المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني جهاد قلم - الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن

[محمود توفيق محمد سعد]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الأول جهاده في طلبِ العِلْمِ وتعليمِه

- ‌الفصل الثاني جِهَادُ قَلَمٍ

- ‌موقف العلماء من تفسيره:

- ‌البَابُ الثّانِي:منهاجُ تأوِيلِهِ بَلاغَةَ القرْآنِ الكَرِيم

- ‌التناسب القرآني عند البقاعي

- ‌مستويات التناسب

- ‌{الأول: النظم التركيبي

- ‌{الآخر: النظم الترتيبي

- ‌الفصل الأول: منهاج تأويل بلاغة النّص القرآنيّ (تناسب السور)

- ‌تبيان الغاية العظمى والمغزى الرئيس للقرآن الكريم

- ‌بيان تصاعد مقاصد السور ومعانيها

- ‌علاقة فاتحة كل سورة بخاتمة ما قبله

- ‌مناقدة مذهبه إلى أن ترتيب السور اجتهاد

- ‌رَدُّ مَقْطَعِ القرآنِ الكريم ِعلَى مَطْلَعِهِ

- ‌الفصل الثَّاني: منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم في بناء السورة

- ‌تحقيقُ مقصودِ كُلِّ سُورةٍ، وتصاعُدِ معانيه

- ‌علاقةُ اسمِ السُّورَةِ بمقصُودِها

- ‌تأويل البسملة على وفق مقصود السورة

- ‌براعةُ الاستهلالِ وعلاقتُه بمقصودالسورة

- ‌ردُّ مَقطَعِ السورة على مطلعها

- ‌علائقُ الآياتِ في بناء المَعْقِدِ

- ‌تأويل النظم في القصص القرآني

- ‌بيانُ النَّظمِ التَّرتِيبي للجُملِ في بناء الآية القرآنية

- ‌تدبر النظم التركيبي لبناء الجملة

- ‌تأويل التصريف البياني

- ‌التوجيه البياني للقراءات القرآنية

- ‌تبِيْان مدلول ودلالة الكلمة القرآنية:مادة وصيغة

- ‌بيان المصادر والمراجع

الفصل: ‌الفصل الثاني جهاد قلم

‌الفصل الثاني جِهَادُ قَلَمٍ

آثاره العلمية

لا يكونُ العالِمُ نافعًا قومَه إذا لم يكنْ له مقامه الحميد بين يدي طلابه في قاعات الدرس والمباحثة والمحاورة يكوّنُ شخصياتهم العلمية ويشكلها ويغريهم بالتلذًّذ بطلب العلم والتأدب بجليل أخلاقه ونعوته، وإذا لم يكن له مقامه الحميد الداعية إلى الله عز وجل بحسن خلقه وجليل زهده فيما لا يليق بوارث النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتطلع إليه، فإنّها وراثة علم وخلق وطاعة لله ربّ العالمين.وهو - أي العالم - لا يَقْصِرُ جوده وعطاءه الماجد على طلاب العلم في عصره ومصره، بل هو الذي يَحْرِصُ حِرصًا بالغًا على أن تكونَ مائدةُ علمِه منصُوبةً عامِرةً بالقِرَى لكلِّ طالبِ علمٍ في كلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، فإنْ غاب عنهم جسدُه فإنَّ عقلَه وقلبَه وأدبَه قائمٌ في أسْفارِه التي تَخُطُّها يمينه والتي سيكونُ جزاؤه عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة أن يستحيل مدادها أزكى من المسك طيبا. وذلك جزاء من جنس العمل، فإنَّ ذلك المِدَادَ قد كان سَبَبًا في أن غيّرّ حياة النَّاس بما نشر من العِلْمِ النّافع إلَى ما هُوَ أسْمَى وأزكَى، فكان الجزاءُ استحالَتَه إلى ما هو أطيبُ من المِسْكِ يومَ القِيَامة.

إنَّ نفسَ العالم لتستطيب رائحة المِدادَ أكثر مما يستطيبُ غيرها رائحة المسك في الدنيا.

إنَّ إعداد البحوثِ وتأليفَ الأسفارِ ونشرَها في طلابِ العِلمِ لمسؤوليَّة جليلةٌ لا يَليقُ بعالِمٍ يَملكُ القدرةَ على أن يقومَ ببعض حقِّها أن يَرغبَ عنها أو يَتشاغَلَ دونها بعَرَضٍ من أعراضِ الحياةِ الدُّنيا

لنْ يَلُفَّ ظلامُ الجهلِ والإلحادِ ديارَنا ما بَقِيَ فينا علماءٌ يُعّلمُون ويُربّون ويَبحثون ويُؤلِّفون، وطلابُ علمٍ يُجاهدون في تَحْصيلِ المعرفةِ وفقهِها واستثمارِها لتعميرِ البلادِ وقلوبِ العِبادِ.

وذلك ما كان من "البقاعيّ" قدَّم لطلابِ العلمِ وللمكتبة الإسلامِيَة أكثرَ من ستين كتابًا ورسالَة، وقد بلغت بعضُ مؤلفاتِه عدِّة مجلداتٍ، وكانت بعضُ رسائلِه وريقاتٍ مخطوطةً إذا ما فُصّل إجمالُها بلغت مجلدًا عظيما، وقد انصرفت الأبصارُ عن كثير من آثاره زمنا طويلا، ولم يكد يسمعُ كثيرٌ من النَّاس باسمه إلَاّ منذ أقلَّ من ثلاثةِ عُقودٍ، بل ما كان يعرفُه مُفَسِّرًا إلا قليلٌ من المشتغلين بعلومِ الكتابِ والسُّنَّةِ والعربية

ص: 47

واليوم قد لقيتْ بعضُ مؤلفاتِه عنايةً من طُلَاّبِ العلمِ، ولا سيما تفسيرُه نظمُ الدُّررِ، فإنَّ غيرَ قليلٍ من طلابِ علومِ الكتابِ الكريمِ اليومَ يَحرِصون على مُصاحَبة هذا التفسير لِمَا يَجدون فيه ما ليس في غيرِه

وقد يسَّر الله عز وجل لي الاطلاع على كثير من كتبه وهي مخطوطة منذ قرابة ربع قرن مضى

وقد قسمت الكلام هنا على آثاره قسمين وفقا لعلاقتى بها:

القسم الأول: لما عثرت عليه وقرأته،وهذا قد رتبته حسب فنونه

والقسم الآخر: لما وثقت في نسبته إليه، ولكنى لم أوفق إلى الاطلاع عليه، إمَّا لأنه ما يزال مخطوطا ومُودَعًا في خزائن خارج مصر، ولم يتيسر لي الذهابُ إليها لضيق ذات اليد، وإمَّا لأنها مفقودةٌ لا يُعْرَفُ لها موطِنًا 0

وهذا رتبته وفق عنوانه ترتيبا (ألفبائيا) ، وعُنِيتُ بتوثيقِ نسبتِه إلى البقاعيّ،وبِبيان شيءٍ مما وثقتُ من موضوعه الذي أُلّفَ فِيه،ولعَلَّ اللهَ عز وجل يُعينني عَلَى أن أعمل على نشر ما يفعُ العباد منها اسْترْضاءً له وتقرُّبًا وتحَبُّيًا.

القسم الأول

ما اطلعت عليه من مؤلفاته

أولا: التفسير وعلوم القرآن الكريم:

مقتضى ما انتهجت أن أرتب أسفار هذا الفن وفق عنوانها ترتيبا ألفبائيا، ولكنِّى عدلت هنا إلى البدء بتفسيره لما له من المنزلة العَلِيَّة في نفسه والمنزلة الجليلة بالنسبة لما أنا مهموم به من فنون البحث العلمي، ولما هو أساس اشتهار "البقاعي" بين الأئمة، فإن تفسيره هو المصدر الرئيس لما كان للبقاعي من منزل علِيِّ في عصره والعصور التالية

{نظم الدّرر من تناسب الآي والسور}

لم يتيسر لى الاطلاع على نسخة المؤلف، ولكنى اطلعت على جزء من نسخة مخطوطة كتبت في عصره سنة (871) وقام المؤلف بتصحيحه بنفسه، وبقية النسخة ملفقة وغير تامة وهي النسخة رقم (285- تفسير - دار الكتب المصرية)

ص: 48

كتب على وجه الورقة الأولى من هذا الجزء الذي صححه المؤلف (نظم الدرر من تناسب الآي والسور)

وقد جاء عنوانه كذلك في كتابه: (الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة) في الصفحة الثالثة، والصفحة الثالثة والعشرين من المخطوطة رقم:(1269- تفسير- دار الكتب المصرية)(1)

وكذلك في كتابه: (بذل النصح والشفقة: ق:61) خط رقم: (117- تصوف – دار الكتب المصرية) وكتابه: (مصاعد النظرللإشراف على مقاصد السور (ج1ص118، 116، 114) ولهذا آثرت هذا العنوان

وجاء عنوانه (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) في الاتقان للسيوطي (3/322) ومعترك الأقران (1/55) وكشف الظنون (2/1961) وهدية العارفين (1/21)، و (مجلة المورد العراقية: ص199ع2م2)

وجاء عنوان (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) في النسخة المخطوطة رقم (155- تفسير تيمور – دار الكتب المصرية) والأعلام للزركلي (1/50) وجاءت له أسماء أخرى بزيادة أو نقصان أو تبديل (نظم العقيان للسيوطي: ص24)

وهو يعرف بـ" المناسبات" وقد سماه بذلك (مصاعد النظر: ص10) و (بذل النصح والشفقة ق61ب) و (الأقوال القويمة:2) وجاء أيضًا في (شذرات الذهب:7/340) و (الأعلام:1/50)

يقول في أوله: " ويناسب أنْ يُسمّى: " فتح الرحمن في تناسب أجزاء القرآن" وأنسب الأسماء له " ترجمان القرآن ومبدي مناسبات الفرقان)

وهو معْنِيٌّ بتعدد أسماء كتبه، كما تجده أيضًا في (مصاعد النظر: ج1ص98) وذلك إشارة منه إلى تعدد الوجوه التي يمكن أن ننظر منها إلى الكتاب إيمانا منه أنَّ الاسم دال على المسمى، وأن تعدد أسماء الشيء دال على شرفه

***

تاريخ تأليفه:

(1) - اقتضت طبيعة هذا الفصل أن أذكر بيانات كثير من المصادر والمراجع في متن القول، لا في هامشه، لأني رأيت أن مثل هذه البيانات لأهميتها هنا هي إلىالمتن أقرب 0

ص: 49

بدأ البقاعي في تأليف تفسيره " نظم الدرر" في شعبان من السنة الحادية والستين وثمان مئة (761) بالقاهرة، وهو في الثانية والخمسين من عمره، وفرغ من المسودة في يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة خمس وسبعين وثمان مئة (875) في مسجده برحبة باب العيد المتفرعة من شارع قصر الشوق على مقربة من الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، فاستغرقت المسودة أربع عشرة سنة 0

فرغ من تبيضه وتنقيحه في يوم الأحد العاشر من شعبان سنة ثنتين وثمانين وثمان مئة (882) بدمشق بمنزله الملاصق للمدرسة البادرانية أي قبل وفاته بثلاث سنوات، فاستغرق تأليفه وتحريره ثنتين وعشرين سنة، كما نصّ هو على ذلك في خاتمة تفسيره (1) .

نسخ الكتاب المطبوعة والمخطوطة:.

حَرَصْتُ على أن أذكرَ تعريفا بالنسخة المطبوعة للكتاب، وبعض النسخ المخطوطة له لأني أزعم أنَّ الكتاب نحن بحاجة إلى إعادة تحقيقه لما وقع في النسخة المطبوعة من أمور يحسن أن تُرْفَعَ منه، وهو من الأسفار التي قد تمتَدُّ الجملة فيها امتدادً لايعين القارئ على حسن القراءة والفهم، وغير قليل من عبارات البقاعي وتراكيبه تَعْدُو عليْهِ المعاظلة..

أولا النسخة المطبوعة:.

على الرغم من كثرة ما ألَّفَ البقاعي من أسفار ورسائل فإنَّه لم يُطبعْ منها إلا القليلُ ومن تلك التي طُبعت مؤخرًا تفسيره " نظم الدرر"ظلَّ هذا التفسير عصيًّا على الطبع سنين عديدة.

يزعم "ابن حجر الهيثمي" أن الله عز وجل لم ينفع بعلم "البقاعيّ" لمعاداته "ابن عربي"يقول:.

(1) - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: ج22ص443- ط: حيدر أباد الهند

ص: 50

" البقاعي – غفر الله له – كان من أكابر أهل العلم، وكان له عبادات كثيرة، وذكاء مفرط، وحفظ بارع في سائر العلوم لاسيما علم التفسير والحديث، ولقد صنّضف كُتبًا كثيرة أبى الله تعالى أن ينفع أحدا منها بشيء [كذا] وله كتاب في "مناسبات القرآن" نحوًا من عشرة أجزاء لايعرفه إلا الخواصّ بالسماع، وأما غيرهم فلا يعرفونه أصلا، ولو كان هذا الكتاب لشيخنا "زكريا" [يقصد زكريا الأنصاري] أو غيره ممن يعتقد [يقصد يعتقد في ولاية "ابن عربي، وابن الفارض، ويقول بقولهما] لكان يكتب بالذهب؛ لأنَّه [أي تفسير المناسبات] لم يوضع مثله، ولكن {كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} (الاسراء:20) (1)

هذا القول من "ابن حجر الهيثمي" هو إلى تَغْيِيبِ العقل المسلم المُوَحِّدِ أقربُ منه إلى أيِّ شيءٍ آخرَ، فمعالم التضليل جدُّ ظاهرةٍ عليه، وإذا كان هذا حالُ من يعتقدون في " ابن عربي" فإنَّ في هذا دليلاً على أنَّ الاعتقاد في ولايته ضلالٌ مُبِين

مَنْ ذَا الَّذِي يملِكُ أن يزعم أن الاعتقاد في مثل "ابن عربي" فريضة وطاعة من لم يستمسك بها عُوقب وطُرد؟

أيّ تجهيل وتضليل ذلك؟!!

لقد منيت الأمة الإسلامية في العصور المتأخرة وما تزال كذلك بكُثر من القائمين على تخدير وتنويم العقل المسلم الذي يستمد عذاءه وشفاءه من الكتاب والسنة النبوية الصحية، فغير قليل ممن ينتسبون للعلم ويتصدرون للدعوة وتعليم العباد تقوم معارفهم على الأساطير والأقاصيص والخرافات الهزلية التي يخيلها لهم شياطين الأنس والجن، وأمثال هؤلاء لهم الغلبة الزائفة في وسائل الإعلام؛ فمثل هذا يحقق لكل طاغية أنْ يعيث في قومه فسادًا ولا يجد من يردعه ويكشف طغيانه وتضليله لقومه.

(1) – الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي: ص 53

ص: 51

ويذهب الأستاذ " عبد القادر عطا "إلى أن التَّقاعُس عن طبع تفسير البقاعي أمرٌ مُبَيَّتٌ بليلٍ، أو عن جهالة، يقول:

" ومن العجيب أنّ إهمال هذا الجانب من الدراسات القرآنية المهمة لازال قائما لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، فعلى الرغم من أنّ مؤسسات النشر الحكومية، والخاصة دائبة على نشر الكتب التقليدية في التفسير، والتي يُغنِى بعضُها عن مجموعِها، فقد أغْلقت أبوابها في وجه أول تفسير موسوعيّ من نوعه تخصص في هذا النوع، وهو " نظم الدرر" للبقاعي، ولا حجة لهذه الدُّورِ في أنَّها تَنْشُدُ الرَّواجَ التِّجارِيّ للكتبِ، فهذا الكتابُ في الدَّرجةِ الأولَى من الرَّواجِ لعَدَمِ وُجُودِ نَظِيرٍ له بين الدارسين، ولجودته الفائقة من جهة أخرى، ولا حجة لكبار العلماء في جهلهم بهذا الكتاب، فالذي نعلمه أنَّه كان بصفة دائمة على مكتب الشيخ المراغي [يقصد شيخ الأزهر] واقتبس منه كبير من العلماء جملا صنع منها تفسيرا نسبه لنفسه، فإنْ كان حبسُ الكتاب عن الطبع ليكون مصدرا للسطو فبئس الصنيع، وإنْ كان حبسُه مع غيره تنفيذا لمخطط قصد به أن يظلّ المسلمون بين لَغَطِ التكرار المُمِلِّ لعلوم التفسير، فَيَا خَيْبَةَ المَسْعَى "(1)

ولعلَّ من أسبابِ الانصراف عن طبع هذا التفسير صعوبة القراءة فيه، فعبارته متداخلة قد تصل إلى حد المعاظلة، وغير قليلٍ من القراء لا يكاد يصبر على متابعة القراءة فيه، وقد رأيت هذا من بعضِ طلاب العلم بل من مدرسيه وشيوخه لا يكاد يصبر بل يتعلل بأَّنَّه لم يجد فيه ما يطلب!!! ، وقد غفل، فإن الذي يطلبه منه - وقد أخبرني به - مكنونٌ في تفسير " نظم الدرر" على نحوٍ قد لا تجد مِعْشارَهُ في غيره.

ظل هذا التفسير حبيسًا في خزائن المخطوطات إلى أن قيَّض له بعضَ أهل العلم بالديار الهندية فعمدوا إلى تحقيقه وطبعه ونشره في الديار الإسلامية:

(1) - تناسق الدرر للسيوطي: تقديمة: عبد القادر عطا: ص 40

ص: 52

كان ذلك من " دار المعارف العثمانية " بحَيْدَرَ أباد الدّكن بالهند وهي دار لها على نشر أسفار العلوم الإسلامية فضل عظيم، وهذا من عجائب الديار العربية يعكف أهل الثقافة فيها على نشر كتاب الفتوحات المكية، ومنامات الوهرانيّ ورسائل ابن سبعين، والأغاني للأصفهاني، ورسائل إخوان الصفا وتفسير الثعالبي....، ويبخلون على مثل تفسير "البقاعيَّ" لينفق علي تحقيقه ونشره طلبة العلم في الديار الهندية على الرغم مما يعانون.

أُخرِج التفسيرُ في اثنين وعشرين جزءًا من القطع المتوسط (17×24سم) نشر الجزء الأول منه في الهند سنة تسع وثمانين وثلاث مئة وألف (1389) والأخير في سنة أربع وأربع مئة وألف (1404)

وقد تولى تحقيق الجزء الأول" والثاني والثالث ومنتصف الرابع (آخر تفسير سورة البقرة- ج4ص194) الشيخ:"محمد بن عبد الحميد" شيخ الجامعة النظامية، وتولى تحقيق بقية الأجزاء الشيخ الشَّاب: محمد بن عمران الأعظمي الأنصاري العمري – أحسن الله عز وجل إليهما في الدار لما أحسنا إلينا بصنيعهما

قوبلت الطبعة على نسخة المغرب "الرباط" ونسخة عارف حكمت بالمدينة النبوية ونسخة المكتبة الظاهرية بدمشق ونسخة دار الكتب المصرية،واتخذ المحقق نسخة الرباط أصلا دون أن يذكر لنا رقمها، ودون أن يبين لنا وجه اختيارها أصلا للنسخ الأخرى، ودون أن يصف لنا النسخ التي اعتمد عليها ولا أرقامها في خزائنها، مما يجعل الأمر مبهما، ولم يكتب – أيضًا - مقدمة للتحقيق، وهذا أمر مهم جدًا، ولا سيما أن الكتاب يحقق للمرة الأولى، وما كان مثلُ هذا بمثكَلِّفِهِ كثيرًا، وظنّي أنَّه على مثلِ ذلك قديرٌ.

حرص المحقق على ذكر مقابلات النسخ في الهامش، ولم يبين لنا منهاجه في هذا:

أيضع في أعلى المتن ما كان في النسخة الأم وإن كان غيره أعلى أم يضع الصحيح في المتن وما عداه في الهامش؟

ص: 53

لم يبين لنا ، ولذا تجده يضع الصواب حينا في المتن وغيره في الهامش، وحينا تجد الصواب في الهامش والخطأ في المتن وليس من النسخة الأم

منهجُ التَّحقيقِ ليس قويمًا وكثيرٌ من تحقيقاته بُنِيَ على قراءة خاطئة وفهم بعيد عن الصواب (1)

وقد أثقل المحقق الهامش بنقل كثير من تفسير " تبصير الرحمن " لعلي المهاتمي، وهومطبوع، ومن " البحر المحيط لأبي حيان، وهومطبوع متداول، وليس ثم مقتضٍ لهذا الإثقال وليس فيما ينقله توضيح لما قال "البقاعي".

لو أنَّه صرف عنايته إلى ضبط النص ولاسيما بعض الكلمات التي يَلُفُّها الغموضُ أو الإِبهام من كلام البقاعي، وتحريره، والإشارة إلى تجلية غموض بعض العبارات، وربط الكلام ببعضه؛ لتباعد أطرافه في بيان البقاعي لكان أولى، ولو أنَّه عُنِىَ بتقسيم الكلام وتمييزه إعانةً على حسن القراءة والفهم لكان أعلى، فقد عانيت كثيرًا في قراءة النسخة المخطوطة التي اعتمدت عليها في إعداد بحثي لدرجة العالمية {التناسب القرآنيّ عبد برهان الدين البقاعيّ} (1399-1402) بإشراف شيخِي محمد عبد الرحمن الكُرديّ على الرغم من وضوح خطِّها النسخيّ، إلا أنَّ بها تصحيفا وتحريفا وسقطا بالغا.

المهم أن الطبعة الهندية أضحت كالنَّادرة في الديار العربية ولا تكاد تعثر عليها إلا بمشقة باهظة وبثمنٍ كثيرٍ، وقد عانيت من جمع أجزائها من مكتبات الحجاز ونجد طيلة خمس سنوات أقمتها هناك (1408- 1412)

والتفسير جدير بأن يُعاد تحقيقه على نسخ مخطوطة أكثر وأقدم وأنْ ينشر نشرة جيدة الطبع والإخراج 0

(1) - راحع في هذا: نظم الدرر (ط: الهند) ج1ص5 س8، ج1ص168 س2-3، ج1 ص196 س5-6 ج1ص379 س4 -5، ج1 ص 460 س1-2، ج 2 ص267 س4، ج3ص322 س5، ج 4ص 44س 8، ج4 ص187 س15

ص: 54

وإذا ما كانت الطبعة الهندية قد بدأت (سنة:1389) وانتهت (1404) فإن هنالك طبعة كالمسروقة من الطبعة الهندية اقترفت سرقتها في بيروت في دار الكتب العلمية (1415) تولى تخريج الآيات والأحاديث ووضع الحواشي َّ" عبد الرازق غالب المهدي "

وبمقارنة هذه الطبعة البيروتية تيقَّنْتُ أنَّها هي الطبعة الهندية نُقِلت بكل ما في الهندية من أخطاء، ولم يكن إلا حذفُ هوامش التحقيق ووضع تخريجات الأحاديث موضعها، أمَّا نَصُّ التفسير فهو هو محرفا ومصحفا حتى في الآيات القرآني

كما تراه في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأََمْوَالِ وَالأََنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) ، فقد استأنس البقاعي في تفسير هذه الآية بقول الله عز وجل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)

جاءت الآية في الطبعة الهندية على النحو التالي (يأيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وكذلك في الطبعة البيروتية وغير خفي عنك أن الآية الكريمة لم تصدر بهذا النداء في كتاب الله سبحانه وتعالى

بل بلغ الأمر أن حُذِفَ من البيروتية جزءٌ من صفحة من التفسير: الصفحة الخيرة من الجزء الأول من الهندية (ص357)(البيروتية ج1ص322 س 159) والقائم على البيروتية لم ينتبه إلى ما في طبعته من حذف كثير أخلَّ بالنص إخلالا لا يستقيم الكلام معه.

ص: 55

والبيروتية أيضًا لم تجعل مقدمة لطبعتها تماما اقتداءً بالطبعة الهندية، وإن يكن الشيخ "عبد الرازق المهدي" قد أحسن بما صنعه من تخريج الأحاديث التي في التفسير، فجزاه الله عز وجل عنا خير الجزاء، ولولا هذه التخريجات لما كان للطبعة البيروتية أي قيمة علمية..

ثانيا: النسخ المخطوطة:.

قلت إن المحقق الهندي له فضل كبير في إخراج هذا التفسير جدير بفيض الشكر ولكن التفسير بحاجة إلى إعادة تحقيق على نسخ خطية أخرى، وللتفسير نسخ خطية كثيرة جدا في مصر وخارجها وبين يدي نصوص ببيان عشرات من النسخ المخطوطة ومواطن وجودها، ولكنى أذكر بعضها، لا كلّها:

- نسخة بدار الكتب المصرية برقم (213- تفسير) في ست مجلدات من القطع الكبير،وهي تامة إلا مقدار ورقة من الجزء الرابع (ق373أ -374ب) ومسطرتها (27 سطرا) كتبت سنة (1270) بخط محمد أبي الفضل الصفتى ومجموع أوراقها (2304ق)

ومنها مصورة بدار الكتب رقم (1006- تفسير) وقد اتخذت الأصل مصدرا في إعداد هذا بحثي للعالمية، فهي أوضح النسخ التي أمكن الاطلاع عليها بمصر، فقد فرغت منه في عام (1402) ولم أتمكن من الاطلاع على أي جزء مما طبع في الهند في ذلك الوقت

وفي هذه النسخة تصحيف وتحريف وسقط لبعض الكلمات،وكأنّ الناسخ لم يكن من أهل العلم المحررين

- - -

- نسخة غير كاملة منها أربعة أجزاء فقط برقم (285- تفسير بدار الكتب المصرية)

والأجزاء الموجودة: الأول والرابع والسادس والثامن، كتب بعض الجزء الأول في حياة المؤلف

- - -

- نسخة كاملة برقم (590 / 12855- تفسير) بمكتبة الأزهر في سبع مجلدات كتبت ما بين سنة (1325- 1331) وخطها جيد وهي في (3731: ق) ومنها نسخة منقولة برقم (2308) بمكتبة الأزهر كتبت سنة (1370)

- - -

ص: 56

- نسخة رقم (229-تفسير – الأزهر – رواق الأتراك) في ثلاث مجلدات مجموع أوراقها (1527ق)(د0ت) ومنها نسخة مصورة (مكروفلم - برقم650- دار الكتب المصرية)

- - -

- نسخة رقم (150- تفسير تيمور) بدار الكتب المصرية، لايوجد إلا الجزء الأول ينتهي بالآية (123- آل عمران)

- - -

- نسخة مصورة (مكروفلم) بمعهد المخطوطات برقم (237-279) عن نسخة مكتبة (مدينة) بتركيا رقمها هناك (151-154) وهي غير كاملة وملفقة

- - -

- نسخة مصورة (مكروفلم) رقم (275-279) بمعهد المخطوطات عن نسخة (الظاهرية بدمشق) رقم (141-145) ناقصة كتبت في القرن العاشر

- - -

- نسخة مصورة (مكروفلم) رقم (180-182) بمعهد المخطوطات بالقاهرة عن نسخة جامع الشيخ بالاسكندرية، ولم يتيسر لى الاطلاع عليها

- - -

- نسخة الرباط بالمغرب في خمسة أجزاء رقم (181ق) بمكتبة الأوقاف كتبت سنة (1097) 0راجع فهرس مجموعة مختارة لمخطوطات عربية نادرة ج1ص20،ولعلها النسخة التى اتخذها محقق الطبعة الهندية أصلا 0

- - -

- نسخة القرويين بفاس المغرب، في خمسة أجزاء قوبل بعضها على نسخة المؤلف الجزء الأول كتب سنة (949) والثالث (956) والخامس (875) وهي في (1725ق) وفي الجزء الرابع تكرار بعض ما في الثالث، وفي الخامس نقص من آخر (الدخان) إلى أول سورةِ (الصف)

- - -

- نسخة في مكتبة السلطان الغازي محمود خان بالمدينة النبوية رقم (118) – راجع فهرس المكتبة المذكورة ص85- مخطوط بدار الكتب المصرية

- - -

- نسخة في مكتبة (جستر بتي) بدبلن 0 راجع مجلة المورد ص:119 – عد:2 مج: 2

- - -

- نسخة رقم: (241-242) في مجلدين بمكتبة نور عثمانية بتركيا (فهرس مكتبة نور عثمانية بدار الكتب المصرية)

- - -

- نسخة في مكتبة فيض الله أفندي بالمتكبة الوطنية باستنبول – مجلة المورد ص:320 – عد: 2مج: 7

- - -

ص: 57

- نسخة رقم (96-99) في أربعة أجزاء في مكتبة "عاشر افندي بتركيا 0 فهرس عاشر افندي ص 96– دار الكتب المصرية

- - -

- نسخة في مكتبة راغب باشا بتركيا – راجع ج2ص110- فهرس نوادر المخطوطان للجزائري (خ) دار الكتب المصرية

- - -

- نسخة في مكتبة "على باشا الجورليلي بتركيا- راجع فهرس نوادر المخطوطات للجزائري ص57

***

- نسخة مكتبة بايزيد بتركيا – راجع ص16 – فهرس مكتبة بايزيد – دار الكتب المصرية

- - -

- نسخة مكتبةولي الدين بتركيا – راجع ص38ج2 – فهرس مكتبة ولى الدين (خ) بدار الكتب المصرية

- - -

- أربع نسخ في مكتبة والدة سلطان بتركيا رقم (160-164) – راجع فهرس مكتبة والدة سلطان ص 34 (خ) دار الكتب المصرية

وهنالك نسخ أخرى عديدة وما رغبت في ذكر هذا إلَاّ إيمانا بأنّ َهذا الكتاب نحتاج إلى إعادة تحقيقه لما له من أهمية جليلة، ولما مني به التحقيق في الطبعة الهندية من أمور غيرها أعلى منها على الرغم مما جادت به علينا من فضل لا يغيب عنا ضياؤه فجزى الله عز وجل القائمين به خير الجزاء عن كتابه الكريم

*****

قيمة الكتاب عند مؤلفه

سرور المسلم بتوفيق الله عز وجل له إلى فعل عمل صالح هو أمر حميد في نفسه إذا لم يتجاوز سرورُه حدَّ إبرازِ فضلِ اللهِ سبحانه وتعالى عليه ولم يقترب إلى مباءة العجب والتنفّج

وخير ما يسرّ المسلم ما كان فيه نفعٌ عام للمسلمين من نَحْوِ علمٍ نافعٍ ، وغيرُ قليل من أهل العلم كانوا يَتَحَدَّثُون في تواضع لله عز وجل عن نعم الله سبحانه وتعالى عليهم، وكأنيّ بهم يعلنون بهذا للناس أنَّه إذا ما كان الله عز وجل قد أفاض مثل هذه النعم عليهم وهم من هم في مقام العبودية لله رب العالمين فكيف هو صانعٌ بمن هوأعْلَى منهم في ذلك المقام؟

ص: 58

وفي هذا حث للناس على أن يستشرفوا إلى مقامات الفيض الأقدس، وأن يقيموا أنفسهم في مقامات التعرض لنفحات الله عز وجل

البقاعي كان ممن يكثر من الحديث عن فضل الله سبحانه وتعالى عليه، ولاسيما فضل توفيقه جل جلاله إلى تأليف تفسيره" نظم الدرر" والعبارات التي توالت في تفسيره مُبِيَنةً عن سروره به جد كثيرة منها قوله:

"هذا كتاب عُجاب رفيع الجناب في فن ما رأيت من سبقني إليه ولا عوّل ثاقب فكره عليه (1)

وقوله0 " في فن ما رأيت من سبقني إليه " لا يعني أنَّه أول من تحدث في مناسبات القرآن الكريم، فإنه قد صرح بمن سبقوه إلى ذلك، ولكنهم لم يقوموا بهذا في تدبرهم القرآن الكريم كله، وإنما في بعضه ولذلك يطلب النظر في صنيعه وصنيعهم، فهو الذي أقام تفسيره كلّه على علم التناسب القرآني في جميع عناصر البيان القرآني

وهذا بحق لم يقم به أحد من قبله ممن بلغنا تفسيره كمثل ما قام هو به في تفسيره، وأصلُ العلم لا شك في أنَّه مسبوق به، أمَّا على هذا النحو المستوعب فإنَّما هو بحقٍّ فريدُ عصره فيه، ولهذا تراه يذكر سبق" أبي جعفر بن الزبير" بكتابه (البرهان في ترتيب سور القرآن) ويقول:

" وهو لبيان مناسبة تعقيب السورة بالسورة فقط، لايتعرض فيه للآيات "(2)

وذكر كتاب " الزركشي"(البرهان في علوم القرآن) وقال عنه: " فرأيته ذكر فيه ما يُعَرّفُ بمقدار كتابي هذا "(3)

وذكر تفسير" جمال الدين ابن النقيب "(ت:698) المسمّى (التحرير والتحبير لأقوالِ أئمّةِ التفسيرِ فِي معانِي كلامِ السَّميعِ البَصير) قال عنه تلميذه " الذهبيّ" في معجم الشيوخ إنه في تسعة وتسعين مجلدًا استوعب القراءات وأسباب النزول والإعراب وأقوال المفسرين وأقوال الصوفية وحقائقهم "

(1) – ااسابق: 1/2

(2)

– السابق:1/6

(3)

– الموضع السابق

ص: 59

وقال البقاعيّ عن عنايته هذا التفسير بتناسب الآيات والسور: " وفي خزانة جامع الحاكم كثير منه، فطلبت منه جزءًا فرأيتُ الأمرَ كذلك بالنسبة إلى الآيات لا جملها وإلى القصص لاجميع آياتها، ومن نظر في كتابي هذا مع غيره علم النسبة بينهما "(1)

وقال: " ولقد شافَهَنِى بعضُ فضلاءِ العجمِ، وقد سألته عن شيءٍ من ذلك ، فرآه مُشكلا، ثمّ قرَّرْتُ إليه وَجْهَ مناسبتِه، وسألتُه: هل وضُح له؟ فقال: يا سيدي كلامُك هذا يتَسابَقُ إلى الذِّهنِ 0

فلا تظُنَّنَ أيها الناظرُ لكتابي هذا أنَّ المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقِناعِها، والرَّفعِ لستُورِها، فربَّ آيةٍ أقمتُ في تأَمُّلِها شهورًا منها:

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران:121)

ومنها {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ....} (النساء: من الآية127)

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ

} (النساء: من الآية176)

ومن أراد تصديق ذلك، فليتأمل شيئا من الآيات قبل أن ينظر ما قلته، ثُمّ لينظره يظهر له ما تعبت فيه، وما حصل من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن العون سواء كان ظهره وجه ذلك عند تأمله أوْ لا، وكذا إذا رأى ما ذكر غيري من مناسبات بعض الآيات " (2)

وقال أيضًا: ولا تنكشف هذه الأغراض أتَمَّ انكشاف إلا لمن خاض غمرة هذا الكتاب، وصار من أوله وآخره وأثنائه على ثقة وصواب، وما يذكر إلا أولو الألباب

وقد ذكر الزركشي نحو أربع ورقات من مناسبات بعض الآيات، وإذا تأملتها عَظُمَ عندك ما في هذا البحر الزَّاخر من نفائس الجواهر " (3)

(1) – السابق:1/10

(2)

– السابق:1/14 – 15

(3)

– السابق:1/16

ص: 60

وقال: " أمدنى فيه- والحمد لله- تأييد سماويّ، فجعلته كالرديف لتفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي، ولعل تسهيله كان ببركة مبشرة من آثار النبوة رأيتها في صباي، وأنا في حدود العاشرة من ستي في قريتنا من بلاد البقاع

) (1)

وقال عنه: (التفسير الذي لم تسمح الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كَصَيِّبِ وَبْلِهِ)(2)

وهو يذكر في آخره مدحا له قصيدة من مجزوء الرجز يقول:

(وقد قلت مادحا للكتاب المذكور بما أبان عنه من عجائب المقدور وغرائب الأمور شارحا لحالي وحالهم، وظفر آمالي وخيبة آمالهم من مجزوء "الرجز" وضربه مقطوع والقافية متواتر مطلق مجرد، مسميا له بـ"كتاب لمَّا" لأنَّ جلّ مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى إنَّ كلّ جملة تكون آخذة بحُجزة ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكلّ جملة على حيالها بمنزلة الجسد فالروح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق وبفهم، ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم

و" لمّا " ظرف يراد بها ثبوت الثاني مما دخل عليه بثبوت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشرط تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتمَّ الكتاب في هذا النظم بـ"لمَّا" لأنّي أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض (3)

ومما قاله عن تفسيره في كتابه " مصاعد النظر":

(1) – السابق:1/4

(2)

– السابق:22/443

(3)

– السابق:22/ 446

ص: 61