المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدرس الثاني عشر - شرح الآجرومية - حسن حفظي

[حسن حفظي]

الفصل: ‌الدرس الثاني عشر

‌الدرس الثاني عشر

حمدًا لك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وصلاةً وسلامًا دائمين متتابعين على الرحمة المهداة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نواصل الحديث في باب كان وأخواتها، وقد وصلنا إلى الأفعال التي تحتاج لعمل هذا العمل أن يتقدم عليها نفيٌ أو شبهه، وانتهينا من الحديث عن "زال"، ومثلنا لها ـ بل استشهدنا ـ بقول الشاعر:

ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى...... ولا زال منهلا بجرعائك القطر

وقلنا إن "زال" هنا تقدمت عليها "لا" الدعائية، وخبرها هو "منهلا" ومتقدم هنا، و"القطر" اسمها مؤخر.

أما انفك فيستشهدون لها، وقد جاءت بلفظ الفعل المضارع في هذا البيت، يستشهدون لها بقول الشاعر:

ليس ينفك ذا غنًى واعتزازي...... كل ذي عفّةٍ مُقلٍ قنوع

فـ"ليس" هنا هي النفي الذي تقدم على كلمة "ينفك" وأجاز أن نعملها عمل كان وأخواتها، أما "ينفك" فجاءت بلفظ الفعل المضارع، وقد تقدم هنا خبرها على اسمها هو قوله "ذا غنًى"، و"ذا" اسم من الأسماء الخمسة وهو مضاف إلى كلمة "غنًى" ومنصوب وعلامة نصبه الألف، أما اسمها فهو قوله "كلّ ذي عفةٍ"، وقد جاء مؤخرًا كما ترون.

أما فتئ يا أيها الأحباب فيستشهدون له بقول الله عز وجل ? قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ? [يوسف: 85] ، والشاهد في قوله تفتأ هنا صحيح أنه لم يتقدم عليها في ظاهر اللفظ نفي، ولكن النفي مقدر، لأن التقدير والله أعلم " لَا تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ "، فـ ? تَفْتَأُ ? هنا جاء بلفظ الفعل المضارع، واسم ? تَفْتَأُ ? هنا ضمير مستتر تقديره "أنت"، و? تَذْكُرُ يُوسُفَ ? هذه الجملة في محل نصبٍ خبر.

أما "برح" فمن شواهدها قول الله عز وجل ? لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ? [طه:91] ، ? نَبْرَحَ ? تقدمت عليها ? لَنْ ? فمعناها أنها استوفت شرطها وهو النفي، و? نَبْرَحَ ? هنا فعل مضارع، وهو منصوبٌ ب? لَنْ ?، و? عَاكِفِينَ ? خبر ? نَبْرَحَ ?، وأما اسمها فهو ضميرٌ مستترٌ تقديره "نحن"، " لَنْ نَبْرَحَ نَحْنُ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ".

ص: 165

أما "دام" فقد ذكرنا لكم أنه يُشترط لعملها أن تتقدم عليها "ما" المصدرية الظرفية، أما كونها مصدرية فلأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وأما كونها ظرفية فلأنها تدل على المدة، وانظروا إلى نحو قول الله عز وجل ? وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ? [مريم: 31] ، فإن التأويل فيها أو التقدير

ـ والله أعلم ـ "مدة دوامي حيًّا"، فـ"مدة" هذه أخذنا منها الظرفية، و"دوامي" هذه أخذنا منها

المصدرية، أما "دام" هنا فاسمها هو التاء، و ? حَيًّا ? هو خبرها، فقوله سبحانه ? وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ? "دام" استوفت شروطها بتقدم "ما" المصدرية الظرفية عليها، وعملت هذا العمل، ذلك أن التاء هنا ضمير متصل مبني على الضم في محل "رفع" اسم "دام"، و? حَيًّا ? هو خبرها.

يُقال كلام كثير عن تقدم أخبارها عليها أو توسط الأخبار بينها وبين أسمائها، أما التوسط فقد رأيتم من الأمثلة أنه جائز وكثير، "ولا زال منهلا بجرعائك القطر"، وفي قول الله عز وجل ? لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ? [الغاشية: 6] ، لا مانع من أن يتوسط الخبر بين الفعل وبين الاسم.

أما تقدم أخبارها عليها فباتفاق لا يجوز تقدم خبر "دام" عليها، لم؟ لأن "ما" المصدرية من الألفاظ التي لها الصدارة، فلا يتقدم شيءٌ من متبوعاتها عليها، أما ليس ففيها خلافٌ طويلٌ، والصحيح أنه لا يجوز تقدم خبرها عليها لأنه لم يرد له شواهد، أما بقية الأفعال فباتفاق لم يُخالف في جواز تقدم أخبارها عليها أحدٌ إلا إن كان النفي الذي نشترطه في الأدوات التي يُشترط فيها تقدم النفي عليها، إن كان النفي بـ"ما" فإنهم لا يجيزون تقدم الخبر عليها، أما إن كان النفي بـ"لا" أو بـ"لن" أو بغيرها فلا مانع من تقدم أخبارها عليها.

ص: 166