الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالآية الأخيرة النتيجة؛ لأنَّ من الكوثر عُلُوُّ أمره وأمر محبيه، وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما.
فقد التفَّ كما ترى مفصلها بموصلها، وعرف آخرها من أولها، وعلم أنّ وُسْطاها كالحدودالوسطى، معانقة للأولى بكونها من ثمارها، ومتصلة بالأخرى، لأنها من غايات مضمارها" (1)
والقول بردّ المقطع على المطلع أو العجز على الصدر كما يقول البلاغيون هو مما عني به البلغاء المبدعون في عالم البيان العالي قديما ومما لفت إلى قدره البلاغيون الناقدون، فقد جعله "ابن المعتز" في كتابه:" البديع" الركن أو الباب الرابع من أبواب البديع الخمسة التي أقام عليها كتابه البديع
وإذا ما كانت عناية البلاغيين في هذا الأسلوب إلى توافق كلمة في عجز البيت أو الفقرة مع أخرى تقدمتها توافقًا في المنطوق قد يجتمع إليه توافق في المفهوم (المعنى) وقد لايتوافق، فإنَّ الأمرَ هنا عند البقاعي يتجاوزُ أوَّلاً التَّوافُقَ الصَّوتِيّ إلى التوافق الدَِّلاليّ، ويتجاوزُالتَّوافقُ مجال الكلمة إلى مجال أرحب قد يبلغ عدة آيات.
وفي هذا نقل لأسلوب رد الأعجاز على الصدور من التحسين اللفظي عند البديعيين إلى النظم الترتيبي القائم بعلائق المعاني بعضها ببعض عند "البقاعي" وذلك الضرب من النظم هو العليّ الحميد.
***
المعلم السادس.
علائقُ الآياتِ في بناء المَعْقِدِ
السورة القرآنية في بنائها الدائريّ المنسول أجزاؤه من محور رئيس: {مقصود أعظم} تدورعليه، ويهيمن علىمكوِّناتهاومكنوناتها يتكون ذلك البناء من معاقد وكل معقد من آيات متناسبة متناسلة
وقد أشرت قبل إلى أنَّ السورة في البيان القرآنيّ مكونة من معاقد وكل معقِد مكوّنٌ من آيات، وكلّ آية من جُمل وكل جُملة من كلمات
وأنّ منزل الكلمة من الجملة منزل العضو من الفرد
ومنزل الجملة من الآية منزل الفرد من الأسرة
(1) - السابق:22 /291
ومنزل الآية من المعقد منزل الأسرة من البطن
ومنزل المعقد من السورة منزل البطن من القبيلة
ومنزل السورة من القرآن منزل القبيلة من الجنس البشري وأنَّ للبيان القرآني الكريم مقصودًا أعظم تتناسل منه المعاني القرآنية وتنتسب إليه
وقلت إنْ هو إلا تقريب لا تصوير، إذ كيف يُصَوَّرُ ما هو من عالم الأمر بماهو من عالم الخلق؟
وإذا ما كنَّا قد نظرنا في بناء البيان القرآنيّ من سور وعلاقة السور ببعضها: مقاصد ومقاطع ومطالع، وكنَّا قد نظرنا في قيام البيان القرآني في السور على محور مركزي تدور عليه معاني السورة، وبيَّنا منهاج "البقاعي" في تأويله تصاعد المعنى في السورة على نحو ما سمعته في تأويله بناء البيان في سورة " البقرة " فإنا لننظر في بناء المعقد من آيات وترابط هذه الآيات أو تناسبها.
والبقاعي في تأويله لايعمد إلى الاكتفاء بربط الآية بالتي هي بعقبها تلاوة، بل قد ينظر فيري تناسب آية بآية هي سابقة عليها تلاوة ومن بينهم آيات عدة.
والبلاغيون والمفسرون من قبل كانت لهم عناية بما يعرف بعطف القصة على القصّة
والقول بالعطف في تعالق الآيات ليس هو المنهج الفريد في هذا التعالق فإنَّ علائق الآيات تتجاوز ما يمكن أن تطلق عليه التعليق (الربط) حيث عاملُ لسانيّ قائم بذلك الربط أو التعلُّق إلى التعالق (الترابط) حيث العامل معنويّ باطنيّ قائم بذلك التعالق.
وفي تسميتهم هذا الضرب من التعلق عطفًا معنى لطيف:
كأنَّ المعاني يتعاطف بعضها على بعض، كتعاطف الأم الرؤوم على وليدها أو الحبيب على حبيبه، فالعلائق قائمة بين المعطوف والمعطوف عليه، وليس في الحياة ما يَعْطفُ على شيءٍ ليست له به علقة، فكذلك الأمر في عالم البيان منْ أنّه عالم الإنسان، تتقارب المناهج والمذاهب ومعالم الجمال في كلٍّ.
من العلائق ما هو من التناظر، ومنه ما هومن التناصر ومنه ما هو من التعاطف، فعلائق المعاني تتنوع وتتنوع أدواتها، ولو أنَّا نظرنا في المصطلح البلاغي واللغوي في مجال علاقات المعاني ببعضها لنرى ما بينها من فروق دلالية وما بينها من تنوّع وما تتلاقى عليه لكان في هذا إثراءٌ لفقه علائق البيان ، فنختار لكل ضرب من ضروب العلائق بين المعاني مصطلحه الأخص به والأشكل.
المهم أنَّ "البقاعيّ" ينقل عن "الحرَّاليّ":
" أنَّ في كلِّ آيةٍ معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيَّأُ به للانتظام بما بعدها، وبذلك كان انتظام الآي داخلاً في معنى الإعجاز الذي لايأتي الخلق بمثله، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا "(1)
ومن ثَمَّ فإنَّا نرى البقاعي يجعل النظم في البيان القرآني نظمين: نظمًا تركيبيًّا ونظمًا ترتيبيًّا، يقول:
" إنّ للإعجاز طريقين: أحدهما نظم كلّ جملة على حيالها بحسب التركيب
والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب
والأول أقرب تناولا، وأسهلُ ذوقًا، فإنَّ كلَّ من سمع القرآن
…
يهتز لمعانيه وتحصلُ له عند سماعه روعة بنشاط ورهبة مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره، وكلَّما دقَّق النَّظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز، ثُمَّ إذا عَبَرَ الفَطِنُ من ذلك إلى تأمل ربط كلّ جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه ذلك ورأى أنَّ الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظنَّ أنَّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزِّ والبسط....
(1) - نظم الدرر:1/234
فإذا استعان بالله سبحانه وتعالى وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل، وإظهار العجز والوثوق بأنَّه في الذروة من أحكام الربط، كما كان في الأوج من حسن المعنى واللفظ، لكونه كلام من جلَّ عن شوائب النقص، وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب، وتصديقًا للربّ قائلا ما قال الراسخون في العلم:{رَبَّنَا لاتُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَديْتَنَا وَهبْ لَنا مِن لدُنْكَ رحمةإنِّكَ أنْتَ الوَهَّاب} (آل عمران:8) ، فانفتح له ذلك الباب، ولاحتْ له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقصَ الفكر منه طربًا وشكروا لله استغرابًا وعجبا وشاط لعظمة ذلك جنانه، فرسخ من غير مرية إيمانه " (1)
إذا ما نظرنا في سورة "النحل" مثلا فإنَّا نراها من مقدمة وخاتمة وأربعة معاقد:
المقدمة من الأولى
والمعقد الأول من الآية الثانية إلى الحادية والعشرين (2-21)
والثاني من الثانية والعشرين إلى الرابعة والستين (22-64)
والثالث من الخامسة والستين إلىالتاسعة والثمانين (65-89)
والرابع من الآية التسعين إلى الآية الرابعة والعشرين بعد المئة (90- 124)
والخاتمة الآيات الأربع الأخيرة (125-128)
حين نتأمل نجد أنَّ "البقاعي قدجعل المعقد الثالث معطوفًا مطلعه على مقطع المعقد الأول أي الآية (65) على الآية (19)
ووجه ذلك أنَّ المعقد الأول من سورة النحل معقود للتدليل بأنعم الله تعالى على وحدانيته وقدرته وعلمه وكماله
والمعقد الثالث معقود أيضًا لتأسيس ضرب جديد من التدليل بالنعم على وحدانيته.... استدلالاً يظهر فيه معنى الامتنان بينما آيات المعقد الأول كان التدليل أظهر من الامتنان
أمَّا آيات المعقد الثاني فهي كالجملة الاعتراضية بين المعقدين الأول والثالث، وآيات هذا المعقد الثالث قائمة ببيان ونقض اعتراضات المشركين، فهنالك تشاكلٌ بين موقع هذا المعقد الثالث ومضومونه، وهو ضرب من المشاكلة بين الوقع المضمون بديع.
(1) - نظم الدرر:1/11
ننظر في تناسب آيات المعقد الأول:
تبدأ آيات المعقد بتقرير نِعْمَةِ النِّعَمٍِ: إنزال الملائكة بالوحي على من يشاء من عباده، ثُم نعمة خلق الله تعالى السموات والأرض وتفرده بذلك وجميع آيات المعقد حديث عن النعم الدالة على وحدانية الله وعلمه وقدرته واختياره
الدليل الأول دليل غيبي ترى آثاره وتسمع، ولا تدركه الحواس وهوإنزال الملائكة بالوحي وخلق السموات والأرض.
والثاني المعتلق به من غير ناسق لساني دليل شهودي تمكن مشاهدته ولا سيّما في عصرنا هذا هو خلق الإنسان من نطفة، عاطفا عليه دليلا شهوديا يشارك الإنسان في خلقه من نطفة هو خلق الأنعام
…
(ي:5-9)
ثم يأتي دليل من النعم مبسوط يشارك عالم الحيوان في كونه نعمة مسخرة للإنسان (10-16)
وهذا الدليل الثالث المستدل به على وحدانية المنعم وكمال علمه وقدلرته واختياره قد نسقت آياته على نحو بديع يجعلها ثلاثة عوالم:
العالم الأول: العالم المكشوف المحيط بالهواء (ي:10-13)
العالم الثاني: العالم المغمور الهابط (البحار)(ي:14)
العالم الثالث: العالم الشاهق (الجبال)(ي:15-16)
ثُمَّ يأتي مقطع المعقد قائما بالانكارالتوبيخي لمن جعل من يخلق ذلك الخلق البديع الدَّالَّ على وحدانيته
…
كمن لايخلق شيئًا
تترابط آيات المعقد وتنسق نسقًا بديعا لاقِبَلَ لأحدٍ أن يقدِّمَ وأن يؤخر، وأنت إذ تنظر في أنواع الربط تجد بعضها ربطا معنويا باطنيا كما في الآيات الأول من آيات هذا المعقد وبعضها ربطا بناسق لسانيّ، كما في آيات الدليل الآخير من لآيات المعقد.
ولا يتسع المقام لتفصيل الترابط بين آيات كل معقد في السورة
والنظر في تأويل البقاعي في تناسب آيات هذا المعقد يكشف لك كثيرًا من معالم منهاجه في هذا " (1)
***
وهو قد يبدي وجوهًا عدة في ربط الآية بما سبقها غير مكتف بوجه، كما تراه في تبيان وضع قول الله عز وجل:
(1) - نظم الدرر:11/101
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62)
في سياق قصص بني إسرائيل:
" ولمَّا بيّن سبحانه وتعالى أنَّهم لمَّا تعنتوا على موسى عليه السلام
…
أورثهم كفرًا في قلوبهم، فمردوا على العصيان، والتجرؤ على مجاوزة الحدود ، فضربَ عليهم الذِّلَّةُ والمسكنة، وأحلهم الغضب
وكان في ذلك تحذيرٌ لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم،وإعلامٌ بأنَّ المتقين المستجاب لهم في الدّعاء بالهداية ليسوا في شيءٍ من ذلك بل قالوا: اهدنا، عن يقين وإخلاصٍ متبرئينَ من الدَّعاوى والاعتراض على الرسلِ نبَّه على أنَّ من عملَ ضدَّ عملهم، فأمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضدّ حالهم عند ربهم، فلا يغضبُ عليهم ، بل يوفيهم أجورهم، ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضدِّ الذِّلَّةِ والمسكنة ، فقال:{إنَّ الَّذِين آمنوا}
أو يقال: إنَّه سبحانه وتعالى لمَّا علَّل إهانةَ بني إسرائيلَ بعصْيانِهم واعتدائهم كان كأنَّه قيل: فما لِمَنْ أطاعَ؟ فأُجيبَ بجواب عامٍ لهم ولغيرهم.
أو يقال:إنَّه لمَّا أخبرَ سبحانه وتعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة، وكان ذلك ربَّما أوْهَمَ أنَّه لاخلاصَ لهم منه، وإن تابوا، وكانت عادته سبحانه وتعالى جاريةً بأنَّه إذا ذكروعدًا أوْ وعيدًا أعقبه حكمَ ضدّه؛ ليكون الكلام تامًّا، اعلموا أنَّ باب التوبة مفتوح، والربُّ كريم على وجه عامٍّ "
ثُمَّ ينقل لنا مقالة " الحرالّيّ " في بيان مناسبة هذه الآية ما قبلها:
" وقال "الحرالّيّ" لمَّا أنهى الحقّ سبحانه وتعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول، وكانوا هم أوَّل أهل كتاب أشعر - تعالى - بهذا الختم أنَّ جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة. انتهى
ثُم يختم " البقاعي ّ" كلامه في الآية بقوله: " وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنَّهم كانوا مأمورين بقتل كلّ ذكر ممن عداهم، وربَّما أمروا بقتل النساء أيضًا ، فربَّما ظنَّ من ذلك أنَّ من آمنَ منْ غيرِهم لا يقبلُ....
وفي وضعها أيضًا في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم {ليس عليْنَا فِي الأُمّيينَ سبيلٌ} (آل عمران:75) وأنَّ مدار عصمة الدَّم والمال إنّما هو الإيمان والاستقامة، وذلك موجودٌ في نصّ التوراة في غير موضع...." (1)
هذه وجوه عدّ' ذكرها في ارتباط هذه الآية بما قبلها، وهي التي قد يذهب عَجِلٌ غير متدبرٍ إلى أنها غيرذات علاقة حميمة بما قبلها0
وهذا الذي قاله" البقاعيّ" في وجه ترابط هذه الآية بما قبلها تراه قائما فيما ذهب إليه" الطاهر بن عاشور" في تفسيره قائلا:
(1) - نظم الدرر:1/453 -455
" توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم، وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث، فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كلُّ بليغ، وهي أنّ ما تقدَّمَ من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضروب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب الله سبحانه وتعالى عليهم، ولمَّا كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله سبحانه وتعالى لم يترك الله سبحانه وتعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم، فبيَّن لهم في هاته الآية أنَّ باب الله مفتوح لهم، وأنّ اللجأ إليه أمر هين عليهم، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات. "(1)
وترى مثل هذا في تبيانه ارتباط قول الله سبحانه وتعالى:
{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:97)
بما قبلها، إذ يذكر وجهين من وجوه التناسب والتناسل ، فيقول:
(1) - التحرير والتنوير: للطاهر بن عاشور:1/531 - ط: تونس
" ولمَّا ذكر عداوتهم لأخصّ البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق، وأخصهم حسدًا حسدًا لنزولِ هذا الذكر عليه عبارةً ثُمَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ إشارةً بما رمزه إلى نصبهم لقتلِهِ، وأنهى ذلك بما لامحيص لهم من العذابِ؛ لأنَّه بصيرٌ بأعمالهم الموجبة له ذكرَ ما هو دقيق أعمالهم من عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواصّ الملائكة الذين هم خيرٌ مَحْضٌ لاحامل أصلاً على بغضهم إلَاّ الكفرُ، وبُدئ بذكر المنزّل للقرآن [يعنى المأمور بحمل الوحي وإنزاله: جبريل عليه السلام] ؛ لأنَّ عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله؛ لأنَّه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمرًا له صلى الله عليه وسلم إعلامًا بما أبصره من خفيّ مكرِهم القاضِي بضُرهم (قل) .
أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن - ولمَّا أمره صلى الله عليه وسلم بما دلَّ على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم، وأخبر بأنه لابد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين ، فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون منسوقًا على (قل) الأولى بغير عاطف إشعارًا بأنَّ كلاًّ من الدليلين كاف فيما سيق له، [و] على تقدير كونه دليلاً على الثاني الذي خصَّه يكون جوابًا لمن كأنَّه قال: لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب " (1)
فهذا من البقاعي تقليب لوجوه النظر وسعي إلى تتبع منابع العلاقة بين الآيات لما يتسم به البيان القرآن الكريم من تعدد وجوه البيان سواء المتحقق من نظمه التركيبي، أو الترتيبي، بل الترتيبي أكثر وألطف
ويقول في بيان علاقة قول الله سبحانه وتعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام) (آل عمران: من الآية4)
(1) - نظم الدرر:2 /64 - 65
" ولمَا علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق والإيمان علم أنّ لمخالفي أمره من الأضداد المؤمنين الموصوفين، وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزّل الفرقان لمحو أديانهم – الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله عز وجل {إنّ الذين كفروا} .....
والآية على تقدير سؤال ممن كأنّه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟
أويقال: إنّه لمَّا قال: {وأنزل الفرقان} أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال: " والأحسن من ذلك كلّه أنّه سبحانه وتعالى لما أنزل سورة " البقرة" على طولها في بيان أنّ الكتاب هدى للمتقين، وبيّن أول هذه وحدانيته وجياته وقيوميته الدَّالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى أيد ذلك بالإعلام بأنّ ذلك الكتاب مع أنّه هادِ إليه حقٌّ، ودلّ على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب"(1)
ونراه يذكر أكثر من وجه في عطف الآية على غيرها إشارة إلى تعدد وجوه الاعتلاق وأنها صالحة للتلاقي والتناسل من أكثر من آية سابقة عليها سواء قاربتها موقعا أو باعدتها
ترى ذلك في تبيان المعطوف عليه في قول الله سبحانه وتعالى:
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَاّ الْفَاسِقُونَ} (البقرة:99)
(1) – نظم الدرر:4 /214
" ولمَّا فرغَ من ترغيبهم في القرآن بأنَّه من عند الله سبحانه وتعالى، وأنَّه مصدقٌ لكتابهم، وفي جبريل عليه السلام بأنَّه الآتي به بإذن الله عز وجل ومن ترهيبهم ممن عداوتهم أتبعه مدح هذا القرآن، وأنَّه واضح الأمر لمريد الحقّ وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرفُ من الحقّ فإنَّه بحيثُ لايخفى على أحد، فقال تعالى عطفا على قوله {فإنَّه نَزَّله عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللهِ} (ي:97) ، أو قوله عز وجل: (ولقدْ جاءَكُمْ مُوسَى بالبيناتِ} (ي:92) ، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزَّله جبريلُ عليه السلام أنَّ الآخرة ليست خالصة لهم، وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره {ولقد أنزلنا..} . "(1)
وقارئ تفسير البقاعي يلحظ غلبة ذهابه إلى العطف على مقدر، وكأنَّه يشير بهذا إلى أنَّ القرآن الكريم إنما تشتد وثاقة المعانى اللازمة بما هي لازمة له من المعانى المصرح بها فيكتفى بدلالة هذه الوثاقة عن التصريح بذكر هذه المعانى اللازمة المعطوف عليه ما بعد المصرح به فيأتي بما بعد العاطف مردودًا على مقدر هو في شدة اقتضاء البيان له كالمصرح بذكره.
وبهذا يكون النسيج البياني لمعانى القرآن الكريم قائما على منهاج الحبك الذي تختفي فيه بعض خيوط الإبريسم في نسيج الديباج فلا تكاد تظهر للعين العارضة ولكنها تظهر للبصيرة النافذة، ومن ثَمَّ ترى غلبة الذهاب إلى الإيجاز بالحذف عند البقاعي في تأويله نسق البيان القرآنيّ، ولا سيما حذف المعطوف عليه المقدر من رحم المعنى في الجملة السابقة المصرح بذكرها.
والبقاعي قد يذهب إلى عطف آية على أخرى تسبقها بأكثر من أربعين آية كما تراه في عطف قول الله سبحانه وتعالى
(1) - نظم الدرر:2/69
) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (النحل:65) على قول الله سبحانه وتعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} (النحل:19)
يقول: " ولمَّا انقضى الدليلُ على أنَّ قلُوبهم منكرة استكبارًا وما يتعلّقُ به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة:
الإلهيات، النبوات ،والمعاد، وإثبات القضاء والقدروالفعل بالاختيار
وكان أجلُّ هذه المقاصد الإلهيات شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أنَّ أدلة ذلك أكثر من أوراق الشجر، وأجلى من ضياء النهار، فعطف على قوله سبحانه وتعالى {واللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرّون وَما تُعْلِنُونَ} قولا جامعا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي {واللهُ أنْزَلَ من السَّماء ماءً
…
} " (1)
وهذا قائم على أساس ما يعرف عند البلاغيين بعطف القصة على القصة وهو منهاج من مناهج علاقات المعاني ببعضها، والبقاعي نفسه مؤكد ان منهاج العلائق بين المعاني في السورة القرآنية كمهاج علاقات فروع وأغصان وافنان الشجرة.
والقول في علاقة الآيات بعضها ببعض وسيع لايكاد يحاط به، وهو مبنيّ على ما إجمع عليه أهل العلم من أن ترتيب الآيات توقيف جاء به الوحي، فليس لأحد من العالمين أجمعين: ملَكًا أو نبيًّا دخل فيه، فأنت لاتكاد تجد واحدًا ينتسب إلى العلم يزعم أنَّ ترتيب الآيات في السورة اجتهاد من صحابي أو نبيّ أو مَلَكٌ.
(1) - نظم الدرر:11/191