المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[صفية أم المؤمنين] : - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٤

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الرابع

- ‌تابع كتاب المغازي

- ‌حرق ذي الكفين

- ‌[غزوة الطائف] :

- ‌[نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار] :

- ‌[بعث قيس إلى صداء] :

- ‌[البعث إلى بني تميم] :

- ‌[بعث الوليد إلى بني المصطلق] :

- ‌[سرية ابن عوسجة] :

- ‌[سرية قطبة إلى خثعم] :

- ‌[سرية الضحاك إلى القرطاء] :

- ‌[سرية علقمة إلى طائفة من الحبشة] :

- ‌[هدم صنم طيء] :

- ‌[ثم غزوة تبوك] :

- ‌[حج الصديق بالناس] :

- ‌[هلاك رأس المنافقين] :

- ‌العبث إلى اليمن

- ‌[بعث خالد إلى نجران] :

- ‌[بعث علي إلى اليمن] :

- ‌[حجة الوداع] :

- ‌[آخر البعوث النبوية] :

- ‌الفصل الأول: في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة

- ‌الفصل الثاني: في ذكر أولاده الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام

- ‌الفصل الثالث: في ذكر أزواجه الطاهرات وسراريه المطهرا

- ‌مدخل

- ‌خديجة أم المؤمنين

- ‌[سودة أم المؤمنين] :

- ‌[عائشة أم المؤمنين] :

- ‌[حفصة أم المؤمنين] :

- ‌[أم سلمة أم المؤمنين] :

- ‌[أم حبيبة أم المؤمنين] :

- ‌[زينب بنت جحش أم المؤمنين] :

- ‌[زينب أم المساكين والمؤمنين] :

- ‌[ميمونة أم المؤمنين] :

- ‌[جويرية أم المؤمنين] :

- ‌[صفية أم المؤمنين] :

- ‌[ذكر سراريه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌الفصل الرابع: في أعمامه وعماته واخوته من الرضاعة وجداته

- ‌مدخل

- ‌[ذكر بعض مناقب حمزة] :

- ‌[ذكر بعض مناقب العباس] :

- ‌الفصل الخامس: في خدمه وحرسه ومواليه، ومن كان على نفقاته، وخاتمه ونعله وسواكه ومن يأذن عليه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام

- ‌الفهرس

الفصل: ‌[صفية أم المؤمنين] :

وتوفيت وعمرها خمس وستون سنة في ربيع الأول سنة خمسين، وقيل سنة ست وخمسين.

[صفية أم المؤمنين:]

وأما أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بنت حيي بن أخطب بن سعد -بفتح السين وسكون العين المهملتين وبالياء المثناة التحتية- ابن ثعلبة بن عبيد من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام

سبحان الله عدد خلقه ثلاث مرات، سبحان الله رضا نفسه ثلاث مرات، سبحان الله زنة عرشه ثلاث مرات، سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات".

وروى مسلم وأبو داود، عنها: أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".

"وتوفيت وعمرها خمس وستون سنة" لأن تزوجها سنة خمس وهي ابنة عشرين، وقد ماتت في ربيع الأول سنة خمسين" على الصحيح، كما في التقريب، وتبعه في السبل، "وقيل ماتت في ربيع الأول أيضا "سنة ست وخمسين" من الهجرة وقد بلغت سبعين سنة، والقولان حكاهما الواقدي قال: وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، وتبعه في الإصابة بلا ترجيح، وكذا في العيون إلا أنه قدم الثاني، ومن هذا علم أنها دفنت بالمدينة، ومعلوم أن مقبرتها البقيع.

روت جويرية عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث، وعنها ابن عباس، وجابر، وابن عمرو عبيد بن السباق، والطفيل ابن أخيها وغيرهم انتهى.

صفية أم المؤمنين:

"وأما المؤمنين صفية رضي الله عنها" اسمها الأصلي، وقيل كل اسمها قبل السبي زينب، فلما صارت من الصفي سميت صفية "بنت حيي" بضم الحاء، وتكسر، وتحتيتين الأولى مخففة، والثانية مشددة، "ابن أخطب" بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح المهملة، وموحدة "ابن سعد، وفتح السين، وسكون العين المهملتين، وبالياء المثناة التحتية ابن ثعلبة بن عبيد، من بني إسرائيل، من سبط" لاوى بن يعقوب، ثم من سبط "هارون بن عمران عليه السلام" أخي موسى صلى الله عليه وسلم.

قال الجاحظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ثم صيرها الله أمة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكان أبوها

ص: 428

[صفية أم المؤمنين] :

وأما أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بنت حيي بن أخطب بن سعد -بفتح السين وسكون العين المهملتين وبالياء المثناة التحتية- ابن ثعلبة بن عبيد من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام.

صفية أم المؤمنين:

"وأما المؤمنين صفية رضي الله عنها" اسمها الأصلي، وقيل كل اسمها قبل السبي زينب، فلما صارت من الصفي سميت صفية "بنت حيي" بضم الحاء، وتكسر، وتحتيتين الأولى مخففة، والثانية مشددة، "ابن أخطب" بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح المهملة، وموحدة "ابن سعد، وفتح السين، وسكون العين المهملتين، وبالياء المثناة التحتية ابن ثعلبة بن عبيد، من بني إسرائيل، من سبط" لاوى بن يعقوب، ثم من سبط "هارون بن عمران عليه السلام" أخي موسى صلى الله عليه وسلم.

قال الجاحظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ثم صيرها الله أمة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكان أبوها

ص: 428

وأمها ضرة -بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء- بنت سموءل -بفتح السين المهملة والميم وسكون الواو وفتح الهمزة وباللام- فكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق -بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون المثناة التحتية- فقتل يوم خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة.

قال أنس: لما افتتح صلى الله عليه وسلم خيبر وجمع السبي، جاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي، فقال:"اذهب فخذ جارية"، فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك، قال:"ادعوه بها"، فجاء بها، قال: فلما نظر.

سيد بني النضير، قتل مع بني قريظة، "وأمها ضرة، بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء" فتاء تأنيث، "بنت سموءل، بفتح السين المهملة والميم، وسكون الواو، وفتح الهمزة، وباللام".

قال البرهان: لا أعلم لها إسلاما، والظاهر هلاكها على كفرها، نعم أخوها رفاعة صحابي، "فكانت" أولا كما ذكر ابن سعد، وأسند بعضه من وجه مرسل تحت سلام بن مشكم القرظي، ثم فارقها، فكانت "تحت كنانة" بكسر الكاف ونونين "ابن أبي الحقيق، بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى، وسكون المثناة التحتية، فقتل" عنها وهو عروس "يوم خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة" كما مر.

"قال أنس" بن مالك "لما افتتح صلى الله عليه وسلم خيبر وجمع السبي، جاء دحية" بن خليفة الكلبي، بكسر الدال، وفتحها ومعناه بلغة اليمن الشريف أو رئيس الجند، "فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي، فقال:"اذهب فخذ جارية" منه فذهب، "فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل".

قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ونحوه قول البرهان: لا أعرفه "إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة" بضم القاف، وفتح الراء، والظاء المعجمة؛ لأن أمها كانت بنت سيدهم، "والنضير" لأن أباها كان له فيهم سيادة وعظمة "ما تصلح إلا لك" لأنها من بيت رياسة ومن بيت النبوة من ولد هارون مع الجمال العظيم، فإنها كانت من أضوأ ما يكون من النساء، وأنت صلى عليك الله أكمل الخلق في هذه الأوصاف، بل في كل خلق حميد، "قال:"ادعوه بها" أي دحية بصفية، فدعوه "فجاء بها" وعند أبي يعلى بسند جيد عنها قالت: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من الناس أحد أكره إليَّ منه، "فقال":"إن قومك صنعوا كذا وكذا" قالت: فما قمت من مقعدي، وما من الناس أحد أحب إليَّ منه، "فلما نظر

ص: 429

إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، قال: وأعتقها وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها. حتى إذا كان بالطريق

إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذ جارية من السبي غيرها" لأنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا من أفضلهن، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبا وشرفا وجمالا استرجعها لئلا يتميز دحية بها على سائر الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه، وأيضا لما فيه من انتهاكها مع علو قدرها، وربما ترتب عليه شقاق وغيره مما لا يخفى فكان صفاؤه صلى الله عليه وسلم لها قاطعا لهذه المفسدة.

ونقل الإمام الشافعي في الأم عن سير الواقدي أنه أعطى دحية أخت كنانة بن الربيع زوج صفية تطييبا لخاطره، وعند ابن إسحاق أعطاه بنت عمها.

وفي الروض أعطاه ابنتي عمها، ولا تنافي فأعطاه الجميع، ففي مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اشترى صفية منه بسبعة أرؤس، وسماه شراء مجازا، وليس في قوله سبعة منافاة لقوله هنا "خذ جارية" إذ لا دلالة فيه على نفي الزيادة، كما مر مبسوطا في الغزوة، "قال" أنس:"وأعتقها وتزوجها، فقال له ثابت" البناني: "يا أبا حمزة" بمهملة وزاي كنية أنس "ما أصدقها؟، قال: نفسها أعتقها وتزوجها" بأن جعل نفس العتق صداقا، ففي الصحيح أيضا أن ثابتا، قال لأنس: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، وللطبراني وأبي الشيخ عن صفية أعتقني صلى الله عليه وسلم، وجعل عتقي صداقي، أو أعتقها لا عوض، وتزوجها بلا مهر لا حالا ولا مالا، فحل العتق محل الصداق، كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، أو أعتقها بشرط أن ينكحها بلا مهر، فلزمها الوفاء أو أعتقها بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها بلا صداق، وكلها من خصائصه عند الأكثر.

وذهب أحمد والحسن وابن المسيب وغيرهم إلى جوازه لغيره، وروى أبو يعلى عن رزينة أنه صلى الله عليه وسلم أمهر صفية رزينة.

قال الحافظ الهيثمي: وهو مخالف لما في الصحيح انتهى، وهي بفتح الراء، وكسر الزاي، وقيل بالتصغير.

وروى أبو يعلى أيضا أنه صلى الله عليه وسلم لما تزوج صفية أمر بشراء خادم لها وهي رزينة، كما في الإصابة، فيحتمل أنه لما أخدمها إياها توهمت أنه جعلها مهرها، وإلا فالمروي عن صفية نفسها، كما رأيت بل وعنه صلى الله عليه وسلم كما يأتي جعل عتقها صداقها، وبه رد الحافظ وغيره على ابن المرابط المالكي، والطبري، والشافعي ومن وافقهما زعمهم أن أنشأ قاله ظنا من قبل نفسه، ولم يرفعه "حتى إذا كان بالطريق"، بسند الصهباء، كما في رواية في الصحيح، فخرج بها حتى بلغ سد الصهباء حلت له بفتح السين، وضمها والصهباء، بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء، وبالموحدة، ومد، وفي رواية سد الروحاء بالمهملة، قال الحافظ: والصواب ما اتفق عليه الجماعة

ص: 430

جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسا، فقال له:"من كان عنده شيء فليجئ به"، قال: فبسط نطعا، قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أنها الصهباء، وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره "جهزتها له أم سليم" بضم السين، والدة أنس، راوي الحديث، وعند ابن سعد وأصله في مسلم، ودفعها إلى أمي أم سليم حتى تهيئها وتصنعها، فمشطتها أم سليم وعطرتها، "فأهدتها" زفتها "له من الليل".

قال الكرماني: وفي بعضها، أي النسخ أو الروايات، فهدتها بغير همز، وصوب لقول الجوهري: هديت أنا المرأة إلى زوجها.

قال الحافظ: لكن تواردت النسخ على إثباتها، ولا مانع من استعمال الهدية في هذا استعارة "فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسا" بوزن فعول نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما دام في تعريسهما أياما، وجمعه عرس بضمتين، وجمعها عرائس، كما قاله الخليل وغيره.

قال العيني: وقول العوام للذكر عريس، والأنثى عروسة لا أصل له لغة، "فقال له": لأنس "من كان عنده شيء"، وفي رواية "من كان عنده فضلة"، زاد "فليجئ به"، أمر بتقدير أنه للوجوب فهو يدفع ما عندهم للمولم عليه السلام فجعله يقتضي وجوب الوليمة غفلة.

"قال أنس: "فبسط" بفتحات "نطعا" بكسر النون، وفتح المهملة على الرواية، واقتصر عليها ثعلب في الفصيح، وفيها لغات مرت في خيبر، "قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط" بفتح الهمزة وكسر القاف.

قال عياض: هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقيل لبن مجفف مستحجر يطبخ به، "وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن" وفي رواية وجعل الرجل يجيء بالسويق، "فحاسوا" بمهملتين، أخلطوا أو اتخذوا "حيسا" بفتح فسكون، وهو خلط السمن والتمر والأقط قال الشاعر:

التمر والسمن جميعا والأقط

الحيس إلا أنه لم يختلط

وقد يختلط مع الثلاثة غيرها، كالسويق قاله في الفتح ونحوه في القاموس وقول الشاعر لم يختلط يريد فيما حصره من الثلاثة فهي حيس بالقوة لوجود مادته، وإن لم يحصل خلط فيما عناه، "فكانت" قال الكرماني، أي الصلاة المصنوعة أو أنث باعتبار الخبر كما ذكر باعتباره في قوله تعالى:{قَالَ هَذَا رَبِّي} "وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" على صفية أي طعام عرسه من الولم،

ص: 431

وفي رواية: قال الناس لا ندري أتزوجها أم جعلها أم ولد، قالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها.

وفي رواية: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدار المدينة هششنا إليها، فدفعنا مطايانا، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها، قال: فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرع وصرعت،

وهو الجمع، سمي به لاجتماع الزوجين.

وفي رواية للشيخين أيضا عن أنس: أقام صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاثا، يبني عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته فما كان فيها من خبز ولا لحم أمر بالأنطاع، فألقي فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمته، ولأبي يعلى عن أنس، أنه جعل الوليمة ثلاثة أيام، وللطبراني بسند جيد عن حسن بن حرب، أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:"ما تقولون في هذه الجارية"؟ قالوا: نقول إنك أولى الناس بها، وأحقهم قال:"فإني أعتقها واستنكحها، وجعلت عتقها مهرها"، فقال رجل: الوليمة يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"الوليمة أول يوم حق، والثانية معروف، والثالثة فخر"، وأحمد برجال الصحيح، وأبو يعلى برجال ثقات عن جابر لما دخلت صفية على رسول الله فسطاطة حضر ناس وحضرت معهم ليكون فيها قسم، فخرج صلى الله عليه وسلم، فقال:"قوموا عن أمكم"، فلما كان العشي خرج إلينا في طرف ردائه بنحو مد ونصف من تمر عجوة، فقال:"كلوا من وليمة أمكم".

"وفي رواية" عن أنس أيضا، "قال الناس: لا ندري أتزوجها أم جعلها أم ولد" أي سرية، وفي رواية فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، "قالوا إن حجبها فهي امرأته"، وفي رواية فهي إحدى أمهات المؤمنين، "وإن لم يحجبها فهي أم ولد" سرية.

وفي رواية فهي مما ملكت يمينه، أي لأن ضرب الحجاب إنما هو على الحرائر لا على الإماء، "فلما أراد أن يركب حجبها" سترها، وفي رواية وطأ لها ومد الحجاب بينها وبين الناس.

وفي رواية فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب وكلها في الصحيح.

وفي مغازي أبي الأسود عن عروة، فوضع صلى الله عليه وسلم لها فخذه لتركب فأجلته أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت.

"وفي رواية" عن أنس أيضا "فانطلقنا حتى إذا رأينا جدار المدينة هششنا" ارتحنا "إليها، فدفعنا مطايانا" أي أسرعنا بها، "ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيته، قال وصفية خلفه قد أردفها، قال" أنس: "فعثرت مطية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرع" بالبناء للمفعول، "وصرعت،" أي

ص: 432

فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترها. قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعها رواه الشيخان وهذا لفظ مسلم.

وروي عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم أتي بصفية يوم خيبر، وأنه قتل أباها وأخاها، وأن بلالا مر بها بين المقتولين، وأنه صلى الله عليه وسلم خيرها بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم فيتخذها لنفسه، فقالت: أختار الله ورسوله، خرجه في الصفوة.

وأخرج تمام في فوائده من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "هل لك فيَّ"؟ قالت: يا رسول الله لقد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذ أمكنني الله منه في الإسلام.

وقعت، "فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها" إجلالا واحتراما، "حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسترها" قال أنس: فأتيناه، فقال:"لم نضر"، "قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها"، ينظرن إليها، "ويشمتن" بفتح الميم يفرحن "بصرعها" سقوطها.

"رواه" أي المذكور من الروايات الثلاث "الشيخان، وهذا لفظ مسلم" عن أنس "وروي عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم أتى بصفية" بالبناء للمفعول، والآتي دحية، كما مر، وعند ابن إسحاق: أن الآتي بلال ولا منافاة لاحتمال أنه أرسل بلالا إلى دحية ليأتي بصفية فجاءا بها معا "يوم خيبر، وأنه قتل أباها وأخاها، وأن بلالا مر بها بين المقتولين".

وعند ابن إسحاق، ومعها بنت عمها، فصاحت ابنة عمها، وصكت وجهها، وحثت التراب على رأها، فقال صلى الله عليه وسلم:"أعزبوا هذه الشيطانة عني"، وقال لبلال:"أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين عن قتلاهما"، "وأنه صلى الله عليه وسلم خيرها بين أن يعتقها، فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم" قسيم قوله يعتقها، وبين لا تقع إلا على متعدد فكان المتعين الواو، وكأنه نظر في أو إلى جانب المعنى، وهو أن القصد ابتداء أحد الأمرين، لا الأمران معا، "فيتخذها لنفسه".

وعند الطبراني عن ابن عمر أنها قالت: وما كان أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أبي وزوجي، فما زال يعتذر إلي وقال:"يا صفية إن أباك ألب العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي""فقالت: أختار الله ورسوله" فاصطفاها الله.

"خرجه" ابن الجوزي "في الصفوة" كتاب له، "وأخرج تمام" الإمام الحافظ محمد بن عبد الله بن جعفر المروزي، ثم الدمشقي الثقة، المتوفى ثالث محرم سنة ست عشرة وأربعمائة "في فوائده من حديث أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "هل لك" رغبة "في"، قالت: يا رسول الله لقد كنت أتمنى ذلك في الشرك فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام" ولعل سبب

ص: 433

وأخرج أبو حاتم في حديث ابن عمر: رأى صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة فقال: "ما هذه الخضرة"؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال: تمنين ملك يثرب. وبنى بها صلى الله عليه وسلم بالصهباء.

تمنيها ذلك رؤيتها منام دل عليه، ولذا حسن من المصنف تعقيب هذا الحديث، به فقال:"وأخرج أبو حاتم" بن حبان في صحيح والطبراني برجال كلاهما "من حديث ابن عمر" قال: "رأى صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة، فقال: "ما هذه الخضرة"؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تمنين" بحذف إحدى التاءين "ملك يثرب" أوله بخصوصه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الظاهر عندهم ظهور القمر الباهر، وإن جحدوه في الظاهر ظلما وعلوا؛ لأنهم مستبقون نبوته، وعند ابن إسحاق: وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها، فلطم وجهها وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب، فلم يزل الأثر في وجهها حتى سألها صلى الله عليه وسم، فأخبرته.

قال البرهان: فلعلهما فعلا بها ذلك، وأخرج ابن أبي عاصم والطبراني عن أبي برزة لما نزل صلى الله عليه وسلم خيبر كانت صفية عروسا، فرأت في المنام أن الشمس وقعت على صدرها فقصتها على زوجها، فقال: والله ما تمنين إلا هذا الملك الذي نزل بنا، الحديث.

قال الشامي: ولا مخالفة بينهما باعتبار التعدد، فقصت ذلك على أبيها أولا، ثم على زوجها ثانيا، ولهذا اختلف العبارة في التعيين انتهى، وانت خبير بأن لا يتخيل تعارض، فإن رؤيتها وقوع الشمس على صدرها غير رؤيتها وقوع القمر في حجرها وقصتهما معا على زوجها، فلطمها في قصة القمر على عينها فاخضرت ووبخها في الشمس، ورأت قبل ذلك القمر وقصته على أبيها فالأثر الذي في وجهها من لطم أبيها غير خضرة عينها من لطم زوجها، "وبنى بها صلى الله عليه وسلم بالصهباء" بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء وبموحدة، ومد موضع أسفل خيبر.

وفي رواية بالروحاء بالمهملة، مكان قرب بالمدينة، بينهما نيف وثلاثون ميلا من جهة مكة، وقيل بقرب المدينة مكانا آخر يقال له الروحاء، وعلى التقديرين، فليست قرب خيبر، فالصواب ما اتفق عليه الجماعة إنها الصهباء، وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره، كما في الفتح، وأخرج ابن سعد بأسانيده، قال: لم يخرج من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء، وهي على بريد من خيبر، نزل بها هناك فمشطتها أم سليم

ص: 434

...................................

وعطرتها.

قالت أم سنان الأسلمية: وكانت من أضوأ ما يكون من النساء، فدخل بأهله، فلما أصبح سألتها عما قال لها، فقالت: قال لي ما حملك على الامتناع من النزول أولا قلت: خشيت عليك من قرب اليهود فزادها ذلك عنده، وذكرت أنه سر بها، ولم ينم تلك الليلة، لم يزل يتحدث معها، وعن عطاء بن يسار لما قدمت صفية من خيبر أنزلت في بيت لحارثة بن النعمان، فسمع نساء الأنصار، فجئن ينظرن إلى جمالها، وجاءت عائشة متنقبة فلما خرجت خرج صلى الله عليه وسلم على أثرها، فقال:"كيف رأيت يا عائشة"، قالت: رأيت يهودية قال: "لا تقولي ذلك، فإنها أسلمت وحسن إسلامها" وبسند صحيح عن ابن المسيب قدمت صفية وفي أذنها خوصة من ذهب، فوهبت منه لفاطمة ولنساء معها، وعن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فاعتل بعير صفية، وفي إبل زينب بنت جحش فضل، فقال لها:"إن بعير صفية اعتل، فلو أعطيتها بعيرا"، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فتركها صلى الله عليه وسلم ذا الحجة، والمحرم شهرين أو ثلاثة لا يأتيها، قالت زينب: حتى يئست منه.

رواها كلها ابن سعد، وأخرج الترمذي عن صفية، قالت: دخل عليَّ صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، وقد بغلني أن عائشة وحفصة قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، نحن أزواجه وبنات عمه، فقال:"ما يبكيك"؟ فذكرت له ذلك، فقال:"ألا قلت وكيف تكونان خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى، وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم".

وروى عمر الملاء عن صفية حج صلى الله عليه وسلم بنسائه، فلما كان ببعض الطريق برك جملي، وكنت من آخرهم ظهرا فبكيت فجاء صلى الله عليه وسلم وجعل يمسح دموعي بردائه وبيده، وجعلت لا أزداد إلا بكاء وهو ينهاني فلما أكثرت زبرني، قال أبو عمر: كانت صفية عاقلة حليمة فاضلة، روينا أن جارية لها أتت عمر، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود فبعث عمر فسألها، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما، فأنا أصلهم، ثم قالت للجارية، ما حملك على هذا، قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرة.

وأخرج ابن سعد بسند حسن عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم عنده في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمز بها أزواجه، فبصربهن، فقال:"مضمضن"، قلن: من أي شيء؟ قال: "من تغامزكن بها والله إنها لصادقة"، وروى أبو داود والترمذي عن عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة، قال:"قد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"، روت صفية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنها

ص: 435

وماتت في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية، وقيل غير ذلك.

فهؤلاء أزواجه اللاتي دخل بهن لا خلاف في ذلك بين أهل السير والعلم بالأثر.

وقد ذكر أنه صلى الله عليه وسلم تزوج نسوة غير من ذكر، وجملتهن اثنتا عشرة امرأة.

الأولى: الواهبة نفسها له صلى الله عليه وسلم،

ابن أخيها ومولياها كنانة، ويزيد بن معتب، وزين العابدين بن الحسين وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، ومسلم بن صفوان، "وماتت في رمضان سنة خمسين".

قاله الواقدي وصححه في التقريب، وقال في الإصابة أنه أقرب، وقال ابن سعد: سنة اثنتين وخمسين، وهو على كلا القولين "في زمن معاوية".

قال ابن أبي خيثمة: وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض، وأوصت لابن أختها بالثلث، وكان يهوديا، "وقيل غير ذلك" فقيل سنة ست وثلاثين.

حكاه ابن حبان، وجزم به ابن منده قال في الإصابة: وهو غلط فإن علي بن الحسين لم يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها في الصحيحين، ودفنت بالبقيع وسنها نحو ستين؛ لأنها قالت: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه ابن سعد "فهؤلاء أزواجه اللاتي دخل بهن لا خلاف في ذلك" أي دخوله بهن وإن اختلف في أن جويرية سرية، والراجح أنها زوجة كما مر "بين أهل السير والعلم بالأثر"، ولا شك أنهن زوجاته في الآخرة بنصه صلى الله عليه وسلم، كما مر، وهو أحد التعاليل في حرمتهن على غيره، وأما اللاتي فارقهن في الحياة دخل بهن أم لا، ففي فتاوى النجم يحتمل أنهم كذلك، ويؤيده أن الراجح حرمتهن على غيره المعلل بما ذكر، ويحتمل خلافة خصوصا في المستعيذة ومن لم يردها أو اختارت الحياة الدنيا، ويؤيده ما روي أن المستعيذة تزوجت بعده لكنه ضعيف، وأما نساء غيره من الأنبياء، فيحتمل أن يكن كذلك، لكن قال القضاعي: إن حرمة زوجاته صلى الله عليه وسلم بعده مما خص به دون الأنبياء، وكذا السيوطي في الأنموذج، ثم توقف النجم في ذلك، وأنه لم يقف على نقل فيه بخصوصه، ولعله أراد أثرا أو حديثا، وإلا فالسيوطي، والقضاعي نل، "وقد ذكر أنه صلى الله عليه وسلم تزوج نسوة غير من ذكر، وجملتهن اثنتا عشرة امرأة" على ما ارتضاه المصنف، وإلا فقد قال الدمياطي: وأما من لم يدخل بها ومن وهبت نفسها له ومن خطبها ولم يتفق تزويجها له، فثلاثون امرأة على خلاف في بعضهن، "الأولى الواهبة نفسها له صلى الله عليه وسلم" أي التي اشتهرت بذلك، فلا ينافي ما يأتي له من ذكر قول في بعضهن أنها وهبت نفسها.

ص: 436

واختلف من هي، فقيل أم شريك القرشية العامرية، واسمها: غزية -بضم الغين المعجمة وفتح الزاي وتشديد المثناة التحتية- بنت جابر بن عوف، من بني عامر بن لؤي وقيل بنت دودان بن عوف وطلقها النبي واختلف في دخوله بها.

وقيل هي أم شريك غزية الأنصارية من بني النجار، وفي الصفوة، هي أم شريك غزية بنت جابر الدوسية، قال: والأكثرون على أنها وهبت

"واختلف" في جواب قول السائل "من هي" فلا ينافي أن الاستفهام لا يسأل عنه، "فقيل" هي "أم شريك القرشية العامرية" نسبة إلى عامر بن لؤي، "واسمها غزية بضم الغين المعجمة، وفتح الزاي، وتشديد المثناة التحتية".

زاد في الإصابة: وقيل بفتح أولها، وقيل اسمها غزيلة بالتصغير، ولام بعد الياء "بنت جابر بن عوف من بني عامر بن لؤي" بن غالب، "وقيل" غزية بنت دودان" بدالين مهملتين مكررتين، الأولى مضمومة وبعد الثانية ألف، ثم نون، كما ضبطه البرهان، فما يقع في النسخ داود من تحريف النساخ، لشهرة هذا دون ذاك "ابن عوف" بن عمرو بن خالد بن ضباب بن حجير بن بغيض بن عامر بن لؤي، هكذا نسبها ابن الكلبي.

روى أبو نعيم وأبو موسى بسند ضعيف عن ابن عباس قال: وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة، فأسلمت، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا، فتدعوهن إلى الإسلام حتى ظهر أمرها بمكة، فقالوا: لولا قومك لفعلنا بك، وفعلنا لكن سنردك إليهم، فحملوها على بعير عرى، وتركوها ثلاثا بلا أكل ولا شرب، ثم نزلوا منزلا وأوقفوها في الشمس، واستظلوا وحبسوا عنها الطعام والشراب، فدلي لها من السماء دلو من ماء فشربت حتى رويت، ثم صبته على جسدها وثيابها، فلما استيقظوا رأوا أثر الماء وحسن الهيئة، فسألوها فأخبرتهم فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا بعد ذلك، وأقبلت هي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووهبت نفسها له بغير مهر، قبلها، ودخل عليها، "وطلقها النبي صلى الله عليه وسلم" لأنه رآها كبيرة، "واختلف في دخوله بها" فقال ابن عباس: كما ترى أنه دخل، وقال غيره: لم يدخل، ويحتمل الجمع بأن المنفي الجماع، والمثبت مجرد الدخول إن صحا، "وقيل" إن الواهبة ليست القرشية، بل "هي أم شريك غزية الأنصارية من بني النجار" فوافقتها في الكنية والاسم، واختلفا في النسبة.

روى ابن سعد برجال ثقات عن الشعبي، قال: المرأة التي عزل صلى الله عليه وسلم أم شريك الأنصارية، وروى ابن أبي خيثمة عن قتادة قال: تزوج صلى الله عليه وسلم أم شريك الأنصارية النجارية، وقال: إني أحب أن أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرة الأنصار، فلم يدخل بها، "وفي الصفوة" لابن الجوزي "هي أم شريك غزية بنت جابر الدوسية" الأزدية "قال: والأكثرون على أنها التي وهبت

ص: 437

نفسها له صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت.

وذكر ابن قتيبة في المعارف عن أبي اليقظان، أن الواهبة نفسها خولة بنت حكيم السلمي، ويجوز أن يكونا وهبتا أنفسهما من غير تضاد.

وقال عروة بن الزبير: كانت خولة بنت حكيم، من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة:

نفسها له صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلها" لكبر سنها، "فلم تتزوج حتى ماتت" ورجحه الواقدي، ورواه ابن سعد عن عكرمة وعلي بن الحسين، وأخرج ابن سعد أيضا عن منير بن عبد الله الدوسي: أن أم شريك غزية بن جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة، فقبلها، فقالت عائشة: ما في المرأة حين تهب نفسها لرجل خير، فقالت أم شريك: فأنا تلك فسماها الله مؤمنة، فقال:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} [الأحزاب: 50] ، فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة إن الله ليسرع لك في هواك، ويمكن الجمع بين القبول ونفيه، بأنه عقد عليها ولم يدخل.

قال في الإصابة: والذي ظهر في الجمع أن أم شريك واحدة اختلف في نسبها أنصارية أو عامرية من قريش، أو أزدية من دوس، واجتماع هذه النسب الثلاثة ممكن، كأن تكون قرشية تزوجت في دوس، فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار، فنسبت إليهم أو لم تتزوج، بل نسبت أنصارية بالمعنى الأعم انتهى منه في ترجمة العامرية، وأما أم شريك بنت جابر الغفارية، التي ذكرها أحمد بن صالح المضري في الزوجات اللاتي لم يدخل بهن، فلا تذكر هنا؛ لأنها لم تهب نفسها.

"وذكر ابن قتيبة في المعارف عن أبي اليقظان أن الواهبة نفسها خولة" بفتح المعجمة وسكون الواو، فلام، فتاء تأنيث، ويقال لها خويلة بالتصغير "بنت حكيم" بن أمية "السلمي" بضم السين، نسبة إلى جده سليم، صحابية، صالحة، فاضلة، لها أحاديث يقال كنيتها أم شريك.

قال أبو عمر، "ويجوز أن يكونا وهبتا أنفسهما من غير تضاد بين الروايات.

"وقال عروة بن الزبير" ابن العوام: "كانت خولة بنت حكيم من اللائي" بالهمز "وهبن أنفسهم للنبي صلى الله عليه وسلم" فهذا يؤيد الجمع المذكور لقوله من، وقد قال الحافظ: في شرحه سمي منهن أم شريك، وخولة، وليلى بنت الخطيم.

ذكره ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر بن المثني، ولم يدخل بهؤلاء.

وروي عن قتادة وغيره أن ميمونة بنت الحارث ممن وهبت نفسها، فتزوجها، وكذا قيل في زينب بنت خزيمة أم المساكين، "فقالت عائشة:" فيه إشعار بأن عروة حمل الحديث عنها، فلا

ص: 438

أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاء} [الأحزاب: 51] قالت عائشة: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك، رواه الشيخان.

وهذه خولة هي زوجة عثمان بن مظعون، ولعل ذلك وقع منها قبل عثمان.

الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة. تزوجها صلى الله عليه وسلم فهلكت قبل أن تصل إليه.

يكون مرسلا "أما" بتخفيف الميم "تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل"، زاد في رواية بغير صدق، فلما نزلت {تُرْجِي} تؤخر {مَنْ تَشَاءُ مِنْهُن} .

وفي مسلم وابن ماجه "فأنزل الله ترجي من تشاء، وهي أظهر في أن نزول هذه الآية بهذا السبب وروى ابن سعد عن أبي زين قال: هم صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك جعلنه في حل من أنفسهن يؤثر من يشاء على من يشاء فأنزل الله {تُرْجِي مَنْ تَشَاء} [الأحزاب: 51] ولا مانع من تعدد السبب وإلا فما في الصحيحين أصح.

"قالت عائشة: يا رسول الله ما أرى" بفتح الهمزة "ربك إلا يسارع لك في هواك"، أي في رضاك.

قال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغيرة، وإلا فلا يجوز إضافة الهوى إليه صلى الله عليه وسلم، لكن الغيرة مغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك "رواه الشيخان" واللفظ للبخاري في النكاح، "وهذه خولة هي زوجة عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة، "ولعل ذلك وقع منها قبل عثمان" أي قبل تزوجه بها، وبه جزم ابن الجوزي في التلقيح، وزاد، فأرجأها، فتزوجها عثمان بن مظعون، وقال هشام بن الكلبي: كانت ممن وهبت نفسها، وكان عثمان بن مظعوت مات عنها "الثانية" ممن ذكر أنه تزوج بهن، ولم يقل الثالثة مع أنه قدم أم شريك وخولة؛ لأنه جعل الواهبة واحدة على اختلاف الأقوال في تعيينها، وإلا فلو جرى على ظاهر ما قدمه لقال الخامسة "خولة بنت الهذيل" بذال معجمة مصغرا "ابن هبيرة" بالتصغير ابن قبيصة بن الحارث بن حبيب بن حرفة، بضم الحاء المهملة، وسكون الراء، وبالفاء الثعلبية "تزوجها صلى الله عليه وسلم فهلكت" في الطريق "قبل أن تصل إليه".

قال أبو عمر عن الجرجاني النسابة قال في الإصابة: وقد ذكرها المفضل بن غسان الغلابي في تاريخه عن علي بن صالح عن علي بن مجاهد قال: وتزوج خولة بن الهذيب وأمها خرنق بنت خليفة أخت دحية الكلبي، فحملت إليه من الشام، فماتت في الطريق انتهى. وذكرهم لها في الصحابة مع أنهم لم يذكروا أنها اجتمعت بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا صحبة لها، اتفاقا لقربها لطبقة الصحابة كغيرها من المخضرمين، لا لأنهم صحابة، كما أفصح به ابن عبد البر وابن شاهين،

ص: 439

الثالثة: عمرة بنت يزيد بن الجون -بفتح الجيم- الكلابية، وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية. قال أبو عمر: وهذا أصح.

تزوجها صلى الله عليه وسلم فتعوذت منه حين أدخلت عليه، فقال لها:"لقد عذت بمعاذ"، فطلقها وأمر أسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب، فقال أبو عمر: هكذا روى عن عائشة.

وقال قتادة: كان ذلك من امرأة من بني سليم، وقال أبو عبيدة: إنما ذلك لأسماء بنت النعمان بن الجون، وهكذا ذكره ابن قتيبة، وسيأتي وقال في عمرة هذه: إن أباها وصفها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: وأزيدك أنها لم تمرض قط قال عليه الصلاة والسلام: "ما لهذه عند الله من خير" فطلقها.

الرابعة: أسماء بنت النعمان بن الجون -بفتح الجيم- ابن الحارث

وغلط من جزم بأن ابن عبد البر يقول: إن المخضرمين صحابة نبه عليه في ديباجة الإصابة.

"الثالثة عمرة" بفتح العين "بنت يزيد بن الجون بفتح الجيم الكلابية، وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية".

"قال أبو عمر" بن عبد البر "وهذا" الثاني "أصح" في نسبها "تزوجها صلى الله عليه وسلم، فتعوذت منه" فقالت: أعوذ بالله منك "حين أدخلت عليه، فقال لها: "لقد عذت بمعاذ" بفتح الميم، أي بالذي يستعاذ به وهو الله.

قال المصنف في شرح البخاري، "فطلقها" وصدر في الإصابة بأنه بلغه أنه بها برصا، فطلقها ولم يدخل بها، فيحتمل أن سبب الطلاق كلا الأمرين، ونفى الدخول المراد به الوقاع، "وأمر أسامة بن زيد، فمتعها بثلاثة أثواب".

"فقال أبو عمر" النمري: "هكذا روي عن عائشة" أنها المستعيذة، رواه هشام بن عروة عن أبيه عنها، "وقال قتادة كان ذلك" المذكور من الاستعاذة "من امرأة من" بني "سليم" بالضم "وقال أبو عبيدة" معمر بن المثنى "إنما ذلك لأسماء بنت النعمان بن الجون، وهكذا ذكر ابن قتيبة، وسيأتي" قريبا" "وقال" ابن قتيبة "في عمرة هذه، أن أباها وصفها للنبي صلى الله عليه وسلم" بالجمال، "ثم قال: وأزيدك" في أوصافها الحسنة "أنها لم تمرض قط".

قال عليه الصلاة والسلام: "ما لهذه عند الله من خير" لأن العبد لا يخلو من ذنب، والمرض مكفر له أو رافع لدرجاته وكاسر لشماخة نفسه، "فطلقها" لذلك لا لأنها استعاذت منه. "الرابعة أسماء بنت النعمان بن الجون، بفتح الجيم" وسكون الواو، ونون "ابن الحارث".

ص: 440

الكندية وهي الجونية. قال أبو عمر: أجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة وأبو عبيدة: إنه صلى الله عليه وسلم لما دعاها قالت: تعال أنت وأبت أن تجيء وقال بعضهم: قالت أعوذ بالله منك، فقال:"عذت بمعاذ ولقد أعاذك الله مني" وقيل: إن نساءه صلى الله عليه وسلم علمنها ذلك.

قيل بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل "الكندية"، بكسر الكاف، نسبة إلى كندة قبيلة من اليمن، وعد في العيون أسماء بنت النعمان هذه، وأسماء بنت كعب الجونية، وقال: ولا أراها والتي قبلها إلا واحدة، وقال الشامي: الظاهر أن ابنة كعب غير ابنة النعمان، وإن كان كل منهما من بني الجون، ولم يذكر الحافظ في الإصابة أسماء بنت كعب، ولا ذكر ذلك في نسب أبيها في ترجمته، "وهي الجونية" نسبة لجدها المذكور، وروى البخاري عن عائشة: أن ابنة الجون لما أدخلت عليه صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها:"لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك".

"قال أبو عمر" بن عبد البر "أجمعوا""أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها" واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة" بن دعامة، فيما أسنده عنه ابن أبي خيثمة "وأبو عبيدة" معمر بن المثني، فيما أسنده عنه أبو عمر، "أنه صلى الله عليه وسلم لما دعاها قالت: تعال أنت، وأبت تجيء" لسوء حظها، وعدم معرفتها بجلالة قدره الرفيع، "وقال بعضهم: قالت أعوذ بالله منك، فقال:"عذت بمعاذ" بفتح الميم، "وقد أعاذك الله مني".

قال ابن عبد البر: وهذا باطل إنما قال هذا لامرأة أخرى من بني سليم، وقال أبو عبيدة: كلتاهما عاذتا بالله منه انتهى.

ولا يشكل على حكمه بالبطلان أنه مسند في الصحيح؛ لأن فيه أن اسمها أميمة، وكلامه في أسماء بناء على أنها غيرها، كما يأتي إيضاحه، "وقيل إن نساءه صلى الله عليه وسلم علمنها ذلك".

أخرجه ابن سعد من طرق عن أبي أسيد وفي بعضها، فقالت حفصة لعائشة، أو عائشة لحفصة: خضبيها وأنا أمشطها ففعلتا، ثم قالت إحداهما للأخرى: إنه يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك الحديث.

وأخرجه من طريق آخر عن ابن عباس، وفيه أنها كانت من أجمل أهل زمانها وأشبه، فقالت عائشة: قد وضع يده في الغرائب يوشك أن يصرفن وجهه عنا وكان خطبها حين وفد أبوها عليه في وفد كنده، فلما رآها نساؤه حسدنها، فقلن لها: إن أردت أن تحظين عنده الحديث وهي إن كانت مفرداتها ضعيفة، فبمجموعها تتقوى، والغيرة التي طبعت النساء عليها يغتفر لها مثل ذلك، وأقوى منه، ألا ترى أنه اغتفر قول عائشة: إن ربك يسارع لك في هواك مع

ص: 441

فإنها كانت أجمل النساء فخفن أن تغلبهن عليه، فقلن لها إنه يحب إذا دنا منك أن تقولي: أعوذ بالله منك، فقال:"قد عذت بمعاذ" فطلقها، ثم سرحها إلى أهلها وكانت تسمي نفسها الشقية.

علمها إن الله قد أباح ذلك لنبيه، وأن الله لو ملكه جميع النساء لكان قليلا في حقه، على أنه يحتمل أنهن رضي الله عنهن اجتهدن فظنن جواز ذلك لدفع ما يلحقهن من الضرر من غلبتها لهن عليه صلى الله عليه وسلم بحسب ظنهن، وذلك بين من قول عائشة يوشك أن يصرفن وجهه عنا، وبهذا سقط قول الجلال البلقيني حاشا عائشة أن تقع في ذلك، وفيه إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وللزوجة، وأما احتمال أن ذلك وقع من بعض جواريهن غيرة على سيداتهن، فظن أنه منهن، فنسب إليهن، فعقلي جاءت الروايات بخلافه، "فإنها كانت من أجمل النساء، فخفن أن تغلبهن عليه" فيفوتهن، ما ينلنه من الخير الذي لا مزيد عليه الذي من أعظمه مشاهدة ذلك الوجه الأزهر، والاطلاع على وظائف عباداته الليلية، وما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، ولما جبلن عليه من حبهن له صلى الله عليه وسلم، والمحب لا يرضى أن حبه يذهب لغيره.

وفي الصحيحين عن عائشة أنه كان يستأذن في يوم المرأة منا، فكنت أقول له: إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر بك أحدا، "فقلن" متأولات "لها إنه يحب إذا دنا" قرب "منك أن تقولي أعوذ بالله منك".

وعند ابن سعد عن أبي أسيد: فلما أدخلت عليه، وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فمال بكمه على وجهه، وقال:"عذت بمعاذ" ثلاث مرات.

وعنده من طريق آخر عن أبي أسيد قلت: يا رسول الله قد جئتك بأهلك، فخرج يمشي، وأنا معه فلما أتاها أهوى ليقبلها، وكان يفعل ذلك إذا خلا بالنساء، فقالت: أعوذ بالله منك، "فقال:"قد عذت بمعاذ"، فطلقها، ثم سرحها، بعثها إلى أهلها" لا طلقها وإن كان صريحا فيه لتقدمه في قوله، فطلقها فلا يفسر به، "وكانت تسمي نفسها الشقية".

وعن ابن عباس، فكانت تقول: ادعوني الشقية، وعن أم مناح بشد النون ومهملة، قالت: كانت التي استعاذت قد ولهت، وذهب عقلها، وكانت تقول إذا استأذنت على أمهات المؤمنين: أنا الشقية أنا خدعت.

وعن ابن اسيد: لما طلعت بها على قومها تصابحوا، وقالوا: إنك لغير مباركة، لقد جعلتينا في العرب شهرة فما دهاك؟ قالت: خدعت، فقالت لأبي أسيد: ما أصنع، قال: أقيمي في بيتك واحتجبي مع رحم محرم، ولا يطمع فيك أحد، فأقامت كذلك حتى ماتت في خلافة عثمان.

وعن ابن عباس أنه خلف عليها المهاجر بن أبي أمية، فأراد عمر أن يعاقبها، فقالت: والله

ص: 442

وقال الجرجاني: قلن لها إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه، فقالت ذلك فولى وجهه عنها، وقيل المتعوذة غيرها، وقال أبو عبيدة: ويجوز أن تكونا تعوذتا، وقال آخرون: كان بأسماء وضح فقال لها الحقي بأهلك، وقيل في اسمها أميمة، وقيل: إمامة.

ما ضرب عليَّ حجاب، ولا سميت بأم المؤمنين فكف عنها رواها كلها ابن سعد، ويذكر أن عكرمة بن جهل تزوجها في زمن الصديق.

قال الواقدي: ولم يثبت "وقال" علي بن عبد العزيز "الجرجاني" النسابة: "قلن لها إن أردت أن تحظي" أي تصيري ذات منزلة ومحبة "عنده فتعوذي بالله منه، فقالت ذلك: فولى وجهه عنها" وقال: قد عذت بمعاذ، وهذا رواه ابن سعد عن ابن عباس "وقيل المتعوذة غيرها" غير أسماء، فقيل عمرة، كما سبق، وقيل أميمة أو مليكة أو سنى أو فاطمة بنت الضحاك أو العالية فهي سبعة أقوال.

"وقال أبو عبيدة" معمر بن المثنى: "ويجوز أن تكونا تعوذتا" أي أسماء هذه والمرأة التي من بني سليم، كما نقله عنه أبو عمر، فهذان قولان في سبب فراق أسماء امتناعها من المجيء إليه أو تعوذها منه.

"وقال آخرون" في سببه: "كان بأسماء وضح" بفتحتين برص بدليل قول ابن عبد البر، كوضح العامرية، "فقال لها:"الحقي بأهلك" بكسر الهمزة، وفتح الحاء وقيل بالعكس كناية عن الطلاق بشرط النية إجماعا، والمعنى طلقتك سواء كان لها أهل أم لا، قاله المصنف.

وذكر ابن سعد: أن ذلك كان في ربيع الأول سنة تسع من الهجرة، "وقيل في اسمها أميمة" بالتصغير، "وقيل إمامة" بضم الهمزة هكذا حكاه في الإصابة عن أبي عمر في ترجمة أسماء، فهي واحدة اختلف في اسمها، ثم ترجم في الإصابة أميمة بنت النعمان بن شراحيل الكندية، ذكرها البخاري في كتاب النكاح تعليقا عن أبي أسيد، وسهل بن سعد، قالا: تزوج صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، لما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين، وأخرجه موصولا قبله.

من وجه آخر عن أبي أسيد قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما، فقال صلى الله عليه وسلم:"اجلسوا ههنا"، ودخل وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها صلى الله عليه وسلم قال:"هبي لي نفسك"، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فاهوى بيده يضعها عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال:"عذت بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال:"يا أبا أسيد أكسها ثوبين وألحقها بأهلها"،

ص: 443

الخامسة: ملكية بنت كعب الليثية، قال بعضهم: هي التي استعاذت منه صلى الله عليه وسلم، وقيل دخل بها، وماتت عنده، والأول أصح، ومنهم من ينكر تزويجه بها أصلا.

وقد رجح البيهقي إنها المستعيذة لهذا الحديث الصحيح، وتقدم في أسماء بنت النعمان بن الجون شبيه بقصتها فالله أعلم، انتهى.

ولا خلاف بين روايتي البخاري، فإنه نسبها في الأولى إلى جدها، وفي الثانية إلى أبيها نبه على ذلك في فتح الباري، وقال: إن قوله في بيت بالتنوين وأميمة بالرفع بدل من ضمير، فأنزلت أو عطف بيان، وظن بعض الشراح أنه بالإضافة فقال في رواية أميمة بنت شراحيل لعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها، وهو مردود فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ في بيت، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه، فقال: فأنزلت في بيت في النخل أميمة إلى آخره، انتهى.

ولم يتنبه لذلك الشامي، فظنهما امرأتين لهاتين الروايتين وادعى أنه أغرب في الإصابة، فزعم أنهما واحدة، ولم يذكر لذلك مستندا، وحديث أبي أسيد، يرد عليه، فكيف يكونان واحدة انتهى، وقد علمت أنه ذكر مستنده في الفتح نصا، وفي الإصابة إشارة بجعله حديثا واحد الاتحاد، مخرج طريقيه بقوله، وأخرجه موصولا قبله من وجه آخر، وعذر الشامي أنه لم يراجع الفتح هنا، ولم يتنبه لإشارته في الإصابة لخفائها عليه، فأخذ كلا من الحديثين على ظاهره، فخرج له منهما امرأتان، وما هو بأبي عذرة، ذلك فقد سبقه إليه بعض شراح البخاري، فوهم كما رأيت، والعيني مع كثرة تعسفه على ابن حجر سلم له هنا وتبعه.

"الخامسة مليكة بنت كعب الليثية" الكنانية، "قال بعضهم هي التي استعاذت منه" رواه الواقدي عن أبي معشر، أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بها، وكانت تذكر بجمال بارع فدخلت عليها عائشة، فقالت لها: أما تستحيي أن تنكحي قاتل أبيك، وكان أبوها قتل يوم فتح، قتله خالد ن الوليد، فاستعاذت منه صلى الله عليه وسلم فطلقها، فجاء قومها فسألوه أن يرتجعها، واعتذروا عنها بالصغر، وضعف الرأي وأنها خدعت فأبى، فاستأذنوه أن يزوجوها قريبا لها من بني عذرة، فأذن لهم، "وقيل دخل بها" في شهر رمضان أي وطئها "وماتت عنده" رواه الواقدي عن عطاء بن يزيد الجندعي، "والأول أصح، ومنهم من ينكر تزويجه بها أصلا".

قال الواقدي: بعدما ذكر هذين القولين أصحابنا ينكرون هذا، ويقولون لم يتزوج كنانية قط انتهى.

وذكر ابن حبيب في أزواجه اللاتي لم يبن بهن مليكة بنت داود، نقله ابن الأثير،

ص: 444

والسادسة: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي، تزوجها بعد وفاة ابنته زينب وخيرها حين نزلت آية التخيير، فاختارت الدنيا ففارقها عليه الصلاة والسلام فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول هي الشقية اخترت الدنيا، هكذا رواه ابن إسحاق.

لكن قال أبو عمر: هذا عندنا غير صحيح لأن ابن شهاب يروي عن عروة عن عائشة، أنه صلى الله عليه وسلم حين خير أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله،

واليعمري، والقطب الحلبي وأقروه، وقال في الإصابة ذكره ابن بشكوال في الزوجات، ولا يصح، وستأتي مليكة بنت كعب، فيحرر ذلك.

"السادسة فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي تزوجها بعد وفاه ابنته زينب، وخيرها"، بين الدنيا والآخرة أو بين الإقامة والطلاق.

قال الماوردي: وهو الصحيح، وقال القرطبي النافع: الجمع بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم بالآخر، وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن، وبين الآخرة، فيمسكهن "حين نزلت آية التخيير {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] ، إلى تمام الآيتين، "فاختارت الدنيا، ففارقها عليه الصلاة والسلام، فكانت بعد ذلك تلقط"، بضم القاف، تأخذ "البعر" من الأرض، ولعل ذلك لتبيعه من ضيق عيشها، "وتقول هي الشقية" لفظها عند ابن إسحاق وغيره أنا، فغيره المصنف بقوله: هي كراهية لذلك "اخترت الدنيا هكذا، رواه ابن إسحاق، لكن قال أبو عمر" بن عبد البر: "هذا عندنا غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروى" في الصحيح "عن عروة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم حين خير أزواجه" لما سألته الدنيا وزينتها، "بدأ بها" بعائشة وغلط من توهم أن الضمير لفاطمة، وقال ما لم يقله أحد، "فاختارت الله ورسوله"، وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله، فقال:"إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال:"إن الله قال": {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} إلى تمام الآيتين فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

زاد أحمد والطبراني ولا أوامر أبي بكر وأم رومان فضحك وأي اسم معرب يستفهم بها نحو، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [الأعراف: 185] وبدأ بعائشة لفضلها، كما قال النووي أو لأنها كانت السبب في التخيير لأنها طلبت منه ثوابا، فأمره الله بالتخيير.

رواه ابن مردويه عن الحسن عن عائشة لكنه لم يسمع منها، فهو منقطع، وفي تفسير

ص: 445

وتابع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن على ذلك.

وقال قتادة وعكرمة: كان عنده صلى الله عليه وسلم عند التخيير تسع نسوة وهن اللاتي توفي عنهن.

وقيل إنه صلى الله عليه وسلم تزوجها سنة ثمان، وقيل إن أباها قال: إنها لم تصدع قط، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا حاجة لي بها".

السابعة: عالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف، تزوجها عليه الصلاة والسلام وكانت عنده ما شاء الله، ثم طلقها وقل من ذكرها، وقال أبو سعد: طلقها حين أدخلت عليه الصلاة والسلام.

النقاش أن كل واحدة سألته شيئا إلا عائشة، "وتابع" عائشة "أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن على ذلك" وفي الصحيحين أيضا قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، ففي هذا دليل على أن فاطمة بنت الضحاك لم تكن عنده وقت نزول آية التخيير، ولذا قال الذهبي: يقال إنه تزوجها وليس بشيء.

"وقال قتادة وعكرمة، كان عنده صلى الله عليه وسم عند التخيير تسع نسوة، وهن اللاتي توفي عنهن" فيه نظر؛ لأن آية التخيير، كانت سنة تسع وتزوج بعد ذلك، كذا قال في الإصابة وفيه ما لا يخفى، فإنه وإن تزوج بعد، لكن لم يمت إلا عن التسع فأين النظر، "وقيل إنه صلى الله عليه وسلم تزوجها" أي فاطمة بنت الضحاك "سنة ثمان".

قال في الإصابة: مقتضاه أنه تقدم قول يخالفه، ولم يتقدم إلا قوله أول الترجمة إنه بعد وفاة ابنته زينب، وقد أسند ابن سعد عن أبي وجرة قال: تزوج صلى الله عليه وسلم الكلابية في ذي القعدة سنة ثمان منصرفه من الجعرانة، وعن إسماعيل بن مصعب عن شيخ من رهطها أنها ماتت سنة ستين. ا. هـ. ووفاة السيدة زينب كان أول سنة ثمان، كما مر، "وقيل إن أباها قال إنها لم تصدع قط فقال عليه الصلاة والسلام:"لا حاجة لي بها" إلى هنا ما ذكره من كلام أبي عمر.

"السابعة عالية" بعين مهملة، وكسر اللام، وتحتية بنت ظبيان، بكسر الظاء المعجمة، ويقال بفتحها، فموحدة ساكنة، فتحتية، فألف، فنون "ابن عمرو بن عوف" بن عبد بن أبي بكر بن كلاب الكلابية، "تزوجها عليه الصلاة والسلام، وكانت عنده ما شاء لله، ثم طلقها".

رواه ابن سعد عن هشام الكلبي عن رجل من بني بكر قال ابن عبد البر: وهذا يقتضي أنه دخل بها "وقل من ذكرها" ورواه يعقوب بن سفيان عن الزهري، وزاد فيه ودخل بها، "وقال أبو سعد: طلقها حين أدخلت عليه صلى الله عليه وسلم".

ص: 446

الثامنة: قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية بنت قيس أخت الأشعث بن قيس الكندي، زوجه إياها أخوها في سنة عشر، ثم انصرف إلى حضرموت فحملها فقبض صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة قبل قدومها عليه، وقيل تزوجها عليه الصلاة والسلام قبل وفاته بشهرين، وقال قائلون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بأن تخير، فإن شاءت ضرب عليها الحجاب، وكانت من أمهات المؤمنين، وإن شاءت الفراق فلتنكح من شاءت.

أخرجه أبو نعيم عن يحيى بن أبي كثير، وأخرجه الطبراني، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف حديثا طويلا فيه، وطلق صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان، وفارق الكندية من أجل بياض كان بهما وللبيهقي عن الزهري أنه لم يدخل بها وابن أبي خيثمة عن قتادة وغيره أنه صلى الله عليه وسلم أرسل أبا أسيد يخطبها عليه، ولم يكن رآها، فأنكحها إياه أبو أسيد، ثم جهزها فقدم بها فلما اهتدى بها رأى بياضا فطلقها.

وروى عبد الرزاق عن الزهري أنها تزوجت قبل أن يحرم على الناس نكاح أزواجه صلى الله عليه وسلم ابن عم لها وولدت فيهم.

"الثامنة قتيلة بضم القاف، وفتح المثناة الفوقية، وسكون المثناة التحتية" ولام، فتاء تأنيث "بنت قيس أخت الأشعث بن قيس الكندي".

ذكرها ابن عبد البر وغيره في الصحابة لقربها من طبقتهم لا لصحبتها، كما مر؛ لأن ابن عبد البر نفسه قال: لم تقدم عليه، ولا رآها، ولا دخل بها، "زوجه إياها أخوها في سنة عشر" حين قدم عليه وفد كندة ليومين مضيا من شهر ربيع الأول.

قاله أبو عبيدة وابن حبيب: "ثم انصرف إلى حضرموت" بفتح المهملة وسكون المعجمة بلد بأقصى اليمن.

"فحملها فقبض صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة قبل قدومها عليه، وقيل تزوجها عليه الصلاة والسلام قبل وفاته بشهرين" وقيل تزوجها في مرض موته، "وقال قائلون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بأن تخير، فإن شاءت ضرب" بالبناء لمفعول "عليها الحجاب" نائب الفاعل، "وكانت من أمهات المؤمنين"، فتحرم عليهم "وإن شاءت الفراق"، عن أمومة المؤمنين وضرب الحجاب، "فلتنكح من شاءت".

وفي العيون وإن شاءت طلقت ونكحت من شاءت وإطلاق الطلاق على من توفي عنها مجاز، ولم يقع لفظ الفراق ولا الطلاق في الإصابة إنما فيها عن ابن عبد البر وإن شاءت فلتنكح

ص: 447

فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ ذلك أبا بكر فقال: هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر رضي الله عنهما، ما هي من أمهات المؤمنين ما دخل بها صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها الحجاب.

وقال بعضهم لم يوص فيها عليه الصلاة والسلام بشيء، ولكنها ارتدت حين ارتد أخوها. وبذلك احتج عمر على أبي بكر رضي الله عنهما، أنها ليست من أمهات المؤمنين لارتدادها.

التاسعة: سنى.

من شاءت "فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت".

قال ابن عبد البر: ولم تلد له، "فبلغ ذلك أبا بكر" الصديق" لقد هممت أن أحرق عليها بيتها" تعزيزا لها بإهلاك مالها، ولا يلزم منه إحراقها هي، ولعله كان يرى التعزيز بإهلاك المال، أو أراد مجرد إيقاع النار فيه إظهارا لشناعة فعلها بينهم تحقيرا لها، ولا يلزم منه إحراقها ولا شيء من مالها فلا يرد أن إحراقها لا يجوز؛ لأن تزوجها بتقدير حرمته إنما يوجب التعزيز أو الحد "فقال له عمر رضي الله عنهما: ما هي من أمهات المؤمنين" لأنه "ما دخل بها صلى الله عليه وسلم ولا ضرب عليها الحجاب" فهو بيان للنفي، وهذا رواه أبو نعيم من مرسل الشعبي، وزاد في آخره فاطمأن أبو بكر وسكن "وقال بعضهم لم يوص فيها عليه الصلاة والسلام بشيء ولكنها ارتدت حين ارتد أخوها"، ثم عادا إلى الإسلام، ولذا ذكروهما في الصحابة، ومن ثم لم يقتلا، ونكحها عكرمة، "وبذلك احتج عمر على أبي بكر رضي الله عنهما أنها ليست من أمهات المؤمنين لارتدادها" كما رواه أبو نعيم عن الشعبي مرسلا، أنه صلى الله عليه وسلم تزوج قتيلة بنت قيس، ومات، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، فأراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فقال له عمر: إنه صلى الله عليه وسلم لم يفرض لها، ولم يدخل بها، وارتدت مع أخيها فبرئت من الله ورسوله، فلم يزل حتى كف عنه.

وأخرج ابن عساكر وأبو نعيم بإسناد قوي عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم تزوج قتيلة أخت الأشعث، ومات قبل أن يدخل بها.

قال الشامي: ومن الغريب ما رواه ابن سعد بسند ضعيف جدا عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوجها ويحتمل أن مراده نفي الدخول وإلا فقد ورد من طرق كثيرة لا يمكن ردها أنه تزوجها والله أعلم.

"التاسعة سنى" بتح السين، وتخفيف النون، قاله ابن إسحاق وغيره، ورجحه ابن عبد البر،

ص: 448

بنت أسماء بن الصامت السلمية، تزوجها عليه الصلاة والسلام وماتت قبل أن يدخل بها، وعند ابن إسحاق: طلقها قبل أن يدخل بها.

العاشرة: شراف -بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وبالفاء- بنت خليفة الكلبية، أخت الكلبي، تزوجها صلى الله عليه وسلم فماتت قبل دخوله بها.

وقيل بموحدة، حكاه ابن سعد، وقيل وسنى بواو أولها، وبالنون، وسماها قتادة أسماء بالميم، وكذا قال أحمد بن صالح المصري "بنت أسماء بن الصامت" ونسبها ابن حبيب إلى جدها، فقال سني بنت الصلت بن حبيب بن حازم بن هلال بن حرام بن سماك بن عفيف بن امرئ القيس بن بهية بن سليم "السلمية"، وزعم ابن حبيب أن أسماء أخوها لا أبوها، قاله كله في الإصابة ملخصا.

"تزوجها عليه الصلاة والسلام، وماتت قبل أن يدخل بها" فيما قاله الكلبي وابن حبيب وغيرهما، وحكى الرشاطي عن بعضهم، أن سبب موتها أنها لما بلغها أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها سرت بذلك حتى ماتت من الفرح.

"وعند ابن إسحاق" وأبي عبيدة "طلقها قبل أن يدخل بها" وروى ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر قال: زعم حفص وعبد القاهر السليماني، أنه صلى الله عليه وسلم تزوج سنى بنت أسماء بن الصلت، فماتت قبل أن يدخل بها، وخالفهما قتادة، فقال: تزوج أسماء بالميم بنت الصلت، فلم يدخل بها.

قال الشامي: فإن صح ما قالاه، وما قاله، فالتي بالنون بنت أخي التي بالميم، وفي الأكليل، أنه تزوج أسماء بنت الصلت، ولم يدخل بها، وجزم به في الإشارة وقول الإصابة انفرد قتادة بتسميتها أسماء، وإنما اسمها سنى بنت أسماء فيه نظر؛ لأن قتادة ذكر أسماء وسنى رواه عنه ابن عساكر، وتابعه على أسماء أحمد بن صالح، وناهيك به اتفانًا. ا. هـ.

"العاشرة شراف بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وبالفاء" المضمومة، بخط ابن الأمين في الاستيعاب، ومكسورة في نسخة صحيحة من العيون، كما في النور "بنت خليفة الكلبية أخت" دحية "الكلبي، تزوجها صلى الله عليه وسلم، فماتت قبل دخوله بها".

رواه المفضل بن غسان عن علي بن مجاهد، وابن سعد عن سري بن قطامي، بفتح القاف والطاء المهملة، فألف، فميم، فتحتية خفيفة قالا، لما هلكت خولة بنت الهذيل تزوج صلى الله عليه وسلم شراف بنت خليفة، فماتت في الطريق قبل وصولها إليه ولم يدخل بها، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأخرج أبو نعيم والطبراني، وابن سعد، وأبو موسى المدبني في ترجمة شراف عن ابن أبي مليكة قال: خطب صلى الله عليه وسلم امرأة من بني كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت، ثم رجعت، فقال:"ما رأيت"؟ قالت: ما رأيت طائلا، فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد رأيت جمالا اقشعرت كل شعرة منك"، فقالت:

ص: 449

الحادية عشر: ليلى بنت الخطيم -بفتح الخاء المعجمة وكسر الطاء المهملة- أخت قيس تزوجها صلى الله عليه وسلم وكانت غيورا فاستقالته فأقالها فأكلها الذئب، وقيل هي التي وهبت نفسها له عليه الصلاة والسلام.

ما دونك سر.

"الحادية عشرة ليلى بنت الخطيم، بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة، ابن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر بفتح الظاء المعجمة والفاء، الأنصارية الأوسية الصحابية، قال ابن سعد: هي أول من بايعه صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصاري، "أخت قيس" بن الخطيم، الشاعر المشهور.

ذكره علي بن سعيد في الصحابة فوهم، فقد ذكر أهل المغازي أنه قدم مكة، فدعاه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: إني لأسمع كلاما عجبا، فدعني أنظر في أمري هذه السنة، ثم أعود إليك، فمات قبل الحول.

قاله في الإصابة "تزوجها صلى الله عليه وسلم، وكانت غيورا فاستقالته" فقالت كما عند الواقدي بسند له مرسل: إنك نبي الله، وقد أحل لك النساء، وأنا امرأة طويلة اللسان، لا صبر لي على الضرائر، "فأقالها" بأن قال:"قد أقلتك"، كما في الرواية "فأكلها الذئب".

روى ابن سعد وابن أبي خينمة بسند ضعيف عن ابن عباس قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مول ظهره إلى الشمس، فضربت على منكبه، فقال:"من هذا أكله الأسود" وكان كثيرا ما يقولها، فقالت: أنا بنت مطعم الطير ومباري الريح، أنا ليلى بنت الخطيم، جئتك لأعرض عليك نفسي، فتزوجني فقد فعلت، فرجعت إلى قومها، فقالت: قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بئس ما صنعت أنت امرأة غيرى، والنبي صلى الله عليه وسلم صاحب نساء تغارين عليه، فيدعو الله عليك، فاستقيليه نفسك، فرجعت فقالت: يا رسول الله أقلني، قال:"قد أقلتك" فبينا هي في حائط تغتسل إذ وثب عليا ذئب، فأكل بعضها، فأدركت، فماتت، "وقيل هي التي وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم"، فقبلها.

رواه الواقدي عن صالح بن عمر بن قتادة، وروى أيضا عن ابن أبي عون أن ليلى وهبت نفسها، ووهبن نساء أنفسهن، فلم يسمع أنه صلى الله عليه وسلم قبل منهن أحدا.

وذكر ابن سعد أن مسعود بن أوس تزوجها في الجاهلية، فولدت له عمرة وعميرة، وكانت أول امرأة بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها، وابنتان لابنتها، ووهبت له نفسها، ثم استقاله بنو ظفر فأقالها، ويحتمل الجمع بأن نسبة الاستقالة لقومها بني ظفر لإشارتهم عليها بذلك، وهي التي باشرت طلب ذلك.

ص: 450

الثانية عشرة: امرأة من غفار تزوجها صلى الله عليه وسلم فأمر بها فنزعت ثيابها فرأى بكشحها بياضا فقال: "الحقي بأهلك"، ولم يأخذ مما آتاها شيئا، خرجه أحمد.

فهؤلاء جملة من ذكر من أزواجه صلى الله عليه وسلم،

"الثانية عشر امرأة من غفار" يحتمل أن تفسر بأم شريك بنت جابر الغفارية، فقد ذكرها أحمد بن صالح المصري في الزوجات اللاتي لم يدخل بهن، كما نقله أبو عمر وأتباعه:"تزوجها صلى الله عليه وسلم فأمر بها" لما اختلى بها، "فنزعت ثيابها، فرأي بكشحها بياضا" أبرصا، "فقال:"الحقي بأهلك، ولم يأخذ مما آتاها شيئا".

"خرجه أحمد" عن كعب بن عجرة، وللطبراني بسند ضعيف عن سهل بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من أهل البادية، فوجد بكشحها بياضا، ففارقها قبل أن يدخل بها، وكان يقال لها آمنة بنت الضحاك الكلابي، وهذا إن صح فهي أخرى لا تفسر بها الغفارية؛ لأنهما متغايران.

وأغرب مغلطاي في الزهر فقال: آمنة بنت الضحاك الغفارية وجد بكشحها بياضا، ويقال هي آمنة بنت الضحاك الكلابية، فزاد، أي صاحب هذا القول آمنة ثانية، ولا ذكر لهما في كتاب الصحابة.

قال الشامي: هذا كلام غير محرر، فإن بني كلاب وبني غفار غيران، أي متغايران، ولم أر لآمنة بنت الضحاك ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة انتهى.

"فهؤلاء جملة من ذكر من أزواجه صلى الله عليه وسلم" عند المصنف، وإلا فقد زاد عليه غيره، فعدوا أم حرام عند الطبراني وسلمى بنت نجدة، بنون، وجيم الليثية، نكحها عليه السلام، فتوفي عنها، وأبت أن تتزوج بعده.

ذكره أبو سعد في الشرف ومغلطاي وغيرهما، وسبا بموحدة بنت سفيان الكلابية، ذكرها ابن سعد وشاة بنت رفاعة، ذكرها المفضل في تاريخه عن قتادة والشنباء، بفتح المعجمة، ونون ساكنة، فموحدة، فألف تأنيث بنت عمرو الغفارية أو الكنانية دخل بها ومات ابنه إبراهيم، فقالت: لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه، فطلقها.

ذكره ابن جرير، وابن عساكر، والمفضل وابن رشد في آخر كتابه المقدمات، وعمرة بنت معاوية الكندية ذكرها أبو نعيم، وليلى بنت الحكم بالكاف الأوسية ذكرها أحمد بن صالح المصري، ولم يذكرها غيره، وجوز أبو الحسن بن الأثير أنها بنت الخطيم بالطاء السابقة؛ لأنه يلتبس به، وأقره في التجريد والإصابة، ومليكة بنت داود ذكرها ابن حبيب، وهند بنت يزيد المعروفة بابنة البرصاء، سماها أبو عبيدة في أزواجه، وقال أحمد بن صالح: هي عمرة بنت يزيد

ص: 451

وفارقهن في حياته بعضهن قبل الدخول وبعضهن بعده -كما ذكرناه- فيكون جملة من عقد عليهن ثلاثا وعشرين امرأة دخل ببعضهن دون بعض ومات منهن عنده بعد الدخول خديجة وزينب بنت خزيمة، ومات منهن قبل الدخول اثنتان: أخت دحية، وبنت الهذيل باتفاق.

واختلف في مليكة وسنى، هل ماتتا أو طلقهما، مع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بهما.

وفارق بعد الدخول باتفاق بنت الضحاك، وبنت ظبيان، وقبله باتفاق: عمرة وأسماء والغفارية.

واختلف في أم شريك هل دخل بها؟ مع الاتفاق على الفرقة، والمستقيلة التي جهل حالها، فالمفارقات بالاتفاق سبع، واثنتان على خلاف والميتات في حياته باتفاق أربع ومات صلى الله عليه وسلم عن عشر، واحدة لم يدخل بها.

المتقدمة، وأسماء بنت كعب، ذكرها ابن إسحاق في رواية يونس وتبعه مغلطاي وغيره، وأميمة بنت النعمان بن شراحيل، ذكرها البخاري بناء على أنها غير أسماء المتقدمة، وآمنة بنت الضحاك الكلابية على مر عن الطبراني، "وفارقهن في حياته، بعضهن قبل الدخول، وبعضهن بعده كما ذكرناه، فيكون" على ما ذكره "جملة من عقد عليهن ثلاثا وعشرين امرأة، دخل ببعضهن دون بعض، ومات منهن عنده بعد الدخول: خديجة وزينب بنت خزيمة" أم المساكين، "ومات منهن قبل الدخول اثنتان: أخت دحية و" خولة "بنت الهذيل باتفاق، واختلف في ملكية وسنى هل ماتتا أو طلقهما، مع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بهما، وفارق بعد الدخول باتفاق" ممن قال أنه تزوج فاطمة "بنت الضحاك" فلا يشكل بقول الذهبي، يقال إنه تزوجها، وليس بشيء إن سلم له ذلك، وإلا فالمنازعة إنما هي في كونها اختارت الدنيا، لا في أنه تزوجها وطلقها، "وبنت ظبيان" أي باتفاق من قال إنه بنى بها، وإلا فقد قيل لم يدخل بها كما مر، "وقبله باتفاق عمره" الجونية، "وأسماء" بنت النعمان الجونية، "والغفارية" ومن هنا علم أن المراد بعدم الدخول عدم الوطء، لا مجرد الخلوة وإرخاء الستر؛ لأن من هؤلاء من اختلى بها، ثم فارقها بلا وطء.

"واختلف في أم شريك هل دخل بها؟ مع الاتفاق على الفرقة والمستقيلة التي جهل حالها، فالمفارقات باتفاق سبع، واثنتان على خلف، والمتات في حياته باتفاق أربع، ومات صلى الله عليه وسلم عن عشر" التسع المشهورة و"واحدة لم يدخل بها" هي أخت الأشعث قتيلة بنت

ص: 452

وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب عدة نسوة:

الأولى منهن: امرأة من بني مرة بن عوف بن سعد، خطبها صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فقال: إن بها برصا، وهو كاذب فرجع فوجد البرص بها، ويقال: إن ابنها شبيب بن البرصاء بنت الحارث بن عوف. ذكره ابن قتيبة، كما قاله الطبري، وعند ابن الأثير في جامع الأصول. جمرة بنت الحارث بن عوف.

قيس، وهذا كله ذكره المصنف زيادة إيضاح، "وروي أنه صلى الله عليه وسلم خطب عدة نسوة" غير من ذكرن، ولم يعقد عليهن ومرضه، وإن كان أصل الخطبة لا ضعف فيه نظرا إلى تعيين المعدودات، وعدتهن بأعيانهن لا لأصل الخطبة، ثم مراده بها ما يشمل من عرضت عليه، وهما إمامة وغرة أما من عرضت نفسها عليه، فهي الواهبة قدم الكلام فيها، فإدخالها هنا سهو، والاستظهار على ذلك، بترجمة الشامي، بكل ذلك سهو آخر؛ لأن الشامي آخر الكلام على الواهبة، فذكرها مع من خطبهن، فبلغ من ذكره ستة عشر منهن: أمر شريك الأنصارية، والدوسية، والعامرية، وخولة بنت حكيم، وهؤلاء تقدمن والمصنف وأم شريك الغفارية، وقال: وإنه لم يتحرر له هل عقد عليها، فتذكر فيمن سبق أو خطبها فقطن فتذكر هنا.

والجندعية وفيها وهم يأتي التنبية عليه للمصنف، فصار جملة من زاده الشامي على المصنف فيمن خطبها امرأتين فقط، سأذكرهما إن شاء الله تعالى، فأما إن المصنف اقتصر على ثمانية؛ لأن الزائدتين لم يثبتا عنده، أو لم تطلع عليهما، أو لم يرد الحصر إنما قال "الأولى منهن" بمن البيانية، فيقدر مثله بعد كل من الثانية والثالثة، فلا يفيد الحصر في الثمانية، ونقل الشارح عن زاد المعاد، أنهن نحو أربع وخمين وهم نشأ من تحريف وقع له في الشامية، والمذكور في نسخها الصحيحة، كزاد المعاد، وأما من خطبها ولم يتزوج فنحو أربع أو خمس، ثم عدهن، فلم يتنبه للعد، ووقف مع التصحيف "امرأة من بني مرة" بضم الميم، وشد الراء ابن عوف بن سعد، اختلف في اسمها كما يأتي: قال قتادة وأبو عبيدة "خطبها صلى الله عليه وسلم" منتهيا "إلى أبيها" في الخطبة أو ضمنه معنى رفع، فعداه بإلى أي رفع أمر تزويجها إليه، فلا يرد أن خطب يتعدى بمن، "فقال: إن بها برصا وهو كاذب" فقال صلى الله عليه وسلم فلتكن كذلك، "فرجع فوجد البرص بها، ويقال إن ابنها شبيب بن البرصاء، بنت الحارث بن عوف" وجزم به الرشاطي وقال: إن شبيبا عرف بابن البرصاء، "ذكره ابن قتيبة، كما قاله الطبري" الحافظ محب الدين.

"وعند ابن الأثير في جامع الأصول" في حرف الجيم "جمرة" بفتح الجيم، وسكون الميم والراء، كما في التبصير، نقلا عن أبي بكر محمد بن أحمد المفيد في تسمية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: بل اسمها قرصافة زاد في الإصابة، ويقال اسمها أمامة "بنت الحارث بن عوف".

ص: 453

خطبها صلى الله عليه وسلم فقال أبوها: إن بها سوءا، ولم يكن بها شيء، فرجع إليها أبوها وقد برصت، قال: وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر.

الثانية: امرأة قرشية يقال لها سودة، خطبها صلى الله عليه وسلم وكانت مصبية، فقالت: أخاف أن يضغوا صبيتي -أي يضجوا يصيحوا ويبكوا- عند رأسك، فدعا لها وتركها.

الثالثة: صفية بنت بشامة -بفتح الموحدة وتخفيف الشين المعجمة- كان أصابها في سبي فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها، فاختارت زوجها.

ابن أبي حارثة المري الصحابي. "خطبها صلى الله عليه وسلم" من والدها "فقال أبوها" لا أرضاها لك "إن بها سوءا، ولم يكن بها شيء فرجع إليها أبوها، وقد برصت" بكسر الراء فتزوجها ابن عمها يزيد بن جمرة المري، فولدت له شبيبا، فعرف بابن البرصاء، "وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر" فعلم من كلام الجامع تسميتها، والجزم بأنها أم شبيب الذى حكاه ابن قتيبة بلفظ يقال وسبقه إلى الجزم بذلك الرشاطي، وغيره ونسب عبد الملك النيسابوري أباها إلى جده، فقال جمرة بنت الحارث بن أبي حارثة المروية، فظنهما القطب الحلبي امرأتين.

قال الشامي: وليس بجيد فإنهما واحد بلا شك، "الثانية امرأة قرشية يقال لها سودة، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مصبية" أي لها خمسة أو ستة من البنين، كما في العيون، "فقالت: أخاف أن يضغوا" بضاد وغين معجمتين "صبيتي، أي يضجوا يصيحوا ويبكوا عند رأسك، فدعا لها وتركها" إخراج ابن منده وغيره من طريقة عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج سودة القرشية، وكانت لها أولاد، فقالت: إنك أحب البرية إليَّ وإن لي صبية وأكره أن يتضاغوا عند رأسك، فقال صلى الله عليه وسلم: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه لبغل في ذات يده"، وأصله في البخاري من وجه آخر، لكن لم يسمها.

"الثالثة صفية بنت بشامة، بفتح الموحدة، وتخفيف الشين المعجمة".

تبعه على هذا تلميذه الشامي؛ لأنه مقتضى كلام الحافظ، كما في التبصير، خلال قول البرهان بشد المعجمة، ولم أره منصوصا، إلا أنه مقتضى كلام ابن ماكولا، وهو ابن نضلة، بفتح النون وسكون المعجمة من بني العنبر بن تميم.

روى ابن سعد بسند ضعيف، عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم خطبها، وكان أصابها في سبي فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها" فقال:"إن شئت أنا وإن شئت زوجك"، "فاختارت زوجها" فقالت: بل زوجي، فأرسلها فلعنها بنو تميم.

ص: 454

الرابعة: ولم يذكر اسمها، قيل إنه صلى الله عليه وسلم خطبها، فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها فأذن لها، فعادت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها:"قد التحفنا لحافا غيرك".

الخامسة: أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أخت علي، خطبها صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة مصبية واعتذرت إليه، فعذرها.

"الرابعة ولم يذكر اسمها، قيل إنه صلى الله عليه وسلم خطبها، فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها، فأذن لها، فعادت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: "قد التحفنا لحافا" أي اتخذنا امرأة "غيرك" إما بأن تزوج غيرها، أو استغنى بواحدة ممن عنده، كني باللحاف، وهو كل ثوب يتغطى به على المرأة، لشدة اتصالها بالرجل كاتصال الثوب به، أو لأنها تستره بمنعها له من الفواحش، كما يستر الثوب صاحبه.

"الخامسة أم هانئ" بنون، فهمزة منونة، "فاختة" على الأشهر، وقيل فاطمة، وقيل هند، وقيل رملة، وقيل حمانة وقيل عاتكة "بنت أبي طالب، أخت علي" أمير المؤمنين، شقيقته روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الكتب الستة، ولها في البخاري حديثان، قال الترمذي وغيره: وعاشت بعد علي "خطبها صلى الله عليه وسلم" من نفسها، "فقالت: إني امرأة مصبية، واعتذرت إليه" وعند ابن سعد بسند صحيح عن الشعبي، فقالت: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من سمعى وبصري، وحق الزوج عظيم فأخشى أن أضيع حق الزوج "فعذرها"

وروى الطبراني برجال ثقات عن ام هانئ قالت: خطبني صلى الله عليه وسلم فقلت: ما لي عنك رغبة يا رسول الله، ولكن لا أحب أن أتزوج وبني صغار، فقال صلى الله عليه وسلم:"خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده"، وذكر ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خطب صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب أم هانئ، وخطبها هبيرة، فزوج هبيرة، فعاتبه صلى الله عليه وسلم، فقال:"يابن أخي إنا قد صاهرنا إليهم، والكريم يكافئ الكريم"، ثم فرق الإسلام بين أم هانئ وهبيرة، فخطبها صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله إني كنت أحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مصبية، فأكره أن يؤذوك، فقال:"خير نساء ركبن الإبل" الحديث.

وذكر ابن سعد عن أبي صالح مولاها أنه صلى الله عليه وسلم خطبها، فقلت: إني امرأة مؤتمة، فلما أدرك بنوها عرضت نفسها عليه، فقال: أما الآن فلا؛ لأن الله أنزل عليه وبنات عمك اللاتي هاجرن معك، ولم تكن من المهاجرات.

وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن أم هانئ: خطبني صلى الله عليه وسلم، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله:{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ} [الأحزاب: 50]، إلى قوله {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: 50] فلم أكن أحل له؛ لأني لم أهاجر.

ص: 455

السادسة: ضباعة -بضم الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة وبالعين المهملة- بنت عامر بن قرط -بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة- خطبها صلى الله عليه وسلم إلى ابنها سلمة بن هشام فقال: حتى أستأمرها، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها قد كبرت، فلما عاد ابنها -وقد أذنت له- سكت.

وأخرج ابن أبي حاتم عنها قالت: نزلت في هذه الآية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} ، أراد صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فنهى عني إذ لم أهاجر.

"السادسة ضباعة، بضم الضاد المعجمة، وتخفيف الموحدة، وبالعين المهملة بنت عامر بن قرط، بضم القاف، وسكون الراء وبالطاء المهملة" ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أسلمت قديما بمكة، وهاجرت، وكانت من أجمل نساء العرب، وأعظمهن خلقا، وإذا جلست أخذت من الأرض شيئا كثيرا، وتغطي جسدها مع عظمه بشعرها، وأسند ابن الكلبي في الأنساب عن ابن عباس: أنها كانت تحت هوذة بن علي الحنفي، فمات عنها، فتزوجها عبد الله بن جدعان، فلم يلق بخاطرها، فسألته، طلاقها، ففعل بعد أن حلفها أنها إن تزوجت هشام بن المغيرة، المخزومي، تنحر مائة ناقة سود الحدق، وتغزل خيطا يمد بين أخشبي مكة، وتطوف بالبيت عريانة، فتزوجها هشام، ونحر عنها المائة ناقة، وأمر نساء بني المغيرة بغزل خيط ومده بين الأخشبين، وأمر قريشا فأخلوا له البيت.

قال المطلب بن أبي وداعة السهمي: وكان لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت أنا ومحمد، ونحن غلامان واستصغرونا، فلم نمنع، فنظرنا إليها، فخلعت ثوبا ثوبا، وهي تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله

وما بدا منه فلا أحله

حتى نزعت ثيابها، ثم نشرت شعرها على ظهرها وبطنها، فما ظهر من جسدها شيء، وطافت وهي تقول العشر، وولدت له سلمة، وكان من خيار المسلمين، فلما مات هشام، وأسلمت هي، وهاجرت "خطبها صلى الله عليه وسلم إلى ابنها سلمة بن هشام" بن المغيرة المخزومي من السابقين، استشهد بمزج الصفراء سنة أربع عشرة عند ابن سعد أو بإجنادين عند غيره، وصوب، "فقال: حتى استأمرها" في حديث ابن عباس المذكور، فقال سلمة: يا رسول الله ما عنك مدفع، أفاستأمرها قال: "نعم"، فأتاها فقالت: الله أفي رسول الله تستأمرني، إني أبتغي أن أحشر مع أزواجه، ارجع إليه فقل له نعم قبل أن يبدو له، "فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنها قد كبرت" في حديث ابن عباس، وكان قد قيل له، وقد ولى سلمة، أن ضباعة ليست كما عهدت قد كثرت غضون وجهها وسقطت أسنانها من فيها، "فلما عاد ابنها وقد أذنت له" وأخبره سلمة بما قالت، "سكت

ص: 456

عنها صلى الله عليه وسلم فلم ينكحها.

السابعة: أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عرضت عليه صلى الله عليه وسلم فقال:"هي ابنة أخي من الرضاعة".

الثامنة: عزة بنت أبي سفيان، عرضتها أختها أم حبيبة عليه صلى الله عليه وسلم فقال:"إنها لا تحل لي" لمكان أختها أم حبيبة تحت النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل: تزوج عليه الصلاة والسلام الجندعية -بضم الجيم وسكون النون وضم

عنها صلى الله عليه وسلم فلم ينكحها" رضي الله عنها.

"السابعة: أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب" في اسمها سبعة أقوال أمامة، وعمارة، وسلمى، وعائشة، وفاطمة، وأمة الله، ويعلى، وكنيتها أم الفضل، حكاها في التوشيح "عرضت عليه صلى الله عليه وسلم فقال:"هي ابنة أخي من الرضاعة" روى الشيخان، واللفظ لمسلم عن ابن عباس: أن علي بن أبي طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تتزوج ابن حمزة، قال:"إنها ابنة أخي من الرضاعة"، ولسعيد بن منصور فإنها من أحسن فتاة في قريش، قال العلماء: ولعل عليا لم يكن علم أن حمزة رضيعة صلى الله عليه وسلم أو جوز الخصوصية.

"الثامنة: عزة" بفتح المهملة، والزاي المشددة، وهاء تأنيث "بنت أبي سفيان" صخر بن حرب، سميت عزة في رواية مسلم والنسائي، وصوبه أبو موسى المديني، وقال ابن عبد البر: إنه الأشهر، وفي رواية للحميدي، وأبي موسى المديني درة، بضم المهملة، وشد الراء، قال الحافظ: ولعل أحد الاسمين كان لقبا لها، والمحفوظ أن درة بنت أبي سلمة، وفي رواية الطبراني تسمية بنت أبي سفيان حمنة، وجزم به المنذري، "عرضتها أختها أم حبيبة عليه صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنها لا تحل لي".

روى الشيخان: أن أم حبيبة قالت: قلت يا رسول الله انكح اختي، زاد مسلم عزة بنت أبي سفيان فقال:"أوتحبين ذلك"، فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن ذلك لا يحل لي"، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجرة ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن، فقوله:"لمكان أختها أم حبيبة تحت النبي صلى الله عليه وسلم" تعليل من المصنف، لقوله:"لا تحل لي"، أي لما فيه من الجمع بين الأختين، لا من لفظ النبوة، كما ظنه من تعسف توجيه كونه لم يقل تحتي.

وقد أفاد حديث الصحيح: أن أم حبيبة ظنت أن ذلك من خصائصه بدليل إيرادها ربيبته، "وقيل تزوج عليه الصلاة والسلام الجندعية، بضم الجيم، وسكون النون، وضم

ص: 457