الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على ثقيف، قال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين.
كثير من البدع المحدثة والفوائد المنتحلة، كتاب حفل، جمع فيه علما غزيرا يتعين الوقوف عليه، "ولما قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف قال: "اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين" ذكره ابن سعد ومر أنه قاله: لما قالوا له: أحرقتنا نبال ثقيف، وتحرفت ائت من الإتيان بلفظ اهد بهم على من قال لعله قاله في وقت آخر، والذي قاله في الشامية كغيرها ائت، وهو الذي في الترمذي، وتقدم أنه دعا حين ركب:"اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم"، وقد استجاب له ربه، فأتى بهم مسلمين في رمضان سنة تسع، كما يأتي في الوفود إن شاء الله تعالى.
[نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار] :
وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يجمع السبي، والغنائم مما أفاء الله على رسوله يوم حنين، فجمع ذلك كله إلى الجعرانة،
نبذة من قسم الغنائم وعتب الأنصار:
"وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر" وهو بحنين "أن يجمع السبي والغنائم مما أفاء الله على رسوله،" قال الحافظ: "أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم "يوم حنين" وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيأ؛ لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيأً؛ لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طار عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من مال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم، فكأن رجع إليهم بعدما كان لهم انتهى، "فجمع ذلك كله" وأحضر "إلى الجعرانة"، ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل.
وروى أحمد، وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبادة، وابن إسحاق عن ابن عمر: أخذ صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين أصبعه، ثم قال:"يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله في الدنيا والآخرة"، فجاء أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما حقي منها".
وفي رواية: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك"، فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر فيها ذلك، فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده، وروى عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عقيل بن أبي طالب دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطخ دما، فقال:
فكان بها إلى أن انصرف عليه الصلاة والسلام من الطائف.
وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة ألاف أوقية فضة.
واستأنى صلى الله عليه وسلم -أي انتظر وتربص- بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها.
دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل، فأخذها، فألقاها في الغنائم "فكان بها إلى أن انصرف" بها "عليه الصلاة والسلام من الطائف"، وعليها مسعود بن عمر والغفاري عند ابن إسحاق، أو بديل بن ورقاء الخزاعي عند البلاذري، كما مر.
وروى الطبراني عن بديل: أمر صلى الله عليه وسلم أن نحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم، فحبست "وكان" كما قال ابن سعد وتبعه اليعمري، السبي ستة آلاف رأس" من النساء والأطفال.
روى عبد الرزاق عن ابن المسيب: سبى صلى الله عليه وسلم يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام "والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، الغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة"، وإطلاق السبي على الإبل والغنم، والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانت معهم أيضا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره أن دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ونعار الشاء وخوار البقر، إما لقلتهما بالنسبة لما ذكر، أو؛ لأنه لم يتحرر عدتهما لابن سعد، "واستأنى" بفوقية مفتوحة فهمزة، ساكنة "صلى الله عليه وسلم" أي انتظر،" أي أخر قسم الغنيمة، "وتربص بهوازن أن يقدموا عليه هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"معي من ترون، وقد استأنينا بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي فاختاروا إما السبي وإما المال"، فاختاروا السبي، فكلم صلى الله عليه وسلم في رد سبيهم عليهم، فردوه كلهم إلا عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا كبيرة.
قال: هذه أم الحي لعلهم أن يغلوا فداءها، ثم ردها بست قلائص، فيما ذكره ابن إسحاق.
وذكر الواقدي ورواه البيهقي عن الإمام الشافعي: أنه ردها بلا شيء فالله أعلم، أي ذلك كان وذكر الواقدي وابن سعد: أنه صلى الله عليه وسلم كسا كل واحد من السبي قبطية، وقال ابن عقبة: كساهم ثياب المعقد، بضم الميم، وفتح العين، وشد القاف ضرب من برود هجر، وتأتي أن
وفي البخاري: وطفق صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة من الإبل
شاء الله تعالى قصتهم في الوفود.
قال ابن القيم ما ملخصه: لما منع الله تعالى الجيش غنائم مكة، وكانوا كثيرا، وفيهم حاجة حرك الله تعالى قلوب هوازن لحربهم، وقذف في قلب قائدهم مالك بن عوف إخراج أموالهم، ونسائهم وذراريهم معهم نزلا وكرامة، وضيافة لحزب الله وجنده، وتمم تقديره بأن أطعمهم في الظفر وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولو لم يقذف الله ذلك في قلبه لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه ردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، وقيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا نسائكم ولا ذراريكم، فأوحى الله إلى قلوبهم التوبة، فجاءوا مسلمين فقيل: من شكر إسلامكم، أي يرد عليكم سبيكم، {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70] .
"وفي البخاري" ومسلم عن أنس قال ناس من الأنصار: حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن "وطفق صلى الله عليه وسلم" يعطي رجالا" نحو العشرين ستعلمهم "المائة من الإبل"، زاد في رواية ولم يعط الأنصار شيئا، وفي أخرى قسم في الناس على المؤلفة قلوبهم، قال الحافظ: والمراد بهم ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا ليتمكن الإسلام في قلوبهم، وكان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان. ا. هـ.
وقد سردهم ابن الجوزي في التلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح، والبرهان في النور وهو أحسنهم سياقا، وأكثرهم عددا، فزادوا على الخمسين، وعند كل ما ليس عند الآخر وهم أبي بضم الهمزة، وشد التحتية، وهو الأخنس بن شريق أحيحة بمهملتين مصغرا ابن أمية أسيد بفتح فكسر ابن جارية بجيم وتحتية الثقفي أعطاه مائة، الأقرع بن حابس التميمي أعطاه مائة، جبير بن مطعم الجد بن قيس السهمي أورده في التلقيح الحارث بن الحارث أعطاه مائة، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، ثم وعظه فأخذ المائة الأولى فقط، حكيم بن طليق حويطب بن عبد العزى أعطاه مائة، خالد بن أسيد بفتح فكسر خالد بن هوزة العامري خلف بن هشام، قال الصغاني، قال في النور: ولا أعرفه في الصحابةن ولم يذكره في التجريد قلت: لا في الإصابة وعد في العيون رقيم بن ثابت، وكأنه وهم؛ لأنه استشهد إما بحنين أو الطائف وكلاهما قبل القسم، زهير بن أسيد زيد الخيل عزاه الحافظ لتلقيح ابن الجوزي
..................................................
قال الشامي: ولم أجده في نسختين قلت: سقط من النسختين معا، والحافظ ثقة لا يجازف في النقل السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ سعيد بن يربوع أعطاه خمسين، سفيان بن عبد الأسد المخزومي سهيل بن عمرو أعطاه مائة، أخوه سهل شيبة بن عثمان صخر بن حرب أبو سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة صفوان بن أمية أعطاه مائة، وفي البخاري ومسلم عنه: ما زال صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله تعالى شيئا أحب إلي منه، وفي مسلم أعطاه مائة من النعم ثم مائة.
قال الواقدي: يقال: إن صفوان طاف معه صلى الله عليه وسلم يتصفح الغنائم إذا مر بشعب مملوءا إبلا وغنما، فأعجبه وجعل ينظر إليه فقال صلى الله عليه وسلم:"أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب"، قال: نعم، قال:"هو لك بما فيه" فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي طليق بن سفيان العباس بن مرداس أعطاه دون مائة، فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد
…
بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس
…
يفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرا
…
فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهم
…
ومن تضع اليو لا يرفع
فأتم له المائة.
رواه مسلم وغيره عبد الرحمن بن يعقوب الثقفي عثمان بن وهب المخزومي أعطاه خمسين، عدي بن قيس السهمي أعطاه خمسين، عكرمة بن عامر العبدري عكرمة بن أبي جهل، قال ابن التيم علقمة بن علاثة بضم المهملة وخفة اللام، ومثلثة عمرو بن الأهتم بفوقية عمرو بن بعكك بموحدة، فمهملة، فكافين وزن جعفر، وهو أبو السنابل جمع سنبلة.
عمرو بن مرداس أخو عباس عمير بالتصغير ابن ودقة، بفتح الواو والدال المهملة عمير بن وهب أعطاه خمسين، العلاء بن جارية، بجيم وتحتية الثقفي أعطاه خمسين عند الواقدي، وقال ابن إسحاق: مائة عيينة بن حصن الفزاري، مائة قيس بن عدي السهمي، مائة ذكره ابن إسحاق والواقدي وقال بعضهم: صوابه عدي بن قيس، وقال الحافظ: لا أدري أهما وأحد أم اثنان.
قال الشامي: والظاهر اثنان لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة كعب بن الأخنس نقله البرهان عن بعض شيوخه، وقال: لا أعرفه أنا، ولا ذكرته في كتاب التجريد قلت: ولا الإصابة لبيد بن ربيعة العامري مالك بن عوف النصري رئيس هوازن أعطاه مائة، مخرمة بن نوفل الزهري أعطاه خمسين، مطيع بن الأسود القرشي معاوية بن
فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!
أبي سفيان أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، أبو سفيان بن الحارث الهاشمي النضير، بمعجمة مصغرا ابن الحارث أعطاه مائة، نوفل بن معاوية الكناني هشام بن عمرو العامري خمسين، هشام بن الوليد المخزومي يزيد بن أبي سفيان الأموي أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية، أبو الجهم بن حذيفة بن غنم العدوي فهؤلاء سبع وخمسون نفسا.
قال الحافظ: وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف نظر، وقد قيل أنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة، "فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول صلى الله عليه وسلم" قالوه توطئة وتمهيدا لما بعده من العتاب، كقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، وفي رواية: والله إن هذا لهو العجب "يعطي قريشا، ويتركنا وسيفونا تقطر من دمائهم،" حال مقررة لجهة الأشكال، أي ودماؤهم تقطر من سيوفنا فهو من القلب كقوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
…
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
هكذا مشاه غير واحد، قال البدر العيني: ويجوز أنه على الأصل والمعنى أن سيوفنا من كثرة ما أصابها من دمائهم تقطر. ا. هـ.
وفي رواية وغنائمها ترد علينا والله إن هذا لهو العجب إذا كانت شديدة، فنحن ندعى وتعطي الغنيمة لغيرنا، ووددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإن كان من الله صبرنا، وإن كان من رأيه صلى الله عليه وسلم استعتبناه.
وفي حديث أبي سعيد عند أحمد بن إسحاق، فقال رجل من الأنصار: لقد كنت أحدثكم أنه لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم غيركم، فردوا عليه ردا عنيفا، وقال حسان يعاتبه في ذلك:
زاد الهموم فماء العين منحدر
…
سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شاء بهكنة
…
هيفاء لا نتن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها
…
نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول وقل: يا خير مؤتمن
…
للمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهي ما برحت
…
تأت قدام هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا لنصرتهم
…
دين الهدى وجحيم الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واعترضوا
…
للنائبات وما خاروا وما ضجروا
والناس ألب علينا فيك ليس لنا
…
إلا السيوف وأطراف القناوزر
نجالد الناس لا نبقي على أحد
…
ولا نضيع ما توحي به السور
قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ثم قال لهم: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال
ولا تهر جنات الحرب نادينا
…
ونحن حين تلظى نارها سعر
كما وردنا ببدر دون ما طلبوا
…
أهل النفاق ففينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النصف من أحد
…
إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا وما خبنا وما خبروا
…
منا عثارا وكل الناس قد عثروا
أورده ابن إسحاق وغيره، "قال أنس: فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم".
روى الإمام أحمد وابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري: أن الذي حدثه سعد بن عبادة، ولفظه لما أطى صلى الله عليه وسلم من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت المقالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال:"فأين أنت من ذلك يا سعد" قال: ما أنا إلا من قومي، قال الحافظ: وهذا يعكر عليه رواية الصحيح، ففيها أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا فإن سعدا من رؤسائهم بلا ريب، إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر، وإن المخاطب سعد، ولم يرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل ذلك في اللفظ، وإن رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه.
وفي مغازي التيمي أن سبب حزنهم، أنهم خافوا أن يكون صلى الله عليه وسلم يريد الإقامة بمكة، وما في الصحيح أصح على أنه لا يمنع الجمع وهو أولى، واختلف في أن العطاء من الغنيمة وهو المعتمد، وظاهر الروايات الماضية، وهو المخصوص بهذه الواقعة، وقد ذكر السبب في رواية البخاري حيث قال:"إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أخبرهم، وأتألفهم أو من الخمس"، ورجحه القرطبي في المفهم، واختاره أبو عبيدة، وجزم له الواقدي، لكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل: إنما تصرف في الغنيمة؛ لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يراجعوا حتى هزم الكفار، فرد الله أمر الغنيمة لنبيه، وهذا معنى القول الأول أنه خاص بهذه الوقعة، ا. هـ ملخصا "فأرسل إلى الأنصار" سعد بن عبادة، ففي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق وأحمد قال صلى الله عليه وسلم:"فاجمع لي قومك" فخرج "فجمعهم في قبة" خيمة "من آدم"، بفتح الهمزة المقصورة، والدال جلد مدبوغ، قال في رواية البخاري: ولم يدع معهم، غيرهم فلما اجتمعوا قام صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما حديث بلغني عنكم" فقال فقهاء الأنصار: أما فقهاؤنا، فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم"، ثم قال لهم:"تلو هذا "أما" بخفة الميم "ترضون أن يذهب الناس بالأموال"، وفي رواية: "ألا ترضون أن
وتذهبون بالنبي إلى رجالكم؟! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوأ: يا رسول الله قد رضينا".
"يذهب الناس بالشاة والبعير " وتذهبون بالنبي إلى رحالكم " " بالمهملة، أي بيوتكم، وفي رواية:"أولا ترضون أن يذهب الناس بالغنائم إلى بلدانهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم"؟، "فوالله لما" بفتح لام التأكيد، أي للذي "تنقلبون" ترجعون "به خير مما ينقلبون به" فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية، ومن ثم "قالوا: يا رسول الله قد رضينا".
وذكر الواقدي أنه حين دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا وبقية حديث الصحيح، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"ستجدون إثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض".
وفي حديث أنس عند الشيخين: أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم، فقال:"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا، فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن، قال:"ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا".
وفي حديث أبي سعيد عند أبن إسحاق وأحمد من طريقه: "أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتهم وصدقتهم أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك".
وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أنس بلفظ آخر، فلا تقولون: جئتنا خائفا فآمناك، وطريدا فآويناك ومخذولا فنصرناك، قالوا: بل المن علينا لله ورسوله، وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وإنصافا، وإلا فالحجة البالغة والمنة الطاهرة في جميع ذلك له عليهم، فلولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وفي هذا إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة، وتنبيه الكبير الصغير على ما غفل عنه، وإيضاح وجه شبهته ليرجع إلى الحق وحسن أدب الأنصار، ومناقب عظيمة لهم لثناء الرسول البالغ عليهم، والمعاتبة واستعطاف المعاتب وإغنائه عن عتبه إقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار بالاعتراف.
قال ابن القيم ما حاصله: اقتضت حكمة الله أن الغنائم لما حصلت قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه، لما بقي فيه من طبع البشر من حب المال فقسم فيهم لتجتمع قلوبهم على محبته؛ لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قسم فيهم لقصر عليهم بخلاف قسمه.
وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه الناس مقفلة من حنين، علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه.
على المؤلفة؛ لأنه فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسيهم، فيكون سببا لإسلامهم، ولتقوية قلب من دخل فيه قبل، فتبعهم من دونهم في الدخول، فكان فيه مصلحة عظيمة، ولذا لم يقسم من أموال مكة عند فتحها شيء مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه انتهى، ووكل أولئك إلى قوة إيمانهم، كما قال صلى الله عليه وسلم، لمن قال له: أعطيت عيينة والأقرع، وتركت جعيل بن سراقة، فقال:"أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفها ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه".
أخرجه ابن إسحاق رواية يونس، وقد روى البخاري عن سعد مرفوعا:"إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه" وروي أيضا عن عمرو بن ثعلب مرفوعا: "إني لأعطى أقواما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب"، قال عمرو: فما أحب أن لي بها حمر النعم، "و" في البخاري، أيضا في الجهاد وفرض الخمس "عن جبير بن مطعم" بن عدي القرشي النوفلي":"بينما" بالميم أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه" أي والحال أن معه "الناس مقفله".
قال الحافظ: بفتح الميم وسكون القاف، وفتح الفاء واللام: يعني زمان رجوعه "من حنين" وتبعه المصنف، فالهاء للضمير في مقفله عائد على المصطفى لا تاء تأنيث، كما ظنه من ضبطه، بضم الميم وسكون القاف، وكسر الفاء؛ لأنه خلاف الرواية.
وفي رواية الخمس بدل مقفلة مقفلان، بالنصب على الحال، "علقت" بفتح العين، وكسر الخفيفة، بعدها قاف لزمت "برسول الله صلى الله عليه وسلم" الأعرب" رواية أبي ذر ولغيره، فعلق الناس ولأبي ذر عن الكشميهني فطفقت الناس الأعراب يسألونه أن يعطيهم من الغنيمة، وعند ابن إسحاق رواية يونس من حديث ابن عمر يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيأنا "حتى اضطروه" ألجأوه "إلى سمرة".
قال الحافظ: بفتح المهملة وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب، قاله ابن التين، وقال الداودي هي العضاه، وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكنف، ويقال: هي شجر الطلح، "فخطفت" بكسر الطاء الشجرة "رداءة"، أي علق شوكها به فجبذه، فهو مجاز أو المراد خطفته الأعراب.
قاله المصنف: وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمرو بن شيبة حتى عدلوا ناحية عن
فوقف صلى الله عليه وسلم: فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا"، ورواه مسلم.
الطريق، فمر بسمرات فانتهشن ظهره، وانتزعن رداءه، "فوقف صلى الله عليه وسلم" وقال:"أعطوني" بهمزة قطع "ردائي"، أي خلصوه من السمرة، وناولوه لي.
وفي حديث ابن عمر عند ابن إسحاق: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي""فلو كان لي عدد هذه العضاه" بكسر المهملة، وفتح المعجمة الخفيفة آخره هاء وصلا، ووقفا قال القزاز: شجر الشوك كالطلح، والعوسج والسدر، قيل: واحدة عضة بفتحتين، والأصل عضهة فحذفت الهاء، وقيل: واحدة عضاهة، وفي حديث ابن عمر:"فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة "نعما" بفتح النون والعين نصب على التمييز، والخبر لي أو على الخبر، والاسم عدد ولأبي ذر نعم بالرفع اسم كان، ونصب عدد خبر مقدم "لقسمته بينكم".
زاد أبو ذر في نسخة عليكم، "ثم لا تجدوني"، بنون واحدة، ولأبي ذر بنونين "بخيلا، ولا كذوبا ولا جبانا"، أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي دل عليها الثلاثة؛ لأن كذوبا من صيغ المبالغة، وجبانا صفة مشبهة، وبخيلا يحتمل الأمرين.
قال ابن المنير: وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين هذه الصفات لطيفة؛ لأنها متلازمة، وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه، فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد؛ لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، وقوله:"لو كان لي مثل هذه العضاة" تنبيه بطريق الأولى؛ لأنه إذا سمح بمال نفسه، فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال ثم هنا بعدما تقدم ذكره ليس مخالفا لمقتضاها، وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم، إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف، كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتعارف أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم، كعطاء البخيل ونحو ذلك. ا. هـ.
"ورواه مسلم" أيضا وعبد الرزاق، ويقع في نسخ رواه بلا واو، وهي خطأ لإبهامها انفراده به عن البخاري مع أنه رواه في محلين كما علمت وفيه ذم الخصال المذكورة، وأن الإمام لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من الحلم وحسن الخلق، وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وجواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف، ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون من الفخر المذموم، ورضا السائل للحق بالوعد إذ
وذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال.
قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاثة عشر ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة ودخل مكة.
وفي تاريخ الأزرقي عند مجاهد أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من وراء الوادي، حيث الحجارة المنصوبة.
تحقق من الواعد التنجيز، وأن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب، وإن شاء قبل ذلك.
"وذكر محمد بن سعد": بن منيع، الثقة الحافظ، المشهور بأنه "كاتب الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، المدني الحافظ، المتروك مع سعة علمه، "عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، نزل الجعرانة، فقسم بها الغنائم".
قال أهل المغازي: أمر صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحضار الناس والغنائم، ثم فضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربعة من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثني عشر من الإبل ومائة وعشرين شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له، قالوا: ولما جمعت الغنائم بين يديه صلى الله عليه وسلم جاءه أبو سفيان بن حربش قال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا، فتبسم صلى الله عليه وسلم، "ثم اعتمر منها"، أي الجعرانة، "وذلك لليلتين بقيتا من شوال، قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلًا، وأحرم بعمرة ودخل مكة، فطاف وسعى، وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته، فكأنه كان بائتا بها، "وفي تاريخ" مكة للإمام "اأزرقي" نسبة إلى جده الأزرق، إذ هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عتبة بن الأزرق بن عمرو الغساني، وجده الأدني أحمد من شيوخ البخاري.
"عن مجاهد" مرسلا "أنه صلى الله عليه وسلم" أحرم من وراء الوادي حيث" ظرف مكان "الحجارة المنصوبة.