المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب القراض 734 - عن صهيب رضي الله عنه أن النبي - البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن - جـ ٦

[الحسين بن محمد المغربي]

الفصل: ‌ ‌باب القراض 734 - عن صهيب رضي الله عنه أن النبي

‌باب القراض

734 -

عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث فيهن البركة؛ البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع".

رواه ابن ماجة (1) بإسناد ضعيف.

وأخرجه ابن عساكر (2) عن صالح بن صهيب عن أبيه.

إنما كان البركة في الثلاث؛ لما في البيع إلى أجل من المساهلة والمسامحة، والمقارضة لما في ذلك من انتفاع الناس بعضهم ببعف، وخلط البر بالشعير إذا كان قوتًا، وأما إذا كان للبيع فلا؛ فإنه لا يؤمن من الغرر والغش، فإنه قد يظن المشتري أن فيه مثلًا النصف من البر، ولا يصدق الظن.

والمقارضة المراد بها القراض، والقراض هو معاملة العامل بنصيب من الربح، وهي في لغة أهل الحجاز تسمى قراضًا، وتسمى مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، لما كان تحصيل الربح في الأغلب بالسفر، أو مأخوذة من الضرب في المال وهو التصرف فيه والتقلب.

735 -

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنَّه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالًا مقارضة: ألا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل؛ فإن فعلت شيثًا من ذلك فقد ضمنت مالي. رواه الدارقطني (3) ورجاله ثقات، وقال مالك في "الموطأ" (4): عن العلاء بن

(1) ابن ماجة، كتاب التجارات، باب الشركة والمضاربة ح 2289.

(2)

تاريخ دمشق 21/ 263.

(3)

الدارقطني، كتاب البيوع 3/ 63 ح 242.

(4)

الموطأ، كتاب القراض، باب ما جاء في القراض 2/ 688 ح 2.

ص: 349

عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده، أنَّه عمل في مال لعثمان على أن الربح بينهما. وهو موقوف صحيح.

حديث حكيم أخرجه البيهقي (1) أيضًا بإسناد قوي.

الحديث فيه وفيما قبله دلالة على اعتبار المقارضة وشرعيتها، وقد روي عن علي رضي الله عنه فيما أخرجه عبد الرزاق (2) عنه أنَّه قال في المضاربة: الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه. وأخرج الشافعي (3) في كتاب اختلاف العراقيين عن ابن مسعود أنَّه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة"(4). وروى البيهقي (5) عن العباس بسند ضعيف، والطبراني (6) في "الأوسط" عن ابن عباس قال: كان العباس إذا دفع مالًا مضاربة. فذكر القصة، وفيه أنَّه رفع الشرط إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه. وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن عقبة عن يونس بن أرقم عن أبي الجارود عن حبيب بن يسار عن ابن عباس. وأخرج البيهقي (7) عن جابر بلفظ أنَّه سئل عن ذلك فقال: لا بأس بذلك. وفي إسناده ابن لهيعة. فهذا الوارد فيه آثار من الصحابة وهو في حكم المجمع عليه لاشتهاره بين الصحابة من غير نكير. وقال ابن حزم في "مراتب

(1) البيهقي 6/ 111.

(2)

عبد الرزاق 8/ 248 ح 15087.

(3)

ينظر الأم 7/ 108.

(4)

المعرفة 4/ 499 ح 3703.

(5)

البيهقي 6/ 111.

(6)

الأوسط 1/ 231 ح 760.

(7)

البيهقي 6/ 111.

ص: 350

الإجماع" (1): كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة حاشا القِراض فما وجدنا له أصلًا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع به أنَّه كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز. وقال في "نهاية المجتهد وغاية المقتصد" (2)، ومثله في "البحر" أنَّه لا خلاف بين المسلمين في جواز القِراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وهي نوع من الإجارة إلا أنَّه عفي فيها جهالة الأجرة، وكانت الرخصة في ذلك لموضع الرفق بالناس، ولها أركان وشروط، فأركانها العقد بالإيجاب أو ما في حكمه، والقبول أو ما في حكمه، وهو الامتثال بين جائزي التصرف، إلا من مسلم لكافر، على مال نقد عند الجمهور، خلافًا لابن أبي ليلى، فجوز ذلك في العروض، وظاهره أنَّه يجوز أن يقارض الغير على أن يبيع له الثوب ويكون الربح بينهما، ويكون هذا من باب القراض، وإن كان كلامه يحتمل أنَّه يأمر العامل ببيع ذلك العرض ويكون ثمنه رأس مال القراض، وهذا أجازه أيضًا الهدوية.

ولها أحكام مجمع عليها؛ فمنها أن الجهالة مغتفرة فيها، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعدّ، وأنها تصح بالدراهم والدنانير المضروبة، واختلفوا في غير المضروب، واختلفت الرواية عن مالك؛ فروى أشهب المنع مطلقًا، وروى ابن القاسم الجواز إلا في المصوغ، والمانع شبَّهها بالعروض، والمجوز شبهها بالنقد والفلوس، منع ذلك فيها الهدوية وابن (أ) القاسم من المالكية، وأجازه أشهب ومحمد بن الحسن

(أ) زاد في النسخ: أبي. والمثبت من بداية المجتهد 7/ 494.

_________

(1)

مراتب الإجماع ص 91، 92.

(2)

ينظر بداية المجتهد 7/ 493.

ص: 351

الشيباني، وأما إذا كان رأس المال دينًا على العامل فالجمهور على منعه، واختلفوا في العلة، فعند مالك لتجويز إعسار العامل بالدين فيكون تأخيره عنه لأجل الربح، فيكون من الربا المنهي عنه، وعند أبي حنيفة والشافعي لأن ما في الذمة لا يتحول عن الضمان ويصير أمانة، وعند الهدوية العلة أن ما في الذمة ليس بحاضر حقيقة، فلم يتعين كونه مال المضاربة، ومن شرط المضاربة أن تكون على مال من صاحب المال، واتفقوا أيضًا على أنَّه إذا شرط أحدهما من الربح لنفسه شيئًا زائدًا معينًا، أنَّه لا يجوز ويلغو.

وفي اشتراط حكيم بن حزام ما ذكر دلالة على أنَّه يجوز للمالك للمال أن يحجر العامل عما شاء، فإن خالف ضمن إذا تلف المال، وإن سلم المال فالمضاربة باقية -إذا كان رجع إلى الحفظ، وأما إذا كان الاشتراط لا يرجع إلى الحفظ بل كان يرجع إلى التجارة وذلك بأن ينهاه ألا يشتري نوعًا معينًا أو لا يبيع من فلان، فإنه يصير فضوليًّا إذا خالف، فإن أجاز المالك نفذ البيع، وإن لم يجز لم ينفذ البيع، والله أعلم.

اشتمل الباب على ثلاثة أحاديث.

ص: 352