المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(6) - (1504) - باب المداومة على العمل - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢٦

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ‌(6) - (1504) - باب المداومة على العمل

(6) - (1504) - بَابُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ

(27)

- 4180 - (1) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم؛ مَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ،

===

(6)

- (1504) - (باب المداومة على العمل)

(27)

- 4180 - (1)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي الحافظ. روى عن: أبي إسحاق السبيعي، ويروي عنه: ابنا أبي شيبة، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (179 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (129 هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه:(ع).

(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قالت) أم سلمة: (والذي) أي: أقسمت لكم بالإله الذي (ذهب) وقبض (بنفسه) وروحه صلى الله عليه وسلم؛ ما مات) وتوفي (حتى كان أكثر صلاته) حاصلًا (وهو) أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم (جالس) لكبر سنه.

ص: 79

وَكَانَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا.

(28)

-4181 - (2) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ،

===

والجملة الاسمية حال من المضاف إليه الذي هو ضمير (صلاته) سدت مسد الخبر المحذوف وجوبًا؛ لنيابة الجملة الحالية عنه.

(وكان أحب الأعمال إليه) أي: عنده صلى الله عليه وسلم.

قوله: (أحب الأعمال) بالنصب على أنه خبر (كان) مقدم على اسمه الذي هو قوله: (العمل الصالح الذي يدوم) ويواظب (عليه العبد، وإن كان) ذلك العمل (يسيرًا) أي: قليلًا، سواء كان ذلك صلاة أو غيرها.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب قيام الليل، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل.

وقد تقدم هذا الحديث للمؤلف في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في صلاة النافلة قاعدًا رقم (342)، حديث رقم (1198).

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف لحديث أم سلمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(28)

- 4181 - (2)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (201 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 80

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"مَنْ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَهْ؛ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ؛ لَا يَمَلُّ اللهُ

===

(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (94 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(ع).

(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قالت) عائشة: (كانت عندي امرأة) من المسلمات، وتلك المرأة التي كانت عند عائشة اسمُها: الحَوْلَاءُ بنتُ تُويَتٍ - مصغرًا - ابنِ حبيب بن أسَدِ بنِ عبد العُزَّى (فدخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم في حجرتي (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم: (من هذه) المرأة الجالسة عندك؟ فـ (قلت) له صلى الله عليه وسلم: هي (فلانة) حولاء بنت تويت التي الا تنام) ليلًا، تصلي طوله، حالة كون عائشة (تذكر) وتخبر النبي صلى الله عليه وسلم (من) كثرة (صلاتها) أي: تعني عائشة بقولها: (لا تنام) أي: من أجل كثرة صلاتها في الليل (فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (مه) أي: اسكتي عما تخبريني من كثرة صلاتها (عليكم) أي: الزموا من العمل (بما تطيقون) وتقدرون الدوام عليه، ولا تكلفوا أنفسكم بما لا تطيقون الدوام عليه، فتفعلونه أحيانًا، وتتركونه أحيانًا (فوالله) فأقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لا يمل الله) أي: لا يترك الله عز وجل إثابتكم

ص: 81

حَتَّى تَمَلُّوا"، قَالَتْ: وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.

===

على الأعمال الصالحة، ولا يقطع أجوركم عليها (حتى تملوا) وتقطعوها وتتركوا الإتيان بها؛ لأن الله سبحانه عز وجل لا يظلم مثقال ذرة.

(قالت) عائشة: (وكان أحب الدين) والعمل الصالح (إليه) أي: عنده صلى الله عليه وسلم أو عند الله سبحانه هو العمل (الذي يدوم عليه صاحبه).

أو المعنى: قالت عائشة: (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكان أحب الدين) والعمل؛ أي: أحبه وأكثره أجرًا، وأدومه ثوابًا (إليه) تعالى؛ أي: عنده تعالى .. هو العمل (الذي يدوم) ويواظب (عليه صاحبه) أي: عامله.

قال المناوي: إطلاق الملال على الله تعالى من باب المشاكلة؛ كما في قوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} (1)، وهذا باب واسع في اللغة العربية، كثير في القرآن.

قوله: "عليكم بما تطيقون" أي: بما تطيقون الدوام عليه، لا ما تفعلون أحيانًا وتتركونه أحيانًا، فلا يرد أن ما فوق الطاقة لا يحصل ولا يَتأتى من العبد، فأَيُّ فائد؛ في النهي عنه. انتهى "سندي".

ومفهوم الحديث يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة؛ ومفهومه يقتضي النهي عن التكلف بما لا يطاق.

قوله: "فوالله" فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير من محذور، قاله الحافظ.

(1) سورة المائدة: (116).

ص: 82

(29)

- 4182 - (3) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ،

===

قوله: "لا يمل الله" - بفتح الميم - أي: لا يقطع الإقبال بالإحسان عنكم "حتى تملوا" في عبادته.

(أحب الدين إليه) أي: أحب أعمال الدين.

وفي هذا الحديث: الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان كذلك؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الله سبحانه عز وجل.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب أمر مَنْ نعَسَ؛ أي: سكت في صلاته، أو استعجم عليه القرآن، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، بابُ أحبِّ الدين إلى الله عز وجل، وأحمد في "المسند".

فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم سلمة بحديث حنظلة الأُسَيِّدِيِّ رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(29)

- 4182 - (3)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين) الكوفي، واسم دكين: عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الأحول، أبو نعيم الملائي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة ومئتين (218 هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري. يروي عنه:(ع).

ص: 83

عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيِّدِيِّ

===

(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (161 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن) سعيد بن إياس (الجريري) - بضم الجيم مصغرًا - أبي مسعود البصري، ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومئة (144 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي عثمان) النهدي عبد الرحمن بن ملٍّ - بتشديد اللام مع تثليث الميم - ابن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نهد النهدي الكوفي، ثم البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفد إليه ولم يلقه، ثقة مخضرم مشهور بكنيته، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (95 هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).

(عن حنظلة الكاتب) ابن الربيع بن صَيْفِي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة - (التميمي الأسيدي) يعرف بـ (حنظلة الكاتب) الصحابي الفاضل الكوفي، نزل الكوفة، ومات بعد علي رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه:(م ت س ق).

وفي رواية مسلم: (وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كاتب؛ نظير طالب وطُلَّاب، وعاذل وعُذَّال؛ أي: كان من الكاتبين له بالوحي.

قوله (الأُسَيِّدِيِّ) - بضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة - نسبة إلى أسيد؛ بطن من بني تميم أبي ربعي الكاتب الكوفي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، له ثمانية أحاديث، انفرد له (م) بحديث واحد، وهو هذا.

ص: 84

قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ الْعَيْن، فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنَّا فِيه، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: نَافَقْتُ نَافَقْتُ،

===

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) حنظلة: (كنا) معاشر الصحابة (عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكَّرنا) رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من التذكير؛ أي: وعظنا بذكر نعيم (الجنة و) ذكر شدة عذاب (النار حتى) تَلِينَ قلُوبُنَا بوعظه لنا بذكرهما، وكُنَّا (كأنَّا) نراهما (رَأْيَ العين) أي: رؤية حقيقية لا شك فيها.

قال القرطبي: الذي قرأتُه وقيدتُه (رَأْيَ عيني) بالنصب على المصدرية؛ كأنه قال: (حتى كانا نراهما رَأْيَ العَينِ).

وقال القاضي: ضبطناه بالضم؛ أي: (حتى كأن رؤيتَنا إياهما رأيُ العين) أي: رؤية بعين حقيقة.

قال حنظلة: (فقمت) من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا (إلى أهلي) وزوجتي (و) إلى (ولدي) أي: أولادي (فـ) لما وصلت إلى أهلي وولدي .. (ضحكت) مع زوجتي (ولعبت) مع أولادي (قال) حنظلة: (فذكرت) بقلبي الحال (الذي كنا فيه) أي: كنا عليه ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من لِينِ قُلوبِنا بوعظه (فخرجت) من عند أهلي وولدي (فلقيت أبا بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه (فقلت) لأبي بكر: (نافقت نافقت) يا أبا بكر، كرره؛ للتأكيد؛ أي: صرت منافقًا يخالف ظاهره باطنه، وهذا منه إنكار على نفسه؛ لما وجد منها في حال خَلْوَتِها خلافَ ما يَظْهَرُ منها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق، وأراد مِنْ نفسه أن يَسْتَدِيم تلك الحالةَ التي كان يجدها عند موعظة النبي صلى الله

ص: 85

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لَنَفْعَلُهُ، فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"يَا حَنْظَلَةُ؛ لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي .. لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ، يَا حَنْظَلَةُ؛ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ".

===

عليه وسلم، ولا يشتغل عنها بشيء من شواغل الدنيا. انتهى من "المفهم".

(فقال أبو بكر) لحنظلة: (إِنَّا) معاشر الصحابة كنا (لنفعله) أي: لنفعل ما ذكرته من المضاحكة والملاعبة مع الأهل والأولاد إذا رجعنا إلى بيتنا (فذهب حنظلة) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فذكره) أي: ذكر ما يفعله إذا رجع إلى بيته من المضاحكة والملاعبة مع الأهل والأولاد (للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال) له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا حنظلة؛ لو كنتم كما تكونون عندي) أي: على الحالة التي تكونون عليها عندما كنتم عندي من الإقبال إلى الله سبحانه قَلْبًا وقَالَبًا .. (لصافحتكم الملائكة) حالة كونكم مضطجعين (على فرشكم، أو) قال - شكٌّ من الراوي أو مِمَّنْ دونه -: (على طرقكم) أي: حالة كونكم ماشين في طرقكم؛ أي: لصافحت الملائكة بأيديهم أيديكم، والحال أنكم مضطجعون على فرشكم، وماشون في طرقكم، وفي جميع أحوالكم، ولكن (يا حنظلة) اجعل (ساعة) من أوقاتك (لربك) أي: لذكر ربك (و) اجعل (ساعة) لراحة نفسك.

يعني: أنك تستحضر الجنة والنار وتذكر ربك ساعةً، وتشتغل بحوائجك ساعة أخرى، وهذا لا محظور فيه شرعًا ما لم يرتكب محظورًا من محظورات الشرع.

وقوله: "لصافحتكم الملائكة

" إلى آخره؛ يعني: كنتم حينئذ أفضل من الملائكة؛ لاستدامة الذكر، بالرغم من دواعي النسيان؛ فإن الملائكة وإن كانوا يداومون الذكر، لكنهم بمعزل عن دواعي الغفلة والنسيان.

ص: 86

(30)

- 4183 - (4) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ،

===

وذكر القرطبي رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خلق الإنسان متوسطًا بين الملائكة والشياطين؛ فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والشياطين في شر وإغواء لا يألون في ذلك، أما الإنسان .. فجعله متلونًا؛ فله ساعات يذكر فيه ربه، وساعات يقضي فيها حوائجه، وإلى هذا أشار صاحب الشرع بقوله: "ولكن يا حنظلة

" إلى آخره.

ودل هذا الحديث على أن كيفية الاستحضار الدائم والاستغراق في ذكر الله تعالى وإن كانت محمودة، ولكنها غير مقصودة، والمطلوب أن يباشر الإنسان أعمالًا صالحة، ويجتنب عن الحرام.

ودل الحديث أيضًا على أن الالتفات إلى حوائج الإنسان في معاشه ليس من النفاق، بل لو توجه إليه بنية أداء الحقوق، وتنشيط النفس للأعمال الصالحة صار هذا الالتفات داخلًا في ذكر الله تعالى، ولهذا قالوا: كل مطيع لله فهو ذاكر. انتهى من "الكوكب".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر، والترمذي في صفة القيامة، باب رقم (20).

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أم سلمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(30)

- 4183 - (4)(حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة

ص: 87

حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإنْ قَلَّ".

===

تسع وثلاثين ومئتين (239 هـ). يروي عنه: (ق). ذكره ابن حبان في "الثقات".

(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب أعدل من غيرهما، مات سنة أربع وسبعين ومئة (174 هـ). يروي عنه:(م د ت ق).

(حدثنا عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (117 هـ). يروي عنه:(ع).

قال: (سمعت أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن لهيعة، ولكن الحديث صحيح؛ لأنه من المتفق عليه.

(يقول) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(اكلفوا من العمل) - بفتح اللام - من كلف - بكسر اللام - من باب فرح؛ أي: تحملوا من العمل الصالح (ما تطيقون) أي: ما تقدرون الدوام والثبات عليه. انتهى "سندي".

(فإن خير العمل) أي: أكثره أجرًا عند الله تعالى وثوابًا (أدومه) أي: ما داوم عليه صاحبه وواظب (وإن قل) ذلك العمل المداوم عليه؛ لأن تارك

ص: 88

(31)

- 4184 - (5) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ،

===

العمل بعد الشروع والابتداء كالمعرض بعد الوصل، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.

والمراد بالمداومة عليه: العرفية؛ وإلا فحقيقة الدوام: شمول جميع الأزمنة؛ وهو غير مقدور عليه. انتهى من "المبارق".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره عن عائشة.

وهذا الحديث: ضعيف السند؛ لأن فيه ابن لهيعة؛ وهو متفق على ضعفه، صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا في "الصحيحين" وفي "أبي داوود"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أم سلمة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(31)

- 4184 - (5)(حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (237 هـ). يروي عنه:(ق).

(حدثنا يعقوب بن عبد الله) بن سعد (الأشعري) أبو الحسن القُمِّيُّ - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (174 هـ). يروي عنه:(عم).

(عن عيسى بن جارية) - بالجيم - الأنصاري المدني فيه لين، من الرابعة.

ص: 89

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ، فَأَتَى نَاحِيَةَ مَكَّةَ فَمَكَثَ مَلِيًّا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصَلِّي عَلَى حَالِه، فَقَامَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ - ثَلَاثًا - فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا".

===

يروي عنه: (ق)، قال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو مختلف فيه.

(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يعقوب بن عبد الله، وهو مختلف فيه، وفيه عيسى بن جارية، وهو مختلف فيه أيضًا.

(قال) جابر: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل) من المسلمين (يصلي) ذلك الرجل (على صخرة) أي: حجر كبير (فأتى) النبي صلى الله عليه وسلم وجاء بعدما خرج (ناحية مكة) لقضاء حاجته؛ أي: جانبها من خارجها (فمكث) النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الناحية (مليًّا) أي: طويلًا (ثم انصرف) النبي صلى الله عليه وسلم ورجع من تلك الناحية إلى مكة، فمر على تلك الصخرة (فوجد) صلى الله عليه وسلم ذلك (الرجل يصلي على حاله) قائمًا من غير جلوس (فقام) النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك الرجل (فجمع) النبي صلى الله عليه وسلم (يديه) أي: يدي الرجل، فقال له: استرح (ثم) بعدما أجلس الرجل (قال) لمن عنده: (يا أيها الناس؛ عليكم بالقصد) أي: الزموا بالعمل الوسط بين القليل والكثير قال هذا الكلام وكرره (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات (فإن الله لا يمل) أي: لا يقطع أجور أعمالكم الصالحة ولا يترك إثابتكم عليها (حتى تملوا) وتقطعوا أعمالكم وتتركوها؛ بسبب الكسل عنها، الناشئ ذلك الكسل عن إكثارها.

ص: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قال السندي: والقصد: هو الوسط المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرَفَي التفريط والإفراط. انتهى "سندي" أي: عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل.

قوله: "فإن الله لا يمل حتى تملوا" معناه: أن الله لا يَملُّ أبدًا؛ أَملَلْتُم أو لا، فهو نحو قولهم:(حتى يَشِيبَ الغراب) و (يَبْيَضَّ القار).

وقيل: إن الله لا يطرحكم حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين مللًا، وليسا به.

وقيل: معناه: لا يقطع عنكم إحسانه حتى تملُّوا سؤالَه، فهي من باب المشاكلة.

قال الكرماني: وهما، أي: الفعلان - بفتح الميم - كما مر؛ والملال: ترك شيء استثقالًا له بعد حرص.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث عائشة المذكور في "الصحيحين" مرفوعًا:"اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا".

فدرجته: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:

الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 91