الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة.
لكثير من المعاني في قليل من المنطق "وابنه عقبة" المعروف بالظرب، كما في الروض، "وابن ابنه العوام بن عقبة،" وهو الذي يقول:
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا
…
ملاحة عيني أم عمرو وجيدها
وهل بليت أثوابها بعد جدة
…
ألا حبذا أخلاقها وجديدها
ذكره في الروض، كجميع ما ساقه المصنف من أول قوله، وقد كان كعب إلى هنا، وكان لكعب ابن أيضا اسمه العوام، كما نقله في الإصابة، فسمي ابن ابنه باسم عمه، ولم يقف عليه البرهان، فأبداه احتمالا بعد توقفه في كون العوام ابن ابنه، وهو من مثله عجيب، والروض في يده والله أعلم.
[ثم غزوة تبوك] :
مكان معروف وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق.
ثم غزوة تبوك:
بفتح الفوقية وضم الموحدة مخففة لا ينصرف على المشهور.
قال النووي: وتبعه الحافظ: للتأنيث والعلمية ورد بأن علة منعه كونه على مثال الفعل، كتفول والمذكور والمؤنث في ذلك سواء.
وتصرف على إرادة الموضع في حديث كعب، ولم يذكرني صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك.
قال الحافظ: بغير صرف للأكثر، وفي رواية تبوكا على إرادة المكان. ا. هـ. وبه يرد قول البرهان أنه بالصرف في جميع نسخ البخاري، وأكثر نسخ مسلم "مكان معروف" قال الحافظ: بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وكذا قال غيره، وتوقف فيه البرهان بأنه سارها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة ولا وقفة؛ لأنهم جدوا في السير "وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق" كما في الفتح ومراده على التقريب بدليل ما تراه من ضبطه ما بينهما بالمراحل، وصريحه قدم تسمية المكان بذلك، ويوافقه قول الفتح وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها في مسلم أنكم ستأتون غدا عين تبوك، وكذا أخرجه أحمد والبزار من حديث حذيفة، وقيل: سميت بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين سبقاه إلى العين ما زلتما تبوكانها منذ اليوم.
قال ابن قتيبة: فبذلك سميت العين تبوك والبوك كالنقش، والحفر والحديث المذكور رواه مالك ومسلم بغير هذا اللفظ عن معاذ أنهم خرجوا معه صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنكم ستأتون غدا إن
وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها.
وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكر البخاري لها بعد حجة الوداع لعله خطأ من النساخ.
شاء الله تعالى عن تبوك فمن جارها فلا يمس من مائها، فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فذكر الحديث في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه بشيء من مائها، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس انتهى كلام الفتح.
قال الشامي: دل صريح هذا الحديث على أن تبوك اسم لذلك الموضع الذي فيه العين المذكورة النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول قبل أن يصلها بيوم "وهي غزوة العسرة" كما قاله البخاري وغيره.
قال الحافظ: بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون مأخوذ من قوله تعالى:{الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] وفي حديث الشيخين قول أبي موسى في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك.
عن ابن خزيمة عن ابن عباس قيل لعمر حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فأصابنا عطش الحديث، "وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، بما نزل فيهم من الآيات الدالة على كذبهم، كقوله تعالى:{وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة: 81]{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} [التوبة: 49]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَانِكُمْ} [التوبة: 66] .
وتفصيل ذلك بطول "وكانت يوم الخمسين، " كما رواه البخاري والنسائي عن كعب بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وفي رواية للبخاري أيضا عنه قلما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس، زاد النسائي جهاد أو غيره في رجب سنة تسع مع الهجرة، قبل حجة الوداع بلا خلاف، زاد الحافظ وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة.
"وذكر البخاري لها" وضعا "بعد حجة الوداع" قال الحافظ: خطأ "لعله خطأ من النساخ، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، كما رواه أحمد في حديث كعب ويونس في زيادات المغازي من مرسل الحسن، وابن عقبة من مرسل الزهري، فلعل البخاري تعمد تأخيرها إشارة إلى ذلك، ولم يفصح به لكونه ليس على شرطه، كما هو دأبه فيما هو كذلك، فختم بها كتاب المغازي الذي ترجم به أولا.
وكان حرا شديدا، وجدبا كثيرا فلذلك لم يور عنها كعادته في سائر الغزوات.
وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر وفي حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه، من الماء، فكان ذلك عسرة في الماء وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة.
وسببها أنه بلغة عليه الصلاة.
وذكر غير المغازي إنما هو تتميم، فاتكل على المعلوم من أنها قبلها، مع أنه لم يلتزم ترتيبا هذا ما ظهر لي، فإن انقدح وإلا فما البخاري بأولى بالخطأ مني، "وكان" زمن خروجه حرا شديدا، وعند ابن عقبة عن الزهري جدبا قيظا شديدا في ليالي الخريف "وجدبا" بفتح الجيم، وإسكان المهملة وموحدة قحطا "كثيرا، فلذلك لم يور" بشد الراء لم يستر ويكن "عنها"، والتورية ذكر لفظ يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيتوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد، والمتكلم صادق، لكن الخلل وقع من فهم السامع، خاصة وأصله من ورى الإنسان، كأنه ألقى البيان وراء ظهره "كعادته في سائر" باقي "الغزوات" التي قبل هذه لئلا يتفطن العدو، فيستعد للدفع كما رواه البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك قال: لم يكن صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا، وغزا عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، وللبخاري في الجهاد عنه: كان صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها، ولا خلف بينهما بحمل القلة على النفي المطلق، المنتهى، إلى العدم للرواية الأولى خصوصا، والمخرج متحد وجلي بشد اللام، كما قال الزركشي، والحافظ والدماميني أي أظهر، وجوز الأخيران تخفيفها.
وزعم العيني أنه خطأ، وفي تفسير عبد الرزاق" ابن همام الحافظ الثقة، الصنعاني المشهور "عند شيخه معمر" بن راشد الأزدي مولاهم البصري، نيل اليمن الحافظ، الثقة الثبت، كلاهما من رجال الكتب الستة، "عن" عبد الله بن محمد "بن عقيل" بتفح العين وكسر القاف، فنسبه لجده ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني أمه زينب بنت على صدوق، مات بعد الأربعين ومائة "قال: خرجوا في قلة من الظهر" مع كثرتهم "وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء" حتى أغاثهم الله ببركته صلى الله عليه وسلم، كما يأتي، "فكان ذلك عسرة" شدة "في الماء، وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة" أي الشدة والضيق.
"و" اختلف في سببها فقال ابن سعد وشيخه الواقدي وغيرهما: "سببها أنه بلغه عليه الصلاة
والسلام من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل. فندب صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذي يريد؛ ليتأهبوا لذلك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك، وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للناس قوة.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها،
والسلام من الأنباط" قال الحافظ: نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه ويقال: إن النبط ينسبون إلى نبيط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، "الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، أن الروم" جمع رومي، نسبة إلى جدهم روم بن عيص بن إسحاق، وغلب عليهم اسم أبيهم، فصار كاسم القبيلة، كما في النور، "تجمعت بالشام مع هرقل" بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف على المشهور، ويقال: بكسر الهاء، والقاف وسكون الراء علم على قيصر أعجمي، لا ينصرف للعلمية والعجمة، وبقية هذا القول، وأن هرقل رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، ولم يكن لذلك حقيقة، "فندب صلى الله عليه وسلم" لما بلغه ذلك "الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد؛ ليتأهبوا لذلك" أي يكونوا على أهبة وإعداد لما يحتاجونه في السفر والحرب.
"وروى الطبراني" بسند ضعيف في سببها "من حديث عمران بن حصين" الخزاعي الصحابي ابن الصحابي "قال كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون" جمع سنة بالفتح قحط "فهلكت أموالهم" أسقط كالفتح من رواية الطبراني، فإن كنت تريد أن تلحق دينك فالآن، "فبعث" هرقل "رجلا من عظمائهم" يقال له قباذ، كما في نفس رواية الطبراني، كما في الفتح "وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للناس قوة" قدرة على الذهاب لتلك الأرض، لفقد الظهر والنفقة، لا الضعف كما هو ظاهر.
"وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام، فقال:" لما علم بذلك، وبحثه صلى الله عليه وسلم على النفقة والحملان "يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها" جمع حلس بكسر فسكون كساء
ومائتا أوقية -يعني من ذهب- قال: فسمعته يقول: يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا.
تحت البرذعة "ومائتا أوقية، قال" عمران: "فسمعته" صلى الله عليه وسلم "يقول: "ولا يضر عثمان ما عمل بعدها".
يحتمل أن نفي الضرر لعدم وقوع زلة فهو إشارة إلى أن الله منعه منها ببركة إنفاقه في سبيل الله وأنه صلح أن يغفر له ما عساه يكون ذنبا إن وقع ولا يلزم من الصلاحية وجوده وقد أظهر الله صدق رسوله، فإن لم يزل على أعمال أهل الجنة حتى فارق الدنيا.
قال الحافظ وحديث عمران أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن خباب بنحوه، وقيل سببها ما رواه أبو سعد في الشرف والبيهقي في الدلائل وابن أبي حاتم ويونس في زيادات المغازي من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بني غنم أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله:{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} [الإسراء: 76] .
قال الحافظ: إسناده حسن مع أنه مرسل انتهى.
وقيل سببها أن لله تعالى لما منع المشركين من قرب المسجد الحرام في الحج وغيره، قالت قريش: لتقطعن عنا المتاجر والأسواق وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله بالأمر بقتال أهل الكتاب، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] إلى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُون} [التوبة: 29] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] فعزم صلى الله عليه وسلم على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولاهم بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام.
ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وابن جرير عن سعيد بن جبير ويحتمل أن السبب جملة الأربعة، فليس بينها تناف.
ذكر الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم حض على النفقة والحملان في سبيل الله، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"هل أبقيت لأهلك شيئا" قال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله فسأله:"هل أبقيت لهم شيئا" قال: نعم، نصف مالي، وحمل العباس وطلحة وسعد بن عبادة، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية إليه صلى الله عليه وسلم، وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر، وجهز عثمان ثلث الجيش حتى كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم انتهى. وأقل ما قيل أنه ثلاثون ألفا فيكون جهز عشرة آلاف، وقال ابن إسحاق أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
"وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا.
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة في حجرة صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول:"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم". خرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعند الفضائلي والملاء في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض النضرة من حديث حذيفة: بعث عثمان -يعني في جيش العسرة- بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعن عبد الرحمن بن سمرة" بن حبيب بن عبد شمس القرشي العبشمي أبي سعيد صحابي من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة وبها مات سنة خمسين، أو بعدها، روى له الستة "قال جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة" بالبناء للمفعول.
وفي رواية أحمد حين جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش العسرة "فنثرها" وفي رواية فصبها "في حجرة صلى الله عليه وسلم".
قال عبد الرحمن "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم".
"أخرجه الترمذي: وقال حسن غريب" ورواه الإمام أحمد والبيهقي أيضا، "وعند الفضائلي والملاء"، قال الشامي في جماع فضائل أهل البيت بفتح الميم وشد اللام: عمر الموصلي كان يملأ من بئر في جامع الموصل احتسابا وكان إماما عظيما، ناسكا، زاهدا، وكان السلطان نور الدين الشهيد يشهر قوله ويقبل شفاعته، انتهى.
فوهم من ظنه الملائي فزاده ياء تعلقا بأن في اللب وغيره الملائي، بضم الميم وخفة اللام والمد، نسبة إلى بيع الملاءة التي يلتحف بها النساء، فإن هذا من الرواة لا سيرة له، وقد قال المصنف "في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض النضرة" في فضائل العشرة: وقد أبعد النجعة بالعز، ولغير المشاهير فقد أخرجه ابن عدي أيضا كلهم "من حديث حذيفة" بن اليمان قال:"بعث عثمان" ولفظ ابن عدي جاء عثمان "يعني في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال الحافظ في المناقب بعد عزوه لابن عدي: سنده واه، ولعلها كانت بعشرة آلاف درهم، فتوافق رواية ألف دينار انتهى. ولو صح أمكن أن الألف جاء بها والعشرة بعث بها لكن
فصبت بين يديه، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول بيده ويقلبها ظهرا لبطن ويقول:"غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها".
ولما تأهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج قال قوم من المنافقين: لا تنفروا في الحر، فنزل قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ
يمنع ذلك رواية ابن عدي بلفظ جاء المفيدة أن بعث من تعبير الرواة لاتحاد المخرج، "فصبت بين يديه، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول بيده" أي يفعل بها، فقوله "ويقلبها" بيان للقول المذكور، والضمير عائد للدنانير بدليل قوله في الرواية التي فوقها يقلبها في حجره والحديث يفسر بعضه بعضا ظهرا لبطن، أي ما ظهر منها لما بطن تعجبا من كثرتها وسماحته بها في سبيل الله.
هذا هو المتبادر، وقال شيخنا: أي يجعل بطن يده تارة إلى السماء، وظهرها إليها أخرى، ولعله كان تارة يدعو برفع البلاء، فيجعل ظهرها إلى السماء، وتارة بطلب النصر، ونحوه فيجعل بطنها ولك الترجيح، "ويقول:"غفر الله لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة ما يبالي ما عمل بعدها"، بشارة عظيمة بأن الله غفر له الذنوب، أي سترها عنه، فمنعه منها ببركة دعائه له، ونفقته في سبيل الله، فليس يبالي بما عمل إذ لا يقع منه إلا الخير.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق ألف دينار غير الإبل، والزاد وما يتعلق بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض" ومعلوم أن الألف دينار غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك.
وقد روى الطيالسي، وأحمد والنسائي عن الأحنف بن قيس: سمعت عثمان يقول لسعد بن أبي وقاص، وعلى، والزبير وطلحة: أنشدكم الله تعالى هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جهز العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا". قالوا: اللهم نعم.
وروى عبد الله في زوائد المسند والترمذي والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة. قال: خطب صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر ثم حث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتبابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتباها قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده، هكذا يحركها كالمتعجب "ما على عثمان بعد هذا اليوم" أو قال "بعدها " ولما تأهب صلى الله عليه وسلم للخروج قال" كما رواه ابن إسحاق عن شيوخه "قوم من المنافقين" بعضهم لبعض "لا تنفروا" تخرجوا إلى الجهاد "في الحر" زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول، "فنزل قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّم
أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون} [التوبة: 81] .
وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى مكة وقبائل العرب يستفزهم.
وجاء البكاءون يستحملونه، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا أجد ما أحملكم عليه". وهم
أَشَدُّ حَرًّا} من تبوك فالأولى أن تتقوها بترك التخلف {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون} ، يعلمون ذلك ما تخلفوا، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون، فأخبر عن حالهم بالضحك القليل في الدنيا، ومقابله في الآخرة بصيغة الأمر.
وعند ابن عقبة والواقدي وغيرهما: أن قائل ذلك الجد، بفتح الجيم، وشد المهملة ابن قيس لمن معه من بني سلمة وأنه القائل ائذن لي ولا تفتني.
وقد روى الطبراني، وأبو نعيم، وابن مردويه، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر: لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى تبوك قال لجد بن قيس: "ما تقول في مجاهدة بني الأصفر"، فقال: إني امرؤ صاحب نساء ومتى أرى نساءهم، أفتتن فائذن لي، ولا تفتني، فأعرض عنه، وقال:"قد أذنا لك" فأنزل الله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} [التوبة: 49] .
قال ابن إسحاق: أي إن كان إنما خشي منهن، وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله، والرغبة بنفسه عن نفسه يقول وإن جهنم لمن ورائه، زاد الواقدي عن شيوخه فجاءه ابنه عبد الله وكان بدريا فلامه فقال: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر وأنا أخالفهم في منزلي، أفأغزوهم وإني عالم بالدوائر، فألظ له ابنه وقال: لا والله ولكنه النفاق والله لينزلن فيك قرآن، فضرب بنعله وجه ولده فانصرف ابنه ولم يكلمه فنزلت الآية.
وروى ابن هشام عن عبد الله بن حارثة عن أبيه قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن تبوك، فبعث صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، "وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى مكة وقبائل العرب يستفزهم، وجاء البكاءون يستحملونه" يطلبون منه ما يركبون عليه، ويحملهم وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن الغزو معه "فقال عليه الصلاة والسلام:"لا أجد ما أحملكم عليه" وهم" كما قال ابن عباس عند ابن جرير، وابن مردويه، وأبي نعيم، وابن إسحاق، عن شيوخه الزهري، وعاصم، ويزيد، وغيرهم، وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي وعند كل ما ليس عند الآخر.
سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمرو المزني، وعمرو بن الحمام،
وصرح ابن إسحاق وطائفة بأنهم سبعة والمتحصل من الجميع ما سرده المصنف تبعا لمغلطاي وحسن منه تقديم خمسة اتفق عليهم من ذكر وهم: "سالم بن عمير" ويقال: ابن عمرو ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن ثابت بن النعمان الأوسي، يقال في نسبه العمري؛ لأنه من بني عمرو بن عوف، شهد العقبة وبدرا وما بعدهما ومات في خلافة معاوية.
ووقع عند ابن جرير، عن محمد بن كعب، وغيره في تسمية البكائين سالم بن عمير من بني واقف، قال في الإصابة: فيحتمل أن يكون غير الأول انتهى.
"وعلبة"، بضم المهملة، وسكون اللام، وفتح الموحدة وتاء تأنيث. "ابن زيد" بن عمرو بن عوف الأنصاري، "وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب" بن عمرو بن عوف الأنصاري، الأوسي، "المازني" من بني مازن بن الهنجار، شهد أحدا وما بعدها، ومات في خلافة عمر. "والعرباض" بكسر المهملة، وسكون الراء وموحدة فألف، فمعجمة.
"ابن سارية" السلمي قديم الإسلام ومن أهل الصفة، مات بعد السبعين، وهو من البكائين باتفاق من ذكرت، وعليه الواقدي وابن سعد، وحزم، وأبو عمرو "وهرم" بفتح الهاء، وكسر الراء وميم آخره، ويقال: هرمي بياء بعد الميم وقدمه جماعة "ابن عبد الله" بن رفاعة الأنصاري الواقفي، بقاف مكسورة، ثم فاء المدني، "وعمرو بن عنمة" بفتح المهملة والنون والميم وتاء تأنيث ابن عدي الأنصاري، ذكره ابن عقبة وغيره في البكائين وأهل بدر وقول الإصابة، وكذا ذكره ابن إسحاق، أي في رواية عن زياد، فلا يخالف نقله في الفتح عنه من عدم عده في البكائين، "وعبد الله بن مغفل"، بضم الميم وفتح المعجمة والفاء المشددة ابن عبد نهم، بفتح النون، وسكون الهاء وميم.
المزني من مشاهير الصحابة شهد بيعة الرضوان، مات سنة تسع وخمسين، أو ستين، أو إحدى وستين بالبصر، عده في البكائين ابن عباس وابن عقبة وابن إسحاق والقرظي.
وروى ابن سعد وغيره عنه قال: إني لأحد الرهط الذين ذكر الله {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْك} [التوبة: 92] .
"وعبد الله بن عمرو" بن هلال "المزني" حكاه ابن إسحاق قولا بدل ابن مغفل.
ورواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، وابن مردويه عن مجمع بن جارية.
"وعمرو" بفتح العين "ابن الحمام"، بضم الحاء المهملة، والتخفيف ابن الجموح
ومعقل المزني، وحرمي بن مازن، والنعمان وسويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن وهند.
الأنصاري من بني سلمة، ذكره فيهم ابن إسحاق والطبري والدولابي.
"ومعقل بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، ولام، ابن يسار "المزني" بايع تحت الشجرة، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة حكى كونه منهم ابن سعد عن بعض الروايات.
"وحرمي" بفتح المهملة، فراء، فميم اسم بلفظ النسب "ابن" عمر، ومن بني "مازن" انفرد بعده في البكائين محمد بن كعب القرظي، كما انفرد بذكر عبد الرحمن بن زيد أبي عبلة. رواه عنه ابن جرير، قال ابن سعد: وبعضهم يقول البكاءون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة، فسردهم المصنف، فقال:"والنعمان" بن مقرن بن عائذ، صحابي مشهور روى له الستة، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، وهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، فذاك تابعي وهو ابن أخي هذا.
"وسويد" مقرن صحابي مشهور نزل الكوفة روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ويقع في النسخ والنعمان بن سويد، وهو خطأ، فالذي في نفس مغلطاي الذي هو ناقل عنه بواو العطف.
"ومعقل" بن مقرن المزني قال ابن حبان: له صحبة وقال البغوي: سكن الكوفة: وروى عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث.
"وعقيل بفتح أوله ابن مقرن المزني ذكره البخاري في الصحابة، والواقدي فيمن نزل الكوفة منهم.
"وسنان" بن مقرن أحد الأخوة، وقال ابن سعد له صحبة وذكره غير واحد في الصحابة.
"وعبد الرحمن" بن مقرن بن عائذ المزني قال ابن سعد: له صحبة، ويقال: كان اسمه عبد عمرو، فغيره صلى الله عليه وسلم، وهذا سقط من الشامي لما عذبني مقرن سهوا، أو من الناسخ.
"وهند" لم أر له ذكرا في الصحابة نعم فيها عبد الله بن مقرن المزني أحد الأخوة.
روى عنه مجد بن سيرين وعبد الملك بن عمير، كذا قال ابن منده: ولم يخرج له شيئا، وله ذكر في الفتوح.
قال سيف في كتاب الردة: خرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وميسرته عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فذكر قصة قتال أهل الردة انتهى.
وقد صرح في الشامية بأن السابع لم يسم فقيل: اسمه عبد الله، وقيل النعمان، وقيل
بنو مقرن، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:{تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] قال مغلطاي.
وفي البخاري، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم، فقلت يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال:"والله لا أحملكم على شيء" فرجعت.
ضرار "بنو مقرن" بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء الثقيلة.
قال الواقدي وابن نمير: كان بنو مقرن سبعة كلهم صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر: ليس ذلك لأحد من العرب غيرهم.
قال الحافظ: وقد ذكر هو في ترجمة هند بن حارثة الأسلمي ما ينقض ذلك، وأخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن معقل بن مقرن أن ولد مقرن كانوا عشرة، نزل فيهم:{مِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} "وهم الذين قال الله تعالى فيهم": {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92]، قلت: $"لا أجد ما أحملكم عليه"، " {تَوَلَّوْا} " انصرفوا جواب إذا، " {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيض} " تسيل:" {مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} " لأجل " {أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون} " في الجهاد، "قاله مغلطاي" جامعا ما تفرق في الأخبار، قال الشامي: وذكر الحاكم أن فيهم حرمي بن المبارك بن النجار، وابن عائذ مهدي بن عبد الرحمن ولم أر لهما ذكرا في كتب الصحابة.
قال ابن إسحاق والواقدي: لما خرج البكاءون من عنده صلى الله عليه وسلم، وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه لقي يامين بن عمر، والنضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما قالا: جئناه صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونكره أن تفوتنا غزوة معه، فأعطاهما ناضحا له، وزود كل واحد منهما صاعين من تمر.
زاد الواقدي: وحمل العباس منهم رجلين وعثمان ثلاثة بعدما جهز من الجيش.
"وفي البخاري" ومسلم، "عن أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري "قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم" بضم الحاء المهملة وسكون الميم، أي الشيء الذي يركبون عليه ويحملهم، قاله الحافظ وغيره، "فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال:"والله لا أحملكم على شيء".
زاد مسلم والبخاري في رواية: "وما عندي ما أحملكم عليه"، وأسقط من البخاري ومسلم ما لفظه ووافقتهه وهو غضبان، ولا أشعر من شيء آخر قبل مجيئه لقوله: وافقته وقوله: لا أشعر فكأن غضبه حمله على القسم، وفيه انعقاد اليمين في الغضب، "فرجعت" إلى أصحابي" حال
حزينا من منع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه على فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم. فلم ألبث إلا سويعة إذا سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فلما أتيته قال: "خذ هاتين القرينتين وهاتين القرينتين" لستة أبعرة أبتاعهن حينئذ من سعد
كوني "حزينا من منع النبي صلى الله عليه وسلم" أن يحملنا "ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم" غضب "في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث" بفتح الهمزة والموحدة، بينها لام ساكنة آخره مثلثة "إلا سويعة" بضم السين المهملة، وفتح الواو مصغر ساعة، وهي جزء من الزمان، أو من أربعة وعشرين جزأ من اليوم والليلة.
قال المصنف وجزم الشام بالأول "إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله" رواية أبي ذر ولغيره، أي عبد الله "بن قيس، فأجبته فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك" خبر رسول، أو حال، فرسول منصوب بأجب، "فلما أتيته قال:"خذ هذين القرينين" تثنية قرين. قال الحافظ: أي الحملين المشدودين أحدهما إلى الآخر وقيل: النظيرين المتساويين "وهذين القرينين"، ولأبي ذر عن غير المستملي وهاتين القرينتين أي الناقتين فذكر، ثم أنث، فالأولى على أرادة البعير والثانية على إرادة الاختصاص لا الوصفية انتهى.
وقال المصنف والشامي: ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هاتين القرينتين، وهاتين القرينتين أي الناقتين.
قال الحافظ: وهو إما اختصار من الراوي، أو كانت الأولى اثنين والثانية أربعة؛ لأن القرين بصدق على الواحد وعلى الأكثر فلا يخالف قوله "لستة أبعرة".
وتقدم، أي في البخاري في قدوم الأشعريين أنه صلى الله عليه وسلم أمر لهم بخمس ذود، فأما تعددت القصة، أو زادهم على الخمس واحدا انتهى.
وللبخاري أيضا بثلاثة ذود وجمع بأنها باعتبار ثلاثة أزواج والأبعرة جمع بعير يقع على الذكر والأنثى، فهو جار على كل من رواية التذكير والتأنيث "ابتاعهن".
قال الحافظ في رواية الكشميهني: ابتاعهم، وكذا انطلق بهن في روايته بهم، والصواب ما عند الجماعة؛ لأنه جمع ما لا يعقل "حينئذ من سعد" لم يتعين لي من هو سعد إلى الآن، إلا أنه يهجس في خاطري أنه سعد بن عبادة انتهى.
ففي قول المصنف قيل: هو ابن عبادة وقفة، وفي قدوم الأشعريين، فحلف أن لا يحملنا، ثم لم يلبث صلى الله عليه وسلم أن أتى بنهب إبل، فأمر لنا بخمس ذود، ولم ينبه الحافظ على الجمع بين الروايتين.
"فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن" الحديث.
وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس. فقال صلى الله عليه وسلم:"أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد،
قال الشامي: فيحتمل أن يكون ما جاء من النهب أعطاه لسعد، ثم اشتراه منه لأجل الأشعريين، أو يحمل على التعدد "فانطلق" بكسر اللام، والجزم على الأمر، قاله المصنف بناء على قول الكوفيين الأمر مجزوم، أو مسامحة، ومراده على صورة المجزوم بناء على قول البصرة مبني "بهن".
وللكشميهني بهم بالميم والصواب الأولى، كما علم "إلى أصحابك، فقل إن الله، أو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء" الأبعرة "فاركبوهن" الحديث". بقيته فانطلقت إليهم بهن، فقلت إن النبي صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء الأبعرة، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تظنوا أني أحدثتكم شيئا لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنك عندنا بالمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعه إياهم، ثم أعطاهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى، "وقام علبة بن زيد" أحد البكائيين المذكورين، "فصلى من الليل" ما شاء الله "وبكى" لفظ الرواية ثم بكى "وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني" المسلم "فيها" في المظلمة "مال" بالجر بدل من مظلمة، ولفظ الروض أصابني بها في مال، "أو جسد، أو عرض" بأن أعفو عنه والغالب أن لا يخلو أحد من ظلم غيره له في شيء ما وبفرض أن لا ظلامة فهو مثاب على قصده الرأفة بالمسلمين.
وفي حديث أبي عيس: ولكني أتصدق بعرضي من آذاني، أو شتمني، أو لمزين فهو له حل "ثم أصبح مع الناس فقال صلى الله عليه وسلم" وفي حديث عمرو بن عوف فأمر صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى "أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد ثم قال:"أين المتصدق" فلم يقم أحد" وكأنه لو علم بالوحي لم يبين له خصوصه، كأنه قيل له: إن رجلا من أصحابك تصدق الليلة بكذا، أو
ثم قال: "أين المتصدق بهذه الليلة"؟ فلم يقم أحد، ثم قال:"أين المتصدق فليقم"، فقام إليه فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم:"أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المقبلة". رواه يونس كما ذكره السهيلي في الروض له، والبيهقي في الدلائل.
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة،
علم وأراد إذاعة فضله، ثم قال:"أين المتصدق فليقم" زاد في الروض ولا يتزاهد ما صنع هذه الليلة انتهى.
وكان علبة أراد خفاء عمله، فلم يقم في المرتين حتى أمره فلم يسمعه إلا امتثاله "فقام إليه، فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: "أبشر فوالذي نفس محمد بيده"، أقسم له ليزيد مسرته، ويدع كربته "لقد كتبت" بالبناء للمفعول، أي صدقتك "في" عداد "الزكاة المتقبلة" فثوابها كثوابها.
"رواه يونس" عن ابن إسحاق "كما ذكره السهيلي في الروض" بلا سند، "والبيهقي في الدلائل له" قال في الإصابة: وقد ورد موصولا من حديث مجمع بن جارية، ومن حديث عمرو بن عوف عند ابن أبي الدنيا وابن شاهين.
ومن حديث علبة نفسه عند البزار قال: حث صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فذكره قال البزار: علبة هذا مشهور من الأنصار ولم نعلم له غير هذا الحديث.
ومن حديث أبي عبس، بفتح فسكون ابن جبير عند الخطيب انتهى ملخصا.
"وجاء المعذرون" جمع معذر بشد الذال.
قال البيضاوي: أما من عذر في الأمر إذا اقصر فيه موهما أن له عذرا ولا عذر له، أو من اعتذر إذا شهد العذر بإدغام في الذال ونقل حركتها إلى العين ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين، وضمها للإتباع لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب المعذرون من أعذر إذا اجتهد في العذر "من الأعراب" إلى النبي صلى الله عليه وسلم "ليؤذن لهم في التخلف" وتعللوا بالجهد وكثرة العيال، "فأذن لهم" في التخلف، ولكن لم يعذرهم كما قال ابن إسحاق وغيره، أي لم يقبل عذرهم لكذبهم فيه "وهم" كما قال ابن سعد وشيخه:"اثنان وثمانون رجلا"، من بني غفار، وفي البيضاوي يعني أسد وغطفان، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك اغارت طيء على أهالينا ومواشينا.
"وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر" في نفس الأمر، "و" بغير "إظهار علة" للنبي صلى الله عليه وسلم،
جرأة على الله ورسوله وهو قوله تعالى: {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 90] . واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطي: وهو عندنا أثبت ممن قال استخلف غيره. انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقي، في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب، لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال يومئذ: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى
"جراءة" بفتح الجيم والراء، كضخامة "على الله ورسوله" لعدم مبالاتهم بهما لكفرهم" وهو قوله تعالى:{وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 90] في إدعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار.
"واستخلف على المدينة" فيما قال ابن هشام "محمد بن مسلمة" الأنصاري.
"قال الدمياطي" تبعا للواقدي، "وهو عندنا أثبت ممن" أي من قول من قال: أو قائل استخلافه أثبت ممن قال استخلف غيره" عليًّا، أو سباعًا، أو ابن أم مكتوم "انتهى" كلام الدمياطي وهو في هذا الترجيح تابع لقول الواقدي الثبت عندنا محمد بن مسلمة، "و" لكن قال الحافظ زين الدين العراقي في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب، لم يتخلف" علي "عن المشاهد" كلها، بل حضرها معه صلى الله عليه وسلم وخيبر، وإن تخلف في ابتدائها العذرة فقد حضر معظمها بحيث كان الفتح على يديه "إلا تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خلفه على المدينة"، كما رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب "و" خلفه أيضا على عياله" فقال:"يا علي اخلفني في أهلي وأضرب وخذ وعظ"، ثم دعا نساءه فقال:"اسمعن لعلي وأطعن".
رواه الحاكم في الأكليل من مرسل عطاء بن أبي رباح، وأخرج ابن إسحاق عن سعد ابن أبي وقاص خلف صلى الله عليه وسلم عليًّا على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا له وتخففًا فأخذ علي سلاحه، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني؛ لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال:"كذبوا ولكن خلفتك لما تركت ورائي فأرجع في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" فرجع إلى المدينة ومضى صلى الله عليه وسلم على سفره، "وقال يومئذ"، أي زمن استخلافه لما تراه أن قوله له لما لحقه بالجرف، فأراد باليوم القطعة من الزمن "أنت مني" وفي رواية لهما أيضا، "أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى".
إلا أنه لا نبي بعدي". وهو في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص. انتهى. ورجحه ابن عبد البر.
قال الطيب: "مني" خبر المبتدأ ومن اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة، كما في قوله تعالى:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137] ، أي فإن آمنوا إيمانا مثل إيمانكم يعني أنت متصل ونازل مني منزلة هارون من موسى وفيه تشبيه، ووجه الشبه مبهم بينه بقوله، "إلا أنه لا نبي بعدي" فعرف أن الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهي الخلافة، ولما كان هارون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على تخصيص خلافة علي له صلى الله عليه وسلم بحياته انتهى. يعني فلا حجة فيه للشيعة في أن الخلافة لعلي، وأنه أوصى له بها، وكفرت الروافض جميع الصحابة، بتقديم غيره، وزاد بعضهم فكفر عليًّا لكونه لم يقم بطلب حقه، ولا حجة لهم في الحديث، ولا متمسك لهم به؛ لأنه إنما قال هذا حين استخلفه بالمدينة في هذه الغزوة.
قال المصنف وغيره: ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لوفاته قبله بنحو أربعين سنة انتهى. ومر في أحد قولي البيضاوي: الأكثر أن موسى مات قبله بسنة، وقول النور: بنحو خمسة أشهر، "وهو" أي كونه خلفه على المدينة وعلى عياله معا ظاهر ما في الصحيحين البخاري هنا، وفي المناقب ومسلم في الفضائل، والنسائي وابن ماجه كلهم "من حديث سعد بن أبي وقاص" ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال: اتخلفني في الصبيان والنساء قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
زاد أحمد فقال علي: رَضيت ثم رضيت، فقوله: استخلف عليًّا ظاهر في أنه على المدينة، وتأيد هذا الظاهر بورود هذه اللفظة في نفس حديث سعد في مصنف عبد الرزاق، والروايات يفسر بعضها بعضا، لا سيما والمخرج متحد، ومن ثم جزم الحافظ العراقي الذي "انتهى".
كلامه بعزوه لهما استخلافه على المدينة، "ورجحه" الإمام الحافظ "ابن عبد البر" وتبعه الحافظ ابن دحية، وقطع به المصنف في شرح البخاري؛ لأن ما في أرفع الصحيح لا معدل عنه، وأما الدمياطي فقد مر عنه أنه كان لما ألف السيرة سيريًا محضًا، يتبعهم ولو خالف الأحاديث الصحيحة، فتبع هنا الواقدي في ترجيحه، ثم العجب من الشارح أخذ ترجمة الشامي من استخلفه على أهله، ومن استخلفه على المدينة، وأتى بصدر كلامه فقط، وزعم أنه ظاهر حديث البخاري. وقضى على المصنف بالتسمح، فإنه خلفه على أهله لكن لقربه منه وعظم أمره
وقيل: استخلف سباع بن عرفطة.
وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم، كعب بن مالك.
إذا عرض للمدينة شيء عاون ابن مسلمة في دفعه، ولو استكمل عبارة الشامي لعلم أن الحق مع المصنف، وأنه لا تسمح في كلامه فإنه لما حكى عن الواقدي القول بأنه علي قال ما نصه. قال أبو عمرو تبعه ابن دية، وهو الأثبت قلت ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب انتهى.
فهذا صريح في ترجيحه، وأن ترجمته إنما هي توفية بتأدية كلام أهل المغازي ويهجس في خاطري أنه لم يقرأ له بقية كلامه أو سقط من النسخة التي كانت عنده؛ لأنه كان يشكو كثرة تحريفها وسقطها "وقيل: استخلف سباع" بكسر المهملة وخفة الموحدة "ابن عرفطة" بضم المهملة، وسكون الراء وضم الفاء فطاء مهملة حكى هذا القول ابن هشام عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويقال: إنه استخلف ابن أم مكتوم.
حكى الأقوال الأربعة الواقدين وقد علمت أن أرجحها علي لصحة الحديث به وترجيح جهابذة الحفاظ له، فناهيك بابن عبد البر، وابن دحية، والعراقي ويليه محمد بن مسلمة لترجيح الواقدي والدمياطي، وأما الأخيران فلم يرجحا وقال شيخنا يجمع بتقدير صحة جميعها، بأن عليًّا على أهله، وابن مسلمة على المدينة، وابن أم مكتوم على الصلاة وسباع أولا، ثم عرض ما منعه، فاستخلف ابن مسلمة انتهى. وملحظه فيه ما أصله، كما علمت من ترجيح أنه ابن مسلمة، "وتخلف نفر من المسلمين من غير شك" في أمره صلى الله عليه وسلم، "ولا أرتياب" بل كانوا جازمين متيقنين أنه خاتم النبيين.
"منهم كعب بن مالك" الأنصاري السلمي، بالفتح المدني، الصحابي المشهور، مات في خلافة علي.
روى له الجميع قال في حديث تخلفه عند الشيخين: تجهز صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقص شيئًا فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجند، فأصبح صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت: أتجهز بعده بيوم، أو يومين، ثم ألحقهم فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا لم يزل حتى أسرعوا وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك.
ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك.
ولما رأى عليه.
"ومرارة" قال في الفتح بضم الميم وراءين الأولى خفيفة.
"ابن الربيع" الأنصاري العمري، بفتح المهملة، وسكون الميم، نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ووقع لبعضهم العامري، وهو خطأ، وكونه ابن الربيع هو المشهور، ووقع في مسلم ابن ربيعة وعند ابن مردويه من حديث مجمع بن جارية مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وكذا ما عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن من تسميته ربيع بن مرارة وهو مقلوب، وذكر في هذا المرسل: أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه، قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أني أشهدك أن قد تصدقت به في سبيلك.
"وهلال بن أمية" الأنصاري الواقفي بقاف، ثم فاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن ملك بن الأوس. ذكر في مرسل الحسن: أن سبب تخلفه، أنه كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال: اللهم لك على أن لا أرجع إلى أهل ولا مال، وفيهم نزل {عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] على التوبة عليهم بقرينة بقية الآية، ويأتي له مزيد "وأبو ذر".
ذكر الواقدي: أن سبب إبطائه عن السير أن بعيره كان أعجف، فقال: أعلفه أياما، ثم ألحقه عليه الصلاة والسلام، فعلفه أياما، ثم خرج فلم ير به حركة، فحمل متاعه على ظهره وسار.
"وأبو خيثمة" قال في الفتح اسمه سعد بن خيثمة، كذا أخرجه الطبراني من حديثه ولفظه تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت حائطا، فرأيت عريشا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بإنصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحر وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات وخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال صلى الله عليه وسلم:"كن أبا خيثمة"، فجئت فدعا لي. وذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، وذكر الواقدي: أن اسمه عبد الله بن خيثمة وقال ابن هشام: اسمه مالك بن قيس انتهى. "ثم لحقاه بعد ذلك" روى ابن إسحاق عن ابن مسعود لما سار صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعلوا يقولون تخلف فلان، فيقول:"دعوه فإن يكن فيه خير، فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه"، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثره صلى الله عليه وسلم ماشيا، "ولما رأى عليه
الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري -وكان صلى الله عليه وسلم نزل في بعض الطريق- فقال: "يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"، فكان كذلك.
وأمر صلى الله عليه وسلم لكن بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية.
الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري وكان عليه الصلاة والسلام نزل في بعض الطريق" قال أبو ذر: فطلعت عليه نصف النهار وقد أخذ مني العطش.
رواه الواقدي قال في حديث ابن إسحاق: فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال صلى الله عليه وسلم:"كن أبا ذر" فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر "فقال""رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده".
هكذا الرواية عن ابن مسعود عند ابن إسحاق وأتباعه فما يقع في نسخ يعيش بدل يبعث تحريف من النساخ، وعند الواقدي، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره خبره قال:"لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن لقيتني"، ووضع متاعه عن ظهره، ثم استسقى فأتي بإناء من ماء فشربه، وقوله:"كن أبا ذر"، "كن أبا خيثمة" بلفظ الأمر قيل: معناه الدعاء، كما تقول أسلم، أي سلمك الله، أي اللهم اجعله أبا ذر، وقيل: معناه أنت أبو ذر، ثم إنه يقع في نسخ حذف، "ويبعث وحده"؛ لأنه لم يتقيد بالرواية، بل اقتطف منها ما يدل على الآية الباهرة التي شوهدت والبعث لم يشاهد بعد، فهي أنسب بقوله "فكان كذلك".
روى ابن إسحاق عن ابن مسعود: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلان وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم، فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به، وأقبل ابن مسعود في رهط من أهل العراق عمار، فلم يرعهم إلا والجنازة على ظهر الطريق، وقد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تمشي وحدك، وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم ابن مسعود بالحديث، وعسكر عليه السلام بثنية الوداع، كما قال ابن إسحاق.
زاد الواقدي: ولما رحل منها، عقد الألوية والرايات، "وأمر صلى الله عليه وسلم لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية".
قال الواقدي: فدفع لواءه الأعظم إلى الصديق ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن منذر.
قال: ورأى براس الثنية عبدًا لامرأة متسلحًا فقال: أقاتل معك، فقال: ارجع إلى سيدتك،
وكان معه عليه الصلاة والسلام ثلاثون ألفًا: وعند أبي زرعة سبعون ألفًا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس.
لا تقتل معي فتدخل النار، ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم لا يخرج معنا إلا مقو، فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه بالسويداء مصغر سوداء موضع على ليلتين من المدينة، فقال الناس: الشهيد الشهيد، فبعث صلى الله عليه وسلم مناديًا لا يدخل الجنة عاص، قال: وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي وأبوه بفتح الفاء، وسكون الغين المعجمة وبالواو.
وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن مالك: خرج صلى الله عليه وسلم إلى تبوك يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب فأقام مدة إقامته، فلما سار عليه السلام نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعًا إلى المدينة فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا طاقة له به يحسب أن قتالهم معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين بالحبال إرجافا به وبأصحابه.
قال ابن إسحاق والواقدي وابن سعد: وكان عسكر ابن أبي فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين.
قال ابن حزم هذا باطل لم يتخلف عنه إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، "وكان معه عليه الصلاة والسلام ثلاثون ألفًا" الذي جزم به ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد ورواه الحاكم في الإكليل عن معاذ بن جبل والواقدي عن زيد بن ثابت، قالا: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، فكأن المصنف ألغى الزائد في حكاية هذا القول.
"وعند أبي زرعة" عبيد الله بن عبد الكريم الحافظ، الثقة، الرازي، الإمام، المهور أنه كان معه "سبعون ألفًا" نقله الحاكم عنه في الإكليل قال الشامي: وجمع بين الكلامين بأن من قال ثلاثين ألفًا لم يعد التابع، ومن قال سبعين عند التابع والمتبوع.
"وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا" وهي التي نقلها عنه في الفتح قائلًا، ولا تخالف حديث معاذ أكثر من ثلاثين لاحتمال أن من قال أربعين ألفًا جبر الكسر، انتهى.
لكن تعقبه تلميذه السخاوي بأن المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين، نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع فكأنه سبق قلم، أو انتقال نظر، نقله عنه تلميذه المصنف في شرح البخاري، وأقره، وهو عجيب مع جزمه هنا بأنهما روايتان عن أبي زرعة، وتأليفه للشرح متأخر عن المواهب لإحالته فيه كثيرا عليها وعلى تسليم النقل، فقد جمع شيخنا على قياس السابق بينهما وبين من قال أربعين بأنه عند المتبوعين ومن يقرب منهم من التابعين.
"وكانت الخيل عشرة آلاف فرس" رواه الواقدي من حديث زيد، وقيل: زيادة ألفين،
ولما مر صلى الله عليه وسلم بالحجر -بكسر الحاء وسكون الجيم- بديار ثمود قال: "لا تشربوا من مائها شيئا،
وعليه حمل في الفتح ما وقع في بعض طرق حديث كعب عند مسلم، والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف قال: تحمل على إرادة عدد الفرسان، "ولما مر صلى الله عليه وسلم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بديار ثمود" بدل من الحجر بإعادة الجار، وفي الفتح، وهو منزل ثمود، وفي الأنوار هو واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه بمنع الصرف على إرادة القبيلة للعلمية والتأنيث المعنوي وبالصرف على إرادة اسم الأب وكلاهما في القرءآن وإلى ثمود وعاد، أو ثمودًا "قال:"لا تشربوا" ظاهر سياقه أنه لم ينزل به، وعند ابن إسحاق أنه لما نزل وقال:"لا تشربوا"، وترجم البخاري نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر.
قال الحافظ: وزعم بعضهم أنه مر ولم ينزل، ويرده تصريح ابن عمر بأنه، لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا "من مائها شيئا"؛ خوفا أن يورثهم شربه قسوة في قلوبهم، أو ضررا في أبدانهم.
قاله المصنف: زاد ابن إسحاق "ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلفوا الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا"، وكأن من زعم أنه لم ينزل به تمسك بما أخرجه البخاري عقب الترجمة عن ابن عمر لما مر صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي، وغفل عما أخرجه في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن الناس نزلوا معه صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وروى أحمد والحاكم بإسناد جيد عن جابر قال: لما مر صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسالوا الآيات فقد سالها قوم صالح" وكانت الناقة ترد هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، قال الحافظ: سئل شيخنا البلقيني من أين علمت بئر الناقة، فقال: بالتواتر إذ لا يشترط فيه الإسلام، انتهى. والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعده، وفيه كراهة الاستقاء من آبار ثمود، ويلحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بعذاب الله على
ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له"، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء. فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألم أنهكم"؟ ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.
كفره واختلف هل الكراهة للتنزيه، أو للتحريم، وعليه هل يمنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا، انتهى. "ولا يخرجن أحد منكم" الليلة، كما عند ابن إسحاق "إلا ومعه صاحب له" لحكمة علمها صلى الله عليه وسلم لعلمها أن الجن لا تقدم على اثنين.
وقد روى الإمام في الموطأ مرفوعا: "أن الشيطان بهم بالواحد"، قال الباجي: يحتمل أن يريد، أنه يهم باغتياله والتسلط عليه وأنه يهم بغيه وصرفه عن الحق وإغرائه بالباطل، انتهى.
وأخرج أصحاب السنن بإسناد حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم مرفوعا، "الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"، "ففعل الناس" ما أمرهم به صلى الله عليه وسلم "إلا رجلين من بني ساعدة من الأنصار.
قال البرهان: لا أعرفهما، "خرج أحدهما لحاجته" التغوط، "والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق، بنون ومعجمة مبني للمفعول، أي صرع "على مذهبه" بفتح الميم، والهاء بينهما معجمة ساكنة، وهو الموضع الذي يتغوط فيه.
"وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء".
قال في الروض وتبعه في النور: هما أجا وسلمى عرف أجا بفتح الهمزة والجيم آخره همزة مقصورة بأجا بن عبد الجن بجيم ونون، كما سيأتي كان صلب وفيه سلمى بفتح المهملة وإسكان اللام والقصر بسلمى بنت حام صلبت فيه فيما ذكر "فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ألم أنهكم" أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه، "ثم دعا للذي" وفي نسخة دعا الذي، أي طلبه فحضر فدعا له، والأولى أظهر، وهي التي عند ابن إسحاق للذي بلام الجر "خنق على مذهب فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، كذا وروى ابن إسحاق حديث الرجلين عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل الساعدي، قال: وقد حدثني عبد الله أن العباس سماهما له، ولكنه استودعه إياهما، فأبى أن يسميهما لي، وعارضه البرهان بأن الذي في مسلم أن ذلك كان بتبوك لا الحجر، وهو متعقب بأنهما قصتان إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها ابن إسحاق وتبعه اليعمري، والثانية بتبوك ويؤيد التعدد أن في
وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله:"ستهب عليكم الليلة ريح شديدة" فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء.
وروى الزهري: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون؛ خوفا أن يصيبكم ما أصابهم".
الأولى رجلين، وفي الثانية رجل، ولوح لذلك المصنف، فقال "وفي صحيح مسلم" والبخاري بنحوه، فالأولى عزوه لهما كلاهما "من حديث أبي حميد" الساعدي اسمه المنذر، أو عبد الرحمن، أو عمر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى سنة ستين "انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله".
وفي رواية البخاري فليعقله، "فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، ولم يبين ما حصل لذلك الرجل بعد على تعدد القصة ويحتمل الاتحاد، وأن قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحاق، ولم يتنزل في الفتح للجمع مع ذكره رواية ابن إسحاق في شرح الحديث.
"وروى الزهري" محمد بن مسلم عن سالم عن أبيه قال: "لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى" غطى "ثوبه" وضمنه معنى وضع فقال: "على وجهه واستحث راحلته" أي حضها على السير "ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم".
قال الحافظ: شامل لثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم، قال: ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائما عند كل جزء من الدخول، وأولى في حال الاستقرار "إلا وأنتم باكون" بأن تستحضروا ما أصابهم بذنوبهم، فترق قلوبهم، فتبكوا "خوفا أن يصيبكم" بفتح الهمزة مثل "ما أصابهم".
قال المصنف: لا ينافيه قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18] الآية، لحمل الآية على عذاب يوم القيامة، انتهى.
وثبوت خوفا في هذه الرواية يؤيد البصريين في رواية "إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم" بالفتح مفعول له، أي كراهة الإصابة حيث قدروا كراهة، أو خشية الإصابة، وقدر الكوفيون لئلا يصيبكم.
قال الحافظ: ويؤيد الأول أن في رواية لأحمد "إلا أن تكونوا باكين، وإن لم تكونوا باكين،
رواه الشيخان.
فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم"، ووجه الخوف أن البكاء يبعث على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكنهم من الإتيان بالإيمان، وتمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان والطاعة، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وفيه الحث على المراقبة، والزجر على السكني في ديار المعذبين، انتهى.
من الفتح في موضعين "رواه الشيخان" في مواضع قال ابن إسحاق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك له صلى الله عليه وسلم، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء.
حدثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل معروف نفاقه يسير معه صلى الله عليه وسلم حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا صلى الله عليه وسلم فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء قال: سحابة مارة.
وروى الإمام أحمد وابنا خزيمة وحبان والحاكم عن عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد فنزلنا منزلا، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا قال:"أتحب ذلك" قال: نعم، فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
فعند ابن إسحاق أن هذه القصة كان بالحجر، كما ترى.
لكن روى ابن أبي حاتم عن أبي حرزة قال: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل ونزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه صلى الله عليه وسلم فقام فصلى ركعتين ثم دعا فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصارى لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا صلى الله عليه وسلم، فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] .
ولما كان عليه الصلاة والسلام ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللصيت -وكان منافقا- أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن رجلا يقول كذا" وذكر مقالته، "وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها". فانطلقوا فجاءوا بها. رواه البيهقي وأبو نعيم.
ويحتمل الجمع بأن قول ابن إسحاق فلما أصبح، أي بعد أن سار ونزل منزلا بعد الحجر، وأنه لما طلب منه أبو بكر الدعاء صلى، ثم مد يديه ودعا والله أعلم.
"ولما كان عليه الصلاة والسلام ببعض الطريق" بعد ما سار من الحجر، كما عند الواقدي، وابن إسحاق "ضلت ناقته"، غابت وخفيت فلم يهتد إليها، قال الواقدي: وهي القصواء، "فقال زيد بن اللصيت" قال في الإصابة: بلام ومهملة، وتحتية مصغر، وقيل: بنون أوله وآخره موحدة القينقاعي، انتهى.
وفي النور آخره فوقية، تصغير لصت، بفتح اللام في الكثير وهو اللص بغلة طيء.
وحكى شيخنا في القاموس تثليث اللام في المكبر والجمع لصوت، انتهى. وهو في القاموس في باب الفوقية، فقول الإصابة وآخره موحدة، يعني على أن أوله نون "وكان منافقا".
قال الواقدي: كان يهوديًّا من بني قينقاع فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لأهل النفاق، "أليس يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته"، وعند ابن إسحاق وكان زيد ي رحل عمارة بن حزم العقبي البدري، وكان عنده عليه السلام "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعمارة عنده "أن رجلا" وعند الواقدي أن منافقا "يقول كذا" ، وذكر مقالته" التي أعلمها الله له بالوحي إلهاما، أو غيره "وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله"، فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم الله والنبي لا يعلم كل غيب.
قال ذلك رد الزعم المنافق، أنه لو كان نبيًّا لعلم مكان ناقته "وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا"، لشعب عينه وأشار لهم إليه "قد حسبتها"، منعتها "شجرة بزمامها فانطلقوا" فعل أمر "حتى تأتوني بها" فانطلقوا" ماض "فجاءوا بها".
قال الواقدي: الذي جاء بها الحارث بن خزمة الأشهلي لكن الجمع كما قال البرهان يدل على أنه كان معه غيره وخزمة بفتح المعجمة، وإسكان الرازي وفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير بدري أحدي له حديث "رواه البيهقي وأبو نعيم" وابن إسحاق والواقدي، وزاد فرجع عمارة إلى رحله، فقال: والله لعجب لشيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله
وفي مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض بشيء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع في شن ثم غسل صلى الله عليه وسلم به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس، الحديث، ويأتي إن شاء الله في مقصد المعجزات.
ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة.
بكذا وكذا للذي قال زيد، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة.
قال الواقدي: هو أخوه عمرو بن حزم زيد والله قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا، فأقبل عمارة على زيد يطعنه، في عنقه، ويقول: يا عباد الله إن في رحلي لداهية، وما أشعر فأخرج يا عدو الله من رحلي، ولا تصحبني، قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حتى هلك وقد ذكره في الإصابة في القسم الأول، وأورد فيه القصة المذكورة عازا لابن إسحاق، ونقل الاختلاف في توبته، ولم يزد عليه شيئا، فكأنه اعتمد قول من زعم توبته، أو كتبه على الاحتمال.
"وفي مسلم" والموطأ "من حديث معاذ بن جبل، أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض" بفتح الفوقية، وكسر الموحدة وضاد معجمة، أي تقطر وتسيل هكذا رواه ابن مسلمة وابن القاسم في الموطأ بالمعجمة، ورواه يحيى وطائفة بالمهملة، أي تبرق، قاله الباجي "بشيء من ماء" يشير إلى تقليله، "وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا" لفظ مالك ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إنكم ستأتون غدا عين تبوك وأنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فما جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي".
فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما صلى الله عليه وسلم:"هل مسستما من مائها شيئا" قال: نعم، فسبهما وقال لهما:"ما شاء الله أن يقول"، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا "حتى اجتمع في شن" بفتح المعجمة، ونون قربة خلقة فصريحة أن ماءها كان يخرج بنفسه وأن الذي جمعوه كان بعد سبه للرجلين اللذين مساها أي بسهمين ليكثر ماؤها، كما في الروض عن رواية ابن قتيبة "ثم غسل صلى الله عليه وسلم به وجهه ويديه" ومضمض "ثم أعاده فيها، فجرت بماء كثير، فاستقي الناس الحديث" بقيته، ثم قال عليه السلام:"يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا مليء" جنانا، "ويأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات" بتمامه" وإنما ذكرت لفظه هنا؛ لأن من الناس من توهم من ذكره المصنف بمعناه: أن الرجلين السابقين للعين رواية أخرى فجعلها معارضة، وجوز لها جمعا، "ولما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة" بفتح الهمزة، وسكون التحتية مدينة بين مصر ومكة على ساحل البحر من بلاد
فصالحه وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء بالجيم -واذرح- بالذال المعجمة والراء والحاء المهملتين بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية، وكتب لهم صلى الله عليه وسلم كتابا.
الشام، قاله أبو عبيدة، وهو يحنة بضم التحتية، وفتح المهملة، والنون المشددة، ثم تاء تأنيث ابن رؤبة بضم الراء فهمزة ساكنة، فموحدة، النصراني قال البرهان: لا أعرف له ترجمة والظاهر هلاكه على دينه.
وذكر الواقدي: أن سبب إتيانه أنه لما بعث صلى الله عليه وسلم خالدا إلى أكيدر، أشفق أن يبعث إليه، فقدم "فصالحه وأعطاه الجزية"، أي التزمها وإنقاد لإعطائها قالوا: وقطع صلى الله عليه وسلم الجزية جزية معلومة ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل.
روى ابن أبي شيبة والبخاري عن أبي حميد الساعدي: قدم ملك أيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدى إليه بلغة بيضاء، فكساه صلى الله عليه وسلم بردا، وكتب إليه بيحرهم وأسند الواقدي عن جابر رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صليب من ذهب، وهو معقود فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفى وأومأ برأسه، فأومأ إليه صلى الله عليه وسلم بيده أن ارفع رأسك وصالحه، يومئذ وكساه بردا بمنية، وأمر له بمنزل عند بلال.
وذكر أن أبا العباس عبد الله بن محمد السفاح اشترى ذلك البرد بعد ذلك بثلاثمائة دينار، "وأتاه أهل جربا، بالجيم" المفتوحة، فالراء الساكنة فموحدة تقصر وتمد، "و" أهل "أذرج" بالهمزة المفتوحة، "وبالذال المعجمة" الساكنة، "والراء المهملة" المضمومة "والحاء المهملة"، قيل هي فلسطين "بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال" جمع ميل، قال في القاموس: وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة، ذكرها الدارقطني، وهي ما بين ناحيتي حوض، كما بين المدينة وجربا وأذرح، انتهى.
"فأعطوه الجزية" قال الواقدي: أتوه مع صاحب أيلة بجزيتهم، فأخذها "وكتب لهم صلى الله عليه وسلم" أي أمركما هو معلوم، وقد عين الواقدي أن الكاتب لصاحب أيلة جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة "كتابا" أراد جنس الكتاب؛ لأنه كتب لصاحب أيلة كتابا ولأهل جربا وأذرح معا كتابا، كما أفاده في المقصد الثاني، مع ذكر لفظ الكتابين، وما أفاده المصنف من أنه وقت انتهائه إلى تبوك أتوه تبع فيه لفظ ابن إسحاق فإنه كله لفظه، كما تبعه اليعمري، وكأنه لم يثبت عندهم السبب الذي ذكره الواقدي في مجيء يحنة، لا سيما وابن إسحاق بعد أن ذكر ذلك، قال: ثم بعث خالدا إلى أكيدر إلا أن تكون، ثم للترتيب الذكري والعلم عند الله.
ووجد هرقل بحمص، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصراني، وكان ملكا عظيما بدومة الجندل، في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سرية، وقال له عليه الصلاة والسلام لخالد:"إنك ستجده ليلا يصيد البقر"،
"ووجد هرقل بحمص" دار ملكه لم يتحرك ولم يرجف فكان الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم من تعبية أصحابه ودنوه إلى الشام باطلا لم يرد ذلك، ولا هم به.
ذكره الواقدي: فكتب له كتابا، كما سيذكره ولو ذكره هنا كان أنسب إذ لا يتفرع عليه قوله، "فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر" بضم الهمزة وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح المهملة آخره راء، لا يصرف للعلمية، ووزن الفعل "ابن عبد الملك" بن عبد الجن، بجيم ونون، كما في الفتح "النصراني" المختلف في إسلامه والأكثر على أنه قتل كافرا، وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم الصحابة.
ورده ابن الأثير بأنه خطأ ظاهر، فأنه إنما أهدى للنبي وصالحه، ولم يسلم باتفاق أهل السير، أسره خالد في زمن أبي بكر، فقتله كفرا، وقال أخوه أبو السعادات من الناس من يقول: إنه أسلم وليس بصحيح، وممن وقع في كلامه ما يدل على ذلك الواقدي، فإنه قال في المغازي حدثني شيخ من دومة، أنه صلى الله عليه وسلم كتب لأكيدر هذا الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لأكيدر" حين جاء إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام إلى أن قال:"فيه تقيمون الصلاة، وتؤدون الزكاة عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، ولكم الصدق والوفاء".
قال في الإصابة: فالذي يظهر أنه صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق ويحتمل أنه أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثم ارتد بعده صلى الله عليه وسلم ومنع ما عليه فقتله خالد، كما قال البلاذري، انتهى.
وسيذكر المصنف لفظ الكتاب في المقصد الثاني، وما استظهره الحافظ، لا محيد عنه إذ هو جمع بين كلامهم وعلى كل حال فعده صحابيا غلط؛ لأن آخر أمره قتله كافرا، ولذا ذكره في القسم الرابع من الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطا. "وكان ملكا عظيما" من قبل هرقل "بدومة" بضم الدال وفتحها والواو ساكنة.
"الجندل" بفتح فسكون حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، يقال: عرفت بدومة بن إسماعيل "في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سرية، وقال عليه الصلاة والسلام لخالد" وقد، قال له: كيف لي به، وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسيرين "إنك ستجده ليلا يصيد البقر""فتأخذه فيفتح الله لك دومة فإن ظفرت به، فلا تقتله وائت به إلى فإن أبى فاقتله".
فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها، هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد، فاستأسر أكيدر وقتل أخاه حسانا، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد.
وروى يونس في زيادات المغازي عن بلال بن يحيى، قال: بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر على المهاجرين، وبعث خالدا على الأعراب معه، وقال:"انطلقوا أنكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش فخذوه أخذا فابعثوا به إلي، ولا تقتلونه" ومن طريقه أخرجه البيهقي، ورواه ابن منده عن بلال بن يحيى، عن حذيفة موصولا، قال الشامي: وذكر أبي بكر في هذه السرية غريب جدا لم يتعرض أحدا من أئمة المغازي التي وقفت عليها، انتهى.
فمضوا "فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها" أي يريد ذلك فعند ابن إسحاق وابن سعد، فخرج خالد حتى كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بكسر الراء وموحدتين وقينة تقنيه، وقد شرب فباتت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، وعند ابن عائذ: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أضمر لها الخيل اليومين والثلاثة، وفي لفظ شهر ولكن قدر الله ونزل، فأسرج له فرسه، وخرج "هو وأخوه حسان" في نفر من أهل بيته ومملوكين له، فتلقتهم الخيل "فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر" ولم يقتله، كما أمره صلى الله عليه وسلم أعطى بيده ولم يقاتل، "وقتل أخاه حسانا" لأنه قاتل.
قال إبن إسحاق: وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه فحدثني عاصم بن عمر، عن أنس رأيت قباء أكيدر دومة حين قدم به، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم يتعجبون منه، فقال صلى الله عليه وسلم:"أتعجبون من هذا، فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" وحديثه الذي رواه، لا يدل لمدعاه إلا بتقدير مضاف، أي قباء أخي أكيدر.
لكن، قد روى حديث أنس في البخاري في الهبة بلفظ أهدى أكيدر دومة الحديث والهداية غير السلب، فإن كان ما قاله محفوظا، وقد وافقه الواقدي، وذكر أن المرسل به عمرو بن أميلا الضمري حين أرسله بشيرا، فيكون هذا غير الذي أهداه بعد؛ لأن هذا سلب أخيه المقتول، وهو مأسور، فلا ينسب إليه أنه أهداه، ويكون التعجب وقع من كليهما، وقال المصطفى: ذلك في كل منهما والعلم عند الله.
"وهرب من كان معهما" وهم النفر والملوكان، "فدخل الحصن" وأغلقوه، "ثم أجار خالد
أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح.
وفي هذه الغزوة كتب صلى الله عليه وسلم كتابا في تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب
أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على "صلة أجار "أن يفتح له" لخالد دومة الجندل ففعل"
ذكر ابن سعد وشيخه أن خالدا قال له، لما أسره هل لك أن أجير من القتل حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تفتح لي دومة الجندل قال: نعم فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن، فنادى أكيدر أهله أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر، فقال أكيد لخالد: تعلم والله أنهم لا يفتحون ما رأوني في وثاقك فحل عني فلك الله والأمانة أن أفتحه لك إن أنت صالحتني على أهلي، قال خالد: فأنى أصالحك، فقال: إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني، قال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت "صالحه على ألفي بعير وثمانمائة فرس"، كذا في النسخ، والذي لابن سعد وشيخه، وهو المنقول في العيون رأس "وأربعمائة درع وأربعمائة رمح" على أن ينطلق به وبأخيه إلى رسول الله فيحكم فيهما حكمه، فلما قاضاه على ذلك خلى سبيله، ففتح الحصن، فدخله خالد، وأوثق مضادا وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، فعزل خالد صفية له صلى الله عليه وسلم قبل أن يقسم، ثم خمسها، ثم قسم ما بقي في أصحابه، فصار لكل واحد منهم خمس قلائص، ثم قدم خالد بأكيدر عليه صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وخلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال بجير الطائي:
تبارك سائق البقرات أني
…
رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك
…
فإنا قد أمرنا بالجهاد
وعند ابن منده وأبي نعيم وابن السكن، فقال صلى الله عليه وسلم لبجير:"لا يف الله فاك فاتت عليه تسعون سنة، وما تحركت له سن".
"وفي هذه الغزوة كتب صلى الله عليه وسلم كتابا في تبوك إلى هرقل" غير الكتاب الذي كان أرسله مع دحية في مدة الهدنة المذكورة في الصحيح، فإنه بعثه في آخر سنة ست ووصل في المحرم سنة سبع، قاله الواقدي، واعتمده في الفتح، وكان المبعوث بهذا أيضا دحية، كما في رواية أحمد "يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب" خوفا على ملكه.
ذكر في الروض أنه أمر مناديا إلا أن هرقل، قد آمن بمحمد واتبعه فدخلت الأجناد في
رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس.
وفي مسند أحمد أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب هو على نصرانيته".
سلاحها وأطافت بقصره تريد قتله فأرسل إليهم إني أردت أن اختبر صلابتكم في دينكم قد رضيت عنكم، فرضوا عنه، ثم كتب كتابا، وأرسله مع دحية يقول: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه هدية، فلما قرأ صلى الله عليه وسلم كتابه، قال:"كذب عدو الله ليس بمسلم هو على نصرانيته"، وقبل هديته وقسمها بين المسلمين وكان لا يقبل هدية مشرك محارب، فقبل هذا؛ لأنها فيء، ولذا قسمها عليهم، ولو أتته في بيته كانت له خاصة، انتهى.
"رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس" وروى الحارث بن أبي أسامة عن بكر بن عبد الله، قال صلى الله عليه وسلم:"من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة" فقال رجل: وإن لم يقبل، قال:"وإن لم يقبل" فانطلق الرجل، فأتاه بالكتاب فقرأه، فقال: اذهب إلى نبيكم فأخبروه أني متبعه، ولكن، لا أريد أن أدع ملكي، وبعث معه بدنانير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم:"كذب" وقسم الدنانير.
"وفي مسند أحمد" من طريق سعيد بن أبي راشد، عن التنوخي رسول هرقل إليه صلى الله عليه وسلم قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، فبعث دحية إلى هرقل بكتاب، فدعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار، فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وأرسل يدعوني إلا ثلاث خصال أن أتبعه على دينه، أو الجزية، أو الحرب، وقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن أرضنا، فهلم فلنتبعه، أو نعطه مالا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعون إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز فلما رأى ذلك قال: إنما أردت أن أعلم صلابتكم على دينكم، ثم دفع إليَّ كتابا، فقال: اذهب إليه، فاحفظ من حديثه ثلاثا هل يذكر كتابه الذي كتب إليَّ، وإذا قرأ كتابي هل يذكر الليل وهل في ظهره شيء؟ قال: فناولته الكتاب فدعاني إلى الإسلام، فأبيت فضحك، وقال: إنك لا تهدي من أحببت، إني كتبت إلى كسرى، فمزقه والله ممزقه، وإلى صاحبك صحيفة، فأمسكها لن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير، فقلت هذا إحدى الثلاث فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الكتاب إلى معاوية فقرأ فيه: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل" فكتبته في جفن سيفي، فذكر الحديث بطوله، وفيها "أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني مسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب هو على نصرانيته" وأنه ود أن يعطيه جائزة، فأتاه عثمان بحلة، وأمر أنصاريًّا بإنزاله، فقام معه فناداه عليه السلام،
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحو، ولفظه: فقال: "كذب عدو الله ليس بمسلم".
ثم انصرف صلى الله عليه وسلم من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال الدمياطي -ومن قبله ابن سعد- عشرين ليلة، يصلي ركعتين ولم يلق كيدا،
فكشف له ظهره فرأى خاتم النبوة.
"وفي كتاب الأموال لأبي عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغداوي الإمام المشهور، الثقة الفاضل المصنف، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين "بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله، المزني، البصري الثقة الثبت من رجال الستة مات سنة ست ومائة "نحوه ولفظه، فقال:"كذب عدو الله ليس بمسلم".
قال في الفتح فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه بل شح بملكه، وآثر القانية، على الباقة، "ثم انصرف صلى الله عليه وسلم من تبوك بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة" قال ابن عقبة وابن إسحاق، واقتصر عليه اليعمري، "وقال الدمياطي ومن قبله ابن سعد، والواقد، ابن حزم: عشرين ليلة يصلي بها ركعتين" وأخرجه أحمد عن جابر وابن سعد، عن يحيى بن أبي كثير، قالا: أقام صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة ويحتمل الجمع بأنه حسب يوم القدوم ويوم الارتحال فيصدق البضع بما عداهما، "ولم يلق كيدا" أي حربا فكان من الحكمة فيها ما حصل من إغاظة الكفار، وظهور عز المسلمين وفضيحة المنافقين وإذلالهم.
وذكر الواقدي أنه شاور أصحابه في التقدم، فقال عمران: كنت أمرت بالمسير فسر، فقال:"لو أمرت بامسير لم أستشركم فيه"، فقال: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها مسلم، وقد دنونا وأفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله أمرا وأخرج يونس في زيادات المغازي، وأبو سعد في الشرف وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود، قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} [الإسراء: 76] ، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث، فرجع صلى الله عليه وسلم، فقال جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، وكان جبريل له ناصحا، والنبي صلى الله عليه وسلم مطيعا، قال:"فما تأمرني أن أسأل" فقال جبريل: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] فهؤلاء الآيات نزلنا عليه في رجعته من تبوك، قال في الفتح: إسناده حسن مع كونه مرسلا، انتهى.
وبنى في طريقه مساجد.
وأقبل عليه الصلاة والسلام حتى نزل بذي أوان -بفتح الهمزة بلفظ الأوان: الحين وبينها وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء.
فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني فقال:
وأغرب السيوطي، فقال في الباب: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وله شاهد عن ابن أبي حاتم، وآخر عند ابن جرير انتهى. وفيه نظر فإنه من رواية عبد الحميد بن بهرام، وهو صدوق، كما في التقريب عن شهر بن حوشب، وهو صدوق أيضا.
روى له مسلم وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن غنم، بفتح المعجمة، وسكون النون ذكره العجلي في كبار التابعين الثقات، واختلف في صحبته، فالحق قول الفتح حسن، وروى أحمد وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك: "إذا وقع الطاعون بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإن كنتم بغيرها فلا تقدموا عليها" قال الحافظ: في بذل الطاعون يشبه والله أعلم أن السبب في ذلك أن الشام كانت قديما ولم تزل معرفة بكثرة ذلك، فلما قدم صلى الله عليه وسلم تبوك غازيا الشام بلغه أن الطاعون كان في الجهة التي كان قاصدها، فكان ذلك من أسباب رجوعه، من غير قتال "وبنى في طريقه مساجد" عشرين، أي كان سببا في بنائها لصلاته في تلك الأماكن، وأعلم عليها فبنيت بعده، كما يعلم من كلام الشريف السمهودي، ويجوز بناؤه للمفعول، أي أنها بنيت في طريقه التي صلى فيها، وعند ابن إسحاق مساجده في طريقه إلى تبوك مسماة معلومة مسجد بتبوك ومسجد بكذا فعدها سبعة عشر مسجدا، "وأقبل عليه الصلاة والسلام حتى نزل بذي، أوان بفتح الهمزة".
قال البرهان والخشني: يرويه بضم الهمزة حيث وقع، انتهى. وقال البكري: أظن الراء سقطت من بين الهمزة والواو، أي أروان منسوب إلى البئر المشهورة، وعلى الأول هو بلفظ الأوان بفتح الهمزة وكسرها لغة "لحين" بالجر بدل والرفع خير هو "وبينها" أي ذي أوان، وهي بلد "وبين المدينة ساعة" من نهار، قاله ابن إسحاق وأتباعه، وفي القاموس وأوان عين بالمدينة، انتهى. فلعل البلد كانت بها عين جاءه خبر مسجد الضرار" المضارة لأهل مسجد قباء "من السماء" فنزلت هذه الآية، "فدعا مالك بن الدخشم" بضم المهملة والمعجمة بينهما خاء معجمة ساكنة آخره ميم، ويقال: الدخشيم بالتصغير، ويقال: بنون بدل الميم مكبرا مصغرا الأوسي البدري باتفاق، قال أبو عمر: لا يصح عنه باتفاق "ومعن بن عدي" بن الجد بن العجلان "العجلاني" نسبة إلى جده هذا البلوي حليف الأنصاري شهد أحدا أو استشهد يوم اليمامة، ثم الرواية عند ابن إسحاق بالشك، قال: فدعا مالكا ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، "فقال:
انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا فحرقاه وهدماه.
وذلك بعد أن أنزل الله فيه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} [التوبة: 107] الآية.
قال الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلا،
"انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله" بالكفر والتفريق بين المؤمنين "فاهدماه وحرقاه" وعند غيره: فدعا مالكا ومعناه وأخاه.
زاد البغوي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة وزاد في التجريد سويد بن عباس الأنصاري، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه واحرقوه، فيحتمل أنه أرسلهما أولا، وخاطبهما بلفظ التثنية، ثم عززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر "فخرجا" قال ابن إسحاق سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال: مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، "فحرقاه وهدماه".
وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم، فأخذ مالك سعفا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء وفيه أهله، فحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأرض وتفرق عنه أصحابه، فلما قدم عليه السلام المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارا، فقال: ما كنت أتخذه، وقد أنزل الله فيه ما أنزل، ولكن أعطه ثابت بن أقرن فإنه، لا منزل له فأعطاه. فلم يولد في ذلك البيت مولود قط، ولا حمام، ولا دجاج.
وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة، قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة، فأبصروا الدخان منها "وذلك بعد أن أنزل الله فيه" لما نزل بذي أوان، وأتاه المنافقون، وسألوه أن يأتي مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه على ما روى، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} [التوبة: 107] لأنهم بنوه ليكون معقلا للكفار "الآية.
"قال" علي بن أحمد بن محمد بن علي "الواحدي" أستاذ عصره نحوا وتفسيرا، تلميذ للثعلبي وأخذ عنه علم التفسير وزاد عليه ورزق السعادة في تصانيفه. توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة.
"قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثني عشر رجلا" سرد ابن إسحاق، وتبعه اليعمري وغيره أسماءهم فقال خذام هو بخاء مكسورة
يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا في طائفة من المنافقين، نبني مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد.
قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله، بنينا مسجدا لذي العلة، والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة،
وذال معجمتين، ابن خالد، ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب، ومتعب ين قشير، وأبو حبيبة بن الأذعر، وعباد بن حنيف أخو سهل وجارية، وهو بجيم وتحتية وابناه مجمع وزيد بن جارية بن عامر، ونبتل، وهو بفتح النون، وسكون الموحدة وفتح الفوقية، ولام ابن الحارث، ويخزج بموحدة مفتوحة، فمهملة ساكنة، فزاي مفتوحة فجيم وبجاد، بفتح الموحدة، وخفة الجيم فألف فمهملة، ابن عثمان ووديعة بن ثابت، وأشار السهيلي إلى انتقاده في مجمع بن جارية، فقال: وذكر فيهم مجمعا، وكان إذ ذاك غلاما حدثا، قد جمع القرآن، فقدموه إماما لهم، وهو لا يعلم بشيء من شأنهم، وقد ذكر: إن عمر أراد عزله عن الإمامة، وقال: أليس بإمام مسجد الضرار، فأقسم له مجمع أنه ما علم بشيء من أمرهم، وما ظن إلا الخير، فصدقه عمر، وأقره ومعتب بن قشير، بقاف ومعجمة مصغر ترجم له في القسم الأول من الإصابة، ثم قال: وقيل كان منافقا، وقيل إنه تاب، وذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا "يضارون به مسجد قباء، و" بيان "ذلك أنهم قالوا في" مع "طائفة من المنافقين" لما بنى بنو عمرو بن عوف مسجد قباء الذي أسسه صلى الله عليه وسلم، لما قدم المدينة وصلى فيه بعثوا إليه عليه السلام أن أتيهم فيصلي فيه فرأى ذلك ناس من بني بفتح المعجمة، وسكون النون ابن عوف، فقالوا:"نبني" نحن أيضا "مسجدا" كما بنوا "فنقيل فيه، فلا نحضر خلف محمد" فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام، ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من سلاح وقوة فإني ذاهب إلى قيصر، فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه فكانوا يرصدون قدومه، وقد خرج محاربا لله ورسوله، ورواه ابن جرير وجماعة عن ابن عباس وغيره.
"قال المفسرون" المذكورون وغيرهم "ولما بنو ذلك" المسجد "لأغراضهم الفاسدة" من المضارة والكفر والإرصاد "عند ذهاب رسول الله"، أي عند إرادته "صلى الله عليه وسلم" الذهاب "إلى غزوة تبوك".
وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه والبيهقي: فلما فرغوا من بناء مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه صلى الله عليه وسلم ليروح لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فأتاه جماعة منهم، وهو يتجهز إلى تبوك، "قالوا: يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة"، المرض، والحاجة، "والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة" كما، قال تعالى: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا
فقال عليه الصلاة والسلام، "إني على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه" فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت هذه الآية.
ولما دنا صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا
…
من ثنيات الوداع
الْحُسْنَى} [التوبة: 107] أي هذه الأمور التي أظهروها، والله يشهد أنهم لكاذبون.
روى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس: لما بنى مسجد الضرار، قال صلى الله عليه وسلم:"ليخرج ويلك ما أردت" قال والله ما أردت إلا الحسنى، فنزلت الآية، "فقال عليه الصلاة والسلام:"إني على جناح سفر" أي مفارقة الأوطان، "وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه" فنزلت هذه الآية" يريد الجنس، ففي حديث أبي رهم الغفاري، فلما نزل بذي أوان على ساعة من المدينة أنزل الله:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} [التوبة: 107] إلى آخر القصة، أخرجه ابن مردويه، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: فأنزل الله تعالى: {لَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه} [التوبة: 84] ، إلى قوله {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} الآية، وقدمنا في الهجرة الخلاف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وأن الصحيح أنه مسجد قباء. وعند مسلم أنه المسجد النبوي وأنه لا منافاة فكل أسس عليها، غير أن قوله تعالى:{مِنْ أَوَّلِ يَوْم} و {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} يقتضي مسجد قباء، والله تعالى أعلم.
"ولما دنا" قرب "صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس" الرجال الكاملون؛ لأنهم الذين جرت العادة بخروجهم للقاء الأمير "لتلقيه" تعظيما له وإكراما، ولطول غيبته وتحدث المنافقين عليه بالسوء.
روى ابن أبي حاتم عن جابر. قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء يقولون: إن محمدا وأصحابه، قد جهدوا في سفرهم، وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله:{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [التوبة: 50]"وخرج النساء والصبيان والولائد" الإماء، فالعطف مباين وإن أريد بالناس ما يشمل الرجال وغيرهم، فأفرد هؤلاء بالذكر لبيان خروجهم حال كونهم "يقلن" غلب النساء والولائد على ذكور الصبيان لكثرتهن، ولأن الغناء عادتهن بخلاف الصبيان وإنما خرج الجميع فرحا وسرورا بضد ما أرجف به المنافقون، ولأنهن ألفنه صلى الله عليه وسلم بخلاف الهجرة، فصعدت المخدرات على الأسطحة؛ لأنهن لم يكن رأينه، وإن فشا فيهم الإسلام:
طلع البدر علينا
…
من ثنيات الوداع"
وجب الشكر علينا
…
ما دعا لله داع
وقد وهم بعض الرواة -كما قدمته- وقال: إنما كان هذا عند مقدمة المدينة. وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام -كما قدمت ذلك.
"وجب الشكر علينا
…
ما دعا لله داع"
وبعدها فيما يروى:
أيها المبعوث فينا
…
جئت بالأمر المطاع
"وقد وهم بعض الرواة" وهو عبيد الله بن محمد، المعروف بابن عائشة، "كما قدمته" في الهجرة، "وقال إنما كان هذا" الشعر "عند مقدمه المدينة" لما هاجر من مكة، بمعنى أنه روى ذلك في الهجرة كما مر عن رواية البيهقي وغيره، ولا أنه حصر، كما أفهمه، "وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام، كما قدمت ذلك"، في الهجرة وقدم ثمة أن الوالي العراقي، قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع وقدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة، وتقدم جمع آخر، وفي البخاري وغيره عن السائب بن يزيد: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمة من غزوة تبوك، ووقع هنا في فتح الباري ما لفظه.
أنكر الوادي هذا، وتبعه ابن القيم، وقال: ثنية الوداع من جهة مكة، لا من جهة تبوك بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال: إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، والثنية ما ارتفع من الأرض، وقيل الطريق في الجبل، قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر من جهتها وهذا واضح، كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخلعيات قول النسوة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة:
طلع البدر علينا
…
من ثنيات الوداع
فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك، انتهى. فليتأمل فإن هذا عكس النقل عن ابن القيم السابق في المصنف الذي بنى عليه هنا، وقد قال في الفتح نفسه في الهجرة ما لفظه أخرج أبو سعد في شرف المصطفى، ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا.
وفي البخاري لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة، قال:"إن بالمدينة أقوما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" وهذا يؤيد معنى ما ورد: "نية المؤمن خير من عمله"، فإن نية هؤلاء خير،
لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا، البيتين، وهو سند معضل، ولعل ذلك في قدومه من غزوة تبوك، انتهى.
"وفي البخاري" هنا وقبله في الجهاد عن أنس "لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فدنا" قرب "من المدينة"، عطف على رجع وجواب لما، "قال:"إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا". مصدر ميمي، بمعنى السير، أي الذهاب، "ولا قطعتم واديا"، قال البيضاوي: هو كل منفرج ينفرج فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال، فشاع بمعنى الأرض "إلا كانوا معكم" بالقلوب والنيات، وللإسماعيلي إلا وهم معكم فيه بالنية، ولأحمد وأبي داود "لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة، قال:"حبسهم العذر" ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر "إلا شركوكم في الأجر"، بدل قوله:"إلا كانوا معكم"، وأسقط من البخاري، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال:"وهم بالمدينة""حبسهم العذر" عن الغزو معكم.
قال الحافظ: هو الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه، والمراد به ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، وفي مسلم عن جابر بلفظ حبسهم المرض، وكأنه محمول على الأغلب، انتهى.
قولهم: وهم بالمدينة استفهام تعجبي لرواية كيف، أي أيكونون معنا ثوابا، وكأن المصنف أسقطها لأن الفائدة وهي التحريض على النيات الصالحة حاصل بدونها.
قال المهلب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ثم استثنى أولي الضرر من القاعدين فكأنه ألحقهم بالفاضلين.
"وهذا" الحديث الصحيح "يؤيد معنى ما روى" عند الطبراني، عن سهل بن سعد والعسكري عن النواس بن سمعان والديلمي عن أبي موسى، كلهم مرفوعا بلفظ "نية المؤمن خير من عمله".
ورواه البيهقي وغيره عن أنس بلفظ أبلغ وكلها ضعيفة ولذا مرضه لكن بمجموعها يتقوى الحديث، كما أفاده شيخ السخاوي، ويأتي بسطه إن شاء الله تعالى في المقصد الثالث، حيث ذكره المصنف ثمة في الكلام الموجز لم يسبق إليه وبين وجه التأييد بقوله: "فإن نية هؤلاء خير
من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم في بيوتهم والمسابقة إلى الله تعالى وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال.
ولما أشرف صلى الله عليه وسلم على المدينة، قال:"هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه".
من أعمالهم فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في بيوتهم"، فشاركوهم في الثواب، وزادوا راحة الأبدان والمعية والصحبة الحقيقية، إنما هي بالسير بالروح، لا بمجرد البدن، وقصد المصنف بهذا دفع ما عساه، يقال: غاية ما أفاده الحديث المشاركة، أما الزيادة المستفادة من أفعل التفضيل، فلائم لضعفه جعله مؤيدا اسم مفعول بحديث الصحيح، لا مؤيدا اسم فاعل، فلم يقل هذا يؤيده "والمسابقة إلى الله تعالى" وفسر معناها، فقال: "وإلى الدرجات العلا بالنيات والهمم، لا بمجرد الأعمال".
قال شيخنا: استئناف بياني في جواب سؤال تقديره، وكيف نالوا ذلك مع راحة أبدانهم، وعدم المجاهدة، وكان الظاهر أن، يقال: إن عذرهم أسقط مؤاخذتهم بالتخلف، وكيف يحصل الثواب على شيء ما فعلوه، والجواب ظاهر مما ذكره، انتهى.
"ولما أشرف صلى الله عليه وسلم" كما رواه الشيخان وغيرهما، عن أبي حميد الساعدي، قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا "على المدينة، قال: "هذه طابة" بألف بعد الطاء، وفتح الموحدة سماها الله به، كما رواه مسلم مرفوعا مشتق من الطيب، كطيبة لطيب هوائها وترابها، وساكنها وطيب العيش بها.
قال ابن بطال: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، لا توجد في غيرها.
زاد بن أبي شيبة أسكننيها ربي تنفي خبث أهلها، كما ينفي الكير خبث الحديد، بفتح المعجمة، والموحدة، فمثلثة وسخه الذي يخرجه، والمراد أنها، لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تخرجه، كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسب للكير، لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع بها، ذلك.
وروى خبث، بضم فسكون ورجح الأول لمناسبة الكير، وقيل غير ذلك، وقد بلغت أسماؤها خمسا وتسعين، وكثرة الأسماء آية شرف المسمى، "وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه" حقيقة على الصحيح، ولا مانع منه بأن يخلق له المحبة في بعض الجمادات، كتسبيح الحصا وحنين الجذع، وقيل: هو مجاز، والمراد أهله نحو:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَة} [يوسف: 82] وقال الشاعر:
ولما دخل قال العباس يا رسول الله ائدن لي أمتدحك قال: "قل لا يف الله فاك"، فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي
…
مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر
…
أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد
…
ألجم نسرا..............
وما حب الديار شغفن قلبي
…
ولكن حب من سكن الديارا
ومن له مزيد في غزوة أحد "ولما دخل" المدينة في رمضان عند ابن سعد، وتبعه مغلطاي، وقال بعضهم في شعبان: وبدا بالمسجد، فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، كما في حديث كعب بن مالك في الصحيح.
"قال العباس: بن عبد المطلب، كما رواه الطبراني وغيره: "يا رسول الله" إني أريد أن أمتدحك، "أتأذن لي" في أن "أمتدحك، قال:"قل لا يف الله فاك" لا للدعاء، فالفعل مجزوم حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، أو نافية خبر بمعنى الدعاء، فهو مرفوع، والمراد الدعاء له بصيانة فيه عن كل خلل، لا عن نثر الأسنان فقط، "فقال من قبلها" أي الأرض، أو الدنيا أو الولادة "طبت" كنت طيبا، "في الظلال" أي، لا ظلال الجنة في صلب آدم "وفي مستودع" بفتح الدال، الموضع الذي كا آدم وحواء به في الجنة، أو صلب آدم، أو الرحم وليس بشيء؛ لأنه لم ينتقل للرحم حتى حملت بجده شيث بعد هبوطها بمدة مديدة، "حيث يخصف،" يلزق "الورق" فبنى للمفعول للعلم به، وطفقا يخصفان، "ثم هبطت" نزلت في صلب آدم "البلاد" الأرض سماها بلادا باعتبار الأول إذ لم يكن حينئذ بلاد، ولا قرى، "لا بشر أنت ولا مضغة" قطعة لحم قدر المضغ، "ولا علق" دم جامد لو صب عليه الماء الحار لم يذب، والمراد نفي جنس العلق على نحو قوله:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] ، فلا يراد أن أصل الآدمي علقة واحدة، أو أطلق على كل جزء من الدم الذي هو أصل الإنسان علقة مجازا، فجمع، أو هو مرخم علقة، وإن كان في غير النداء قليلا، لا للتعظيم، كما زعم؛ لأنه منفي، "بل نطفة" مستقرة في صلب سام بن نوح بعد انتقالها من نوح فمن ولده إلى آدم، ولذا صح إطلاقها عليه وإلا فلم تكن تكونت حينئذ.
وفي رواية بل حجة، وفيه ما فيه من التعظيم والهروب من لفظ نطفة "تركب السفين" اسم جنس لسفينة، أي سفينة نوح، وجمع لضرورة الشعر، أو هو مفرد مرخم "وقد ألجم نسرا" أحد الأصنام التي عبدها قوم نوح.
ذكر ابن جرير الطبري أن نسرا وودا ويعوق ويغوث كانوا أبناء سواع بن شيث بن آدم، فلما هلك صورت صورته لدينه وما عهدوه في دعائه من الإجابة، فلما مات أولاده صورت
.......
…
وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم
…
إذا مضى عالم بدا طبق
وردت نار الخليل مكتتما
…
في صلبه أنت كيف يحترق
حتى احتوى بيتك المهيمن من
…
خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض
…
وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ
…
ـنور وسبل الرشاد نخترق
صورهم كذلك لتذكيرأفعالهم الصالحة فلم يزالوا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا؛ لأنها وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة وعبدوها، نقله في الروض: فما وقع في بعض العبارات أنها أسماء خمسة بنين لآدم، أي بواسطة، لا لصلبه، "وأهله" عباده سماهم لذلك أهله "الغرق" الذي عم الكفار زمن نوح "تنقل من صالب" أي صلب بضم فسكون وتضم لامه اتباعا، كما في المصباح، وهو ظهر الرجل "إلى رحم" بفتح الراء، وكسر الحاء موضع تكوين الولد "إذا مضى عالم" أنت فيه بواسطة من كنت في صلبه، "بدا" ظهر "طبق" عالم آخر تكون فيه بانتقالك من أصل إلى فرع، أو إذا مضى قرن ظهر آخر، سمي القرن طبقا؛ لأنهم طبق للأرض، أي يغطونها، ثم ينقرضون.
قال أبو عبيد، يقال: مضى طبق، وجاء طبق، أي مضى عالم، وجاء عالم "وردت" بلغت ودخلت "نار الخليل" إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أضافها إليها لكونها أوقدت لأجله، حال كونك، "مكتتما" مخفيا "في صلبه" ظهره "أنت" توكيد للضمير في وردت "كيف يحترق" استفهام بمعنى النفي، أي، لا يحترق ببركتك، وأنت في صلبه وعبر بالورود، مع أنه لغة الوصول، بلا دخول إشارة إلى أنه لم يصبه منها شيء، وإن دخلها فكأنه لم يدخلها "حتى احتوى بيتك المهيمن" اسم فاعل من هيمن، أي المحفوظ من كل نقص، "من خندف علياء تحتها النطق" يأتي شرحه "وأنت لما ولدت".
ويروي لما ظهرت "أشرقت وضاءت بنورك الأفق" بضم الهمزة والفاء وتسكن الناحية جمعة آفاق مذكر أنثه على تأويله بالناحية، فراعى معناه، لا لفظه "فنحن" الآن "في ذلك الضياء" نهتدي به إلى ما فيه السعادة الأبدية.
"وفي النور وسبل الرشاد نخترق" هكذا في النسخ الصحيحة، وهي الرواية، وكذا أنشده المصنف في المولد، ويقع في نسخة:
فنحن في ذلك الضياء وفي
…
مستودع حيث يخصف الورق
وفصاحة العباس تأبى هذا، وإن أمن توجيهه، بأن المراد بمنزلة الكائنين فيها لقوة إيماننا
وقوله: من قبلها طبت إلخ: أي ظلال الجنة، أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة.
وقوله: من قبلها: أي قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى.
وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أي لما أهبط الله آدم إلى الدنيا، كنت في صلبه غير بالغ هذه الأشياء.
وقوله: وقد ألجم نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح وهو المذكور في قوله تعالى:{وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
بواسطة ما أفيض علينا، وبأن المراد، ونحن نكون في الجنة يوم القيامة، جزاء لأتباعك، ويقع في بعض النسخ زيادة أبيات هي:
وعاليا قدرك الرفيع وفي
…
معناك حسنا يميله النسق
فذا تثنيك والقوام إذا
…
غصنا رطيبا قوامك الرشق
ووجهك البدر أن يضيء ومن
…
شعر لك الليل يحلك الغسق
أضاء منك الوجود نور سنا
…
وفاح مسكا ونشرك العبق
وكأنها مصنوعة وليس عليها رونق شعره، "وقوله: من قبلها طبت إلى آخره، أي طلال الجنة" فأل عوض عن المضاف إليه، أو للعهد الذهني، وظلالها ليست كظلام الدنيا.
قال الزمخشري: هي مثل ما بين طلوع الفجر إلى الشمس وقال غيره: مثل ما بين الأسفار والطلوع، ولا يلزم على الأول أن تكون مظلمة؛ لأن التمثيل في عدم التغير فقط، "أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة، وقوله: من قبلها، أي من قبل نزولك إلى الأرض"، وأنت لتأويل النزول بالحالة التي قامت به، والأوضح عود الضمير إلى الأرض بتقدير من قبل نزولك إليها، "فكني عنها، ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى، "كقوله: حتى توارت بالحجاب ولأبويه "وقوله: ثم هبطت البلاد، لا بشر، أي لما أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الدنيا، كنت في صلبه غير بالغ هذه الأشياء" البشر، والمضغة والعلق، أي لم يك شيئا منها "وقوله: وقد ألجم نسرا، وأهله الغرق يريد الصنم الذي كان يعبده قوم نوح، وهو المذكور في قوله تعالى:" {وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] قيل: ثم بعد الطوفان انتقلت تلك الأصنام بأعيانها، وقيل: بل الأسماء فقط إلى قبائل من العرب قصار ود لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان ونسر لحمير، قال ابن عطية وغيره.
وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن إلخ. النطق: جمع نطاق. وهي أعراض من جبال بعضها فوق بعض أي: نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس. ضربه مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، وأراد ببيته: شرفه، والمهيمن، نعته، أي احتوى شرفه الشاهد إلى فضلك أعلى مكان من نسب خندف -وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة- انتهى.
وجاءه صلى الله عليه وسلم من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ
"وقوله: حتى احتوى بيتك المهيمن إلخ النطق جمع نطاق، وهي أعراض من جبال" بجيم فموحدة "بعضها فوق بعض" وفسرها: فقال: أي "نواح وأوساط، منها شبهت بالنطق التي تشد بها أوساط الناس، ضربه مثلا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال" بجيم فموحدة جمع جبل، وقراءته بالمهملة تصحيف، "وأراد ببيته شرفه المهيمن نعته" فهو اسم فاعل، كقوله تعالى ومهيمنا عليه في القراءة المتواترة، "أي احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكان" مفعول مطلق صفة لفضلا محذوف "من نسب خندف، وهو" أي هذا اللفظ "بكسر الخاء المعجمة، و" كسر "الدال المهملة" آخره فاء في الأصل المشي بهرولة، ثم جعل علما على امرأة إلياس بن مضر، وهي ليلى القضاعية لما خرجت تهرول خلف بنيها الثلاثة عمرو وعامر وعمر حين ندلهم إبل، فطلبوها، فأبطئوا عليها، ثم ضرب مثلا للنسب العالي في كل شيء؛ لأنها كانت ذات نسب "انتهى".
"وجاءه صلى الله عليه وسلم من كان تخلف عنه" قال كعب بن مالك في حديثه الصحيح، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، وذكر الواقدي: أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء وكانوا عددا كثيرا، "فحلفوا له فعذرهم" قبل عذرهم بأن رفع عنهم اللوم، "واستغفر لهم".
وفي حديث كعب، فقيل منهم صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وعند ابن عقبه، لما دنا صلى الله عليه وسلم من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا فقال لأصحابه:"لا تكلموا رجلا منهم ولا تجالسوه حتى آذن لكم" فأعرض عنهم هو والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه، وأخيه، وإن المرأة لتعرض عن زوجها، فمكثوا كذلك أياما حتى كرب الذين تخلفوا وجعلوا يعتذرون بالجهد والأسقام، ويحلفون له فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم "وأرجأ".
أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
قال الحافظ: مهموز، أي أخر وزنا ومعنى "أمر كعب وصاحبيه" قال كعب في الصحيح: فجئته فلما سلمت عليه تبسم، تبسم المغضب، ثم قال:"تعال" فجلست بين يديه، فقال لي:"ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك" فقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به عني، لوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وثار رجال من بني سلمة، فقالوا: ما علمناك أذنبت قبل هذا، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك، فما زالوا حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسي، فقلت لهم: هل لقي هذا معي أحد، قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما، ونهى صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فذكر الحديث بطوله "حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} أدام توبته عليه وهذا أولى من قول من قال تجاوز عنه إذنه للمنافقين في التخلف وقيل: هو حث للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض؛ لأنه إذا وصف بها المستغني عنها صلى الله عليه وسلم كان باعثا للمؤمنين عليها وإبانة لفضلها "و" تاب على {َالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار} حقيقة إذ، لا ينفك الإنسان عن زلة، أو عن وساوس تقع في قلوبهم {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} حقيقة بأن خرج أولا وتبعوه، مجازا عن اتباعهم أمره ونهيه {فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} أي وقت الشدة والضيق كان الرجلان يقتسمان تمرة، والعشرة يتعقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ} بالتاء والياء تمثل {قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} عن اتباعه إلى التخلف، لما هم فيه من الشدة، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} بالثبات {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} حين تاب عليهم {و} تاب {َعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} عن التوبة.
قال كعب: ليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن خلف له واعتذر إليه فقبل منه، وكذا قال قتادة وعكرمة: خلفوا عن التوبة.
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 117، 118] ،
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة.
قال ابن جرير: فالمعنى تاب على من أخر توبتهم ويؤيده قوله: " {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} " أي مع رحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه قلقا، وجزعا تمثيل لحيرتهم في أمرهم " {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} " قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم، فلا يسعها سرور، ولا أنس.
وفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف، وفي رواية وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى، قد يجده في نفسه.
وعند ابن عائد حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان "وظنوا" أيقنوا " {أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ} " أي، لا مفر من عذابه لأحد " {إِلَّا إِلَيْه} " بالتوبة والاستغفار.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما، ولا سفكوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، وأصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يوافع الفواحش، والكبائر {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} وفقهم للتوبة " {لِيَتُوبُوا} " ليستقيموا على توبتهم، ويثبتوا، أو ليتوبوا في المستقبل، كلما فرطت منهم زلة لعلمهم بالنصوص أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة " {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّاب} " على من تاب ولو عاد، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة".
رواه أبو داود والترمذي والبزار وضعفاه من حديث أبي بكر وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبراني " {الرَّحِيمُ} " به، ومن جملتها توفيقه للتوبة، "والثلاثة هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة"، بضم الميم، وتخفيف الراءين ومن تظرف، فقال: يجمع أسماءهم مكة مراده مجرد الحروف، لا الضبط "ابن ربيعة" كذا في رواية لمسلم، والمشهور ابن الربيع، كما في البخاري وعند ابن مردويه مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وعند ابن أبي حاتم: ربيع بن مرارة، وهو مقلوب، قاله الحافظ، وقد مر، قال ابن بطال: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية؛ لأنه في حق الأنصار خاصة فرض عين؛ لأنهم بايعوا على ذلك، ومصداقه قولهم
وعند البيهقي في الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه: أنه الذبح وأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحسبت أن الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك"، فلبث حينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاتب عليه، ثم غزا تبوكا فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة سبعا وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله عليَّ، الحديث.
وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا
…
على الجهاد ما بقينا أبدا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرا لأنها كالنكث لبيعتهم.
قال السهيلي: ولا أعرف لها وجها غيره، وقال الحافظ وإنما غلظ الأمر على الثلاثة وهجروا لأنهم تركوا الواجب بلا عذر؛ لأن الإمام إذا استنفر الجيش عموما، لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد، فرد أن لو تخلف، فهذا وجه ثان غير الذي ذكر، ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى:{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم} [التوبة: 120] وللشافعية وجه: أن الجهاد كان فرض عين في زمنه صلى الله عليه وسلم فعليه يتوجه العتاب على من تخالف مطلقا، وعند البيهقي في الدلائل النبوية "من مرسل سعيد بن المسيب" بن حزن، التابعي الجليل، ابن الصحابي، حفيد الصحابي، "أن أبا لبابة" رفاعة بن عبد المنذر، الأنصاري "لما أشار لبني قريظة بيده إلى حلقه" حين قالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد "أن الذبح، فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك" فلبث حينا" زمنا "ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاتب عليه، ثم غزا تبوكا" بالصرف إلى إرادة الموضع، "فتخلف عنه أبو لبابة في " جملة "من تخلف، فلما قفل" بفتح القاف، والفاء، ولام رجع "رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها جاء أبو لبابة، يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع أبو لبابه فارتبط بسارية التوبة"، وهي العمود المخلق، أي المطلق بالخلوق بوزن رسول، وهو ما يخلق به من الطيب "سبعا" من الليالي، وقيل ستا، وقيل بضع عشرة كما مر، "وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا" بالموت، "أو يتوب الله على الحديث" بقيته فأنزل الله تعالى، {وَآخَرُونَ} ، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى أبي لبابة ليطلقه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله، فجاء صلى الله عليه وسلم فأطلقه بيده قال البيهقي،
وعنده أيضا من حديث ابن عباس في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا} [التوبة/ 102] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممره النبي صلى الله عليه وسلم إذ رجع في المسجد عليهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال: أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله تعالى:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} فلما نزلت
وترجم ابن إسحاق أن ارتباطه كان في بني قريظة، ورويناه عن ابن عباس وغيره: أنه بتخلفه عن تبوك انتهى، ويحتمل تكرر ربطه نفسه، "وعنده" أي البيهقي في الدلائل "أيضا" وعند ابن مردويه وابن جرير وغيرهم "من حديث ابن عباس في قوله تعالى:{وَآخَرُونَ} مبتدأ {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} من التخلف نعته والخبر {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا} وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك.
"قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وثلاثة لم يوثقوا، وهم كعب، ومرارة وهلال، والذين أوثقوا أبو لبابة وأوس بن جذام وثعلبة بن وديعة رواه ابن منده وأبو الشيخ عن جابر بإسناد قوي وجد بن قيس وجذام بن أوس ومرداس رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم بن مرسل قنادة والسابع وداعة بن حرام الأنصاري. رواه المستغفري عن ابن عباس، "وكان ممره صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فقال" لما رآهم:"من هؤلاء" الموثقون أنفسهم؟ " قالوا هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله".
زاد في رواية عاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم "حتى تطلقهم" زاد في رواية وترضي عنهم، وتعذرهم" ترفع اللوم عنهم، زاد في رواية، وقد اعترفوا بذنوبهم "قال صلى الله عليه وسلم": "وانا "أقسم بالله لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم".
"رغبوا عني" صانوا نفوسهم عما رضيته لنفسي من الشدائد، "وتخلفوا عن الغزو" مع المسلمين وقد استنفرت عموم الجيش فتركوا الواجب.
زاد في رواية: فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقنا، "فأنزل الله تعالى:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى آخر الآية، "فلما نزلت
أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، الحديث.
قالوا: ولما قدم عليه الصلاة والسلام من تبوك وجد عويمر العجلاني امرأته حبلى، فلاعن عليه الصلاة والسلام بينهما.
أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم" إلا أن أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ففعل كما مر "الحديث" بقيته، فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا" فأنزل الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم، لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّه} [التوبة: 106] فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون عسى الله أن يتوب عليهم حتى نزلت {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] ويقع في بعض الروايات: أنهم أخروا سنة، وهو ضعيف، فالثابت في الصحيح خمسين ليلة والله أعلم.
واعلم أنه من أول قوله، وعند البيهقي إلى هنا سقط في كثير من النسخ، وإثباتها أتم فائدة والعزو صحيح مذكور في دلائل البيهقي إلى هنا سقط في كثير من النسخ، وإثباتها أتم فائدة والغزو صحيح مذكور في دلائل البيهقي وغيره "قالوا: ولما قدم عليه الصلاة والسلام من تبوك وجد عويمر" بضم المهملة آخره راء مصغر ابن أبيض، وقال الطبراني ابن الحارث بن زيد بن جابر بن الجد بن العجلان "العجلاني" قال: وأبيض لقب لأحد آبائه، وأيد بأن في الموطأ رواية القعنبي عويمر بن أشقر، فقيل إنه خطأ لأن ابن أشقر آخر مازني، وقيل: لا خطأ، فإن أحد آباء العجلاني يلقب أبيض، فأطلق عليه الراوي أشقر، "امرأته" خولة بنت قيس عن المشهور أو بنت عاصم بن عدي أو بنت أخيه "حبلى" وعند ابن مردويه مرسلا أن عويمر رماها بشريك بن سحماء، وهو ابن عمه، وعند ابن أبي حاتم فقال لعاصم: يابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها، وأنها لحبلى وما قربتها منذ أربعة أشهر، وسحماء بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين، والمد اسم أمه، وهي حبشية أو يمانية، واسم أبيه عبده، ولا مانع من أن يتهم شريك بكل من امرأتي عويمر وهلال جمعا بين هذا وبين حديث البخاري الآتي، فلا يحسن قول ابن الصباغ في شامله أن قول الإمام المزني قذف العجلاني زوجته بشريك سهو في النقل، إنما هو هلال انتهى، وقد علم سند المزني، وإمكان الجمع فتعين المصير إليه، "فلاعن عليه الصلاة والسلام بينهما"، وكأن المصنف ساقه بصيغة التبري؛ لأنه صريح في أن اللعان لنفي الحمل وصريح الأحاديث أنه لرؤية الزنا.
وقد روى الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال:
...................................
أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع، فسأله عاصم فعاب صلى الله عليه وسلم المسائل فلقيه عويمر، فقال: ما صنعت، قال: إنك لم تأمرني بخير سألت رسول الله، فعاب المسائل، فقال عويمر: فوالله لآتين رسول الله، فلأسألنه، فأتاه، فقال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك".
فأمرهما، فتلاعنا الحديث، وفيه أن الولد جاء على الصفة التي تصدق عويمرا، فكان ينسب إلى أمه.
وروى البخاري عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال صلى الله عليه وسلم:"البينة أو حد في ظهرك" فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول:"البنية وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إي لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] حتى بلغ إن كان من الصادقين، الحديث. وفيه أنهما تلاعنا، وأن الولد جاء على صفة شريك، فقال صلى الله عليه وسلم:"لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
قال الحافظ: اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح نزولها في شأن عويمر، ومنهم من رجح نزولها في شأن هلال، ومنهم من جمع بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا، وإليه جنح النووي، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد، ولا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول.
وروى البزار عن حذيفة قال: قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به".
قال: كنت فاعلا به شرا قال: "فأنت يا عمر" قال: كنت أقول لعن الله الأبعد، فنزلت، ويحتمل أن النزول سبق هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه صلى الله عليه وسلم بالحكم، ولذا قال في قصة هلال: فنزل جبريل وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك"، وبهذا أجاب ابن الصباغ، قال: نزلت في هلال، وأما قوله لعويمر:"قد أنزل الله فيك"، فمعناه ما أنزل في قصة هلال، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بإمرأته، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليظ الرواة الحفاظ، انتهى، ولم يذكر المصنف هنا بعثه صلى الله عليه والسلام أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات بالطائف لما أتاه وفدهم مسلمين، فذهبا في بضعة عشر رجلا، فهدموها حتى سووها بالأرض، ثم خرب المغيرة أساسها، وأخذوا حليتها وكسوتها وما فيها من طيب وذهب وفضة، وأقبلوا حتى دخلوا عليه صلى الله عليه وسلم، فحمد الله على نصره واعزاز دينه، وقسم المال من يومه اكتفاء بأنه أشار إلى ذلك في الوفود والله أعلم.