الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينزعون من الرغبة عن القول بالتكرار اللفظي والدلالي للكلمات في سياقات مختلفة، وأنَّ الكلمة وما فوقها لاتأتي إلا مرة واحدة وليس لها إلا موضع واحد، فإذا أقيمت في مقام آخر فما هي بالتي كانت من قبل، وهذا يعنى أن الوجود الدلالي للكلمة يتجدد بتجدد مواقع الكلمة وما فوقها، وأنَّ القول بالتكرار البياني في الخطاب العالي فضلا عن الخطاب العَلِيِّ المعجز إنما هو قولٌ مفتقر إلى التحرير العلمي، ومن ثَمَّ لايعرف عَالَمُ البيان التناسخ بين مكوناته ومكنوناته، فهو عَالَمٌ قائم من متجدّدات، وكأنَّ لعالَم البيان من عالَم الجنة مثلا: تتشابه ثماره ولا تتوحد بل تتجدد وتتعدد: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: من الآية25)
وعلى هذا يكون جديرًا بمن يقوم للإبحارِ في قَمامِيسِ التأويل البياني للقرآن الكريم أن يكون على ذكرٍ من أنَّ البيان القرآنيَّ خلاء من التكرار التأكيديّ الذي لايضفي جديدًا حميدًا على ما سبق تأسيسه.
وأن يكون على ذكرمن أنَّ البيان القرآنيَّ ذو خصيصتين عظيمتين
الأولى: خصيصة تناسل المعنى القرآنيّ وتصاعده
والأخرى: خصيصة التصريف البياني.
هاتان الخصيصتان أراهما من أشمل خصائص الإعجاز البياني للقرآن الكريم من بعد خصيصة إقامة الشعور بجلال القائل في قلب المتلقى المعافي من داء الغفلة.
.
المعلم الرابع.
براعةُ الاستهلالِ وعلاقتُه بمقصودالسورة
لكلِّ سورة من سور القرآن الكريم ولاسيّما الطُّول والمئين مفتتح من الآي يكون استهلالا بديعًا مشيرًا إلى جوهر المعنى الكليِّ الذي يقوم في السورة
وإذا ما كنا قد رأيناه يؤول البسملة بما يتناسب مع مقصود السورة إشارة إلى أنَّ في البسملة براعةَ استهلالٍ ، مثلما يرى في اسم السورة براعة استهلالها بمعناها الكلى ومقصودها الأعظم على نحو ما سبقت الإشارة إليه، فإنَّ من فوق هذا استهلالَ الآياتِ الأول من السورة بمعناها، فيكون في كلِّ سورة ما يشير إلى معناها الكلي:اسمها وبسملتها والآية أو الآيات الأول منها.
والغالب على البقاعيَّ ان لايُعيّن لنا مطلعَ السورة واستهلالها، ولكنَّه يلمح إلى ذلك في أثناء تأويله، وكذلك قد يُفهم التعيين من موضع ذكره ما ينقله في مفتتح كلِّ سورة من كلام "أبي جعفر بن الزبير " في تناسب السور من كتابه "البرهان" ويزدادُ الأمرُ وضوحا في ختام تأويله السورة حين يَرُدُّ مقطع السورة على مطلعا:
في سورة "البقرة" يكون مطلعها من أولها إلى قوله عز وجل: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة:5) وما بعده من ذكر الذين كفروا، والمنافقين استكمال للاستهلال، ليبدأ موضوع السورة بقوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21)
وهذا المطلع فيه استهلال بمقصود السورة الأعظم: إقامة الدليل على أنَّ الكتاب هدى ليتبع في كلّ ما قال، وأعظم مايهدي إليه الإيمان بالغيب"
وهذا ما ركزعليه المطلع كما لايخفي، فقد صرح بجعل قاعدة وأصل صفات المتقين الذين كان الكتاب هدى لهم إنّما هو الإيمان بالغيب، وجعل رأس صفاتهم في الآية الأولى من وصف المتقين: ومما رزقناهم ينفقون، وجعل رأس صفاتهم في الآية الثانية من وصف المتقين أنَّهم بالآخرة هم يوقنون.
والإنفاق في سبيل الله عز وجل احتسابا إنَّما هو ثمرة الإيمان بالغيب والإيمان بالآخرة إنَّما هو إيمان بالغيب الذي لاسبيل إلى علم شيءٍ منه إلا من إنباء الكتاب أو السنة.
في الاستهلال جمل رئيسة مصرحة بالمقصود إذا ما وُفِّقَ المتدبِّرُ إلى استبصارها كانت السبيل إلى فقه مقصود السورة الأعظم ملحَّبًا 0
ولذلك تراه في سورة البقرة يشيرإلى أنَّ الحث على الإنفاق قد ظهر جليَّا في مواضع عدة من السورة.
تراه يشيرعند تأويله قول الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة:215)
إلى أن في صدر السورة إشارة إلى النفقة، قائلا:
…
" ولمَّا كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين [المتقين](وَمِمَّا رَزَقْناهُم يُنْفِقُونَ)(البقرة:3) ثُمَّ كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أنْ أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفًا مع أنَّها من دعائم بدايات الجهاد إلى أنْ تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش
…
" (1)
ومن البين أنَّ الإنفاق احتسابا لوجه الله عز وجل إنما يتخلَّق به من كان مؤمنا بالغيب، وإلا لم يَكُ إنفاقُه احتسابًا، فكان باطلا في ميزان الشرع
وهو يقرِّرُمثلَ هذا الذي نقلته عنه هنا في تأويله قول الله سبحانه وتعالى:
(1) - نظم الدرر:3/212
قائلاً: " ولمَّا كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثقَ دعائمِ الجهاد، وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديَّان كرَّر الحَثَّ عليْها على وجْهٍ أبلغ تشْويقًا مما مضى
…
" (1)
وعند تأويل قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:254)
يقول: " ولمَّا كان الاختلاف على الأنبياء سببًا للجهاد الذي هو حظيرة الدين، وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعًا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها، وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحثُّ عليه من أمر النفقة (يأيها الذين آمنوا) "(2)
***
وفي سورة "آل عمران" نجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قول الله عز وجل {ٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (آل عمران: من الآية4) "
ففي هذا المطلع عناية بتصوير وتقرير معنى الوحدانية لله سبحانه وتعالى والإخبار بأنَّ رئاسة الدنيا غير مغنية في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو المقصود الأعظم من السورة، وهو كما ترى ظاهر لك من قول الله جل جلاله في المطلع: {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران:1-2)
ومن قول الله عز وجل: {
…
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (آل عمران:4)
" فهاتان الجملتان تؤذِّنانِ بالمقصود الأعظم للسورة لمن كانت له بصيرة في فقه بيان الذِّكر الحكيم عن معانيه 0
***
وفي سورة " النساء " تجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قوله سبحانه وتعالى:
(1) – نظم الدرر:3/402
(2)
– السابق:4/21
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (النساء: من الآية1) فإن في هذا المطلع مايصرح بمقصود السورة من نحو قوله جل جلاله: {خلقكم من نفس واحدة} وقوله سبحانه وتعالى: {الذي تساءلون به والأرحام} وقوله جل جلاله: {إنّ اللهَ كانَ عليْكُم ْرَقِيبًا} فهذه الجمل كالمصرحة بمعنى الاجتماع على أمر عظيم ، وأعظم ما يجتمع عليه هو توحيد الله سبحانه وتعالى، وهو اجتماع يحقق معنى التواصل الرحمي الذي به قيام الوجود الإنساني، وهذا هو المقصود الأعظم لسورة النساء، ليبدأ تفصيل البيان عن هذا المقصود بقوله: " وآتُوا اليتامي
…
إلخ " (1)
وأنت ترى السورة قد قام فيها من الأحكام والآداب ما يه تحقيق البناء المحكم المتراحم المتلاحم للأسرة والأمة، فتجتمع على ما فيه مرضاة ربها عز وجل.
والبقاعيُّ يناظر استفتاح هذه السورة بقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1)
بافتتاح سورة "الحج " بقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} (الحج:1)
وكيف أنَّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضي أن يكون وصف الربّ المأمور باتقائه في أول كل سورة بغير ما وصف به في الأخرى، بل هو ناظر إلى موقع كلّ سورة من السياق القرآني المديد
يقول في تأويل مطلع سورة "النساء":
" وقد جعلَ سبحانه الأمر بالتقوى مطلعًا لسورتين:
هذه وهي رابعة النصف الأوَّل والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلَّلَ الأمر بالتقوى في هذه بما دلّ على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدأ.
(1) - نظم الدرر 5 /176
وعلَّلَ ذلك في الحج بما صوَّر المعاد تصويرًا لا مزيد عليه، فدلّ فيها على المبدأ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا من أجله؛ لتظهر الأسماء الحُسْنَى والصِّفاتِ العُلَى أتمَّ ظُهورٍ يمكن البشر الاطلاع عليه.
ورتّبَ ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدأ على سورة المعاد؛ لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية " (1)
***
وللبقاعي عناية طيبة ببراعةِ استهلال السور الخمس بـ"الحمد لله "، وهي سور: الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر،
وكيف أنَّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضى أن تسفتح بغير ما تستفتح به الأخرى وإن شاركتها في الابتداء بالحمد لله.
وهو في هذا معتمدٌعلى مقالة لـ"السعدالتفتازانيّ" في مقدمة كتابه "التلويح على شرح التنقيح" في أصول فقه الحنفية لصدر الشريعة نقلها عنه البقاعيّ في تأويله سورة الفاتحة قائلاً:
" وقد أشير في "أم الكتاب - كما قال العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازانيّ الشافعيّ - إلى جميع النعم، فإنَّها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً وإلى إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء واالبقاء
أمَّا الإيجاد الأول فبقوله سبحانه وتعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الفاتحة:2)
فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية.
وأمَّا الإبقاء الأوّل فبقوله عز وجل: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء.
وأمَّا الإيجاد الثاني فبقوله جل جلاله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وهو ظاهر.
وأمَّا الإبقاء الثاني فبقوله: {إيَّاكَ نَعْبُدُ} إلى آخرها، فإنَّ منافع ذلك تعود إلى الآخرة.
ثُمَّ جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كلّ سورة منها إلى نعمة من هذه النعم على ترتيبها. " (2)
(1) - نظم الدرر:5 /173
(2)
? 1 - نظم الدرر:1/45-46
فالفاتحة " أم الكتاب " جامعة الإشارة إلى كلَّ ما يكون بسببه الحمد لله، ثُم توزع عِلَلُ الحمد الكلية الأربعة كلّ علّة في سورة، وتنسق هذه السور على ترتيب العِلَلِ، فتكون سورة الأنعام مستهلة بالحمد لله على نعمة الإيجاد الأول:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (الأنعام:1-2)
وسورة "الكهف " مستهلة بالحمد على نعمة الإبقاء الأول، وأعلاه نعمة إنزال الكتاب:
وسورة "سبأ "مستهلة بالحمد لله على نعمة الإيجاد الثاني (البعث)