الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس التاسع عشر
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
أيها الأخوة الكرام، أيها المشاهدون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنا في حلقة ماضية أردنا الشروع في الاستثناء المفرغ أو المراد به ولكن أدركنا الوقت وأجلناه إلى حلقة أخرى وهاهو وقت بيانه فالاستثناء المفرغ يا أيها الأحباب هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه فما حكمه؟
حكمه كأن إلا غير موجودة في الكلام فتعرب ما بعدها بما يستحق ولو كانت غير موجودة قال الله عز وجل ? وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ? [آل عمران:144] تعرب ما نافية محمد مبتدأ رسول خبر وإلا أداة الاستثناء ملغاه إلا أداة استثناء ملغاة هذا إذا كام الكلام مفرغاً، إذا كان الكلام استثناء، تاماً منقطعاً فقولاً واحداًُ يجب نصب ما بعد الاستثناء قام الطلاب إلا طالبة وحضر الرجال إلا امرأة، هذه لا يجوز فيها فيما بعد إلا غير النصب لا يجوز فيما بعد إلا غير النصب ونذهب الآن إلى بعض ما ذكره المصنف لنكمل شرح باب المستثنى إن شاء الله تعالى. قال المصنف (فَالْمُسْتَثْنَى بِإِلَّا يُنْصَبُ إِذَا كَانَ اَلْكَلَامُ تَامًّا مُوجَبًا) هذا الكلام الذي ذكرناه لكم قبل قليل، قلنا إذا كان الكلام تاماً بأن ذكر فيه المستثنى منه، موجباً يعني لم يتقدم عليه نفي ولا شبه نفي فإنه يجب نصب ما بعد إلا وهذا الكلام الذي ذكره المصنف هنا وهو قوله (نَحْوَ "قَامَ اَلْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا" وَ"خَرَجَ اَلنَّاسُ إِلَّا عَمْرًا") الاستثناء هنا تام لأن المستثنى منه مذكور وهو قوله القوم والاستثناء هنا موجب لأنه لم يسبقه لا نفي ولا شبه نفي فحينئذ نعرب كلمة زيداً على أنها مستثنى منصوب وهنا واجب النصب، وليس فيه وجه آخر.
قال المصنف (وَإِنْ كَانَ اَلْكَلَامُ مَنْفِيًّا) يعني غير موجب (تَامًّا) يعني ذكر فيه المستثنى منه (جَازَ فِيهِ اَلْبَدَلُ وَالنَّصْبُ عَلَى اَلِاسْتِثْنَاءِ) جاز في ماذا؟ في الاسم الواقع بعد إلا يجوز فيه وجهان الإتباع لما قبلها على أنه بدل أو عطف بيان الإتباع لما قبل إلا يعني تعطيه الحركة التي ضبط بها المستثنى منه، ضبط بالضمة تعطيه نفس الحركة ضبط بالفتحة تعطية نفس الحركة نفسها، تضبط بالكسرة تعطيه هذه الحركة نفسها، هذا يجوز فيه وجهان إما الإتباع على أنه بدل أو عطف بيان وإما النصب على الاستثناء وكل فصيح صحيح، وقد ذكرت لكم من أمثلته أو من شواهده قول الله عز وجل ? مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ? [النساء: 66] فيها قراءتان قراءة قليلٌ وهذا الوجه الشائع والكثير وهو أن تتبع ما بعد إلا بما قبلها في إعرابها لأن الواو هنا محلها رفع ووردت فيها قراءة عربية صحيحة فصيحة وهي ما فعلوه إلا قليلاً منهم وحينئذ يكون منصوباً على الاستثناء وهو وجه جائز ولكنه أقل من ذاك مثاله كما ذكر المصنف هنا (نَحْوَ "مَا قَامَ اَلْقَوْمُ إِلَّا زَيْدٌ" وَ"إِلَّا زَيْدًا")
قال المصنف (وَإِنْ كَانَ اَلْكَلَامُ نَاقِصًا) وهو الاستثناء المفرغ كما ذكرت لكم قبل قليل بعضهم يسميه الاستثناء الناقص وبعضهم يسميه الاستثناء المفرغ والمراد به الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، لم يذكر فيه المستثنى منه، قال (كَانَ عَلَى حَسَبِ اَلْعَوَامِلِ) يعني أنك تعد أن إلا غير موجودة في الكلام فإن الكلام الذي قبل إلا يحتاج إلى فاعل فارفع ما بعد إلا على أنه فاعل يحتاج إلى خبر ارفعه على أنه خبر يحتاج إلى مفعول انصبه على أنه مفعول به وهكذا مهما احتاج إليه ما بعد إلا فافعلوا معه يعني إعربه على حسب العوامل الموجودة عندك وكأن إلا غير موجودة في الكلام مثاله قول المصنف هنا (نَحْوَ "مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ") ما نافية قام فعل ماض إلا أداة استثناء ملغاة زيد فاعل لقام ومثله ("مَا ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا ") كما ذكر المصنف هنا ما نافية وضرب فعل ماضي والتاء فاعل وزيداً مفعول به وإلا أداة استثناء ملغاة، (وَ"مَا مَرَرْتُ إِلَّا بِزَيْدٍ") ما نافية ومررت فاعل وإلا أداة استثناء ملغاة وبزيد جار ومجرور متعلقان بقوله مررت وهذا لا إشكال فيه والحمد لله ثم قال (وَالْمُسْتَثْنَى بِخَلَا، وَعَدَا، وَحَاشَا، يَجُوزُ نَصْبُهُ وَجَرُّهُ) وهذا كلام صحيح وهو الكلام الذي قلته لكم إن خلا وحاشا وعدا بل خلا وعدا هذه باتفاق أنه يجوز نصب ما بعدها وجرها أما حاشا فعند غير سيبويه، سيبويه رأى أنها حرف وغيره يرى أنها فعل يعني يجوز أن تكون هكذا ويجوز أن هكذا والمصنف هنا قد اتبع الرأي القائل بأن حاشا يجوز في ما بعدها الوجهان:
إما الجر وإما النصب، قال (وَالْمُسْتَثْنَى بِخَلَا، وَعَدَا، وَحَاشَا، يَجُوزُ نَصْبُهُ وَجَرُّهُ) فإن نصب فهو المستثنى وإن جررت فالحرف فكلمة خلا أو عد أو حاشا حرف وهو مجرور بهذا الحرف فتقول (قام القوم خلا زيداًً و) يجوز خلا (زيدٍ وعدا عمراً و) عدا (عمرٍ وحاشا بكراً و) حاشا (بكرٍ) وهذه الأوجه جائزة وصحيحة وفصيحة بإذن الله تعالى.
هذه الأمور متعلقة بالاستثناء إذا كان تاماً متصلاً وأما الاستثناء المنقطع فكما ذكرت لكم إنه يجب نصب ما بعد أداة الاستثناء في الاستثناء المنقطع وهو ما كان المستثنى فيه من غير جنس المستثنى منه، وسواء أكان الكلام موجباً أو غير موجب وطبعاً لابد أن يكون تاماً لأنه لا يكمن أن يكون من جنسه أو من غير جنسه وهو غير موجود فلابد أن يكون الاستثناء تاماً وهو ما ذكر فيه المستثنى منه هذا هو الاستثناء المنقطع وهذا هو آخر حديثنا في باب الاستثناء.
ننتقل إلى قول المصنف في اسم لا النافية للجنس قال (بَابُ لَا، اِعْلَمْ أَنَّ "لَا" تَنْصِبُ اَلنَّكِرَاتِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ إِذَا بَاشَرَتْ اَلنَّكِرَةَ وَلَمْ تَتَكَرَّرْ "لَا" نَحْوَ "لَا رَجُلَ فِي اَلدَّارِ") وأنا أقول لك اعلم أن لا ملحقة بإن وأن لا حرف، فلماذا جعل لا مستقلة في باب وحدها، ولم يجعلها مع أخوات "إن" ما دام إنها تعمل نفس عمل إن وأخواتها الجواب عن هذا أيها الأحباب أن لا تعمل هذا العمل مطلقاً بل لابد في إعمالها هذا العمل من شروط، هذا الوجه الأول في سبب جعلها في باب مستقل. الوجه الثاني: أن اسم لا النافية للجنس أحياناً يكون مبنياً أما إن وأخواتها فأسمائها معربة لا تكون مبنية فمن أجل هذا وجب أن تكون لا النافية للجنس مستقلة بنفسها وقد ذكروا شروطاً لإعمالها، ذكر المصنف هنا أقوى هذه الشروط، أقوى الشروط أن يكون اسمها نكرة وأن يكون اسمها متصلاً بها وهذا الذي ذكره المصنف في قوله أن لا تنصب النكرات بغير تنوين، انتبه تنصب النكرات بغير تنوين متى؟ إذا باشرت النكرة، ومتى أيضاً؟ إذا لم تتكرر لا هذه أعظم إعمال لا النافية للجنس عمل إن وأذكر لكم الشروط الأخرى التي ذكرها النحويون أذكر الشروط كلها مع بعض الشرط الأول أن تكون لا نافية، لكن هل تكون لا غير نافية؟ نعم تكون ناهية أحياناً وتكون زائدة أحياناً فإذا لم تكن نافية فإنها لا تعمل هذا العمل، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني أن تكون نافية للجنس أو أن يكون المنفي بها هو الجنس، إذاً هل تكون لا نافية لغير الجنس؟ الجواب نعم لا قد تكون نافية للوحدة، وذلك إذا قلت لا رجلٌ في الدارِ بل رجلان أنت ما تقصد نفي جنس الرجال، بل تقصد أنه لا يوجد واحد فقط بل يوجد أكثر من واحد هذه ماذا تعمل لا النافية للواحدة هذه تعمل عمل ليس يعني ترفع المبتدأ ويسمى اسمها وتنصب الخبر ويسمى خبرها هذا هو الشرط الثاني.
الشرط الأول: أن تكون نافية.
الثاني: أن يكون المنفي بها الجنس.
الثالث: أن يكون اسمها نكرة هذا شرط لابد منه فإذا كان اسمها معرفة لم تعمل، لا تعمل عمل إلا، وسأذكر لكم بعد قليل إن شاء الله ما الذي يصير.
الشرط الرابع: أن يكون اسمها متصلا بها يعني ليس بينهما وساطة، الشرط الخامس: أن
يكون خبرها نكرة، الشرط السادس: ألا يدخل عليها جار، لكن ما الذي يحصل إذا صار شيء من هذا الكلام قال، فإن لم تكن نافية لم تعمل، وإن كان المنفي بها هو الوحدة عملت عمل ليس وإن كان اسمها معرفة أهملت ووجب تكرارها فتقول لا زيدٌ في الدار ولا عمرٌ وإن كان اسمها غير متصل بها وجب أيضاً إهمالها ووجب تكرارها ومنه قول الله عزل ? لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ? [الصافات:47] لا فيها غول هنا فصل غول عن لا فلم تعمل لا شيئاً، ووجب تكرارها، فكررت.
أن يكون اسمها نكرة متصلاً بها وأن يكون خبرها نكرة كذلك إذا كان اسمها نكرة فمن باب أولى أن يكون خبرها نكرة من باب أولى أن يكون خبرها نكرة، لأنه لا يخبر عن النكرة بالمعرفة قولاً واحداً الأخير من الشروط ألا تسبق بحرف جر، لكن إذا سبقت بحرف جر قال فإن حرف الجر يتعداها إلى ما بعدها فيجر ما بعدها فتقول جئت بلا كتاب ولا تقول بلا كتابا تقول جئت بلا كتاب وهذه معظم الشروط بل هذه الشروط التي اشترطت لإعمال "لا النافية للجنس" عمل "إن".
قال المصنف (فَإِنْ لَمْ تُبَاشِرْهَا وَجَبَ اَلرَّفْعُ وَوَجَبَ تَكْرَارُ "لَا" نَحْوَ لَا فِي اَلدَّارِ رَجُلٌ وَلَا اِمْرَأَةٌ") وهذا الكلام الذي قلناه ومثلناه بالآية الكريمة وهي قول الله عز وجل ? لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ? لا فيها غول لما فصل كررت وأهملت، قال المصنف:(فإن تكررت لا جاز إعمالها وإلغاؤها، فإن شئت قلت لا رجل في الدار ولا امرأة) وإن شئت قلت لا رجل في الدار ولا امرأةٌ، وهنا وقفة يا أيها الأحباب، اعلموا بارك الله فيكم أن لا إذا تكررت وهي مستوفية للشروط التي ذكرناها سابقاً، بحيث يكون مدخولها نكرة، وبحيث يكون اسمها متصلاً بها وبحيث يكون خبرها نكرة، وبحيث تكون غير مسبوقة بجار وبحيث تكون نافية، يعني كل الشروط مستوفية، فإذا تكررت لا جاز لك في اللفظين خمسة أوجه، ويمثلون له بنحو قولك لا حول ولا قوة إلا بالله، انتبه رحمك الله، يجوز لك أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله فتبني الأول والثاني يعني تعملها عمل إلا ويجوز أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله فتهملها في الاثنين ويجوز أن تقول لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله فتعملها في الأول وتهملها في الثاني، ويجوز أن تعكس فتقول لا حولٌ ولا قوةَ إلا بالله ووجه خامس ضعيف وهو أن تعملها في الأول وتنصب الثاني، فتقول لا حول ولا قوةً إلا بالله، وهذه الأوجه جائزة وفصيحة ولها شواهد من العربية وأولها من القرآن الكريم في نحو قول الله عز وجل ? لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ? [البقرة: 254] وقد قرأت لا بيعَ فيه ولا خلةَولا شفاعة، فدل ذلك على جواز الأمرين، فيها وهذا كله صحيح فصيح ولا إشكال فيه والحمد لله رب العالمين، بقي في لا شيء وهو أن الكثير في خبرها أن يكون محذوفاً وبعضهم أوجب حذف خبرها، وبعضهم أوجب حذف خبرها ولكن الصحيح أنه يجوز أن يكون موجوداً وقد ورد في القرآن
الكريم وفى غيره، خبرها مذكوراً ومماورد فيه محذوفاً قول الله عز وجل ? وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ? [سبأ:51] لا نافية للجنس وفوت اسمها وخبرها محذوف، والله أعلم بالصواب.