المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الثورة ومسؤولية القيادة - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ١٢

[بسام العسلي]

الفصل: ‌ الثورة ومسؤولية القيادة

8 -

‌ الثورة ومسؤولية القيادة

لقد انطلقت الثورة منذ البداية على أساس القيادة الجماعية، تنكرا لمبدأ عبادة الفرد من جهة، واستجابة لمتطلبات الحرب الثورية وظروفها من جهة ثانية؛ غير أن ذلك لم يكن ليتناقض أبدا مع أهمية القائد ودوره الحاسم في إدارة الحرب الثورية وتوجيهها، ومن هنا فقد احتل الرواد التاريخيون الذين اتخذوا قرارهم التاريخي بتفجير الثورة وإدارة عملياتها في أصعب ظروف الجهاد وأقساها، مرتبتهم الخالدة؛ ومن هنا أيضا برزت أهمية النسق الثاني والأنساق التالية التي تتابعت على قيادة الجهاد طوال فترة الحرب الثورية، حيث اضطلع جيل القادة بدور تاريخي لا ينكر. وقد يعجب المرء لتلك الطاقات القيادية، وتلك الكفاءات العالية التي فجرتها الثورة، ما تكاد فئة منها تمضي للقاء ربها بعد أن تكون قد أدت واجبها، حتى تخلفها فئة ثانية، بمثل كفاءتها وبمثل صلابتها، وبمثل تصميمها وعنادها. وأكد الشعب الجزائري بذلك غناه بالكفاءات القيادية. والمهم في الأمر، هو أن هذه القيادات التي تصدت لدور الريادة، قد عملت منذ البداية على إعداد أجيال القادة وتأهيلها، إيمانا منها بأهمية الدور القيادي في الثورة من جهة، وإخلاصا منها لفكرة الثورة

ص: 109

التي يجب لها أن تنمو وأن تتعاظم فوق كل الأفراد الزائلون حتى تبقى جذوة الثورة متأججة ومتقدة ومستمرة، ومتطورة. وهذا هو بدقة ما عبر عنه (توجيه للقيادة) (1) حفظته وثائق الثورة وتضمن ما يلي:

(إن المسألة التي نتناولها اليوم تهم أفضل - سير وتطور وتقدم - منظمتنا الثورية، ويجب أن تكون هذه الخصائص الثلاثة دائمة. وإن كل منظمة وكل تجمع ينسق نشاطه نحو هدف معين يجب أن يكون لهم مسؤولون يقودونهم ويسيرونهم. فمثلا: إن للجيش إطاراته - كادراته - وهم الضباط وصف الضباط. والباخرة يسيرها ربانها يعاونه في ذلك مساعدوه. وللمؤسسة مديرها وإطاراتها ومراقبوها الخ .. ومنظمتنا لها مسؤولوها. فالشخص أو مجموع الأشخاص الذين يكلفون بالإدارة والتسيير يتحملون مسؤولية القيادة.

إن المسؤول في منظمة جبهة التحرير الوطني هو قبل كل شيء مجاهد من أجل القضية الجزائرية، تم تعيينه في المستوى الذي هو فيه، وذلك للاضطلاع بمهام مختلفة ومعقدة، فإذا اختير لهذا المركز فليس ذلك تبعا لهذا الظرف العرضي - الطارىء - أو ذاك، ولا تبعا لهذه التوصية أو تلك، ولا لكونه قد أفاد من هذه العلاقة أو تلك، وإنما يتم اختيار المسؤول فقط لأن جهاده وكفاءته تؤهلانه لهذا التعيين، وتمكنانه من الاضطلاع بمسؤوليته. ومهما تكن مرتبة المسؤول في سلم التسلسل التصاعدي، فإنه يجب أن يكون قائدا جماهيريا ومنظما ومربيا. يقوم بواجبه مثله كمثل بقية مجاهدي

(1) المرجع: نشرة تحمل: (الجمهورية الجزائرية - وزارة الداخلية - نشرية داخلية - نوفمبر - 1961 ص 5 و6 تحت عنوان - الزاوية النظامية).

ص: 110

الجبهة. وهو مسؤول عن أعماله مثله كمثل جميع مجاهدي الجبهة. وزيادة على ذلك، يجب عليه باعتباره مسؤولا أن يتصدى لحمل مسؤولية كافة الأعمال التي يقوم بتنفيذها جميع العاملين تحت قيادته.

وهكذا، فكلما ارتفع مستوى مسؤوليته في السلم التصاعدي، كلما زادت أعباء الواجبات التي يضطلع بها، وكلما اتسع نطاق عمله أكثر من عمل المجاهد العادي. فإذا كان مجاهد القاعدة لا يقوم إلا بالعمل الذي يطلب إليه تنفيذه. فإنه يجب على المسؤول أن يسهر على تنفيذ التعليمات وشرحها بوضوح كامل. ويبقى من واجبه السهر الدائم حتى تصل التعليمات إلى أهدافها، وحتى تحقق النتائج المرجوة منها. ثم يجب عليه أن يراقب ويوجه وينسق نشاط كل المجاهدين العاملين معه.

يجب على كل مسؤول أن يفكر باستمرار في المبادرات التي يتخذها لتوجيه المجاهدين في القاعدة، ويجب عليه الاهتمام بتشكيل منظمته وتكوينها، وإعداد هيكلها حتى يجعل منها أداة مستعدة دائما للقيام بدورها في الثورة، وعليه ألا يضع في نظرياته، أو أن يحلق في الخيال، يعني فوق العناصر التي هي تحت مسؤوليته، بل على العكس، يجب عليه أن يعيش وهو على اتصال مستمر بالقاعدة، حتى يلمس الواقع ويدرك أبعاده ومن الواضح، بأنه من المحال على المسؤول أن يتمكن من الاضطلاع بدوره بنجاح، إلا إذا جمع مع المعرفة فصائل الإخلاص وروح المبادرة، ولكن مهما يكن اتساع معارفه، فيجب أن يحذر من الوقوع تحت سيطرة مشاعر التفوق التي تقوده للغرور، ففي ذلك السم القاتل الذي يشكل خطرا على تضامن المنظمة. وعندنا مثل يقول: (إن الإنسان

ص: 111

الشعب والجيش في خندق واحد

ص: 112

الحكيم لا يهمل النصيحة مهما بلغت درجة معارفه).

تعترض المسؤول عادة بعض الصعوبات الخاصة التي يجب عليه حسمها بنفسه، إذا كان يمتلك الكفاءة لذلك، أو أن يساعد مرؤوسيه، العاملين تحت قيادته، على إيجاد الحلول المناسبة لها. ويجب عليه ألا يفرض أبدا هذا الحل أو ذاك، إذا لم يحدد مسبقا الضرر، أو الأضرار، المحتملة والمتوقعة. وأن يستعين بوجهات نظر مساعديه المباشرين وآراءهم، في علاج الموقف، ووضع الحلول التي يتطلبها الوضع. وإن وظيفة المسؤول لا تتنافى مع الإدارة الجماعية، فهذا المبدأ الذي وضعته جبهة التحرير الوطني قاعدة لهيكلها التنظيمي هو مبدأ صحيح، سواء كان ذلك على مستوى القسم والناحية أو حتى على أرفع المستويات في قيادة الثورة، وأعلاها مرتبة.

ليس المسؤول ممثلا للقاعدة أمام القيادة، ولا هو مندوب نقابي لدى المسؤولين الذين هم أعلى منه رتبة. بل إنه انعكاس القاعدة لدى كبار المسؤولين، ويجب أن يستخلص المسؤولون من تقاريره صورة صحيحة ودقيقة لما هو عليه موقف القاعدة وحالتها فالمسؤول إذن هو الذي يبين لمن هو أعلى منه في المسؤولية حقيقة الموقف على مستواه، وبصورة موضوعية. ويوضح بدقة مقترحات وطلبات القاعدة واحتياجاتها وما تجابهه من صعوبات وما تمارسه من أعمال، وردود فعلها أمام المشاكل التي تجابهها الخ.

وعلى هذا، فالمسؤول ليس موزع بريد ولا رجل اتصال، مهما كان موقعه في المسؤولية ما بين القمة والقاعدة. وعلى المسؤول، في الحالات كلها، أن يعمل قبل كل شيء لمصلحة الثورة. وإذن، فإننا نرى أن المسؤول هو أيضا العقل المفكر الذي يهيء في مستواه

ص: 113

التعليمات التي يراها ضرورية في هذا المستوى، ويوضح التعليمات التي تلقاها من المستوى الأعلى. وعلى ضوء البيانات بشأن دور المسؤول، فإننا نعتبر أن المسؤولية في جبهة التحرير الوطني هي وعي الدور الذي يمارسه كل إطار في المستوى الذي هو فيه.

من المؤكد، بعد ذلك، أن المسؤولية ثقيلة، غير أن ثقل هذه المسؤولية، وما تتضمنه من مناظر تجعل من الاضطلاع بها شرفا أسمى، إذا ما اعتبرنا أن الأطر (الكادرات) في جميع المستويات هم الذين لهم الشرف الأعظم في قيادة ثورتنا. فالمسؤولية لذلك لا تسند إلا للرجال الذين هم أهل لها، وللوطنيين المخلصين المتجردين الذين لا يرجون جزاء ولا شكورا، وللذين أقروا العزم على التضحية بأعز ما لديهم من أجل انتصار مثلنا العليا في التحرير الوطني.

***

ص: 114