف دفع الثورة إلى الشك بأمرهم والعمل على تدميرهم والقضاء عليهم.
2 -
عندما يكتشف العدو أمر عملاء مخلصين للثورة، ومن النوع الذي لا يرقى لإخلاصهم شك أو ريبة، فإنه يكثر من التردد عليهم وزيارتهم في محلاتهم أو مضاربهم (خيامهم) ويتقرب إليهم في كل المناسبات، وهدفه من ذلك إثارة الشك حولهم، والريبة في أمر إخلاصهم، وحرمانهم من ثقة الثورة ودفعها للقضاء عليهم.
3 -
توجيه بعض الرسائل إلى أولئك المخلصين، ووضع إعلانات شكر لهم على الطرق العامة لإقدامهم على إفشاء أسرار أو غير ذلك من افتراءات ومزاعم يلصقها بهم.
4 -
قيام العدو بتكليف عملائه غير المعروفين من قبل جاسوسية الثورة - إن وجدوا - للتوجه إلى جيش التحرير الوطني، وإبلاغه بأن (فلانا) يعمل مع العدو. والزعم بأن العميل الفرنسي لم يتقدم بمعلوماته (الكاذبة طبعا) إلى جيش التحرير، إلا بدافع الغيرة الوطنية. مع التظاهر بعدم معرفته للشخص الذي نقل إليه المعلومات بتعاون المتهم مع الفرنسيين - أعداء البلاد -.
5 -
يوصي العدو عملاءه: بأنه إذا ما ألقي عليهم القبض من قبل أجهزة الثورة، أن يتهموا بعض المخلصين العاملين مع الثورة.
6 -
يلقي العدو القبض على بعض الأفراد المتعاونين مع الثورة، والمتفانين في خدمتها والإخلاص لها، ثم يطلق سراحهم بعد فترة وجيزة، وهدفه من ذلك هو دفع الثورة للقضاء عليهم قبل التروي في أمرهم.
7 -
يستخدم العدو هذه المناورات ذاتها مع الفرع العسكري لجيش التحرير - ما عدا طريقة الاتصال لأنها لا تحدث.
ج - يستعمل العدو، بالنسبة للعاملين معه، وبهدف تضليل جاسوسية الثورة، المناورات الآتية:
* يبعث لهم رسائل يهددهم فيها بالموت، بزعم أنهم يعملون مع (جيش التحرير الوطني).
* يزج بهم في سجونه، ثم يطلق سراحهم بعد فترة وجيزة من الزمن.
* يعلن أمام المواطنين أن فلانا (جاسوسه) هو عنصر عامل مع جيش التحرير، وأنه في سبيله لإلقاء القبض عليه لا محالة.
* يصادر أموالهم، ويهدم ديارهم، ويعوض عليهم خسائرهم خفية، ويلزم بعض عملائه بالتظاهر بعدم الذهاب إلى السوق، وتأمين متطلباته الضرورية إلا خفية وبصورة سرية.
* وتستخدم فرنسا هذه المناورات ضد أعراش بكاملها، وحتى ضد قرى أو مدن، حيث تعمل على تمييز عرش على آخر، فتفتح لأحد الأعراش المجال للحصول على كل الموارد، في حين يفرض الحصار الاقتصادي على أخرى. ويقيم المحتشدات في ناحية من النواحي، ويطلق في الوقت ذاته الحرية في ناحية أخرى. ويسجن عددا من أفراد أحد الأعراش، في حين يتجنب اعتقال ولو فرد واحد من أخرى. وإزاء هذا، يجب على جواسيسنا
أن يكونوا متبصرين ومدركين لأهداف هذه المناورات، وما تلحقه من الضرر بالأفراد والجماعات، ومعرفة نوايا كل مواطن ومقدار حبه لنظام الثورة وتعلقه به وإخلاصه له. والتمييز بين هؤلاء الصادقين في إخلاصهم وأولئك الجواسيس المخادعين، لأن الأساليب الاستعمارية شديدة التعقيد، ولا يمكن فصحها وكشفها إلا بانتباه ومهارة وفطنة. وعلى (جواسيس الثورة) استخدام كل الوسائل الممكنة لحمل عملاء العدو وجواسيسه على العمل لمصلحة الثورة، من غير أن يشعروهم بذلك. مع العمل على حمل ضباط الشؤون الأهلية (الساس) وضباط (اللفيف الأجنبي) للعمل على خدمة الثورة، وذلك بدراسة ميولهم وحالاتهم السياسية ومشاعرهم، ومقدار حبهم للمال، لأن معظمهم يحب المادة حبا جما، ويموت من أجلها، إذ هم أشبه ما يكونون بالبهائم، لا هم لهم في هذه الحياة إلا إشباع رغباتهم وإرضاء ميولهم وملذاتهم، وهذا مما يساعد على شراء هؤلاء الضعفاء بالمال للحصول على ما يتوافر لهم من معلومات.
والجد كل الجد في تأدية الرسالة على أكمل وجه والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.
ملاحظة: يجب على مسؤولي هذا الفرع أن يعتمدوا بالدرجة الأولى على دهائهم وذكائهم وفطنتهم واعتنائهم ليستطيعوا تأدية مهمتهم كاملة، وإفادة بلادهم وثورتهم.
على حامل هذه التعليمات أن يخبر حالا السلطات المسؤولة إذا ضاعت منه.
صدر في 15/ 6/ 1961.